الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ذكر بِنَاء عبد الْملك بن مَرْوَان لقبه الصَّخْرَة الشَّرِيفَة)
وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف وَمَا وَقع فِي ذَلِك لما توفّي أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه وعهد بالخلافة إِلَى النَّفر الَّذين مَاتَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ عَنْهُم راضوهم عُثْمَان وَعلي وطلح وَالزُّبَيْر وَسعد وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف رضي الله عنهم وَشرط أَن يكون ابْنه عبد الله شَرِيكا فِي الرَّأْي وَلَا يكون لَهُ حَظّ فِي الْخلَافَة بُويِعَ بعده بالخلافة أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله وَاسْتقر فِيهَا لثلاث مَضَت من الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين من الْهِجْرَة وَاسْتمرّ إِلَى أَن اسْتشْهد فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لثماني عشر لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة وَكَانَت خِلَافَته اثْنَتَيْ عشرَة سنة إِلَّا اثْنَي عشر يَوْمًا وفضائله ومناقبه مَشْهُورَة ثمَّ اسْتَقر بعده فِي الْخلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه وبويع لَهُ بِالْخِلَافِ فِي يَوْم الْجُمُعَة لخمس بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة وَوَقع بَينه وَبَين مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان مَا هُوَ مَشْهُور مِمَّا لَيْسَ فِي ذكره فَائِدَة وَالسُّكُوت عَنهُ أولى وَاسْتمرّ إِلَيّ أَن اسْتشْهد بِالْكُوفَةِ وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْأَحَد تَاسِع عشر رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة وَكَانَت خِلَافَته أَربع سِنِين وَتِسْعَة أشهر ثمَّ اسْتَقر بعده فِي الْخلَافَة وَلَده الْحسن رضي الله عنه بُويِعَ لَهُ يَوْم وَفَاة وَالِده وَاسْتمرّ فِي الْخلَافَة نَحْو سِتَّة أشهر وَهِي تَمام ثَلَاثِينَ لوفاة رَسُول الله (ص) وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِنَّه قَالَ الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ يعود ملكا عَضُوضًا وَكَانَ آخر ولَايَة الْحسن تَمام ثَلَاثِينَ سنّ وَسلم الْأَمر لمعاوية فاستقر فِي الْخلاف فِي شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة
وَاسْتمرّ فِي الْخلَافَة نَحْو عشْرين سنة إِلَى أَن توفّي بِدِمَشْق فِي النّصْف من رَجَب سنة سِتِّينَ من الْهِجْرَة وَكَانَ يلقب بالناصر لحق الله تَعَالَى فَلَمَّا توفّي اسْتَقر بعده فِي الْخلَافَة وَلَده يزِيد ولقب نَفسه بالمنتصر عل أهل الزيغ وَكَانَ قد بُويِعَ لَهُ بالخلافة قبل وَفَاة أَبِيه ثمَّ جددت لَهُ الْبيعَة بعد وَفَاته فأساء السِّيرَة وجار على الرّعية وتجاهر بِالْمَعَاصِي فَلَمَّا اشْتهر جوره كثر ظلمه وَقتل ل الرَّسُول صلى الله عليه وسلم اجْتمع أهل الْمَدِينَة على إِخْرَاج عَامله عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي سُفْيَان ومروان بن الحكم وَسَائِر بني أُميَّة وَذَلِكَ بِإِشَارَة عبد الله بن الزبير فَلَمَّا بلغ ذَلِك يزِيد بن مُعَاوِيَة سير الجيوش إِلَى أهل الْمَدِينَة وجهز عَلَيْهِم مُسلم ابْن عقبَة الْمُزنِيّ فانتهب الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَقتل أَهلهَا ثمَّ قصد مَكَّة فَمَاتَ قبل وُصُوله إِلَيْهَا واستخلف على الْجَيْش الْحصين بن نمير فَأتى مَكَّة وحاصر ابْن الزبير أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَنصب المناجيق وَهدم الْكَعْبَة الشَّرِيفَة واحرقها وَكَانَ ذَلِك قبل موت يزِيد بِأحد عشر يَوْمًا فَأهْلك الله يزِيد وَمَات وَكَانَ مَوته بحوارين من عمل حمص لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته ثَلَاث سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَكَانَت سيرته أقبح السّير وَلَو لم يكن مِنْهَا إِلَّا قتل الْحُسَيْن فِي أَيَّامه وَمَا وَقع مِنْهُ فِي حق ذُرِّيَّة النَّبِي صلى الله عليه وسلم لكفاه ذَلِك فِي قبح السِّيرَة وَاسْتقر بعده فِي الْخلَافَة بِدِمَشْق وَلَده مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة ولقب بالراجع إِلَى الله وَكَانَ صَالحا فَلم يعتن بالخلافة وَلَا بَاشَرَهَا وَأقَام ثَلَاثَة أشهر وَقيل دون ذَلِك وَتُوفِّي رحمه الله وَكَانَ النَّاس حِين موت يزِيد بَايعُوا عبد الله بن الزبير بِمَكَّة وتلقب خَادِم بَيت الله
وَكَانَ مَرْوَان بن الحكم بالمدين فقصد الْمسير إِلَى عبد الله بن الزبير ومبايعته ثمَّ توجه من بني أُميَّة إِلَى الشَّام وَبَايع أهل الْبَصْرَة ابْن الزبير وَاجْتمعَ لَهُ الْحجاز وَالْعراق واليمن وَبعث إِلَى مصر فَبَايعهُ أَهلهَا وَبَايع لَهُ فِي الشَّام نمر الضَّحَّاك بن قيس وَبَايع لَهُ بحمص النُّعْمَان بن بشر الْأنْصَارِيّ وَبَايع لَهُ بقلسرين بشر بن دفر بن الْحَارِث الْكلابِي وَكَاد يتم لَهُ الْأَمر بِالْكُلِّيَّةِ وَشرع ابْن الزبير فِي بِنَاء الْكَعْبَة شرفها الله تَعَالَى وَكَانَ ذَلِك فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وَكَانَت حيطانها قد مَالَتْ من ضرب المنجنيق فَهَدمهَا وحفر أساسها وَشهد عِنْده سَبْعُونَ من شُيُوخ قُرَيْش وَذَلِكَ أَن قُريْشًا حِين بنوا الْكَعْبَة عجزت نَفَقَتهم فنقصوا من سَعَة بِنَاء الْبَيْت سَبْعَة أَذْرع من أساس إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عليه الصلاة والسلام الَّذِي أسسه هُوَ وَإِسْمَاعِيل عليه السلام فبناه عبد الله بن الزبير وَزَاد فِيهِ السَّبْعَة أَذْرع وَأدْخل الْحجر فِي الْكَعْبَة وأعادها عل مَا كَانَت عَلَيْهِ أَولا وَجعل لَهَا بَابَيْنِ بَاب يدْخل مِنْهُ وَبَاب يخرج مِنْهُ فَلم يزل الْبَيْت على ذَلِك حَتَّى قتل الْحجَّاج ابْن الزبير - كَمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تعال - فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة بِالشَّام بُويِعَ بالخلافة لمروان بن الحكم ولقب بالمؤتمن بِاللَّه وافترق النَّاس فرْقَتَيْن فرقة تهوي بني أُميَّة وَفرْقَة تهوي ابْن الزبير وَوَقع بَينهم خلاف وَجرى بَينهم وقائع وحروب ثمَّ اسْتَقر أَمر الشَّام لمروان وَدخلت مصر تَحت طَاعَته ثمَّ أَمر النَّاس بالبيعة لوَلَده عبد الْملك وَمن بعده لِأَخِيهِ عبد الْعَزِيز فَمَا كَانَ بأسرع من أَن انْقَضتْ مُدَّة مَرْوَان فَمَاتَ بالطاعون بِدِمَشْق فَجْأَة لثلاث خلون من رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة وَكَانَت مُدَّة ولَايَته تِسْعَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة
فَلَمَّا مَاتَ بُويِعَ لوَلَده عبد الْملك بالخلافة فِي ثَالِث شهر رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ ولقب بالموفق لأمر الله وَهُوَ أول من سمي عبد الْملك فِي الْإِسْلَام وَأول من ضرب الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فِي الْإِسْلَام وَكَانَ النقش عل الْجَانِب الْوَاحِد الله أحد وعل الآخر الله الصَّمد وَكَانَت الدَّرَاهِم قبل ذَلِك رُومِية وكسروية وَلما ولي الْخلَافَة وعد النَّاس - يَوْم بُويِعَ - بِخَير ودعاهم إِلَى إحْيَاء الْكتاب وَالسّنة وَإِقَامَة الْعدْل فَلَمَّا دخلت سنة سِتّ وَسِتِّينَ ابْتَدَأَ بِبِنَاء قبَّة الصَّخْرَة الشَّرِيفَة وَعمارَة الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف وَذَلِكَ لِأَنَّهُ منع النَّاس عَن الْحَج لِئَلَّا يميلوا مَعَ ابْن الزبير فضجوا فقصد أَن يشغل النَّاس بعمارة هَذَا الْمَسْجِد عَن الْحَج فَكَانَ ابْن الزبير يشنع على عبد املك بذلك وَكَانَ من خبر الْبناء أَن عبد الْملك بن مَرْوَان حِين حضر إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَأمر بِبِنَاء الْقبَّة عل الصَّخْرَة الشَّرِيفَة بعث الْكتب فِي جَمِيع عمله وَالِي سَائِر الامصار إِن عبد الْملك قد أَرَادَ أَن يَبْنِي قبَّة على صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس تَقِيّ الْمُسلمين من الْحر وَالْبرد وَأَن يَبْنِي الْمَسْجِد وَكره أَن يفعل ذَلِك دون رَأْي رَعيته فلتكتب الرّعية إِلَيْهِ برأيهم وَمَا هم عَلَيْهِ فوردت الْكتب عَلَيْهِ من سَائِر عُمَّال الْأَمْصَار نر رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ مُوَافقا رشيدا إِن شَاءَ الله يتم لَهُ نوى من بِنَاء بَيته وصخرته ومسجده وَيجْرِي ذَلِك على يَدَيْهِ ويجعله تذكرة لَهُ لمن مضى من سلفه فَجمع الصناع لعمله وأرصد للعمارة مَالا كثيرا يُقَال إِنَّه خراج مصر سبع سِنِين وَوَضعه بالقبة الكائنة أَمَام الصَّخْرَة من جِهَة الشرق بعد أَن أَمر ببنائها وَهِي من جِهَة الزَّيْتُون وَجعلهَا حَاصِلا وشحنها بالأموال ووكل على صرف المَال فِي عمَارَة الْمَسْجِد والقبة وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ أَبَا الْمِقْدَام رَجَاء بن حَيَاة بن جود الْكِنْدِيّ وَكَانَ من الْعلمَاء الْأَعْلَام وَمن جلساء عمر بن عبد الْعَزِيز رضي الله عنه وَضم
إِلَيْهِ رجلا يدع يزِيد بن سَلام مول عبد الْملك بن مَرْوَان من أهل بَيت الْمُقَدّس وولديه وَيُقَال إِن عبد الْملك وصف مَا يختاره من عمَارَة الْقبَّة وتكوينها للصناع فصنعوا لَهُ وَهُوَ بِبَيْت الْمُقَدّس الْقبَّة الصَّغِيرَة الَّتِي هِيَ شَرْقي قبَّة الصَّخْرَة الَّتِي يُقَال لَهَا قبَّة السلسلة فأعجبه تكوينها وَأمر ببنائها كهيئتها وَأمر رَجَاء وَيزِيد بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهَا وَالْقِيَام بأمرها وَإِن يفرغا المَال عَلَيْهَا افراغاً دون أَن ينفقاه انفاقاً وَأخذُوا فِي الْبناء والعمارة عِنْد الْقبَّة من شَرْقي الْمَسْجِد إِلَى غربيه حَتَّى أكملوا الْعَمَل وَفرغ الْبناء وَلم يبْق للمتكلم فِيهِ كَلَام وَكَانَ الْبناء الَّذِي هُوَ فِي صدر الْمَسْجِد إِلَى غربيه من السُّور الَّذِي عِنْد مهد عيس إِلَى الْمَكَان الْمَعْرُوف الْآن بِجَامِع المغاربة فَكتب رَجَاء وَيزِيد إِلَى عبد الْملك بِدِمَشْق قد أتم الله مَا أَمر بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ من بِنَاء قبَّة صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى وَلم يبْق لمتكلم فِيهِ كَلَام وَقد بقى مِمَّا أَمر بِهِ امير الْمُؤمنِينَ من النَّفَقَة عَلَيْهِ - بعد أَن فرغ الْبناء وَأحكم - مائَة ألف فيصرفها أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا أحب فَكتب إِلَيْهِمَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أمرت بهَا لَكمَا جَائِزَة لما وليتما مكن عمَارَة الْبَيْت الشريف الْمُبَارك فكتبا إِلَيْهِ نَحن أولى أَن نزيده من حلي نسائنا فضلا عَن أَمْوَالنَا فاصرفها فِي أحب الْأَشْيَاء إِلَيْك فَكتب إِلَيْهِمَا بِأَن تسبك وتفرغ عل الْقبَّة فسبكت وأفرغت عَلَيْهَا فَمَا كَانَ أحد يقدر أَن يَتَأَمَّلهَا مِمَّا عَلَيْهَا من الذَّهَب وهيأ لَهَا جلالا من لبود وأدم تُوضَع من فَوْقهَا فَإِذا كَانَ الشتَاء ألبستها لتكنها من الأمطار والرياح والثلوج ثمَّ بعد انْتِقَال الْخلَافَة إِلَى المنتقم لله الْوَلِيد بن عبد الْملك انْهَدم شَرْقي الْمَسْجِد وَلم يكن فِي بَيت المَال حَاصِل فَأمر بِضَرْب ذَلِك وإنفاقه عل مَا انْهَدم مِنْهُ وَكَانَت ولَايَة الْوَلِيد فِي شَوَّال سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمَات فِي جماد الْآخِرَة سنة سِتّ وَتِسْعين من الْهِجْرَة
وَكَانَ رَجَاء بن حَيَاة وَيزِيد بن سَلام قد حفا الصَّخْرَة بدر ابزين ساسم وَمن خلف الدرابزين ستور الديباج مرخاة بَين الْعمد وَكَانَ كل يَوْم اثْنَيْنِ وخميس يأمران بالزعفران فَيدق أَو يطحن ثمَّ يعْمل من اللَّيْل بالمسك والعبر والماورد الْجُورِي ويخمر بِاللَّيْلِ ثمَّ يَأْمر الخدم بِالْغَدَاةِ فَيدْخلُونَ حمام سُلَيْمَان يغتسلون ويتطهرون ثمَّ يأْتونَ إِلَى الخزانة الَّتِي فِيهَا الخلوق فيلقون أثوابهم عَنْهُم ثمَّ يخرجُون أثواباً جدداً من الخزانة مروية وهروية وشيئاً يُقَال لَهُ العصب ومناطق محلاة يشدون بهَا أوساطهم ثمَّ يَأْخُذُونَ الخلوق ويأتون بِهِ إِلَى الصَّخْرَة فيلطخون مَا قدرُوا أَن تناله أَيْديهم حَتَّى يغمروه كُله وَمَا لَا تناله أَيْديهم غسلوا أَقْدَامهم ثمَّ يصعدون على الصَّخْرَة حَتَّى يلطخوا مَا بَقِي مِنْهَا وتفرغ آنِية الخلوق ثمَّ يأْتونَ بمجامر الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْعود القماري والند مطري بالمسك والعنبر فترخى الستور حول الأعمدة كلهَا ثمَّ يَأْخُذُونَ البخور ويدورون حولهَا حَتَّى يحول البخور بَينهم وَبَين الْقبَّة من كثرته ثمَّ تشمر الستور فَيخرج البخور ويفوح من كثرته حَتَّى يبلغ إِلَى رَأس السُّوق فيشم الرّيح من يمر من هُنَاكَ وَيَنْقَطِع البخور من عِنْدهم ثمَّ يناد مُنَاد فِي صف البرازين وَغَيرهم أَلا أَن الصَّخْرَة قد فتحت للنَّاس فَمن أَرَادَ الصَّلَاة فِيهَا فليأت فَتقبل النَّاس مبادرين إِلَى الصَّلَاة فِي الصَّخْرَة فَأكْثر النَّاس من يدْرك أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَأَقلهمْ أَرْبعا فَمن شم رَائِحَته قَالَ هَذَا مِمَّن دخل الصَّخْرَة ثمَّ تغسل آثَار أَقْدَامهم بِالْمَاءِ وتمسح بالآس الْأَخْضَر وتنشف بالمناديل وتغلق الْأَبْوَاب وعَلى كل بَاب عشرَة من الحجبة وَلَا تفتح إِلَّا يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الْخَمِيس وَلَا يدخلهَا فِي غَيرهمَا إِلَّا الخدم وَعَن أبي بكر بن الْحَارِث رضي الله عنه قَالَ كنت أسرجها فِي الْخلاف عبد الْملك كلهَا باللبان والزنبق الرصاصي قَالَ كَانَت الحجبة يَقُولُونَ لَهُ يَا أَبَا بكر مر لنا بقنديل ندهن بِهِ ونتطيب بِهِ فَكَانَ يجبهم إِلَى ذَلِك وَكَانَ يفعل بهَا ذَلِك فِي أَيَّام خلاف عبد الْملك بن مَرْوَان كلهَا
