المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(ذكر أول ما خلق الله سبحانه وتعالى - الأنس الجليل - جـ ١

[مجير الدين العليمي]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة التحقيق]

- ‌(ذكر أول مَا خلق الله سبحانه وتعالى

- ‌(خلق الله السَّمَاوَات وسكانها وَصفَة الْمَلَائِكَة وَخلق الشَّمْس وَالْقَمَر)

- ‌((ذكر شِرَاء المغارة))

- ‌(ذكر فضل سيدنَا الْخَلِيل عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفضل زيارته)

- ‌(فصل فِي حكم السُّور السُّلَيْمَانِي)

- ‌(ذكر إِسْحَاق عليه السلام

- ‌(ذكر سيدنَا مُوسَى الكليم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم)

- ‌(قصَّة القبطي)

- ‌(قصَّة أَرض مَدين)

- ‌(قصَّة النّيل)

- ‌(ذكر قصَّة الرُّؤْيَة)

- ‌(طلسم الْحَيَّات)

- ‌(فَقَالَت وأوتينا الْعلم)

- ‌(نزُول الْمَائِدَة)

- ‌(ذكر عمَارَة بَيت الْمُقَدّس الشريف الْمرة الثَّالِثَة)

- ‌(ذكر سيد الْأَوَّلين والآخرين وَخَاتم الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ)

- ‌(ذكر بِنَاء الْمَسْجِد الشريف النَّبَوِيّ)

- ‌(حج أَبى بكر الصّديق رضي الله عنه بِالنَّاسِ)

- ‌(ذكر بِنَاء عبد الْملك بن مَرْوَان لقبه الصَّخْرَة الشَّرِيفَة)

- ‌(فتح الناصرة وصفورية)

- ‌(فتح تبين)

- ‌(فتح جبيل)

- ‌(فتح بَيت الْمُقَدّس)

- ‌(ذكر يَوْم الْفَتْح)

- ‌(فتح حصن دريساك)

- ‌(ذكر نسَاء الإفرنج)

- ‌(ذكر الْكَبْش وحريقه)

- ‌(نوبَة رَأس المَاء)

- ‌(وُصُول ملك الانكثير)

- ‌(وقْعَة الكمين)

- ‌(وُصُول الإبرنس صَاحب إنطاكية)

- ‌(وَفَاة الْخَلِيفَة النَّاصِر الَّذِي فتح الْقُدس فِي أَيَّامه)

الفصل: ‌(ذكر أول ما خلق الله سبحانه وتعالى

‌(ذكر أول مَا خلق الله سبحانه وتعالى

قَالَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أول مَا خلق الله تَعَالَى اللَّوْح الْمَحْفُوظ فحفظه بِمَا كتب الله فِيهِ مِمَّا كَانَ وَيكون لَا يعلم مَا فِيهِ إِلَّا الله عز وجل وَهُوَ من درة بَيْضَاء دفتاه ياقوتتان حمراوان وَهُوَ فِي عظم لَا يُوصف وَخلق الله قَلما من جَوْهَرَة طولهَا مسيرَة خَمْسمِائَة عَام مشقوق السن يَنْبع مِنْهُ النُّور كَمَا يَنْبع من أَقْلَام أهل الدُّنْيَا المداد ثمَّ نُودي الْقَلَم أَن اكْتُبْ فاضطرب من هول النداء حَتَّى صَار لَهُ تَرْجِيع كترجيع الرَّعْد ثمَّ جرى فِي اللَّوْح بِمَا هُوَ كَائِن وَمَا هُوَ فَاعله فِي الْوَقْت الَّذِي يَفْعَله إِلَيّ يَوْم الْقِيَامَة فَامْتَلَأَ اللَّوْح وجف الْقَلَم سعد من سعد وشقي من شقي وَخلق الله المَاء ثمَّ خلق الله من بعد ذَلِك درة بَيْضَاء فِي عظم السَّمَاوَات وَالْأَرضين ثمَّ نادها الرب سبحانه وتعالى فاضطربت وذابت من هول النداء حَتَّى صَارَت مَاء يموج بَعْضهَا فِي بعض ثمَّ نُودي أَن أسكن فاستقر وَهُوَ مَاء صافي لَا كدر فِيهِ وَلَا موج وَلَا زبد (خلق الْعَرْش والكرسي وَالرِّيح) ثمَّ خلق الله تَعَالَى الْعَرْش والكرسي من جوهرتين عظيمتين وَوَضعهمَا على تيار المَاء قَالَ الله تَعَالَى (وَكَانَ عَرْشه على المَاء) قَالَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما كل صانع بني الأساس فَإِذا تمّ يتَّخذ عَلَيْهِ السّقف وَإِن الله تَعَالَى خلق السّقف أَولا ثمَّ خلق الأساس لِأَنَّهُ خلق الْعَرْش قبل السَّمَاوَات وَالْأَرضين ثمَّ خلق الله الرّيح وَجعل لَهَا أَجْنِحَة لَا يعلم كثرتها إِلَّا الله وأمرها أَن تحْتَمل هَذَا المَاء وَكَانَ الْعَرْش على المَاء وَالْمَاء على الرّيح ثمَّ خلق الله حَملَة الْعَرْش وهم الْيَوْم أَرْبَعَة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أمدهم الله بأَرْبعَة أخر فَذَلِك قَوْله

