الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث التاسع والعشرون: المعانى الراسيات شرح حديث إنى معلمك كلمات
* نص الحديث:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رضى الله عنهما- أَنَّهُ رَكِبَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
" يَا غُلامُ، إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ:
احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ "
* تخريج الحديث:
أخرجه أحمد (2669)، والترمذي (2516) في كتاب صفة القيامة، باب " 59 "، والحاكم (6303)، و قال الترمذي: حسن صحيح.
وقال ابن رجب: " وبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة ".
(1)
*منزلة هذا الحديث:
ولعظم هذا الحديث فقد أفرده الأئمة بالشرح والتصنيف، كما هو فعل الحافظ ابن رجب، فقد أفرده بالكلام على رواياته ومعانيه برسالة سمَّاها:" نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس "، وكذلك فقد ذكره النووي في " الأربعين حديثاً ".
(1)
جامع العلوم والحكم ص/174). وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، إلا أن الشيخين رضي الله عنهما لم يخرجا شهاب بن خراش، ولا القداح في الصحيحين، وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا " ا. هـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الحديث معروف مشهور. (قاعدة جليلة (ص/55))، وصححه عبدالحق الإشبيلي في الأحكام الصغرى (3/ 333) والألباني في ظلال الجنة (1/ 138).
قال ابن رجب:
وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين، حتى قال ابن الجوزى:
تدبرت هذا الحديث، فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث، وقلة التفهم لمعناه ".
(1)
* أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
1 -
الفائدة الأولى: قوله: " صلى الله عليه وسلم:
" احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ ":
قال النووي:
احفظ أوامره وامتثلها، وانته عن نواهيه، يحفظك في تقلباتك، وفي دنياك، وآخرتك، قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (97)) (النحل: 97)
فكل ما يحصل للعبد من البلاء والمصائب، فسببه الرئيس إنما تضييعه لأوامر الله تعالى؛ قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30].
(2)
* وهذه جملة متضمنة لأمر وإخبار:
أما الأول: فهو الأمر:
وهو أمرٌ للعبد أن يقوم بحق الله -تعالى - عليه، وحفظ العبد لأمر الله - تعالى - على نوعين:
أ) حفظ أمر الله القدري:
وذلك بالصبر على الأقدار، فهذه من علامات صدق الإيمان، فعَنْ صُهَيْبٍ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
" عَجِبْتُ مِنْ أَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا "
(3)
، فجعل الصبر على القدر لا يحصل إلا للمؤمن.
ب) حفظ أمر الله الشرعى:
وذلك بالقيام بحق الشرع، بامتثال الأوامر واجتناب
(1)
جامع العلوم والحكم (1/ 462)
(2)
شرح الأربعين للنووي (ص/63)
(3)
أخرجه مسلم (2999)
النواهى.
كما قال تعالى (َالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74)) (الأنفال /74)،
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)) (المؤمنون/61)
* والذى يتنبه لدلالات ألفاظ القرآن والسنة يجد أنها قد حثت في أبواب الآخرة على الجد والسعى والمبادرة والمسارعة، وأما فى أمور الدنيا فقد جاء الأمر بالتمهّل والإجمال.
*فمن أدلة المبادرة والمسارعة في أمور الآخرة:
قوله تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)(البقرة: 148)
وقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)(آل عمران: 133)
وفى حديث أبي هريرة-رضى الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا" ".
(1)
فالحديث فيه الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذّرها، والاشتغال عنها بما سيقع من الفتن الشاغلة المتراكمة كتراكم قطع الليل المظلم.
وفي حديث أبي سعيد الخدري -رضى الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى في أصحابه تأخراً عن الحضور للمسجد قال لهم:
" لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله "
(2)
* وأما في أمور الدنيا فقد أمر الله - تعالى- فيها بالتؤدة:
فقد قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)) (الملك/15)
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" "أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي
(1)
أخرجه مسلم (118)
(2)
أخرجه مسلم (438)
الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ" ".
(1)
وفى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رضى الله عنه- قَالَ:
كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:" لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ ".
(2)
*
*وأما الثانى: فهو الإخبار:
فقد وردت البشارة لكل عبد قائم بأمر الله -تعالى- إذعاناً وامتثالاً، مسارعة وإقداماً، بشارة بحفظ الله -عزوجل- له في أصلين:
1 -
الأول:
حفظ الله -تعالى- لعباده من مضلات الفتن في دينهم، فيحفظ عليه دينهم حتى يتوفاهم عَلَى الإسلام.
2 -
الثانى:
حفظ الله - تعالى- لعباده من مضايق المحن في دنياهم.
وأما الأصل الأول:
فيدل عليه قوله تعالى (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99)) (النحل/99)، وقوله تعالى عن يوسف عليه السلام {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]
قال ابن رجب:
فمن أخلص لله-تعالى- خلَّصه الله -تعالى- من السوء والفحشاء، وعصمه منهما من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أبواب المعاصي المهلكة.
(3)
كذلك ما جاء بيانه فى حديث الولاية.
وهو ما رواه أَبو هُرَيْرَة -رضى الله عنه- قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللَّهَ قَالَ:
مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ،
(1)
أخرجه الحاكم (2135) والبيهقى (10185)، قال الذهبي:"على شرط مسلم "، وانظر صحيح الجامع (2085)، والإجمال: هو الطلب بقصد واعتدال، مع عدم انشغال القلب.
(2)
أخرجه الترمذي (2345) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(3)
نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس (ص/56)
وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ.
(1)
*وأما الأصل الثانى:
والذى هو النجاة من محن الدنيا ومضايقها، ومن كل أذى فله موارد كثيرة، قال تعالى (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)(الرعد/11)
قال ابن عباس رضى الله عنهما:
والمعقبات من الله هم الملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله تعالى: خلوا عنه.
(2)
قال ابن كثير:
للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات.
(3)
وفى حديث أبى هريرة -رضى الله عنه- لما قَالَ له الشيطان:
إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
«صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ»
(4)
قال ابن رجب:
ومن حفظ الله للعبد: أن يحفظه في صحة بدنه وقوته وعقله وماله، وقد تأول بعضهم على ذلك قوله تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (التين: 5 - 6)
وكان أبو الطيب الطبري قد جاوز المائة سنة وهو متمتع بعقله وقوته، فوثب
يوماً من سفينة كان فيها إلى الأرض وثبة شديدة، فعوتب على ذلك، فقال:
هذه جوارح حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر.
وقال محمد بن المنكدر:
إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها والدويرات التي حولها فما يزالون في حفظ من الله وستر.
(5)
وقال تعالى: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ)[الأنبياء: 42]
قال ابن كثير:
أي بدل الرحمن، يمتنُّ سبحانه وتعالى بنعمته على عبيده وحفظه
(1)
أخرجه البخاري (6502)، وقد تم شرح هذا الحديث ضمن سلسلة " الأربعون العقدية "، بعنوان "ضوء الثريا شرح حديث من عادى لي ولياً "
(2)
جامع البيان عن تأويل آي القرآن (16/ 371)
(3)
تفسير القرآن العظيم (4/ 437)
(4)
أخرجه البخاري (3275)
(5)
وانظر روائع التفسير (1/ 575) و نورالاقتباس في مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم -لابن عباس (ص/51)