قَالَ الْوَلِيد وَحدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مَنْصُور بن ثَابت قَالَ حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن جده قَالَ كَانَ فِي السلسلة الَّتِي فِي وسط الْقبَّة على الصَّخْرَة درة ثمينة وقرنا كَبْش إِبْرَاهِيم وتاج كسْرَى معلقات فِي أَيَّام عبد الْملك بن مَرْوَان فَلَمَّا صَارَت الْخلَافَة إِلَى بني هَاشم حولوها إِلَى الكعب حرسها الله تعال وَكَانَ الْفَرَاغ من عمَارَة قبَّة الصَّخْرَة وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى فِي سنة ثَلَاث وَسبعين من الهجر الشَّرِيفَة وَهِي السّنة الَّتِي قتل فِيهَا عبد الله بن الزبير وَكَانَ من خَبره أَن عبد الْملك بن مَرْوَان لما صفا لَهُ الْوَقْت وَثَبت أمره فِي الْخلَافَة بعث الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ إِلَى حَرْب عبد الله بن الزبير بِمَكَّة فَأتى الْحجَّاج الطَّائِف فَأَقَامَ بهَا شهرا ثمَّ زحف إِلَى مَكَّة فحاصر ابْن الزبير فِي هِلَال ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين ودام الْحصار حَتَّى غلت الأسعار وَأصَاب النَّاس مجاعَة وَزَاد الْحجَّاج فِي الْحصار والقتال وَرمى الْكَعْبَة بالمنجنيق فَلَمَّا رمبها رعدَتْ السَّمَاء وأبرقت وَجَاءَت صَاعِقَة تتبعها أخر فقتلت من أَصْحَاب الْحجَّاج اثْنَي عشر رجلا وَاشْتَدَّ الْقِتَال وَخرج ابْن الزبير فقاتل قتالاً شَدِيدا وتكاثرت أهل الشَّام الوفاً من كل جَانب فشدخوه بِالْحِجَارَةِ فانصرع فأكب عَلَيْهِ موليان لَهُ فَقتلُوا جَمِيعًا وتفرق أَصْحَابه وَأمر بِهِ الْحجَّاج فصلب وَكَانَ ذَلِك فِي يَوْم الثُّلَاثَاء لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة خلت من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَسبعين من الْهِجْرَة الشريف بعد قتال سَبْعَة أشهر وَكَانَ لَهُ من الْعُمر حِين قتل نَحْو ثَلَاث وَسبعين سنة وَهُوَ أول من ولد للمهاجرين بعد الْهِجْرَة لِأَنَّهُ بُويِعَ لَهُ سنة أَربع وَسِتِّينَ وَكَانَ سُلْطَانه بالحجاز وَالْعراق وخراسان وأعمل الشرق وَكَانَ كثير الْعِبَادَة مكث أَرْبَعِينَ سنلم ينْزع ثَوْبه عَن ظَهره وَكَانَت خِلَافَته تسع سِنِين؟ وَكَانَ رضي الله عنه لَهُ جمة مفروقة طَوِيلَة
وَلما صلب علق الْحجَّاج إِلَى جَانِبه كَلْبا مَيتا وَمنع والدته من دَفنه وَكَانَ لَهَا من الْعُمر مائَة سنة وَهِي أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق رضي الله عنها وَكَانَت تدعى بِذَات النطاقين ثمَّ كتب الْحجَّاج إِلَى عبد الْملك يُخبرهُ بصلبه فَكتب إِلَيْهِ يلومه وَيَقُول هلا خليت بَينه وَبَين أمه فَأذن لَهَا فدفنته وَمَاتَتْ بعده بِقَلِيل وَبعث الْحجَّاج إِلَى عبد الْملك يُعلمهُ بِمَا زَاده ابْن الزبير فِي الْكَعْبَة فَأمر عبد الْملك بهدمه ورده إِلَيّ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاة رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن يَجْعَل لَهُ بَابا وَاحِدًا فَفعل الْحجَّاج ذَلِك وَهُوَ الْبناء الْمَوْجُود فِي عصرنا وَقد تقدم ذكر مَا وَقع من الْبناء وَالْهدم فِي الْكَعْبَة وخلاصة الْأَمر إِن سيدنَا إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عليه الصلاة والسلام بني الْكَعْبَة وَهِي بَيت الله الْحَرَام - كَمَا تقدم عِنْد ذكره - بعد مُضِيّ مائَة سنة من عمره وَاسْتمرّ بِنَاؤُه نَحْو ألفي سنة وَسَبْعمائة وَخمْس وَسبعين سنة إِلَى أَن هدمته قُرَيْش فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ من مولد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَبَنوهُ - كَمَا تقدم - وَهُوَ الْبناء الثَّانِي وَاسْتمرّ نَحْو اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة ثمَّ هَدمه الْحصين وَأحرقهُ فِي أَيَّام يزِيد بن مُعَاوِيَة - كَمَا تقدم - وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة ثمَّ بناه عبد الله بِمَ الزبير عل قَوَاعِد إِبْرَاهِيم وَهُوَ الْبناء الثَّالِث وَاسْتمرّ نَحْو تسع سِنِين ، ثمَّ هَدمه الْحجَّاج وَقتل ابْن الزبير فِي سنة ثَلَاث وَسبعين من الْهِجْرَة ثمَّ بناه الْحجَّاج وَأخرج الْحجر من الْبَيْت وَجعله على مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاة رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ الْبناء الرَّابِع وَكَانَ فِي سنة أَربع وَسبعين من الْهِجْرَة وَاسْتمرّ عل مَا هُوَ عَلَيْهِ إِلَى هَذَا التَّارِيخ وَهُوَ آخر سنة تِسْعمائَة وَكَانَت الْكَعْبَة تُكْسَى الْقبَاطِي ثمَّ كُسِيت البرود وَأول من كساها الديباج الْحجَّاج بن يُوسُف وَأما ذرع جدران الْكَعْبَة الشَّرِيفَة فطول جدارها الشَّرْقِي من أعلا
الشاخص إِلَى أَرض المطاف ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا وَثلث ذِرَاع بِذِرَاع الْحَدِيد وَكَذَلِكَ جدرانها الثَّلَاث سوى الشَّامي فَإِنَّهُ ينقص عَن الشَّرْقِي ربع ذِرَاع والجدار الغربي ينقص عَن الْجِدَار الشَّرْقِي ثمن ذِرَاع والجدار الْيَمَانِيّ كالشرقي سَوَاء بِسَوَاء ذكر ذَلِك الْفَارِسِي فِي تَارِيخه الْمُخْتَصر وَذكر هُوَ وَغَيره من المؤرخين عرض الْبَيْت الشريف من كل جِهَة وحرروا ذَلِك وَلَيْسَ هَذَا مَحل ذكره خشيَة الإطالة وَأما أَخْبَار توسعه الْمَسْجِد الْحَرَام وعمارته فَأول من وَسعه عمر بن الْخطاب رضي الله عنه بدور اشْتَرَاهَا ودور هدمها عل من أبي البيع وَترك ثمنهَا لأربابها فِي خزان الكعب وَذَلِكَ فِي خمس عشر من الْهِجْرَة وَكَذَلِكَ فعل عُثْمَان فِي سنة سِتّ وَعشْرين من الْهِجْرَة ثمَّ وسع عبد الله بن الزبير من جَانِبه الشَّرْقِي والشامي واليماني ثمَّ وسع الْمَنْصُور العباسي من جَانِبه الشمالي والغربي وَكَانَ مَا زَاده مثل مَا كَانَ من قبل وابتدأ فِي الْعَمَل فِي الْمحرم سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَفرغ فِي ذِي الْحجَّة سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة ثمَّ إِن الْخَلِيفَة الْمهْدي - هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور العباسي - حج فِي سنة سِتِّينَ وَمِائَة وجرد الْكَعْبَة وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلهَا ووسع الْمَسْجِد من جانبيه الْيَمَانِيّ والغربي حَتَّى صَار عل مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْم خلا الزيادتين فَإِنَّهُمَا احدثا بعده وَكَانَت الكعب الشريف فِي جَانب الْمَسْجِد وَلم تكن متوسطة فهدم حيطان الْمَسْجِد واشتر الدّور والمنازل وأحضر المهندسين وصير الكعب فِي الْوسط وَكَانَت توسعته فِي نوبتين الأول فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَالثَّانيَِة فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَهِي السّنة الَّتِي عمر فِيهَا مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ لأحد من الْأُمَرَاء فِي عمار الْمَسْجِد الْحَرَام من النَّفَقَة مثل مَا للمهدي رَحمَه الله
وَمِمَّنْ عمره من غير توسعه عبد الْملك بن مَرْوَان رفع جدرانه وسقفه بالساج وعمره ابْنه الْوَلِيد وسقفه بالساج المزخرف وازره من دَاخله بالرخام وَزيد فِيهِ بعد الْمهْدي زِيَادَة دَار الندوة بالجانب الشَّامي والزيادات الْمَعْرُوفَة بِزِيَادَة بَاب إِبْرَاهِيم بالجانب الغربي وَكَانَت إنْشَاء زِيَادَة دَار الندوة فِي زمن المعتضد العباسي وَابْتِدَاء الْكِتَابَة إِلَيْهِ فِيهَا فِي سنّ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ عمل الزِّيَادَة الَّتِي بِبَاب إِبْرَاهِيم فِي سنة سِتّ وَسبعين وثلاثمائة وَوَقع فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بعد ذَلِك عمارات كَثِيرَة وَأما ذرع الْمَسْجِد الْحَرَام غير الزيادتين فَذكره بعض المؤرخين بِاعْتِبَار ذِرَاع الْيَد وحرره بَعضهم بِذِرَاع الْعَمَل الجدير فَكَانَ طوله من جِدَاره الغربي إِلَى جِدَاره الشَّرْقِي الْمُقَابل لَهُ ثَلَاثمِائَة ذِرَاع وَسِتَّة وَخمسين ذِرَاعا وَثمن ذِرَاع بالذراع الْحَدِيد فَيكون ذَلِك بِذِرَاع الْيَد أَرْبَعمِائَة وَسَبْعَة أَذْرع وَذَلِكَ من وسط جِدَاره الغربي الَّذِي هُوَ جِدَار رِبَاط الْجَوْزِيّ إِلَى وسط جِدَاره الشَّرْقِي عِنْد بَاب الْجَنَائِز ثمَّ يمر بِهِ فِي الْحجر ملاصقاً جِدَار الْكَعْبَة الشَّامي وَكَانَت عرضه من جِدَاره الشَّامي إِلَى جِدَاره الْيَمَانِيّ مِائَتي ذِرَاع وستاً وَسِتِّينَ ذِرَاعا بِذِرَاع الْحَدِيد فَيكون بِذِرَاع الْيَد ثَلَاثمِائَة ذِرَاع وَأَرْبَعَة أَذْرع وَذَلِكَ مِمَّن وسط جِدَاره الْقَدِيم عِنْد الْعُقُود إِلَى وسط جِدَاره الْيَمَانِيّ الَّذِي فِيمَا بَين بَاب الصَّفَا وَبَاب أجياد يمر بِهِ فِيمَا بَين مقَام إِبْرَاهِيم والكعبة وَهُوَ إِلَى الْمقَام أقرب وَأما ذرع زِيَادَة دَار الندوة فَهُوَ أَرْبَعَة وَسَبْعُونَ ذِرَاعا إِلَّا ربع ذِرَاع بالحديد وَذَلِكَ مِمَّن جِدَار الْمَسْجِد الْحَرَام الْكَبِير إِلَى الْجِدَار الْمُقَابل لَهُ الشَّامي مِنْهَا وَعِنْده بَاب مناوتها هَذَا ذرعها طولا وَأما عرضا فسبعون ذِرَاعا وَنصف ذِرَاع وَذَلِكَ من وسط جدارها الشَّرْقِي إِلَى وسط جدارها الغربي وَأما زِيَادَة بَاب إِبْرَاهِيم فذرعها طولا تسع وَخَمْسُونَ ذِرَاعا إِلَّا سدس ذِرَاع وَذَلِكَ من الأساطين الَّتِي هِيَ فِي موازاة الْمَسْجِد الْكَبِير إِلَى العتبة الَّتِي هِيَ فِي بَاب
هَذَا الزِّيَادَة وَأما ذرعها عرضا فاثنان وَخَمْسُونَ ذِرَاعا وَربع ذِرَاع وَذَلِكَ من صدر بَاب الْجَوْزِيّ إِلَى جِدَار رِبَاط رامشت وَأما عدد أَبْوَاب الْمَسْجِد الْحَرَام فتسعة عشر بَابا تفتح على ثَمَان وَثَلَاثِينَ طَاقَة فَمِنْهَا فِي الْجَانِب الشَّرْقِي بَاب بني شيبَة بِثَلَاث طاقات وَبَاب السَّلَام وَبَاب الْجَنَائِز طاقتان وَبَاب الْعَبَّاس ثَلَاث طاقات وَبَاب عَليّ ثَلَاث طاقات وَفِي الْجَانِب الْيَمَانِيّ بَاب بازان وَبَاب البغلة وَبَاب الصَّفَا وَبَاب أجياد الصَّغِير وَبَاب الْمُجَاهدين وَبَاب مدرسة الشريف عجلَان وَبَاب أم هاني وكل من أَبْوَاب هَذَا الْجَانِب طاقتان إِلَّا بَاب الصَّفَا فخمسة وَفِي الْجَانِب الغربي بَاب غرورة وهم تَصْحِيف الخروزة وَهُوَ طاقتان وَبَاب إِبْرَاهِيم نِسْبَة لإِبْرَاهِيم الْخياط كَانَ عِنْدهم وَبَعْضهمْ نِسْبَة لإِبْرَاهِيم الْخَلِيل عليه الصلاة والسلام وَهُوَ بعيد وَهُوَ طَاقَة وَاحِدَة وَبَاب الْعمرَة طَاقَة وَاحِدَة وَفِي الْجَانِب الشمالي بَاب السدة وَبَاب دَار العجلة وَبَاب الزِّيَادَة وَاحِدَة وَبَاب السكينَة وكل مِنْهَا طاقتان لَا بَاب الزِّيَادَة فَهُوَ طَاقَة وعدة مَا فِيهِ من المنائر خمس منارات وزيدت مَنَارَة سادسة لمدرسة السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف قايتباي نَصره الله تَعَالَى وَمِمَّا وَقع فِي الْكَعْبَة الشريف فِي سنة سبع عشرَة وثلاثمائة فِي أَيَّام الْمهْدي بِاللَّه عبيد الله أول خلفاء الفاطميين وَكَانَ خَليفَة بَغْدَاد فِي ذَلِك الْعَصْر المقتدر بِاللَّه أَبُو الْفضل جَعْفَر العباسي أَن أَبَا طَاهِر سُلَيْمَان القرمطي صَاحب الْبَحْرين قصد مَكَّة ودخلها يَوْم التَّرويَة وَهُوَ ثامن ذِي الْحجَّة فنهب أَمْوَال الْحجَّاج وَقتل النَّاس فِي رحاب مَكَّة وشعابها حَتَّى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي جَوف الْكَعْبَة وَدفن الْقَتْلَى فِي بِئْر زَمْزَم وَفِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَأمر بقلع الْكَعْبَة وَنزع كسوتها عَنْهَا وشققها بَين أَصْحَابه وَهدم قبَّة زَمْزَم وَأمر بقلع الْحجر الْأسود وَأَخذه إِلَى هجر وَاسْتمرّ ببلادهم ثِنْتَيْنِ وَعشْرين سنة وَلم يرد إِلَى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَلما صنف الإِمَام أَبُو الْقَاسِم عمر بن الْحُسَيْن الْخرقِيّ الْحَنْبَلِيّ كتاب الْخُلَاصَة