ص: 31

مُقَيّدا مغلولا وَالْقُوَّة فِي النَّار فَكَانَت عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا وَلما أَرَادوا إلقاءه فِي النَّار أَتَاهُ خَازِن الْمِيَاه وَقَالَ يَا ابر أهيم أَن أردْت أَن اخمد لَك النَّار أخمدتها فَقَالَ لَا ثمَّ أَتَاهُ خَازِن الرِّيَاح وَقَالَ لَهُ ان شِئْت طيرت لَك النَّار فِي الْهَوَاء فَقَالَ إِبْرَاهِيم عليه السلام لَا حَاجَة لي بكم حسبي الله وَنعم الْوَكِيل وَلما القي فِي النَّار كَانَ ابْن سِتَّة عشر سنة وَقد مدحه الله فِي كِتَابه الْعَزِيز بقوله تَعَالَى (وَإِذا ابتلى إِبْرَاهِيم ربه بِكَلِمَات فأتمهن) والكلمات الَّتِي ابتلاه الله بهَا من اجل شرائع الْإِسْلَام واعز مَا امتحن بِهِ أهل الْإِيمَان وَلذَلِك مدحه الله تَعَالَى بقوله (وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وفى) وَمعنى النوفية هُوَ الْإِتْمَام لما طلب بِهِ فِي دينه وَمَاله وَنَفسه وَولده فَأَتمَّ الْجَمِيع على الْوَجْه الْمَطْلُوب وَلما صنع لَهُ نمروذ المنجنيق وألقاه فِي النَّار ظهر تَحْقِيق الِابْتِلَاء وَصدق الْوَلَاء وَذَلِكَ انه لما نزل بِهِ من عدوه مَا نزل وَوضع فِي المنجنيق استغاثت الْمَلَائِكَة قائلة يَا رب هَذَا خَلِيلك قد نزل بِهِ من عَدوك مَا أَنْت اعْلَم بِهِ فَقَالَ الله تَعَالَى لجبريل اذْهَبْ إِلَيْهِ فان اسْتَغَاثَ بك فأغثه وَإِلَّا فاتركني وخليلي فتعرض لَهُ جِبْرِيل وَهُوَ يقذف بِهِ فِي لجة الْهَوَاء الى النَّار وَقَالَ لَهُ هَل لَك من حَاجَة فَقَالَ أما إِلَيْك فَلَا وَأما الى الله فبلي قَالَ جِبْرِيل فسل رَبك فَقَالَ إِبْرَاهِيم حسبي من سُؤَالِي علمه بحالي وَلم يستعن بِغَيْر الله وَلَا جنحت همته لما سوى الله تَعَالَى بل استسلم لحكمه مكتفياً بتدبيره عَن تَدْبِير نَفسه فاثنى الله تَعَالَى عَلَيْهِ بقوله (وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وفى) فَقَالَ الله تَعَالَى للنار كوني بردا وَسلَامًا على إِبْرَاهِيم ونجاه من النَّار قَالَ كَعْب الاحبار رضي الله عنه فَجعل كل شي يُطْفِئ عَنهُ النَّار إِلَّا الوزغ فانه كَانَ ينْفخ فِي النَّار قَالَ الثَّعْلَبِيّ رَضِي الله فَلذَلِك أَمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم بقتلها وسماها فويسقة وَعَن عَليّ رضي الله عنه انه قَالَ أَن البغال كَانَت تتناسل وَكَانَت