فيفقه مَذْهَب الإِمَام أَحْمد رضي الله عنه قَالَ فِي كتاب الْحَج - فِي بَاب ذكر الْحَج وَدخُول مَكَّة - وَإِذا دخل الْمَسْجِد الْحَرَام فالمستحب أَن يدْخل من بَاب بني شيبَة فَإِذا رأى الْبَيْت رفع يَدَيْهِ وَكبر الله تَعَالَى ثمَّ أَتَى الْحجر الْأسود إِن كَانَ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن تصنيفه الْكتاب كَانَ حَال كَون الْحجر الْأسود بأيدي القرامطة حِين أَخَذُوهُ من مَكَانَهُ فَإِن أَبَا الْقَاسِم رحمه الله توفّي بِدِمَشْق المحروسة فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة قبل إِعَادَة الْحجر إِلَى مَكَانَهُ بِخَمْسِينَ سنة (ذكر صفة الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَمَا كَانَ عَلَيْهِ فِي زمن عبد الْملك وَبعده) رو الْحَافِظ بهاء الدّين بن عَسَاكِر إِنَّه كَانَ فِيهِ فِي ذَلِك الْوَقْت من الْخشب المسقف سوى أعمدة خشب سِتَّة آلَاف خشبه وَفِيه من الْأَبْوَاب خَمْسُونَ بَابا قَالَ الْقُرْطُبِيّ مِنْهَا بَاب دَاوُد وَبَاب سُلَيْمَان وَبَاب حطة وَبَاب مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام وَبَاب التَّوْبَة الَّذِي تَابَ الله عز وجل عل دَاوُد فِيهِ وَبَاب الرَّحْمَة وأبواب الأسباط أَبْوَاب وَبَاب الْوَلِيد وَبَاب الْهَاشِمِي وَبَاب الْخضر وَبَاب السكينَة) وَكَانَ فِيهِ من الْعمد سِتّمائَة عَمُود من رُخَام وَفِيه من المحاريب سَبْعَة وَمن السلَاسِل لقناديل أَرْبَعمِائَة سلسلة إِلَّا خَمْسَة عشر مِنْهَا مِائَتَا سلسلة وَثَلَاثُونَ سلسل فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَالْبَاقِي فِي قبَّة الصَّخْرَة الشَّرِيفَة وذرع السلَاسِل أَرْبَعَة آلَاف ذِرَاع ووزنها ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ ألف رَطْل بالشامي وَفِيه من الْقَنَادِيل خَمْسَة آلَاف شقفة وَسَبْعمائة وَوزن الشقفة سَبْعُونَ رطلا بالشامي غير الَّذِي على قبَّة الصَّخْرَة وكل ذَلِك عمل فِي أَيَّام عبد الْملك بن مَرْوَان ورتب لَهُ من الخدم القوام
ثَلَاثمِائَة خَادِم اشْتريت لَهُ من خمس بَيت المَال كلما مَاتَ مِنْهُم وَاحِد قَامَ مَكَانَهُ وَلَده أَو ولد وَلَده أَو من أهلهم يجْرِي عَلَيْهِم ذَلِك أبدا مَا تَنَاسَلُوا وَفِيه من الصهاريج أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ صهريجاً كبارًا وَفِيه من المنابر أَرْبَعَة ثَلَاثَة مِنْهَا صف وَاحِد غربي الْمَسْجِد وَوَاحِدَة على بَاب الأسباط وَكَانَ لَهُ من الخدم الْيَهُود الَّذين لَا يُؤْخَذ مِنْهُم جِزْيَة عشرَة رجال وتوالدوا فصاروا عشْرين لكنس أوساخ الْمَسْجِد النَّاشِئ فِي المواسم والشتاء والصيف ولكنس الْمَطَاهِر الَّتِي حول الْجَامِع وَله من الخدم النَّصَارَى عشرَة أهل بَيت يتوارثون خدمته لعمل الْحصْر ولكنس حصر الْمَسْجِد وكنس الْقَنَاة الَّتِي يجْرِي فِيهِ المَاء إِلَى الصهاريج وكنس الصهاريج أَيْضا وَغير ذَلِك وَله من الخدم الْيَهُود جمَاعَة يعْملُونَ الزّجاج الْقَنَادِيل والأقداح والثريات وَغير ذَلِك لَا يُؤْخَذ مِنْهُم جِزْيَة وَلَا من الَّذين يقومُونَ بالقش لفتائل الْقَنَادِيل جَارِيا عَلَيْهِم وعَلى أَوْلَادهم أبدا مَا تَنَاسَلُوا من عهد عبد الْملك بن مَرْوَان وهلم جرا وَتُوفِّي عبد الْملك بن مَرْوَان بِدِمَشْق فِي يَوْم الْخَمِيس لخمس عشرَة ليل مَضَت من رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ من الْهِجْرَة الشريف وعمره سِتُّونَ سنة وَكَانَت خِلَافَته مُنْذُ قتل ابْن الزبير واجتماع النَّاس لَهُ ثَلَاث عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر تنقص سبع لَيَال وَكَانَ بِالشَّام وَمَا والاها قبل قتل ابْن الزبير بِسبع سِنِين وَنَحْو تِسْعَة أشهر وَمَات الْحجَّاج فِي شهر رَمَضَان - وَقيل شَوَّال - خمس وَتِسْعين لِلْهِجْرَةِ وَله ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة وَكَانَ مَوته بواسط وَهُوَ الَّذِي بناها وأخفي قَبره واجري عَلَيْهِ المَاء وَمَات رَجَاء بن حَيَاة الَّذِي تولى بِنَاء الصَّخْرَة وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى فِي سنة اثْنَتَيْ وَتِسْعين من الْهِجْرَة أَتَى بَيت الْمُقَدّس واتته الْوُفُود بالبيعة فَلم ير وفادة كَانَت أهنئ من الْوِفَادَة إِلَيْهِ فَكَانَ يجلس فِي قبَّة فِي صحن مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس مِمَّا يَلِي الصَّخْرَة ولعلها الْقبَّة الْمَعْرُوفَة بقبة سُلَيْمَان عِنْد بَاب الدويدارية ويبسط الْبسط بَين يَدي قُبَّته عَلَيْهَا النمارق والكراسي فيجلس وَيَأْذَن للنَّاس فَيَجْلِسُونَ عل الكراسي والوسائد والى جَانِبه الْأَمْوَال وَكتاب الدَّوَاوِين وَقد هم بِالْإِقَامَةِ بِبَيْت الْمُقَدّس واتخذها منزلا وَجمع الْأَمْوَال وَالنَّاس بهَا وَكَانَ رحمه الله نعال يعظم الْعلمَاء قَالَ ابْن سِيرِين رحمه الله يرحم الله سُلَيْمَان بن عبد الْملك افْتتح خِلَافَته بِخَير فصلى الصَّلَوَات لمواقيتها وختمها بِخَير فاستخلف عمر بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ يلقب بالمهدي بِاللَّه الدَّاعِي إِلَى الله توفّي سنة 99 هـ تسع وَتِسْعين من الْهِجْرَة وَله خمس وَأَرْبَعُونَ سنة رحمه الله وَعَن عَطاء عَن أَبِيه قَالَ كَانَت الْيَهُود تسرج بَيت الْمُقَدّس فَلَمَّا ولي عمر ابْن عبد الْعَزِيز أخرجهم وَجعل فِيهِ من الْخمس فَأَتَاهُ رجل من أهل الْخمس وَقَالَ لَهُ اعتقني فَقَالَ كَيفَ أعتقك وَلَو ذهبت انْظُر مَا كَانَ لي شعر من شعر جسدك وَكَانَت ولَايَة عمر بن عبد الْعَزِيز فِي صفر سنة تسع وَتِسْعين من الْهِجْرَة وَكَانَ يلقب بالمعصوم بِاللَّه وخلافته سنتَانِ وَخَمْسَة أشهر وَتُوفِّي بدير سمْعَان من أَعمال حمص يَوْم الْجمع لخمس بَقينَ من رَجَب سنة إِحْدَى وَمِائَة رضي الله عنه وَرُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مَنْصُور بن ثَابت عَن أَبِيه عَن جده أَن الْأَبْوَاب كلهَا كَانَت ملبسة بصفائح الذَّهَب وَالْفِضَّة فِي خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان فَلَمَّا قدم أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور العباسي - وَكَانَ شَرْقي الْمَسْجِد وغربيه قد وَقعا - فَقيل لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد وَقع شَرْقي الْمَسْجِد وغربيه من الرجفة فِي سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَلَو أمرت بِبِنَاء هَذَا الْمَسْجِد وعمارته فَقَالَ مَا عِنْدِي شَيْء من المَال ثمَّ أَمر بقلع الصفائح الذَّهَب وَالْفِضَّة الَّتِي كَانَت عل الْأَبْوَاب فَقلعت وَضربت دَنَانِير ودراهم أنفقت عَلَيْهِ حَتَّى فرغ وَكَانَت خلَافَة الْمَنْصُور فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَهُوَ ثَانِي الْخُلَفَاء من
بني الْعَبَّاس وَهُوَ الَّذِي بنى مَدِينَة بَغْدَاد وَكَانَ الِابْتِدَاء فِي بنائها فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة وَتُوفِّي يَوْم السبت لست لَيَال خلت من ذِي الْحَج سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة وَله خمس وَسِتُّونَ سنة وَدفن بِمَكَّة ثمَّ كَانَت الرجفة الثَّانِيَة فَوَقع الْبناء الَّذِي كَانَ أَمر بِهِ أَبُو جَعْفَر ثمَّ قدم الْمهْدي من بعده وَهُوَ خراب فَرفع ذَلِك إِلَيْهِ فَأمر ببنائه وَقَالَ ارث هَذَا الْمَسْجِد وَطَالَ وخلا من الرِّجَال انقصوا مِمَّن طوله وزيدوا فِي عرضه فتم الْبناء فِي خِلَافَته وَهُوَ أ [وَعبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الْمَنْصُور الملقب بالمهدي بُويِعَ بالخلافة لست خلون من ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة بَين الرُّكْن وَالْمقَام وَلما قدم الْمهْدي يُرِيد بَيت الْمُقَدّس دخل مَسْجِد دمشق وَمَعَهُ أَبُو عبد الله الْأَشْعَرِيّ كَاتبه فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله سبقنَا بَنو أُميَّة بِثَلَاث فَقَالَ وَمَا هِيَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ بِهَذَا الْبَيْت - يَعْنِي الْمَسْجِد - لَا أعلم عل ظهر الأَرْض مثله ونيل الموَالِي فَإِن لَهُم موَالِي لَيْسَ لنا مثلهم ويعمر بن عبد الْعَزِيز لَا يكون فِينَا وَالله مثله أبدا ثمَّ أَتَى بَيت الْمُقَدّس وَدخل الصَّخْرَة فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله وَهَذِه رَابِعَة وَتُوفِّي الْمهْدي فِي يَوْم الْخَمِيس لثمان بَقينَ من الْمحرم سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة وَله ثَمَان وَأَرْبَعُونَ سنة قَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر طول الْمَسْجِد الْأَقْصَى سَبْعمِائة ذِرَاع وَخَمْسَة وَخَمْسُونَ ذِرَاعا بِذِرَاع الْملك وَعرضه أَرْبَعمِائَة ذِرَاع وَخَمْسَة وَسِتُّونَ ذِرَاعا بِذِرَاع الْملك وَكَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي المشرف قَالَ صَاحب (مثير الغرام) أتيت إِلَى زِيَارَة الْقُدس وَالشَّام وَلَكِن رَأَيْت قَدِيما بِالْحَائِطِ الشمالي الَّتِي فَوق الْبَاب مِمَّا يَلِي بَاب الدويدارية من دَاخل السُّور بلاطة فِيهَا طول الْمَسْجِد وَعرضه وَذَلِكَ مُخَالف لما ذَكرْنَاهُ فَالَّذِي فِيهَا أَن طوله سَبْعمِائة ذِرَاع وَأَرْبع وَثَمَانُونَ ذِرَاعا وَعرضه أَرْبَعمِائَة ذِرَاع وَخَمْسَة وَخَمْسُونَ ذِرَاعا
قَالَ وَوصف فِيهَا الذِّرَاع لكني لم أتحقق ذَلِك هَل هُوَ الذِّرَاع الْمَذْكُور أم غَيره لتشعث الْكِتَابَة قَالَ وَقد ذرع بالحبال طوله وَعرضه فِي وقتنا هَذَا فجَاء قدر طوله من الْجِهَة الشرقية سِتّمائَة ذِرَاع وَثَلَاثَة وَثَمَانِينَ ذِرَاعا وَمن الغربية سِتّمائَة ذِرَاع وَخمسين ذِرَاعا وَجَاء قدر عرضه أَرْبَعمِائَة وَثَمَانِية وَثَلَاثِينَ ذِرَاعا خَارِجا عَن عرض سُورَة انْتهى وَأما طوله وَعرضه فِي عصرنا هَذَا - وَهُوَ أَوَاخِر سنة تِسْعمائَة - فسأذكرهما مُسْتَوْفيا فِيمَا بعد عِنْد ذكر صفة الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَمَا هُوَ عَلَيْهِ فِي عصرنا فأذكر طوله من جِهَة الْقبْلَة إِلَى جِهَة الشمَال وَعرضه من جِهَة الشرق إِلَى جِهَة الغرب وَكَذَلِكَ دَاخل الْجَامِع الْأَقْصَى من عِنْد الْمِحْرَاب المجاور للمنبر إِلَى بَاب الدُّخُول لَهُ وَعرضه وصحن الصَّخْرَة الشَّرِيفَة وارتفاع الْقبَّة واستوفي ذكر ذَلِك طولا وعرضاً بِذِرَاع الْعَمَل الَّذِي تذرع بِهِ الْأَبْنِيَة فِي عصرنا واحرر ذَلِك حسب الْإِمْكَان إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمِمَّا وجد فِي بَيت الْمُقَدّس على بعض الصخرات مَا نفله أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ فِي كتاب " الْعُزْلَة عَن ذِي النُّون " إِنَّه قَالَ وجدت صَخْرَة بِبَيْت الْمُقَدّس عَلَيْهَا أسطر مكتتبة فَحَيْثُ ترجمتها فَإِذا عَلَيْهَا مَكْتُوب كل عَاص مستوحش وكل مُطِيع مستأنس وكل خَائِف هارب وكل راج طَالب وكل قَانِع غَنِي وكل محب ذليل وَعَن أبي بكر الطرطوسي رحمه الله قَالَ كنت ليل قَائِما فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى فَلم يرعني إِلَّا صَوت كَاد يصدع الْقلب وَهُوَ يَقُول شعر
(أخوف وَأمن إِن ذَا لعجيب
…
تكلتك من قلب فَأَنت كذوب)
(أما وجلال الله لَو كنت صَادِقا
…
لما كَانَ للاغماض فِيك نصيب) فوَاللَّه لقد أبكى الْعُيُون وأشج الْقُلُوب وَقَالَ سهل بن حَاتِم - وَكَانَ من العابدين - حَدثنِي أَبُو سعيد - رجل من الْإسْكَنْدَريَّة - قَالَ كنت أَبيت فِي بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ قَلِيلا مَا يَخْلُو من المتهجدين
قَالَ فَقُمْت ذَات لَيْلَة بعد مَا مضى من اللَّيْل طَوِيل فَنَظَرت فَلم أر فِي الْمَسْجِد متهجداً وَذكر إِنَّه سمع قَائِلا ينشد شعرًا
(أيا عجبا للنَّاس لذت عيونهم
…
مطاعم غمض بعده الْمَوْت ينْتَصب) قَالَ فَسَقَطت على وَجْهي وَذهب عَقْلِي فَلَمَّا أَفَقْت نظرت وَإِذا لم يبْق متهجد إِلَّا قَامَ وَقيل إِنَّه دخل بَيت الْمُقَدّس فِي زمن بني إِسْرَائِيل خَمْسمِائَة عذراء لباسهن الصُّوف يتذاكرن ثَوَاب الله تعال وعقابه فمتن جَمِيعًا من الْخَوْف وروى الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن شهَاب إِنَّه صَبِيحَة قبل الْحُسَيْن بن عَليّ رضي الله عنه لم يرفع حجر فِي بَيت الْمُقَدّس إِلَّا وجد تَحْتَهُ دم وَكَذَلِكَ يَوْم قتل وَالِده عَليّ رضي الله عنهما وَكَانَ قتل الْحُسَيْن رضي الله عنه بكر بلَاء يَوْم عَاشُورَاء سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة (ذكر جمَاعَة من أَعْيَان التَّابِعين) وَالْعُلَمَاء والزهاد مِمَّن دخلُوا بَيت الْمُقَدّس بعد الْفَتْح الْعمريّ وَعمارَة عبد الْملك بن مَرْوَان فَمنهمْ من دخله زَائِرًا وَمِنْهُم من دخله مستوطناً وَذَلِكَ قبل اسْتِيلَاء الإفرنج عَلَيْهِ فَمنهمْ جمَاعَة لم أطلع على تَارِيخ وفاتهم وهم أويس بن عَامر الْقَرنِي من بني قرن صَحَّ عَن رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه أَمر عمر أَن يسْأَله أَن يسْتَغْفر لَهُ قيل إِنَّه اجْتمع بعمر رضي الله عنه بِبَيْت الْمُقَدّس وَقيل إِنَّمَا لقِيه فِي الْمَوْسِم فَقَالَ لعمر قد حججْت واعتمرت وَصليت فِي مَسْجِد رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم ووددت لَو إِنِّي صليت فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى فجهزه عمر وَأحسن جهازه وأتى الْمَسْجِد الْأَقْصَى فصلى فِيهِ ثمَّ أُتِي الْكُوفَة وَخرج غازياً رَاجِلا إِلَى بَغْدَاد فَأَصَابَهُ الْبَطن والتجأ إِلَى أهل خيمة فَمَاتَ عِنْدهم وَمَعَهُ
جراب وقضيب فَقَالُوا لِرجلَيْنِ مِنْهُم اذْهَبَا فاحفرا لَهُ قبراً قَالُوا فَنَظَرْنَا فِي جرابه فَإِذا فِيهِ ثَوْبَان ليسَا من ثِيَاب أهل الدُّنْيَا وَجَاء الرّجلَانِ فَقَالَا أصبْنَا قبراً محفوراً فِي صَخْرَة كَأَنَّمَا رفعت عَنهُ الْأَيْدِي السَّاعَة فكفنوه ثمَّ دفنوه ثمَّ التفتوا فَلم يرَوا شَيْئا وَيُقَال قتل بصفتين سنة سبع وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة الشريف ، وَيُقَال مَاتَ بِدِمَشْق وَدفن بهَا وَالله أعلم وَعبيد عَامل عمر رضي الله عنه على بَيت الْمُقَدّس لما وَقع الطَّاعُون فِي بَيت الْمُقَدّس كَانَ عمر اسْتَعْملهُ عَلَيْهِ فَجعلت الْجَنَائِز تَغْتَسِل وَهُوَ يُصَلِّي عَلَيْهَا وَجعل لَا يحمل الْجَنَائِز إِلَّا الشَّبَاب وَعُمَيْر بن سعد من عُمَّال عمر بن الْخطاب رضي الله عنه على حمص ويعلى بن شَدَّاد بن ثَابت من الطَّبَقَة الثَّانِيَة من تَابِعِيّ أهل الشَّام حضر فتح بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ ثِقَة روى عَنهُ جمَاعَة وَأَبُو نعيم الْمُؤَذّن أول مِمَّن أذن بِبَيْت الْمُقَدّس فَكَانَ عبَادَة بن الصَّامِت والياً على ايليا فَأَبْطَأَ بصلا الصُّبْح فَأَقَامَ أَبُو نعيم الصَّلَاة فصلى فَحَضَرَ عبَادَة وَهُوَ يُصَلِّي فصلى بِصَلَاتِهِ أَبُو الزبير الْمُؤَذّن الدَّارَقُطْنِيّ مُؤذن بَيت الْمُقَدّس قَالَ جَاءَنَا عمر بن الْخطاب رضي الله عنه فَقَالَ إِذا أَذِنت فترسل وَإِذا أَقمت فاحدر أَبُو سَلام الجيشي وأسمه محضور وَيُقَال الْبَاهِلِيّ الدِّمَشْقِي كَانَ يقدم بَيت الْمُقَدّس وَيقْرَأ على عباد بن الصَّامِت ويروى عَنهُ أَبُو جَعْفَر الجرشِي رُوِيَ عَنهُ قَالَ دخلت مَعَ عباد بن الصَّامِت مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس فَرَأى رجلا يُصَلِّي وَاضِعا نَعله عَن يَمِينه - أَو عَن شِمَاله - فَقَالَ لَهُ لَوْلَا إِنَّك تناجي رَبك لعلوت رَأسك بِهَذِهِ الْعَصَا تفعل كَفعل أهل الْكتاب وخَالِد بن معدان الكلَاعِي العَبْد الصَّالح الْفَقِيه الْكَبِير كَانَ يسبح فِي الْيَوْم
أَرْبَعِينَ ألف تَسْبِيح أَتَى بَيت الْمُقَدّس وَنزل من عل سِتَّة أَمْيَال وَلم يصل فِيهِ غير خمس صلوَات أم الدَّرْدَاء هجيمة وَيُقَال جهيمة خطبهَا مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فَأَبت وَقَالَت سَمِعت أَبَا الدَّرْدَاء يَقُول سَمِعت رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول الْمَرْأَة لآخر أزواجها فَإِن أردْت أَن تَكُونِي زَوْجَتي فِي الْجِنّ فَلَا تتخذي من بعدِي زوجا وَكَانَت تَأتي من دمشق إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَإِذا مرت عل الْجبَال قَالَت لقائدها أسمع الْجبَال مَا وعدها رَبهَا فَيقْرَأ (ويسألونك عَن الْجبَال فَقل ينسفها رَبِّي نسفاً فيذرها قاعاً صفصفاً لَا تَرَ فِيهَا عوجا وَلَا امتاً وَيَوْم تسير الْجبَال وتر الأَرْض بارزة وحشرناهم فَلم نغادر مِنْهُم أحدا) وَكَانَت تجَالس الْمَسَاكِين بِبَيْت الْمُقَدّس وتقيم بِهِ نصف سنة وبدمشق نصف سنة وَأَبُو الْعَوام مُؤذن بَيت الْمُقَدّس رو عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ إِن السُّور الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن هُوَ سور بَيت الْمُقَدّس الشَّرْقِي وقبيض بن دويب عبد الله بن محيريز وهاني بن كُلْثُوم كل هَؤُلَاءِ كَانُوا عباداً زهاداً فقبيصة كَانَ عَالما ربانياً مَاتَ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة وَابْن محيريز قرشي جمحي مكي نزل بَيت الْمُقَدّس قَالَ رَجَاء بن حَيَاة إِن فَخر علينا أهل الْمَدِينَة بعابدهم ابْن عمر فَأَنا نفتخر بعابدنا ابْن محيريز إِنَّمَا كنت أعد بَقَاءَهُ أَمَانًا لأهل الأَرْض مَاتَ قبل الْمِائَة وهاني عرضت عَلَيْهِ إِمَارَة فلسطين فَامْتنعَ وَكَانَ الثَّلَاث يقصرون الصَّلَاة من الرمل إِلَى بَيت الْمُقَدّس ومحارب بن دثار وَكَانَ قَاضِيا وَهُوَ من الْعلمَاء الزهاد وَحَدِيثه مخرج فِي كتب الْإِسْلَام قَالَ صبحنا الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن إِلَى بَيت الْمُقَدّس فغلبنا عل ثَلَاث عل قيام اللَّيْل والبسط فِي النَّفَقَة والكف عَن النَّاس وَعبد الله بن فَيْرُوز الديلمي مقدسي ثق خرج لَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَله أَخ يُقَال لَهُ الضَّحَّاك بن فَيْرُوز ثِقَة أَيْضا
وَزِيَاد بن أبي سَوْدَة مقدسي رو عَن عبَادَة بن الصَّامِت وَأبي هُرَيْرَة وَهُوَ من الثِّقَات وَأَبُو الْحسن الزُّهْرِيّ الأندلسي كَانَ مُقيما بِبَيْت الْمُقَدّس سَمعه أَبُو عبد الله مُحَمَّد الصورى فِي بَقِي بمسمع مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الْعَيْنِيّ قَالَ سَمِعت الشبلي وَقد سَأَلَهُ رجل فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا بكر مَا تَقول فِي رجل كَانَ لَهُ حَظّ فِي قيام اللَّيْل فَتَركه ثمَّ عَاد وَهُوَ مُجْتَهد أَن يَنَالهُ فَلَا يقدر؟ قَالَ فَأَنْشَأَ يَقُول
(تشاغلتموا عَنَّا بِصُحْبَة غَيرنَا
…
وأظهرتموا الهجران مَا هَكَذَا كن) وروى عَن جمَاعَة وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يُوسُف العرياني نزلت بِبَيْت الْمُقَدّس ورو عَن جمَاعَة وروى عَنهُ جمَاعَة حَدِيثه فِي كتاب ابْن ماجة وَأَبُو عتبَة الْخَواص عباد الارسوفي قدم بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ ثِقَة قَالَ رَأَيْت بِبَيْت الْمُقَدّس شَيخا كَأَنَّهُ محترق بِنَار عَلَيْهِ مدرع سَوْدَاء وعمامة سَوْدَاء طَوِيل الصمت كريه المنظر كثير الشّعْر شَدِيد الْحزن فَقلت يَرْحَمك الله لَو غيرت لباسك هَذَا فقد علمت مَا جَاءَ فِي الْبيَاض فَبكى وَقَالَ هَذَا أشبه بلباس الْمُصَاب وَإِنَّمَا نَحن فِي الدُّنْيَا فِي حداد وكأنا قد دعينا ثمَّ غشي عَلَيْهِ وعابد بِبَعْض قرى بَيت الْمُقَدّس فِي زمن ثَوْر بن يزِيد قَالَ مُحَمَّد بن المعتصم سَمِعت أبي يَقُول سَمِعت مُنَبّه بن عُثْمَان اللَّخْمِيّ يَقُول كَانَ ثَوْر بن يزِيد قد سكن بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ رجل متعبد فِي بعض قر بَيت الْمُقَدّس يجلس إِلَى ثَوْر ابْن يزِيد وَكَانَ يَغْدُو من قريته مَعَ الْفجْر فَيصَلي الصَّلَوَات كلهَا فِي بَيت الْمُقَدّس وينصرف بعد الْعشَاء الْآخِرَة إِلَى قريته وَقد سمع ثوراً يحدث أَن خَالِد بن معدان حَدثهُ بِحَدِيث رَفعه إِلَى النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من رأى شَيْئا يهوله أَو يفزعه فَلْيقل إِن الله هُوَ الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ الْوَاحِد القهار مَا قَالَهَا أحد إِلَّا فرج الله عَنهُ وَلَو كَانَ بَين يَدَيْهِ سور من حَدِيد وَانْصَرف ذَلِك الرجل
لَيْلَة من اللَّيَالِي إِلَيّ الطَّرِيق فَإِذا بأسود بَين يَدَيْهِ قد مَنعه من الْمسير فَذكر حَدِيث خَالِد فقاله ففرح الله عَنهُ فَمضى فلق حمَار وَحش فاتحاً فَاه يُرِيد ليَأْكُل يَده فَذكر حَدِيث ثَوْر فقاله فولى الْحمار وَهُوَ يَقُول لَا يرحم الله ثوراً كَمَا علمك وَعبد الله بن عَامر العامري قَالَ سَأَلت رَاهِبًا بِبَيْت الْمُقَدّس فَقلت لَهُ يَا رَاهِب مَا أول الدُّخُول فِي الْعِبَادَة؟ قَالَ الْجُوع قلت وَمَا دَلِيل ذَلِك؟ قَالَ لِأَن الْجَسَد خلق من تُرَاب وَالروح من ملكوت السَّمَاوَات فَإِذا شبع الْجَسَد ركن إِلَى الأَرْض وَإِذا لم يشْبع اشتاق إِلَى ملكوت قلت مَا سَبَب الْجُوع؟ قَالَ مُلَازمَة الذّكر والخضوع وَأَبُو عبد الله بن خصيف خرج من شيراز إِلَى مَكَّة ثمَّ أُتِي بَيت الْمُقَدّس ثمَّ دخل الشَّام رحمه الله وقاسم الزَّاهِد قَالَ رَأَيْت رَاهِبًا عل بَاب بَيت الْمُقَدّس كالولهان لَا يرقأ لَهُ دمع فهالني أمره فَقلت يَا أَيهَا الراهب أوصني وَصِيَّة أحفظها عَنْك فَقَالَ كن كَرجل احتوشته السبَاع والهوام فَهُوَ خَائِف مذعور يخَاف أَن يسهو فتفترسه أَو يلهو فتنهشه فليله ليل مَخَافَة إِذا أَمن فِيهِ المغترون ونهاره نَهَار حزن إِذا فَرح فِيهِ البطالون ثمَّ ول وَتَرَكَنِي فَقلت لَو زدتني شَيْئا عَسى الله أَن يَنْفَعنِي بِهِ فَقَالَ يَا هَذَا أَن الظمآن يَكْفِيهِ من المَاء أيسره وَمُحَمّد بن حَاتِم بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الطَّائِي أَبُو الْحسن الطوسي تفقه على إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَكَانَ صَدُوقًا خَبِيرا فَقِيها صوفياً دخل بَيت الْمُقَدّس وَسمع بِهِ الحَدِيث أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْوَلِيد بن سعد بن بكر الْأنْصَارِيّ الْفَقِيه الْمَالِكِي سكن مصر ورو بهَا عَن أبي مُحَمَّد عبد الله بن أبي زيد القيرواني وَغَيره قَالَ ابْن الْوَلِيد أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد بن أبي زيد قَالَ جماع أداب الْخَيْر وأزمته فِي أَرْبَعَة أَحَادِيث قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو ليصمت وَقَوله من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه وَقَوله - للَّذي
اختصر لَهُ فِي الْوَصِيَّة - لَا تغْضب قَوْله الْمُؤمن يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ توفّي ابْن الْوَلِيد بِبَيْت الْمُقَدّس ووفاة ابْن أبي زيد فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فَيعلم من ذَلِك الْعَصْر الَّذِي كَانَ فِيهِ ابْن الْوَلِيد وجعفر بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي قدم بَيت الْمُقَدّس فِي سنة سبعين وثلاثمائة وَقَالَ سَمِعت الْحسن بن الصّباغ البرَاز يَقُول سَمِعت الْوَلِيد بن مُسلم يَقُول سَمِعت بِلَال بن سعد يَقُول لَا ينظر إِلَى صغر الْخَطِيئَة وَأنْظر من عصيت وَالله سبحانه وتعالى أعلم وَمِنْهُم جمَاعَة أرخت وفاتهم وذكرتهم عل تَرْتِيب الوفيات وهم كَعْب الْأَحْبَار ابْن مَانع الْحِمْيَرِي أَبُو إِسْحَاق كَانَ يَهُودِيّا فَأسلم فِي خلَافَة أبي بكر وَقيل عمر قَالَ لَهُ الْعَبَّاس مَا مَنعك الْإِسْلَام إِلَيّ عهد عمر؟ فَقَالَ إِن أبي كتب لي كتابا من التَّوْرَاة وَدفعه إِلَيّ وَقَالَ أعمل بِهَذَا وَختم عل سَائِر كتبه وَأخذ عَليّ بِحَق الْوَالِدين لَا أفض الْخَاتم فَلَمَّا رَأَيْت الْإِسْلَام يظْهر قَالَت لي نَفسِي لَعَلَّ أَبَاك غيب عَنْك علم كتبك فَلَو قرأته ففضت الْكتاب فَوجدت فِيهِ صفة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأمته فَأسْلمت الْآن سكن الشَّام ورو عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة كَأبي هُرَيْرَة وَتقدم إِنَّه دخل بَيت الْمُقَدّس واستشاره عمر فِي مَوضِع الْقبْلَة وَتُوفِّي بحمص سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة فِي زمن خلَافَة عُثْمَان رضي الله عنه وَإِبْرَاهِيم بن أبي عبلة الْعقيلِيّ الْمَقْدِسِي رو عَنهُ الإمامان مَالك وَابْن الْمُبَارك توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين من الْهِجْرَة وَجبير بن نصير الْحَضْرَمِيّ الْحِمصِي فِي الطَّبَقَة الأولى من التَّابِعين أدْرك زمن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأسلم زمن أبي بكر الصّديق رضي الله عنه أَتَى بَيت الْمُقَدّس للصَّلَاة ورو عَن خَالِد بن الْوَلِيد وَأبي الدَّرْدَاء وَعباد بن الصَّامِت والنواس بن سمْعَان قَالَ جُبَير خمس خِصَال قبيحة الحدة فِي السُّلْطَان والحرص فِي الْعلمَاء والشره فِي الشُّيُوخ وَالشح فِي الْأَغْنِيَاء وَقلة الْحيَاء فِي ذَوي الأحساب
توفّي جُبَير سنة خمس وَسبعين من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وَعبد الرَّحْمَن بن غنم الْأَشْعَرِيّ كَانَ مُسلما فِي زمن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَلكنه لم يفد إِلَيْهِ لكنه لَازم معَاذ بن جبل مُنْذُ بَعثه رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْيمن حَتَّى مَاتَ معَاذ وَسمع عمر بن الْخطاب قَالَ صَاحب (مثير الغرام) أَظُنهُ قدم بَيت الْمُقَدّس فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي فقه عَامَّة التَّابِعين بِالشَّام وَتُوفِّي سنة تسع وَسبعين من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وخَالِد كَانَ بصخرة بَيت الْمُقَدّس فجَاء عمر بن عبد الْعَزِيز أَمِير الْمُؤمنِينَ رضي الله عنه فَأخذ بِيَدِهِ وَقَالَ يَا خَالِد مَا علينا؟ قَالَ عَلَيْكُم من الله إِذن سميع وَعين بَصِيرَة فإرتعد عمر خوفًا من الله وَنزع يَده فَقَالَ خَالِد يُوشك أَن يكون هَذَا إِمَامًا عادلاً وَلزِمَ خَالِد بَيته فِي خر أمره وَقَالَ مَا بَقِي من النَّاس إِلَّا حَاسِد أَو شامت وَتُوفِّي سنة تسعين من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وَمَالك بن دِينَار من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام روى عَن أنس وَأخرج لَهُ أَصْحَاب السّنَن أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة توفّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة وَمُحَمّد بن وَاسع ثِقَة زاهد من أهل الْبَصْرَة من الأزد روى عَن أنس بن مَالك وَغَيره أخرج لَهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَجمعته الطَّرِيق وَمَالك بن دِينَار وَعبد الْوَاحِد بن زيد وَسَارُوا إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَتُوفِّي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة أم الْخَيْر رَابِعَة بنت اسماعيل العدوية البصرية مولاة آل عقيل الصَّالِحَة الْمَشْهُورَة كَانَت من أَعْيَان عصرها وأخبارها فِي الصّلاح وَالْعِبَادَة مَشْهُورَة وَكَانَت تَقول فِي مناجاتها إلهي أتحرق بالنَّار قلباً يحبك فَهَتَفَ بهَا مرّة هَاتِف مَا كُنَّا نَفْعل هَذَا فَلَا تظني بِنَا ظن السوء وَمن وصاياها اكتموا حسناتكم كَمَا تكتمون سَيِّئَاتكُمْ وَأورد لَهَا الشَّيْخ شهَاب الدّين السهروردي فِي كتاب عوارف المعارف