ص: 31

تَعَالَى (وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة) وهم فِي عظم لَا يوصفون ثمَّ خلق الله حول الْعَرْش حَيَّة محدقة بِهِ رَأسهَا من درة بَيْضَاء وجسدها من ذهب وعيناها قوتتان لَا يعلم عظم تِلْكَ الْحَيَّة إِلَّا الله تَعَالَى فالعرش عرش العظمة والكبرياء الْكُرْسِيّ كرْسِي الْجلَال أَو الْبَهَاء لِأَن الله تَعَالَى لَا حَاجَة لَهُ إِلَيْهِمَا فقد كَانَ قبل تكوينهما لَا على مَكَان (خلق الْأَرْضين وَالْجِبَال والبحار) لما أَرَادَ الله خلق الْأَرْضين أَمر الرّيح أَن تضرب المَاء بعضه فِي بعض فَلَمَّا اضْطربَ ازبدا وَارْتَفَعت أمواجه وَعلا بخاره فَأمر الله الزّبد أَن يجمد فَصَارَ يَابسا فَهُوَ الأَرْض فدحاها على وَجه المَاء فِي يَوْمَيْنِ فَذَلِك قَوْله تَعَالَى (قل أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ) ثمَّ أَمر تِلْكَ الأمواج فسكنت فَهِيَ الْجبَال فَجَعلهَا عماد الأَرْض وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى (وَجَعَلنَا فِي الأَرْض رواسي أَن تميد بكم فلولاها لماجت الأَرْض بِأَهْلِهَا) وعروق هَذِه الْجبَال مُتَّصِلَة بعروق جبل قَاف وَهُوَ الْجَبَل الْمُحِيط بِالْأَرْضِ ثمَّ خلق الله تَعَالَى سَبْعَة أبحر فأولها مُحِيط بِالْأَرْضِ وَرَاء جبل قَاف وكل بَحر مِنْهَا مُحِيط بالبحر الَّذِي تقدمه وَأما هَذِه الْبحار الَّتِي على وَجه الأَرْض فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة الخليج لَهَا وَفِي تِلْكَ الْبحار من الْخَلَائق وَالدَّوَاب مَا لَا يعلم عدد إِلَّا الله تَعَالَى وَخلق الله تَعَالَى هَذِه الْبحار وَمَا فِيهَا من الدَّوَابّ فِي الْيَوْم الثَّالِث ثمَّ خلق الله تَعَالَى أرزاقها وقدرها فِي الْيَوْم الرَّابِع وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى (وَجعل فِيهَا رواسي من فَوْقهَا وَبَارك فِيهَا وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء للسائلين) وَهِي سبع أَرضين كل أَرض تلِي الْأُخْرَى وَكَانَت الأَرْض تموج بِأَهْلِهَا كالسفينة تذْهب وتجيء لِأَنَّهُ لم يكن لَهَا قَرَار فأهبط الله ملكا ذَا بهاء عَظِيم وَقُوَّة وَأمره الله أَن يدْخل تحتهَا فيحملها على مَنْكِبه فَأخْرج الله لَهُ يدا فِي الْمشرق ويداً فِي الْمغرب فَقبض على أَطْرَاف الأَرْض وأمسكها