(إِنِّي جعلتك فِي الْفُؤَاد محدثي
…
وأبحت جسمي من أَرَادَ جلوسي)
(فالجسم مني للحبيب مؤانس
…
وحبِيب قلبِي فِي الْفُؤَاد أنيسي) توفيت سنّ خمس وَثَلَاثِينَ - قيل ثَمَانِينَ - وَمِائَة قبرها عل رَأس جبل طور زيتا شَرْقي بَيت الْمُقَدّس بجوار مصعد السَّيِّد عيس عليه السلام من جِهَة الْقبْلَة وَهُوَ فِي زَاوِيَة ينزل إِلَيْهَا من درج وَهُوَ مَكَان مأنوس يقْصد للزيارة وَمن النِّسَاء العابدات بِبَيْت الْمُقَدّس امْرَأَة تسم طافية كَانَت تَأتي بَيت الْمُقَدّس تتعبد فِيهِ وَامْرَأَة أُخْرَى تسمى لبَابَة ذكرهمَا ابْن الْجَوْزِيّ وَذكر عدَّة من العابدات المجهولات الْأَسْمَاء وَلم يؤرخ وَفَاة وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَسليمَان بن طرخان الهيثمي التَّمِيمِي نزل بالبصر وَسمع أنسا وَكَانَ يَقُول إِذا دخلت بَيت الْمُقَدّس كَأَن لأتدخل معي حَتَّى أخرج مِنْهُ توفّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان الْمُفَسّر قدم بَيت الْمُقَدّس فصل فِيهِ وَجلسَ عِنْد بَاب الصَّخْرَة القبلي وَاجْتمعَ إِلَيْهِ خلق كثير من النَّاس يَكْتُبُونَ عَنهُ ويسمعون مِنْهُ فَأقبل بدوي يطَأ بنعليه عل البلاط وطأ شَدِيدا فَسمع مقَاتل فَقَالَ لمن حوله انفرجوا فانفرج النَّاس عَنهُ فأهو بِيَدِهِ يُشِير إِلَيْهِ ويزيده بِصَوْتِهِ أَيهَا الْوَاطِئ أرْفق بوطئك فوالذي نفس مقَاتل بِيَدِهِ مَا تطَأ إِلَّا على اجاجين الْجنَّة وَفِي كَلَام آخر قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي رضي الله عنه النَّاس كلهم عِيَال عل ثَلَاثَة مقَاتل بن سُلَيْمَان فِي التَّفْسِير وَذكر الآخرين توفّي مقَاتل سنة خمسين وَمِائَة والاوزاعي عبد الرَّحْمَن بن عمر وَاحِد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام فَقِيه الشَّام كَانَ رَأْسا فِي الْعلم وَالْعِبَادَة قدم بَيت الْمُقَدّس فصلى فِيهِ ثَمَان رَكْعَات والصخرة وَرَاءه ثمَّ صل فِيهِ الْخمس وَقَالَ هَكَذَا فعل عمر بن عبد الْعَزِيز وَلم يَأْتِ شَيْئا من المزارات وَتُوفِّي فِي الْحمام سنة سبع وَخمسين وَمِائَة وسُفْيَان الثَّوْريّ هُوَ ابْن سعيد بن مَسْرُوق الامام الْعَالم الْمجمع عل جلالته
وزهده وورعه أَتَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى فصل فِيهِ بِموضع الْجَمَاعَة واتى قبَّة الصَّخْرَة الشَّرِيفَة وَختم فِيهَا الْقُرْآن وروى إِنَّه اشْترى ى موزاً بدرهم فأكلمنه فِي ظلها ثمَّ قَالَ إِن الْحمار إِذا وَفِي عليقه - أَو قَالَ علفه - زيد فِي عمله ثمَّ قَامَ يُصَلِّي حَتَّى رَحمَه من رأه توفّي بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى ى وَسِتِّينَ وَمِائَة وَإِبْرَاهِيم بن أدهم بن إِسْحَاق من كور بَلخ أحد الزهاد وَهُوَ من ثِقَات اتِّبَاع التَّابِعين وَمن أَبنَاء الْمُلُوك خرج يَوْمًا يتصيد وأثار ثعلباً - أَو أرنبا؟ ؟ ً - وأسرع فِي طلبه فَهَتَفَ بِهِ هَاتِف أَلِهَذَا خلقت أم بِهَذَا أمرت؟ ثمَّ هتف بِهِ من قربوس سَرْجه وَالله مَا هَذَا خلقت وَلَا بِهَذَا أمرت فَنزل عَن دَابَّته وَترك الْإِمَارَة وَدخل الْبَادِيَة وتزهد وَصَحب الإِمَام أَبَا حنيفَة وَله متن الكرامات مَا هُوَ مَشْهُور بهَا قدم بَيت الْمُقَدّس وَقَامَ بالصخرة الشَّرِيفَة وَسكن الشَّام وَتُوفِّي بِمَدِينَة جبلة من أَعمال طرابلس وقبره مَشْهُور بهَا قَالَ صَاحب (مثير الغرام) إِنَّه مَاتَ بِبِلَاد الرّوم ووفاته فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة اللَّيْث بن سعد بن عبد الرَّحْمَن الفهمي مَوْلَاهُم عَالم أهل مصر كَانَ نَظِير مَالك فِي الْعلم قيل إِنَّه كَانَ دخله فِي سنة ثَمَانِينَ ألف دِينَار فَمَا وجببت عَلَيْهِ زَكَاة وَفِي رِوَايَة لَا ينقصني عَلَيْهِ عَام إِلَّا وَعَلِيهِ دين من كَثْرَة جوده وبره وَقدم بَيت الْمُقَدّس قَالَ اللَّيْث لما ودعت أَبَا جَعْفَر - يَعْنِي الْخَلِيفَة - بِبَيْت الْمُقَدّس قَالَ أعجبني مَا رَأَيْت من شدَّة عقلك فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل فِي رعيتي مثلك وَيُقَال إِنَّه كَانَ حَنَفِيّ الْمَذْهَب وَإنَّهُ ولي الْقَضَاء بِمصْر ولد سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين من الْهِجْرَة الشريف وَتُوفِّي يَوْم الْخَمِيس منتصف شعْبَان سنة خمس وَسبعين وَمِائَة وَدفن يَوْم الْجُمُعَة بالرافة الصُّغْرَى وقبره أحد المزارات قَالَ بعض أَصْحَابه لما دفن اللَّيْث ابْن سعد سمعنَا صَوتا يَقُول ذهب اللَّيْث فَلَا لَيْث لكم وَمضى الْعلم غَرِيبا وفتر
قَالَ فالتفتنا فَلم نرا أحدا وترجمة الشَّافِعِي رحمه الله تَرْجَمَة عَظِيمَة وَكَانَ أُتِي إِلَى قَبره بالقرافة كل عَشِيَّة جُمُعَة وَيسْتَمر حَتَّى يقْرَأ على قَبره ختماً كَامِلا ستمر أهل مصر يَفْعَلُونَ ذَلِك بقبره فِي عَشِيَّة كل جمعه إِلَى يَوْمنَا هَذَا ويختلفون لَك وَلَهُم فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَله شهرة ظَاهِرَة وأحوال بارزة نفعنا الله بِهِ ووكيع بن الْجراح بن مليح أَبُو سُفْيَان الرواسِي مولده سنة تسع وَعشْرين مائَة وَكَانَ من أَعْلَام وَهُوَ من الروَاة عَن الامام أَحْمد بن حنبلة رضي الله عنه روى عَنهُ الامام أَحْمد أَيْضا وَقَالَ عَنهُ مَا رَأَيْت أوعى للْعلم مِنْهُ وَلَا أحفظ قدم بَيت الْمُقَدّس وَأحرم مِنْهُ إِلَى مَكَّة وَتُوفِّي يَوْم عَاشُورَاء وَدفن رَاجعا مِمَّن الْحَج سنة تسع - قيل سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة الامام الْأَعْظَم والحبر الأكرم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي المطلبي أحد الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين الْأَعْلَام وَإِمَام أهل السن ركن الْإِسْلَام ولد بغزة من بِلَاد الشَّام على الْأَصَح سنة خمسين وَمِائَة وَهِي الَّتِي توفّي فِيهَا الإِمَام الْأَعْظَم أَبُو حنيفَة رضي الله عنه وَقيل فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ خرج كتاب الام وَكتاب السّنَن وَأَشْيَاء كَثِيرَة كلهَا فِي أَربع سِنِين قدم الْمُقَدّس فصلى فِيهِ وَقَالَ سلوني عَمَّا شِئْتُم أخْبركُم من كتاب الله وسعة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقيل لَهُ مَا تَقول فِي محرم قتل زنبوراً؟ فَقَالَ قَالَ الله تَعَالَى (وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا) وَحدثنَا ابْن عُيَيْنَة بن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من بعدِي بِأبي بكر وَعمر حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن مَسْعُود عَن قيس بن مُسلم بن طَارق بن شهَاب أَن عمر أَمر الْمحرم بقتل الزنبور وَتُوفِّي الإِمَام الشَّافِعِي رضي الله عنه بِمصْر يَوْم الْجُمُعَة وَدفن من يَوْمه بعد الْعَصْر آخر يَوْم من رَجَب سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ بالقرافة الصُّغْرَى وقبره مَشْهُور يزار مَعنا الله بِهِ
وَأما الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة رضي الله عنهم فَلم أطلع عل شئ يدل عل قدوم أحد مِنْهُم بَيت الْمُقَدّس والمؤمل بن اسماعيل الْبَصْرِيّ صَدُوق وَكَانَ شَدِيدا فِي السّنة قدم بَيت الْمُقَدّس واعطى بِهِ قوما شَيْئا وداروا بِهِ تِلْكَ الْأَمَاكِن توفّي سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ وَبشر بن الْحَرْث الحافي أحد رجال الطَّرِيقَة من كبار الصَّالِحين وأعيان الأتقياء المتورعين أَصله من مرو من قَرْيَة من قراها وَسكن بَغْدَاد وَإِنَّمَا لقب الحافي لِأَنَّهُ جَاءَ إلاسكاف يطْلب مِنْهُ شسعاً لأحد نَعْلَيْه وَكَانَ قد انْقَطع فَقَالَ الله الاسكاف مَا أَكثر كلفتكم على النَّاس؟ فَألْقى النَّعْل من رجله وَحلف لَا يلبس نعلا بعْدهَا ولد سنة خمسين وَمِائَة قيل لَهُ لم يفرح الصالحون بِبَيْت الْقُدس؟ قَالَ لِأَنَّهَا تذْهب الْهم وَلَا تشتغل النَّفس بهَا وَقَالَ مَا بَقِي عِنْدِي من لذات الدُّنْيَا إِلَّا أَن استلقي على جَنْبي تَحت السَّمَاء بِجَامِع بَيت الْمُقَدّس توفّي فِي شهر ربيع الآخر سنة سِتّ - قيل سبع - وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَاد وَقيل بمرو وَذُو النُّون الْمصْرِيّ أَبُو الْفَيْض ثَوْبَان بن إِبْرَاهِيم الصَّالح الْمَشْهُور أحد رجال الطَّرِيقَة قدم بَيت الْمُقَدّس وَقَالَ وجدت على صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس كل عَاص مستوحش وكل مُطِيع مستأنس وكل خَائِف هارب وكل راج طَالب وكل قَانِع غَنِي وكل محب ذليل قَالَ فَرَأَيْت هَذِه الْكَلِمَات أصُول مَا استعبد الله بِهِ الْخلق توفّي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَالسري بن الْمُغلس السَّقطِي قدم بَيت الْمُقَدّس وروى عَنهُ جمَاعَة قَالَ خرجت من الرملة إِلَى بَيت الْمُقَدّس الشريف فمررت بمشرفة وغدير مَاء وعشب نابت فَجَلَست آكل من العشب واشرب من المَاء فَقلت فِي نَفسِي إِن كنت أكلت أَو شربت فِي الدُّنْيَا حَلَالا فَهُوَ هَذَا فَسمِعت هاتفاً يَقُول يَا سري فالنفقة الَّتِي بلغتك من أَيْن؟ توفّي سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَتَيْنِ
وَمُحَمّد بن كرام الْمُتَكَلّم الَّتِي تنْسب إِلَيْهِ الْفرْقَة الكرامية الَّذِي ينْسب إِلَيْهِم تَجْوِيز وضع الْأَحَادِيث للترغيب والترهيب وكرام - بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد الرَّاء - على وزن جمال أَبُو عبد الله السجسْتانِي العابد وَمِنْهُم من يَقُول مُحَمَّد بن كرام - بِكَسْر الْكَاف وَتَخْفِيف الرَّاء - روى عَن جمَاعَة وَكَانَ حَبسه طَاهِر بن عبد الله فَلَمَّا أطلقهُ ذهب إِلَى ثغور الشَّام ثمَّ عَاد إِلَى نيسابور فحبسه مُحَمَّد بن طَاهِر بن عبد الله فطال حَبسه وَكَانَ يتأهب لصَلَاة الْجُمُعَة فيمنعه السجان فَيَقُول اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم إِن الْمَنْع من غَيْرِي أَقَامَ بِبَيْت الْمُقَدّس وَكَانَ يجلس للوعظ عِنْد العمود الَّذِي عِنْد مهد عِيسَى وَاجْتمعَ عَلَيْهِ خلق كثير ثمَّ تبين لَهُم إِنَّه يَقُول إِن الْأَيْمَان قَول فَتَركه أهل بَيت الْمُقَدّس توفّي بِبَيْت الْمُقَدّس لَيْلًا وَدفن بِبَاب أرِيحَا عِنْد قُبُور الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَله بِبَيْت الْمُقَدّس نَحْو عشْرين سنة وَكَانَت وَفَاته فِي صفر سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ قلت وَالْبَاب الْمَعْرُوف بِبَاب أرِيحَا قد اندرس لطول الْمَدّ واستيلاء الإفرنج وَلم يبْق لَهُ أثر وَالظَّاهِر إِنَّه كَانَ عِنْد انْتِهَاء الَّذِي كَانَ يدْخل بادية تَبُوك على التَّجْرِيد والتوكل توفّي بِمَدِينَة الرملة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ حكى إِنَّه يستشفي بقبره ويستجاب الدُّعَاء عِنْده قلت وَلم يعلم الْآن قَبره لطول الزَّمَان واستيلاء الإفرنج عل تِلْكَ الْأَرَاضِي مُدَّة طَوِيلَة رَحمَه الله تَعَالَى وَبكر بن سهل الدمياطي الْمُحدث قدم إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَجمعُوا لَهُ ألف دِينَار حَتَّى روى لَهُم التَّفْسِير توفّي فِي ربيع الأول سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَأحمد بن يحي البرَاز الْبَغْدَادِيّ حُكيَ عَنهُ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْجلَال الْبَغْدَادِيّ إِنَّه أخبرهُ إِنَّه قدم من مَكَّة إِلَى بَيت الْمُقَدّس فندم عل مَجِيئه وَقَالَ تركت الصَّلَاة بِمَكَّة بِمِائَة ألف صَلَاة وَهنا بِخمْس وَعشْرين ألف صَلَاة وبمكة تنزل مائَة وَعِشْرُونَ ألف رَحمَه للطائفين والمصلين والناظرين وَأَرَادَ الْخُرُوج إِلَى مَكَّة فَرَأى النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر لَهُ مَا خطر بِبَالِهِ من الْفضل فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم نعم هُنَاكَ تنزل الرَّحْمَة نزولا وَهنا تنصب الرَّحْمَة صبا وَلَو لم يكن لهَذَا الْموضع شَأْن - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى مَوضِع الْإِسْرَاء عِنْد قبَّة الْمِعْرَاج - لما اسري بِي إِلَيْهِ فَأَقَامَ الرجل بالقدس إِلَى أَن مَاتَ بِهِ وَكَانَت هَذِه الرُّؤْيَا فِي رَجَب سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَالشَّيْخ سَلامَة بن اسماعيل بن جمَاعَة الْمَقْدِسِي الضَّرِير صَاحب شرح الْمِفْتَاح لِابْنِ الْقَاص وَله أَيْضا مُصَنف مُفْرد فِي التقاء الختانين كَانَ عديم النظير فِي زَمَانه لأجل مِمَّا خصّه الله بِهِ من حُضُور الْقلب وصفاء الذِّهْن وَكثر الْحِفْظ وَقد ذكره جمَاعَة وأثنوا عَلَيْهِ توفّي سنة ثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَشَيخ الْإِسْلَام الإِمَام الْعَالم الحبر أَبُو الْفرج عبد الْوَاحِد بن أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن عَليّ بن أَحْمد الشِّيرَازِيّ ثمَّ الْمَقْدِسِي الْأنْصَارِيّ الْحَنْبَلِيّ شيخ الشَّام فِي وقته وَهُوَ من أَصْحَاب القَاضِي أبي يعلي بن الْفراء أَمَام الْحَنَابِلَة قدم الشَّام فسكن بِبَيْت الْمُقَدّس وَهُوَ الَّذِي نشر مَذْهَب الامام أَحْمد رضي الله عنه فِيمَا حوله ثمَّ أَقَامَ بِدِمَشْق فنشر الْمَذْهَب بهَا وَكَانَ لَهُ اتِّبَاع وتلامذة وَيُقَال إِنَّه اجْتمع مَعَ الْخضر عليه السلام دفعتين وَكَانَ يتَكَلَّم فِي عدَّة أَوْقَات عل الخاطر كَمَا كَانَ يتَكَلَّم ابْن الْقزْوِينِي الزَّاهِد لَهُ تصانيف مِنْهَا الْمُبْهِج والإيضاح والتنصرة فِي أصُول الدّين ومختصر فِي الْحُدُود فِي أصُول الْفِقْه ومسائل الامتحان وَيُقَال إِن لَهُ كتاب الْجَوَاهِر فِي التَّفْسِير وَهُوَ ثَلَاث مجلدات توفّي يَوْم الْأَحَد ثامن عشر من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة بِدِمَشْق وَدفن بمقبرة الْبَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى وَالشَّيْخ الْعَلامَة أَبُو الْفَتْح نصر بن إِبْرَاهِيم الْمَقْدِسِي النابلسي الشَّافِعِي شيخ
الْمَذْهَب بِالشَّام صَاحب التصانيف مَعَ الزّهْد وَالْعِبَادَة سمع الحَدِيث وأمل وَحدث أَقَامَ بالقدس مُدَّة طَوِيلَة بالزاوية الَّتِي على ياب الرَّحْمَة الْمَعْرُوفَة بالناصرية وَالظَّاهِر أَن تَسْمِيَتهَا بالناصرية نِسْبَة للشَّيْخ نصر ثمَّ عرفت بالغزالية لاقامة الْغَزالِيّ بهَا ثمَّ قدم دمشق فسكنها وَعظم شَأْنه وحك بعض أهل الْعلم قَالَ صبحت إِمَام الْحَرَمَيْنِ ثمَّ صبحت الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق فَرَأَيْت طَرِيقَته أحسن ثمَّ صبحت الشَّيْخ نصر فَرَأَيْت طَرِيقَته أحسن مِنْهُمَا وَلما قدم الْغَزالِيّ إِلَى دمشق اجْتمع بِهِ واستفاد مِنْهُ وَمن تصانيفه التَّهْذِيب وَكتاب التَّقْرِيب وَكتاب الْفُصُول وَكتاب الْكَافِي وَله شرح متوسط عل مُخْتَصر شَيْخه سُلَيْمَان بن أَيُّوب الرَّازِيّ سَمَّاهُ الاشارة وَكتاب الْحجَّة لتارك المحجة توفّي يَوْم عَاشُورَاء سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة بِدِمَشْق وَدفن بِالْبَابِ الصَّغِير رحمه الله والفقيه أَبُو الْفضل عَطاء شيخ الشَّافِعِيَّة بالقدس الشريف فقهاً وعلماً وَشَيخ الصُّوفِيَّة طَريقَة كَانَ فِي زمن الشَّيْخ نصر الْمَقْدِسِي رحمهمَا اله تَعَالَى وَالشَّيْخ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي المشرف بن المرجا بن ابراهيم الْمَقْدِسِي كَانَ من عُلَمَاء بَيت الْمُقَدّس لَهُ كتاب فَضَائِل الْبَيْت الْمُقَدّس والصخرة وَمَا اتَّصل بذلك من أَخْبَار وآثار وفضائل الشَّام وَهُوَ كتاب مُفِيد رَوَاهُ بِالْأَسَانِيدِ عَنهُ أَبُو الْقَاسِم مكي الرميلي - الْآتِي ذكره بعده - وَلم اطلع لأبي الْمَعَالِي عل تَرْجَمَة وَلَا تَارِيخ وَفَاة وَلكنه كَانَ فِي عصر أبي الْقَاسِم الْمَذْكُور وَالشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم مكي بن عبد السَّلَام بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ الرميلي الشَّافِعِي الْحَافِظ مولده سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة كَانَت الْفَتَاوَى تَأتي إِلَيْهِ من مصر وَالشَّام وَغَيرهمَا وَكَانَ من الجوالين فِي الْآفَاق كثير التَّعَب وَالنّصب والسهر وَكَانَ ورعاً سمع بالقدس وبلاد كَثِيرَة وَشرع فِي تَارِيخ بَيت الْمُقَدّس وفضائله وَجمع فِيهِ أَشْيَاء كَثِيرَة وَلما أَخذ الإفرنج بَيت الْمُقَدّس فِي سنّ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة أَخَذُوهُ
أَسِيرًا وبعثوه إِلَى الْبِلَاد يُنَادي فِي فكاكه بِأَلف دِينَار لما علمُوا إِنَّه عُلَمَاء الْمُسلمين فَلم يستفكه أحد فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ عل بَاب إنطاكية حَتَّى قَتَلُوهُ رحمه الله وَقَالَ السُّبْكِيّ فِي (طَبَقَات الشَّافِعِيَّة) إِنَّهُم بِبَيْت الْمُقَدّس فِي الْيَوْم الثَّانِي عشر من شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة ابو الْقَاسِم عبد الْجَبَّار بن أَحْمد بن يُوسُف الرَّازِيّ الشَّافِعِي تفقه على الخجندي بأصبهان ثمَّ استوطن بَغْدَاد مد ثمَّ انْتقل إِلَى بَيت الْمُقَدّس وسلك سَبِيل الْوَرع والانقطاع إِلَى الله تعال إِلَى أَن اسْتشْهد عل يَد الإفرنج لعنهم الله تعال حِين أَخذهم الْقُدس فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَالْغَزالِيّ الإِمَام زين الدّين حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْغَزالِيّ الطوسي الشَّافِعِي ولد سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة وَلم يكن للطائفة الشَّافِعِيَّة فِي آخر عصره مثله واشتغل فِي مبدأ أمره بطوس ثمَّ قدم نيسابور وَصَارَ من الْأَعْيَان الْمشَار إِلَيْهِم وَارْتَفَعت مَنْزِلَته أَقَامَ بِدِمَشْق ثمَّ انْتقل إِلَى بَيت الْمُقَدّس مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة وَالطَّاعَة وزيارة الْمشَاهد والمواضع الْعَظِيمَة وَأخذ فِي التصانيف الْمَشْهُورَة بِبَيْت الْمُقَدّس فَيُقَال إِنَّه صنف فِي الْقُدس أَحيَاء عُلُوم الدّين وَأقَام بالزاوية الَّتِي على بَاب الرَّحْمَة الْمَعْرُوفَة قبل ذَلِك بالناصرية شَرْقي بَيت الْمُقَدّس فسميت بالغزالية نِسْبَة إِلَيْهِ وَقد خرجت ودثرت توفّي بطوس يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر جمادي الْآخِرَة سنة خمس وَخَمْسمِائة رحمه الله وَالْقَاضِي مُحَمَّد بن حسن بن مُوسَى بن عبد الله البلاشاعوني التركي الْحَنَفِيّ وَيعرف بالاشتلي ولي قَضَاء بَيت الْمُقَدّس فشكوا مِنْهُ فعزل ثمَّ ولي قَضَاء دمشق وَكَانَ عَالما فِي مَذْهَب أبي حنيفَة وَهُوَ الَّذِي رتب الْإِقَامَة مثنى وَكَانَ شَدِيد التعصب توفّي فِي جمادي الْآخِرَة سنة سِتّ وَخَمْسمِائة والأمام الْحَافِظ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن طَاهِر بن عَليّ بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن القيسراني كَذَا اسْمه فِي تَارِيخ ابْن خلكان وَقيل اسْمه عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن طَاهِر
الْقُدسِي الجوال فِي الْآفَاق الْجَامِع بَين الذكاء وَالْحِفْظ وَحسن التصنيف وجودة الْخط ولد بِبَيْت الْمُقَدّس فِي سادس شَوَّال سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَحدث سنة سِتِّينَ وَأول من سَمعه الْفَقِيه نصر الْمَقْدِسِي وَكَانَ من الْمَشْهُورين بِالْحِفْظِ لمعْرِفَة بعلوم الحَدِيث وَله فِي ذَلِك مصنفات مجموعات تدل عل غزارة علمه وجودة مَعْرفَته وصنف تصانيف كَثِيرَة مِنْهَا أَطْرَاف الْكتب السِّتَّة وَهِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وأطراف الغرائب تصنيف الدَّارَقُطْنِيّ وَكتاب الْأَنْسَاب فِي جُزْء لطيف وَهُوَ الَّذِي ذيله الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ وَغير ذَلِك من الْكتب وَله شعر حسن وَكتب عَنهُ غير وَاحِد من الْحفاظ مِنْهُم أَبُو مُوسَى الْمَذْكُور رَحل إِلَى بَغْدَاد فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَحرم مِنْهُ إِلَى مَكَّة وَتُوفِّي بِبَغْدَاد يَوْم الْجُمُعَة لليلتين بَقِيَتَا من شهر ربيع الآخر سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَدفن بالمقبرة العتيقة بالجانب الغربي وَكَانَ وَلَده زرْعَة طَاهِر من الْمَشْهُورين بعلو الْإِسْنَاد وَكثر السماع قدم بَغْدَاد لِلْحَجِّ وَحدث بهَا بِأَكْثَرَ مسموعاته وَسمع مِنْهُ الْوَزير أَبُو المظفر يحي بن هُبَيْرَة القيسراني - بِفَتْح الْقَاف وَالسِّين الْمُهْملَة بَينهمَا يَاء مثناة من تحتهَا ثمَّ رَاء مَفْتُوحَة بعد الْألف نون - هَذِه النِّسْبَة إِلَى قيسري بَلْدَة عل سَاحل الْبَحْر بِبِلَاد الشَّام وَأَبُو الْغَنَائِم مُحَمَّد بن عَليّ بن مَيْمُون الْقرشِي الْكُوفِي الْحَافِظ كَانَ دينا خَبِيرا رَحل إِلَى الشَّام وَسمع الحَدِيث بِبَيْت الْمُقَدّس وَتُوفِّي سنة عشر وَخَمْسمِائة بجبلة وَحمل إِلَى الْكُوفَة وَأَبُو روح ياسين بن سُهَيْل الْقَابِسِيّ الخشاب توفّي بنيسابور سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة وَأَبُو الْفَتْح سُلْطَان بن إِبْرَاهِيم بن مُسلم الْمَقْدِسِي الْفَقِيه الشَّافِعِي صَاحب الذَّخَائِر ولد بالقدس سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وتفقه عل الْفَقِيه نصر حَتَّى برع
فِي الْمَذْهَب وَدخل مصر بعد السّبْعين والأربعمائة وَكَانَ من الْفُقَهَاء بِمصْر وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَكْثَرهم روى عَنهُ السلَفِي وَغَيره وصنف كتابا فِي أَحْكَام التقاء الختانين توفّي سنة ثَمَانِيَة عشر أَو فِي الَّتِي بعْدهَا وَقيل فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة الطرطوشي الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن مُحَمَّد بن خلف بن سُلَيْمَان بن أَيُّوب الْقرشِي الفِهري الأندلسي الْمَالِكِي قدم بَيت الْمُقَدّس وَحج على نَفَقَة الإِمَام أبي بكر الشَّاشِي المستظهر وَكَانَ إِمَامًا عَالما زاهداً سكن الشَّام ودرس بهَا مولده سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة تَقْرِيبًا وَتُوفِّي لَيْلَة السبت لأَرْبَع بَقينَ من جمادي الأولى سنة عشْرين وَخَمْسمِائة بثغر الْإسْكَنْدَريَّة والطرطوشي نِسْبَة إِلَى طرطوشة وَهِي مَدِينَة بالأندلس فِي آخر بِلَاد الْمُسلمين فِي شَرْقي الأندلس على سَاحل الْبَحْر وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى الْأمَوِي العثماني الْمَقْدِسِي النابلسي نزل بَغْدَاد وتفقه على الشَّيْخ نصر الْمَقْدِسِي وَكَانَ يُفْتِي ويدرس وَهُوَ من أهل الْعلم وَالْعَمَل وَتُوفِّي سنة سبع وَعشْرين وَخَمْسمِائة عَن خمس وَسِتِّينَ سنة وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَقْدِسِي العثماني الْمَشْهُور بالديباجي من أَوْلَاد الديباجي بن عبد الله بن عمر بن عُثْمَان بن عَفَّان وَمُحَمّد الديباجي أمه فَاطِمَة بنت الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب سمي الديباجي لحسنه وَلِأَن ديباجة وَجهه كَانَت تشبه ديباجة وَجه رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم أَصله من مَكَّة وَأقَام بِبَيْت الْمُقَدّس وَكتب الْأَحَادِيث بهَا وسمعها وَسكن بَغْدَاد بدرب السلسلة وَهُوَ فَقِيه فَاضل حسن السِّيرَة قَوَّال بِالْحَقِّ كَانَ يُقَال لَهُ سمي النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم وشبيهه توفّي يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر من صفر سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَدفن بالوردية وَأَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن عبد الله الربعِي الْمَقْدِسِي الشَّافِعِي اشْتغل عل الشَّيْخ أبي إِسْحَاق وَسمع الحَدِيث من الشَّيْخ نصر الْمَقْدِسِي والحافظ أبي بكر
الْخَطِيب ثمَّ دخل الغرب وَسكن الْبَريَّة توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَأَبُو عَليّ الْحسن بن فرج بن حَاتِم الْمَقْدِسِي الْوَاعِظ الشَّافِعِي رو عَن القَاضِي الرشيد الْمَقْدِسِي توفّي فِي نصف شعْبَان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَالْإِمَام أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ مُحَمَّد بن عبد الله المغربي الْمعَافِرِي الأندلسي الاشبيلي الْحَافِظ الْمَشْهُور دخل مَعَ أَبِيه إِلَى الْمشرق سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَلَقي الإِمَام الطرطوشي وتفقه عَلَيْهِ وَصَحب الشَّاشِي وَالْغَزالِيّ قدم بَيت الْمُقَدّس وروى عَنهُ خلق كثير من الْعلمَاء توفّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَأَبُو بكر الْجِرْجَانِيّ مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي بكر من أهل جرجان من عمل نيسابور قصد هُوَ وَأَبُو سعيد السَّمْعَانِيّ زِيَارَة بَيت الْمُقَدّس فذهبا وَلم يفترقا حَتَّى رجعا إِلَى الْعرَاق وَكَانَ شَيخا صَالحا قيمًا بِكِتَاب الله دَائِم الْبكاء كثير الْحزن مولده سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة توفّي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وتاج الْإِسْلَام أَبُو سعيد عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانِيّ الشَّافِعِي صَاحب كتاب الذَّلِيل لتاريخ مَدِينَة السَّلَام عدَّة مجلدات وَله تَارِيخ مُرُور الْأَسْبَاب وطراز الْمَذْهَب فِي آدَاب الطّلب وتحفة الْمُسَافِر وَعز الْعُزْلَة والمناسك والتخيير فِي المعجم الْكَبِير والأماني وَغير ذَلِك قدم بَيت الْمُقَدّس زَائِرًا لَهُ وَهُوَ فِي أَيدي الْكفَّار وَتُوفِّي فِي غرَّة ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَمن عباد بَيت الْمُقَدّس الْمَشْهُورين بالصلاح إِدْرِيس بن أبي خَوْلَة الانطاكي وَعبد الْعَزِيز الْمَقْدِسِي وَكَانَا صالحين ذكرهمَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي صفوة الصفوة وَذكر لَهما كرامات وَلم يؤرخ وفاتهما وَأما من دخل بَيت الْمُقَدّس واستوطنه من الزهاد وَالصَّالِحِينَ مِمَّن لم يعرف اسْمه فكثير وَلَهُم أَخْبَار ومناقب لم نذكرها لعدم معرفَة أسمائهم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَقد انْتهى ذكر مَا قصدته من تراجم الْأَعْيَان بالقدس الشريف مِمَّن كَانَ بِهِ فِي الزَّمن السالف قبل اسْتِيلَاء الإفرنج عَلَيْهِ وَلم اظفر بِغَيْر ذَلِك لطول الْأَزْمِنَة