ص: 32

الدَّوَابّ فِي نقل الْحَطب لنار إِبْرَاهِيم فَدَعَا عَلَيْهَا إِبْرَاهِيم فَقطع الله نسلها وَقَالَ بعض الْعلمَاء لَو لم يقل الله سُبْحَانَهُ " وَسلَامًا " لأهلكه بردهَا انه لم يبْق فِي ذَلِك الْوَقْت نَار تشتعل بمشارق الأَرْض وَلَا بمغاربها إِلَّا خمدت إِنَّهَا المعنية بالخطب وَكَانَ إِبْرَاهِيم حِين وضع فِي المنجنيق وَرمي بِهِ جردت عَنهُ ثِيَابه وَلم يتْرك روى السَّرَاوِيل فقصد بعض السُّفَهَاء ان ينْزع السَّرَاوِيل عَنهُ فشلت يَدَاهُ وَكَانَ بقيود فَتَلقاهُ جِبْرِيل عليه السلام وَلم يضرّهُ ألم الْهوى فَلَمَّا اسْتَقر عَليّ الأَرْض إِذْ ذَاك جمر احمر تتلهب وتتوقد فَلم يُؤثر فِيهِ شي من حَرَارَتهَا وَظهر للناظرين الأَرْض الَّتِي سقط عَلَيْهَا مخضرة مونقة وجليسه جليس صَالح حسن الْوَجْه كأحسن مَا رَآهُ رَاء ثمَّ ألبسهُ قَمِيصًا من ثِيَاب الْجنَّة وَفك قَيده وآنسه جليسه رَبك يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول لَك أما علمت إِن النَّار لَا تضر أحبابي؟ لخليل عليه السلام حسبي الله وَنعم الْوَكِيل وَكَانَ عليه السلام أول من جرد ثِيَابه فِي سَبِيل الله تَعَالَى فَلذَلِك كَسَاه الله الْمحل قَمِيصًا من الْجنَّة وادخر لَهُ كسْوَة يكتسي بهَا أول الْخلق يَوْم الْقِيَامَة لَك وَهُوَ بمشهد من الْخلق ينظرُونَ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ قومه وَقد أكْرمه الله بِمَا بِهِ آمن بِاللَّه جمع كثير فِي السِّرّ خوفًا من نمروذ وَخرج إِبْرَاهِيم من مَكَانَهُ وَهُوَ يمشي وفارقه جِبْرِيل عليه السلام فَأقبل نَحْو فَأرْسل إِلَيْهِ نمروذ يسْأَله عَن كسوته وَعَن رَفِيقه فَقَالَ لَهُ انه ملك أرْسلهُ فِي وقص عَلَيْهِ قصَّته فَقَالَ لَهُ نمروذ ان إلهك الَّذِي تعبده لَا لَهُ عَظِيم مقرب قربانا إِلَيْهِ وَذَلِكَ لما رَأَيْت من عوته وَقدرته فِيمَا صنع بك حِين أَبيت عِبَادَته فَقرب أَرْبَعَة آلَاف بقرة ثمَّ احترم إِبْرَاهِيم بعد ذَلِك وكف عَنهُ وَقد عذب الله النمرود بإرسال البعوض عَلَيْهِ وعَلى حَاشِيَته وجيوشه فَأكلت وَلم وشربت دِمَاءَهُمْ وتركتهم عظاماً وَدخلت وَاحِدَة مِنْهَا فِي منخر الْملك نمروذ

ص: 32

ثمَّ لم يكن لقدميه قَرَار فخلق الله لَهُ صَخْرَة مُرْتَفعَة من ياقوتة خضراء وأمرها حَتَّى دخلت تَحت قدمي الْملك فاستقرت أَقْدَام الْملك عَلَيْهَا ثمَّ لم يكن للصخرة قَرَار فخلق الله للصخرة ثوراً عَظِيما صفته لَا يُحِيط بهَا إِلَّا الله تَعَالَى لعظمها وامره أَن يدْخل تحتهَا فحملها على ظَهره وَقيل على قرونه ثمَّ لم يكن للثور قَرَار فخلق الله لَهُ حوتاً عَظِيما لَا يقدر أحد أَن ينظر إِلَيْهِ لعظمه ولبروق عَيْنَيْهِ وَأمره الله تَعَالَى أَن يصير تَحت قَوَائِم الثور وَاسم هَذَا الْحُوت بهموت ثمَّ جعل قراره على المَاء وَتَحْت المَاء والهواء الظلمَة والأرضون كلهَا على مَنْكِبي الْملك وَالْملك على الصَّخْرَة والصخرة على الثور والثور على الْحُوت والحوت على المَاء وَالْمَاء على الْهَوَاء والهواء على الظلمَة ثمَّ انْقَطع علم الْخَلَائق بِمَا تَحت الظلمَة (الْعقل) ثمَّ خلق الله تَعَالَى الْعقل فَقَالَ لَهُ أقبل فَأقبل ثمَّ قَالَ لَهُ أدبر فَأَدْبَرَ ثمَّ قَالَ لَهُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خلقت خلقا أحب إِلَيّ مِنْك بك آخذ وَبِك أعطي وَعَلَيْك أنيب وَبِك أعاقب وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ الْعَاقِل هُوَ الصَّادِق الطَّوِيل صمته الَّذِي يسلم النَّاس من شَره فَإِن الله تَعَالَى يدْخلهُ الْجنَّة وَإِن الله تَعَالَى ليعاقب الْعَاقِل يَوْم الْقِيَامَة بِمَا لَا يُعَاقب بِهِ الْجَاهِل وَإِن الْجَاهِل هُوَ الْكَاذِب بِلِسَانِهِ الخائض فِيمَا لَا يعنيه وَإِن كَانَ قَارِئًا أوكاتباً ثمَّ قَالَ مَا تزين العَبْد بزينة أحسن من الْعقل وَمَا من شَيْء أقبح من الْجَهْل فالعقل مَا يحصل بِهِ التَّمْيِيز وَهُوَ بعض الْعُلُوم الضرورية وَهُوَ غريزة نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد رضي الله عنه وَالْمَشْهُور عَنهُ إِنَّه فِي الدِّمَاغ وفَاقا للحنفية وَعند أَصْحَاب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ والأطباء أَن مَحَله الْقلب وَله اتِّصَال بالدماغ قَالَ أَصْحَاب أَحْمد الْعقل يخْتَلف فعقل بعض النَّاس أَكثر