وَانْقِطَاع أَخْبَار السّلف باستيلاء الْكفَّار عل الأَرْض المقدسة وسأذكر مَا تيَسّر من أَسمَاء الْعلمَاء والأعيان بالقدس الشريف مِمَّن كَانَ بِهِ بعد الْفَتْح الصلاحي - كَمَا تقدم الْوَعْد بِهِ - إِن شَاءَ الله تَعَالَى ولنذكر الْآن نبذة يسيرَة مِمَّا وَقع بِبَيْت الْمُقَدّس من الْحَوَادِث وَالْأَخْبَار فِي ذَلِك الزَّمَان فَمن ذَلِك مَا وَقع فِي شهور سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلاثمائة إِن الْحَاكِم بِأَمْر الله أَبُو عَليّ الْمَنْصُور بن الْعَزِيز الفاطمي خَليفَة مصر أَمر بتخريب كَنِيسَة القمامة من بَيت الْمُقَدّس وأباح للعامة مَا كَانَ بهَا من الْأَمْوَال وامتعة وَغير ذَلِك وَكَانَ ذَلِك بِسَبَب مَا انهي إِلَيْهِ من الْفِعْل الَّذِي تتعاطاه النَّصَارَى يَوْم الفصح من النَّار الَّتِي يحتالون بهَا بِحَيْثُ يتَوَهَّم الاغمار من جهلتهم إِنَّهَا تنزل من السَّمَاء وَإِنَّهَا مصبوغة بدهن البيلسان فِي خيوط الابريسم الرفاع المدهونة بالكبريت وَغَيره بالصنعة اللطيفة الَّتِي تروج عل الْعِظَام مِنْهُم والعوام وهم إِلَى الْآن يستعملونها فِي القمامة وَيُسمى ذَلِك الْيَوْم عِنْدهم سبت النُّور وَيَقَع فِيهِ من الْمُنكر بِحُضُور الْمُسلمين مَا لَا يحل سَمَاعه وَلَا رُؤْيَته من جهرهم بالْكفْر وَرفع أَصْوَاتهم يَقُولُونَ يَا لدين الصَّلِيب وَإِظْهَار كتبهمْ وَرفع الصلبان على رُؤْسهمْ غير ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي تقشعر مِنْهَا الأجساد ثمَّ لما توفّي الْحَاكِم بِأَمْر الله فِي شَوَّال سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة ولي بعده الظَّاهِر لَا عزاز دين الله أَبُو الْحسن عَليّ وَاسْتمرّ إِلَى أَن توفّي فِي شعْبَان سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ تولى بعده الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو تَمِيم معد فهادن ملك الرّوم على أَن يُطلق خَمْسَة آلف أَسِير ليمكن من عمَارَة قمامة الَّتِي كَانَ خربها جده الْحَاكِم فِي أَيَّام خِلَافَته فَأطلق الأسرى وَأخرج ملك الرّوم عَلَيْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة (قلت) وَالَّذِي يظْهر أَن تخريبها لم يكن تخريباً كلياً بل كَانَ فِي غالبها وَالله أعلم
وَرَأَيْت فِي بعض التواريخ إِنَّه فِي سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة فِي ربيع الأول احْتَرَقَ مشْهد الْحُسَيْن بن عَليّ رضي الله عنه بشرارة وَقعت من بعض الشعالين من حَيْثُ لم يشْعر وَورد الْخَبَر بتشعب الرُّكْن الْيَمَانِيّ من الْمَسْجِد الْحَرَام وَسُقُوط جِدَار بَين يَدي قبر النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَإنَّهُ سَقَطت الْقبَّة الْكَبِيرَة الَّتِي عل صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس قَالَ النَّاقِل وَهَذَا من أغرب الاتفاقات وأعجبها (قلت) وَلم اطلع عل حَقِيقَة الْحَال فِي سُقُوط الْقبَّة الَّتِي عل الصَّخْرَة وَلَا إِعَادَتهَا وَالظَّاهِر أَن السُّقُوط كَانَ فِي بَعْضهَا لَا فِي كلهَا وَالله أعلم وَفِي سنة خمس وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة كثرت الزلازل بِمصْر وَالشَّام فهدمت أَشْيَاء كَثِيرَة وَمَات تَحت الرَّدْم خلق كثير وانهدم من الرمل ثلثهَا وتقطع جَامعهَا تقطعا وَخرج أَهلهَا مِنْهَا فأقاموا بظاهرها ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ سكن الْحَال فعادوا إِلَيْهَا وَسقط بعض حيطان بَيت الْمُقَدّس وَوَقع من محراب دَاوُد قِطْعَة كَبِيرَة وَمن مَسْجِد ابراهيم الْخَلِيل عليه الصلاة والسلام قِطْعَة وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة سقط تنور قبَّة الصَّخْرَة بِبَيْت الْمُقَدّس وَفِيه خَمْسمِائَة قنديل فتطير المقيمون بِهِ من الْمُسلمين وَقَالُوا لَيَكُونن فِي الْإِسْلَام حَادث عَظِيم فَكَانَ أَخذ التفرنج لَهُ على مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي جمادي الأولى سنة سِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة كَانَت زَلْزَلَة بِأَرْض فلسطين أهلكت بِلَاد الرملة ورمت شرافتين من مَسْجِد رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وانشقت الأَرْض عَن كنوز من المَال وَهلك مِنْهَا خَمْسَة عشر ألف نسمَة وانشقت صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس ثمَّ عَادَتْ فالتأمت بقدرة الله تَعَالَى وغار الْبَحْر مسيرَة يَوْم وَدخل النَّاس فِي أرضه يلتقطون مِنْهُ فَرجع عَلَيْهِم فَأهْلك خلقا كثيرا مِنْهُم فسبحان من يتَصَرَّف بِعبَادة بِمَا شَاءَ
وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فِي أَيَّام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه العبيدي خَليفَة مصر استولى عل الْقُدس والرمل آتسز بن أوق الْخَوَارِزْمِيّ صَاحب دمشق وَفِي سنة خمس وَسِتِّينَ أُقِيمَت الدعْوَة العباسية بِبَيْت الْمُقَدّس وَقطعت دَعْوَة الفاطميين ثمَّ استولى آتسز عل دمشق بعد استيلائه عل الْقُدس والرملة وَقطع الْخطْبَة العلوية من دمشق فَلم يخْطب بعْدهَا لَهُم بهَا وَأقَام الْخطْبَة العباسية يَوْم الْجُمُعَة لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فَلَمَّا قتل آتسز فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة استولى بعده عل دمشق تَاج الدولة الْأَمِير تتش بن السُّلْطَان البارسلان السلجوقي وَكَانَ الْقُدس من مضافاته عل عَادَة من تقدمه فقلده للأمير أرتق بن اكسك التركماني جد الْمُلُوك أَصْحَاب ماردين وَاسْتمرّ ارتق مَالِكًا للقدس إِلَى أَن توفّي فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ اسْتَقر الْأَمر بعده فِي الْقُدس لِوَلَدَيْهِ ايلغازي وسقمان ابْني ارتق وَاسْتمرّ عل ذَلِك إِلَى أَن قتل تتش صَاحب دمشق فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ سَار الْأَفْضَل بن بدر الجمالي أَمِير الجيوش من مصر بعسكر الْخَلِيفَة الْعلوِي وَهُوَ المستعلي بِأَمْر الله فاستولى عل الْقُدس بالأمان فِي شعْبَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَسَار سقمان وَأَخُوهُ ايلغازي من الْقُدس وَأقَام سقمان بِبَلَد الرها وَسَار أَخُوهُ ايلغازي إِلَى الْعرَاق وَبَقِي الْقُدس فِي يَد المصريين (ذكر تغلب الإفرنج عل بَيت الْمُقَدّس واستيلائهم عَلَيْهِ) لما فتح الله الْبَيْت الْمُقَدّس عل يَد أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه وَعمر عل يَده ثمَّ عل يَد عبد الْملك بن مَرْوَان وَغَيره من الْخُلَفَاء - كَمَا سبق شَرحه - اسْتمرّ بأيدي الْمُسلمين الْخُلَفَاء من حِين الْفَتْح الْعمريّ فِي سنة خمس وَعشْرين من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة إِلَى اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة فِي خلَافَة المستظهر بِاللَّه هُوَ أَبُو الْعَبَّاس
أَحْمد بن الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله العباسي خَليفَة بَغْدَاد وَكَانَ لبثه بأيدي الْمُسلمين أَرْبَعمِائَة سنة وَسبعا وَسبعين سنة وَكَانَ الفاطميون قد تغلبُوا عل بني الْعَبَّاس وأدعوا الْخلَافَة بالمغرب من أَوَاخِر سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ فِي أَيَّام المقتدر بِاللَّه أبي الْفضل جَعْفَر بن الْمُسْتَنْصر العباسي خَليفَة بَغْدَاد ثمَّ بنوا الْقَاهِرَة واستولوا عل الديار المصرية وَالشَّام وَمَكَّة واليمن وَبَيت الْمُقَدّس وأولهم عبيد الله الْمهْدي بِاللَّه الَّذِي ينسبون إِلَيْهِ ثمَّ ابْنه أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد الْقَائِم بِأَمْر الله ثمَّ ابْنه أَبُو الطَّاهِر اسماعيل الْمَنْصُور بنصر الله ثمَّ أَبِيه أَبُو تَمِيم معد الْمعز الدّين بِأَنِّي الْقَاهِرَة المحروسة عل يَد الْقَائِد أبي الْحسن جَوْهَر الْمَعْرُوف بالكاتب الرُّومِي فَإِنَّهُ جهزه من الْمغرب لأخذ الديار المصرية فَأَخذهَا فِي سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة وبن الْقَاهِرَة المحروسة وَالْجَامِع الْأَزْهَر ثمَّ أرسل يَسْتَدْعِي مخدومه الْمعز الدّين الله فَحَضَرَ إِلَى الْقَاهِرَة واستوطنها فِي شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَاسْتمرّ إِلَى أَن توفّي بهَا فِي يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع عشر من ربيع الأول سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَهُوَ الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ الْقَاهِرَة فَيُقَال الْقَاهِرَة المعزية وَلما بناها جَوْهَر سَمَّاهَا المنصورية فَلَمَّا قدم الْمعز لدين الله إِلَيْهَا سَمَّاهَا الْقَاهِرَة وَقيل إِن سَبَب تَسْمِيَتهَا بذلك إِنَّهَا تقهر من شدّ عَلَيْهَا ورام مُخَالفَة أمرهَا وَلما توفّي اسْتَقر بعده فِي الْخلَافَة بِمصْر ابْنه الْمَنْصُور نزار الْعَزِيز بِاللَّه ثمَّ ابْنه أَبُو عَليّ الْمَنْصُور الْحَاكِم بِأَمْر الله الَّذِي أَمر بتخريب كَنِيسَة القمامة - كَمَا تقدم - ثمَّ ابْنه أَبُو الْحسن عل الظَّاهِر لَا عزاز دين الله ثمَّ ابْنه أَبُو تَمِيم معد الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الَّذِي مكن الْكفَّار من إِعَادَة كَنِيسَة القمامة - كَمَا تقدم _ ثمَّ ابْنه أَبُو الْقَاسِم أَحْمد المستعلي بِأَمْر الله وَسَيَأْتِي ذكر من بقى مِنْهُم عِنْد ابْتِدَاء ذكر الْفَتْح الصلاحي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَلَمَّا آل الْأَمر إِلَى المستعلي بِأَمْر الله وَكَانَت وَفَاة أَبِيه الْمُسْتَنْصر فِي ذِي الْحجَّة
سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة ولي الْأَمر بعد أَبِيه بالديار المصرية وَكَانَ الْمُتَوَلِي لتدبير دولته الْأَفْضَل أَبُو الْقَاسِم شاهنشاه بن بدر الجمالي أَمِير الجيوش وَفِي أَيَّام المستعلي بِأَمْر الله اخْتلفت دولتهم وَضعف أَمرهم وانقطعت من أَكثر مدن الشَّام دعوتهم وانقسمت الْبِلَاد الشامية بَين الأتراك والإفرنج وكتان مُدبر دولته الْأَفْضَل أَبُو الْقَاسِم شاهنشاه بن بدر الجمالي أَمِير الجيوش وَفِي أَيَّام المستعلي بِأَمْر الله اخْتلفت دولتهم وَضعف أَمرهم وانقطعت من أَكثر مدن الشَّام دعوتهم وانقسمت الْبِلَاد الشامية بَين الأتراك والإفرنج وَكَانَ مُدبر دولته الْأَفْضَل قد استولى عل بَيت الْمُقَدّس فِي شعْبَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة - كَمَا تقدم - وَكَانَ الفاطميون يخَافُونَ من الإفرنج خوفًا شَدِيدا فَلَا يُطِيقُونَ مقاتلهم بِخِلَاف الدولة الأيوبية فَلَمَّا دخلت سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة سَار الإفرنج إِلَى الشَّام وَأخذُوا إنطاكية بعد أَن حاصروها تِسْعَة أشهر وملوكها فِي ذِي الْقعدَة وَحصل بَينهم وَبَين الْمُسلمين وقعات وحروب وَولى الْمُسلمُونَ هاربين وَكثر الْقَتْل فيهم وَنهب الإفرنج خيامهم وتقووا بأسلحتهم ثمَّ سَار الإفرنج إِلَى معمرة النُّعْمَان فاستولوا عَلَيْهَا وَوَضَعُوا السَّيْف فِي أَهلهَا فَقتلُوا فِيهَا مَا يزِيد على ألف إِنْسَان وَسبوا السَّبي الْكثير وَأَقَامُوا بالمعرة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَسَارُوا إِلَيّ حمص وصالحهم أَهلهَا وَذَلِكَ فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين فَلَمَّا دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة قصد الإفرنج بَيت الْمُقَدّس وهم فِي نَحْو ألف ألف مقَاتل لعنهم الله وحاصروا بَيت الْمُقَدّس نيفاً وَأَرْبَعين يَوْمًا وملكوه فِي ضحى نَهَار الْجُمُعَة لسبع بَقينَ من شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة ولبث الإفرنج يقتلُون فِي الْمُسلمين بالقدس الشريف أسبوعا قتا فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى مَا يزِيد عل سبعين ألف نفس مِنْهُم جمَاعَة كَثِيرَة من أَئِمَّة الْمُسلمين وساداتهم وعباداتهم وزهادهم مِمَّن جاور فِي هَذَا الْموضع الشريف وغنموا مَا لَا يَقع عَلَيْهِ الْحصْر وجاسوا خلال الديار وَكَانَ وَعدا مَفْعُولا ثمَّ حصروا جَمِيع من فِي الْقُدس من الْمُسلمين بداخل الْمَسْجِد الشريف واشترطوا عَلَيْهِم إِنَّهُم مَتى تَأَخَّرُوا عَن الْخُرُوج بعد ثَلَاثَة أَيَّام قتلوهم عَن أخرهم فشرع
الْمُسلمُونَ فِي الْإِسْرَاع والمبادرة إِلَى الْخُرُوج فَمن شدَّة إزدحامهم بِأَبْوَاب الْمَسْجِد قتل مِنْهُم خلق كثير لَا يحصيهم إِلَّا الله سبحانه وتعالى وَأخذ الإفرنج من عِنْد الصَّخْرَة أَلفَيْنِ وَأَرْبَعين قِنْدِيلًا من فضَّة زنة كل مِنْهُم ثَلَاثَة آلَاف وسِتمِائَة وتنوراً من فضَّة وَزنه أَرْبَعُونَ رطلا بالشامي وَثَلَاثَة وَعشْرين قِنْدِيلًا من الذَّهَب وَهزمَ الْأَفْضَل بن بدر الجمالي أَمِير الجيوش بِظَاهِر عسقلان أقبح هزيمَة وَكَانَ عِنْد الإفرنج شَاعِر منتجع إِلَيْهِم فَقَالَ - يُخَاطب ملك الإفرنج وأسمه صنجلي - نصرت بسيفك دين الْمَسِيح فَلهُ دَرك من صنجلي وَمَا سمع النَّاس فِيمَا رُوِيَ بأقبح من كسرة الْأَفْضَل فتوصل الْأَفْضَل إِلَى ذبح هَذَا الشَّاعِر وَذهب النَّاس هاربين عل وُجُوههم من الشَّام إِلَى الْعرَاق وَوصل المستنفرون إِلَى بَغْدَاد فِي رَمَضَان مستغيثين إِلَى الْخَلِيفَة وَالسُّلْطَان مِنْهُم القَاضِي بِدِمَشْق أَبُو سعد الْهَرَوِيّ وَاجْتمعَ أهل بَغْدَاد فِي الْجَوَامِع واستغاثوا وَبكوا حَتَّى إِنَّهُم افطروا من عظم مَا جر عَلَيْهِم وَندب الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد - وَهُوَ المستظهر بِأَمْر الله أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد العباسي - الْفُقَهَاء إِلَى الْخُرُوج فِي الْبِلَاد ليحرضوا الْمُلُوك عل الْجِهَاد فَخرج الإِمَام أَبُو الْوَفَاء ابْن عقيل الْحَنْبَلِيّ وَغير وَاحِد من أَعْيَان الْفُقَهَاء وَسَارُوا فِي النَّاس فَلم يفد ذَلِك شَيْئا فَأَنا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَوَقع الْخلف بَين السلاطين السلجوقية فَتمكن الافرنج فِي الْبِلَاد وانزعج الْمُسلمُونَ فِي سَائِر ممالك الْإِسْلَام بِسَبَب أَخذ بَيت الْمُقَدّس غَايَة الانزعاج ثمَّ استولى الافرنج على أَكثر بِلَاد السواحل فِي أَيَّام المستعلي بِأَمْر الله فملكوا يافا وقيسارية وَغَيرهمَا من القلاع والحصون وَكَانَت محنة فَاحِشَة فَالْحكم لله الْعلي