ص: 33

فَلَبثت فِي منخرة أَرْبَعمِائَة سنة عذب الله تَعَالَى فَكَانَ رَأسه بالمرازب فِي تِلْكَ الْمدَّة كلهَا حَتَّى أهلكه الله تَعَالَى بهَا وسلط الله على مَدِينَة كوثا الزلازل حَتَّى خربَتْ قَالَ الثَّعْلَبِيّ رضي الله عنه لما حَاجَة إِبْرَاهِيم فِي قَالَ نمْرُود إِن كَانَ مَا تَقوله حَقًا فَلَا انتهي حَتَّى اعْلَم مَا فِي السَّمَاوَات فَبنِي صرحاً عظيماًَ بِبَابِل ورام الصعُود مِنْهُ الى السَّمَاء لينْظر الى إِلَه إِبْرَاهِيم عليه السلام وَاخْتلف فِي طول الصرح فِي السَّمَاء فَقيل خَمْسَة آلَاف ذِرَاع وَقيل فرسخان ثمَّ عمد الى أَرْبَعَة أفراخ من النسور فأطعمها اللَّحْم وَالْخبْز حَتَّى كَبرت ثمَّ قعد فِي تَابُوت وَمَعَهُ غُلَام لَهُ قد حمل الْقوس والنشاب مَعَه وَجعل لذَلِك التابوت بَابا من أَعْلَاهُ وباباً من أَسْفَله ثمَّ ربط التابوت بأرجل النسور وغلق اللَّحْم عَليّ عصى فَوق التابوت ثمَّ خلى عَن النسور فطارت النسور طَمَعا فِي اللَّحْم حَتَّى أبعدت فِي الْهَوَاء وحالت الرّيح بَينهَا وَبَين الطيران فَقَالَ لغلامه افْتَحْ الْبَاب الْأَعْلَى فَانْظُر ففتحه فَإِذا السَّمَاء كهيئتها وَفتح الْبَاب الْأَسْفَل فَإِذا الأَرْض سَوْدَاء مظْلمَة وَنُودِيَ أَيهَا الطاغي أَيْن تُرِيدُ فَعِنْدَ ذَلِك أَمر غُلَامه فَرمى سَهْما فَعَاد السهْم إِلَيْهِ وَهُوَ ملطخ بِالدَّمِ فَقَالَ كفيت شَرّ اله السَّمَاء وَاخْتلف فِي ذَلِك السهْم بِأَيّ شي تلطخ فَقيل سَمَكَة فِي السَّمَاء من بَحر مُعَلّق فِي الْهَوَاء وَقيل أصَاب طيرا من الطُّيُور فتلطخ بدمه ثمَّ أَمر نمْرُود غُلَامه إِن يصوب العصي وينكس اللَّحْم فَفعل ذَلِك فَهَبَطت النسور بالتابوت فَسمِعت الْجبَال خفقان هبوط التابوت والنسور فَفَزِعت وظنت انه قد حدث فِي السَّمَاء حَادث أَو إِن السَّاعَة قد قَامَت فَذَلِك قَوْله تَعَالَى (وان كَانَ مَكْرهمْ لتزول مِنْهُ الْجبَال) ثمَّ أرسل الله تَعَالَى على صرح نمروذ ريحًا فَأَلْقَت رَأسه فِي الْبَحْر وانكفأت بُيُوتهم وَأخذت نمروذ الرجفة وتبلبلت ألسن النَّاس حِين سقط الصرح من الْفَزع فتكلموا بِثَلَاث وَسبعين لِسَانا فَلذَلِك سميت بابل لتبلبل الْأَلْسِنَة بهَا

ص: 33