الْكَبِير وَكَانَ الْآخِذ لهَذِهِ الْبِلَاد بَيت الْمُقَدّس وَغَيره بردويل الإفرنجي ثمَّ فِي سنة إِحْدَى عشرَة - وَقيل أَرْبَعَة عشرَة - وَخَمْسمِائة قصد الديار المصرية ليأخذها فَانْتهى إِلَى غَزَّة ودخلها وخربها واحرق مساجدها ورحل عَنْهَا وَهُوَ مَرِيض فَهَلَك فِي الطَّرِيق قبل وُصُوله إِلَى الْعَريش فشق أَصْحَابه بَطْنه ورموا حشوته هُنَاكَ فَهِيَ ترْجم إِلَى الْيَوْم ورحلوا بجثته فدفنوها بكنيسة قمامة بالقدس الشريف وسبخة بردويل هِيَ الَّتِي فِي سبخَة الرمل عل طَرِيق الشَّام وَهِي مِمَّا يَلِي الْعَريش إِلَى جِهَة مصر منسوبة إِلَى بردويل الْمَذْكُور وَالْحِجَارَة الملقاة هُنَاكَ وَالنَّاس يَقُولُونَ هَذَا قبر بردويل وَإِنَّمَا هِيَ الحشوة لعنة الله عَلَيْهِ وَلما أَخذ بَيت الْمُقَدّس وَغَيره من الْمُسلمين قَالَ فِي ذَلِك مظفر الابيورديل أبياتاً مِنْهَا مزجنا دِمَاء بالدموع السواجم فَلم يبْق منا عرضه للمزاحم وَشر سلَاح الْمَرْء دمع يفيضه إِذا الْحَرْب شبت نارها بالصوارم فأيهاً بني الْإِسْلَام إِن وراءكم وقائع يلحقن الذري بالمناسم وَكَيف تنام الْعين مَلأ جفونها على هفوات أيقظت كل نَائِم فإخوانكم بِالشَّام يُضحي قتيلهم ظُهُور المذاكي أَو بطُون القشاعم تسومهم الرّوم الهوان وَأَنْتُم تجرون ذيل الْخَفْض فعل المسالم وَكم من دِمَاء قد أبيحت وَمن دمي توار حَيَاء حسنها بالمعاصم وَبَين اختلاس الطعْن وَالضَّرْب وقْعَة يظل لَهَا الْولدَان شيب القوادم وَتلك حروب من يغب عَن غمارها ليسلم يقرع بعْدهَا سنّ نادم سللنا بأيدي الْمُشْركين قواضباً ستعمل مِنْهُم فِي الطلى والجماجم يكَاد لَهُنَّ المستكن بِطيبَة يُنَادي بِأَعْلَى الصَّوْت يَا آل هَاشم أرى أمتِي لَا يشرعون إِلَى العدى رماحهم وَالدّين واهي الدعائم وتجتنبون النَّار خوفًا من الردى وَلَا تحسبون الْعَار ضَرْبَة لَازم
أترضي صَنَادِيد الأعارب بالأذى وتغضي عل صماة الْأَعَاجِم فليتهموا إِذْ لم يذودوا حمية عَن الدّين شنوا غيرَة للمحارم وَإِن زهدوا فِي الْأجر إِذْ حمي الوغى فَهَلا أَتَوْهُ رَغْبَة فِي الْمَغَانِم وَاسْتمرّ بَيت الْمُقَدّس وَمَا جاوره من السواحل بيد الإفرنج إِحْدَى وَتِسْعين سنة فَلم ير فِي الْإِسْلَام مُصِيبَة أعظم من ذَلِك وَعجز مُلُوك الأَرْض عَن انْتِزَاعه مِنْهُم حَتَّى أذن الله سبحانه وتعالى وَقدر فَتحه على يَد من اخْتَارَهُ من عبَادَة فِي شهر شَوَّال سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فَأَقُول - وَبِاللَّهِ استعين وَعَلِيهِ أتوكل فَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل - (ذكر الْفَتْح الصلاحي) الَّذِي يسره الله تَعَالَى على يَد السُّلْطَان النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب تغمده الله برحمته قد تقدم ذكر تغلب الفاطميين عل غَالب المملكة واستيلائهم عَلَيْهَا وَتقدم إِن أَوَّلهمْ الْمهْدي بِاللَّه عبيد الله وَتقدم ذكر من بعده إِلَى المستعلي بِأَمْر الله الَّذِي أَخذ الإفرنج الْقُدس فِي أَيَّامه فَلَمَّا مَاتَ المستعلي بِأَمْر الله اسْتَقر بعده فِي خلَافَة مصر ابْنه أَبُو مَنْصُور إِسْمَاعِيل الظَّاهِر بِأَمْر الله ثمَّ ابْنه أَبُو الْقَاسِم عيس الفائز بنصر الله ثمَّ ابْن عَمه أَبُو مُحَمَّد عبد الله العاضد لدين الله وَهُوَ آخِرهم وَكَانَ استقراره فِي خلَافَة مصر فِي سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة وَكَانَ صَاحب دمشق فِي ذَلِك الزَّمَان السُّلْطَان الْملك الْعَادِل نور الدّين أَبَا الْقَاسِم مَحْمُود بن زنكي الملقب بالشهيد رضي الله عنه فَلَمَّا دخلت سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة تمكن الإفرنج من الْبِلَاد المصرية وتحكموا على الْمُسلمين بهَا وملكوا بلبيس قهرا فِي مستهل شهر صفر ونهبوها وَقتلُوا
أَهلهَا وَأسرُوهُمْ ثمَّ سَارُوا من بلبيس ونزلوا عل الْقَاهِرَة عَاشر صفر وحاصروها وَكَانَ وَزِير العاضد أَمِير الجيوش شاور فَأحرق شاور مَدِينَة مصر خوفًا من أَن يملكهَا الإفرنج وَأمر أَهلهَا بالانتقال إِلَى الْقَاهِرَة فَبَقيت النَّار تحرقها أَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا وَأرْسل العاضد الْعلوِي خَليفَة مصر إِلَى السُّلْطَان نور الدّين الشَّهِيد يستغيث بِهِ وَأرْسل فِي الْكتب شُعُور النِّسَاء وَصَالح شاور الإفرنج عل ألف ألف دِينَار يحملهَا إِلَيْهِم فَحمل إِلَيْهِم مائَة ألف دِينَار وسألهم أَن يرحلوا عَن الْقَاهِرَة ليقدر عل جمع المَال وَحمله فرحلوا وَلما وصل إِلَى السُّلْطَان نور الدّين كتب العاضد جهز الْأَمِير أَسد الدّين شيركوه بن شادي إِلَى الديار المصرية وَمَعَهُ العساكر النورية وَأنْفق فيهم الْأَمْوَال وَأعْطى شيركوه مِائَتي ألف دِينَار سوى الثِّيَاب وَالدَّوَاب والأسلحة وَغير ذَلِك وَأرْسل مَعَه عدَّة أُمَرَاء مِنْهُم ابْن أَخِيه صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب الَّذِي تسلطن فِيمَا بعد وَكَانَ مسير صَلَاح الدّين عل كره مِنْهُ أحب نور الدّين مسير صَلَاح الدّين وَفِيه ذهَاب الْملك من بَين يَدَيْهِ وَكره صَلَاح الدّين الْمسير وَفِيه سعادته وَملكه (وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَهُوَ خير لكم وَعَسَى أَن تحبوا شَيْئا وَهُوَ شَرّ لكم) فَإِن نور الدّين أمره بِالْمَسِيرِ مَعَ عَمه شيركوه وَكَانَ شيركوه قد قَالَ بِحَضْرَة نور الدّين تجهز يَا يُوسُف فَقَالَ وَالله لَو أَعْطَيْتنِي ملك مصر مَا سرت إِلَيْهَا فَلَقَد قاسيت بالإسكندرية مَا لَا أنساه أبدا فَقَالَ شيركوه لنُور الدّين لَا بُد من مسيره معي فَأمره نور الدّين وَهُوَ يسْتَقْبل فَقَالَ نور الدّين لَا بُد من مسيرك مَعَ عمك فَشكى الضيقة فَأعْطَاهُ مِمَّا تجهز بِهِ فَكَأَنَّمَا يساق إِلَى الْمَوْت وَلما قرب شيركوه من مصر رَحل الإفرنج من ديار مصر عل أَعْقَابهم إِلَى بِلَادهمْ فَكَانَ هَذَا الْمصر فتحا شَدِيدا وَوصل أَسد الدّين شيركوه إِلَى الْقَاهِرَة فِي رَابِع ربيع الآخر وَاجْتمعَ
بالعاضد وخلع عَلَيْهِ وَعَاد إِلَى خيامه بالخليعة العاضدية وَشرع شاور يماطل شيركوه فِيمَا كَانَ بذلة لنُور الدّين قبل ذَلِك من تَقْرِير المَال وإفراد ثلث الْبِلَاد لَهُ وَمَعَ ذَلِك فَكَانَ شاور يركب كل يَوْم إِلَى أَسد الدّين شيركوه ويعده ويمنيه (وَمَا يَعدكُم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا) ثمَّ إِن شاور عزم على أَن يعْمل دَعْوَة لشيركوه وامرائه وَيقبض عَلَيْهِم فَمَنعه ابْنه الْكَامِل بن شاور من ذَلِك وَلما رأى عَسْكَر نور الدّين من شاور ذَلِك عزموا عل الفتك بشاور وَاتفقَ على ذَلِك صَلَاح الدّين يُوسُف وَمن مَعَه من الْأُمَرَاء وَعرفُوا شيركوه بذلك فنهاهم عَنهُ وَاتفقَ أَن شاور قصد شيركوه على عَادَته فَلم يجده فِي المخيم وَكَانَ قد مضى لزيارة قبر الشَّافِعِي رضي الله عنه فلقى صَلَاح الدّين شاور وأعلمه برواح شيركوه إِلَى زِيَارَة الشَّافِعِي فسارا وَمن مَعَهُمَا جَمِيعًا إل شيركوه فَوَثَبَ صَلَاح الدّين وَمن مَعَه عل شاور وألقوه عل الأَرْض عَن فرسه امسكوه فِي سَابِع عشر ربيع الآخر سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة فهرب أَصْحَابه عَنهُ وأعلموا شيركوه بِمَا فعلوا فَحَضَرَ وَلم يُمكنهُ الْإِتْمَام لذَلِك وَسمع العاضد الْخَبَر فَأرْسل إِلَى شيركوه يطْلب مِنْهُ إِنْفَاذ رَأس شاور فَقتله وَأرْسل رَأسه إِلَى العاضد وَدخل بعد ذَلِك شيركوه إِلَى الْقصر عِنْد العاضد فَخلع عَلَيْهِ خلعة الوزارة ولقبه الْملك الْمَنْصُور أَمِير الجيوش وَاسْتقر فِي الْأَمر وَكتب لَهُ منشوراً بالوزارة وتفويض أُمُور الْخلَافَة إِلَيْهِ وَلما لم يبْق لَهُ مُنَازع أَتَاهُ أَجله (حَتَّى إِذا فرحوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَة وَهُوَ لَا يَشْعُرُونَ) وَتُوفِّي فِي يَوْم السبت الثَّانِي وَالْعِشْرين من جمادي الْآخِرَة سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة فَكَانَت ولَايَته شَهْرَيْن وَخَمْسَة أَيَّام وَهِي ابْتِدَاء الدولة الأيوبية وَكَانَ شيركوه وَأَيوب ابْني شادي من بلددون وأصلهما من الأكراد وخدما عماد الدّين زنكي ثمَّ وَلَده نور الدّين مَحْمُود وبقيا مَعَه إِلَى أَن أرسل
شيركوه إِلَى مصر مرّة بعد أُخْرَى حَتَّى ملكهَا وَتُوفِّي فِي هَذِه السّنة على مَا ذَكرْنَاهُ وَلما توفّي شيركوه طلب جمَاعَة من الْأُمَرَاء النورية التَّقَدُّم عل الْعَسْكَر وَولَايَة الوزارة العاضدية فأحضر العاضد صَلَاح الدّين وولاه الوزارة ولقبه الْملك النَّاصِر وَثَبت قدمه عل إِنَّه نَائِب لنُور الدّين يخْطب لَهُ عل المنابر بالديار المصرية وَكَانَ نور الدّين يكْتب لصلاح الدّين الاسفهسلار وَيكْتب علامته عل رَأس الْكتاب تَعْظِيمًا عَن أَن يكْتب اسْمه وَكَانَ لَا يفرده بِكِتَاب بل إِلَى الْأَمِير صَلَاح الدّين وكافة الْأُمَرَاء بالديار المصرية يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا ثمَّ أرسل صَلَاح الدّين يطْلب من نور الدّين أَبَاهُ أَيُّوب وَأَهله ليتم لَهُ السرُور وَتَكون قَضيته مشاكلة لقضي يُوسُف الصّديق عليه السلام فأرسلهم إِلَيْهِ نور الدّين فوصل وَالِده إِلَيْهِ فِي جماد الْآخِرَة سنة خمس وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وسلك مَعَ وَالِده من الدب مَا جرت بِهِ عَادَته وَألبسهُ الْأَمر كُله فَأبى أَن يلْبسهُ فَحكمه فِي الخزائن كلهَا وَأعْطى صَلَاح الدّين أَهله الاقطاعات بِمصْر وَتمكن من الْبِلَاد وَضعف أَمر العاضد وَفِي هَذِه السّنة وَهِي سنة خمس وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة سَار الإفرنج إِلَى دمياط وحاصروهم وشحنها صَلَاح الدّين بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاح فحاصروها خمسين يَوْمًا وَخرج نور الدّين فَأَغَارَ عل بِلَادهمْ بِالشَّام فرحلوا عائدين على أَعْقَابهم وَلم يظفروا بِشَيْء مِنْهَا وَفِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة سَار صَلَاح الدّين من مصر فغزا بِلَاد الإفرنج قريب عسقلان والرملة وَعَاد إِلَى مصر ثمَّ خرج إِلَى ايلة وحاصرها وَهِي للإفرنج عل سَاحل الْبَحْر الشَّرْقِي وَنقل إِلَيْهَا المراكب وحاصرها برا وبحراً وَفتحهَا فِي الْعشْر الأول من ربيع الآخر واستباح أَهلهَا وَمَا فِيهَا وَعَاد إِلَى مصر وعزل قُضَاة المصريين وَكَانُوا شيعَة ورتب قُضَاة شافعية وَذَلِكَ فِي الْعشْرين من جمادي الْآخِرَة سنة سِتّ وَسِتِّينَ
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة أُقِيمَت الْخطْبَة العباسية بِمصْر وَقطعت خطْبَة العاضد لدين الله وانقرضت الدولة العلوية الفاطمية وَكَانَ سَبَب الْخطْبَة العباسية بِمصْر إِنَّه لما تكن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين من مصر وَحكم عل الْقصر وَأقَام فِيهِ قراقوش الْأَسدي وَكن خَصيا أَبيض وَبلغ نور الدّين ذَلِك أرسل إِلَى صَلَاح الدّين يَأْمُرهُ حتما جزما بِقطع خطْبَة العلويين وَإِقَامَة الْخطْبَة العباسية فَرَاجعه صَلَاح الدّين فِي ذَلِك خوف الْفِتْنَة فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ نور الدّين وأصر عل ذَلِك وَكَانَ العاضد قد اشْتَدَّ مَرضه فَلم يعلم أحد من أَهله بِقطع خطبَته فَتوفي العاضد يَوْم عَاشُورَاء سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَلم يعلم بِقطع خطبَته وَاسْتولى صَلَاح الدّين عل قصر الْخلَافَة وعَلى جَمِيع مَا فِيهِ وَكَانَت كثرته تخرج عَن الإحصاء وَنقل أهل العاضد إِلَى مَوضِع من الْقصر ووكل بهم من يحفظهم وخلا الْقصر من سكانه (كَأَن لم يغن بالْأَمْس) وَهَذَا العاضد هُوَ آخر خلفاء الفاطميين وَجُمْلَة مدتهم من حِين ظُهُور جدهم الْمهْدي بِاللَّه عبيد الله بجلماسة فِي ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ إِلَى أَن توفّي العاضد فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور مِائَتَان وَسَبْعُونَ سنة وَنَحْو شهر وَهَذَا دأب الدُّنْيَا لم تعط إِلَّا واستردت وَلم تحل إِلَّا وتمررت وَلم تصف إِلَّا وتكررت بل صفوها لَا يَخْلُو من الكدر وانقرضت دولتهم فِي خلَافَة المستضئ بِأَمْر الله العباسي - كَمَا تقدم -
وَلما وصل خبر الْخطْبَة العباسية بِمصْر إِلَى بَغْدَاد ضربت لَهَا البشائر عدَّة أَيَّام وسيرت الْخلْع مَعَ عماد الدّين صندل وَهُوَ من خَواص الخدام المنسوبة إِلَى نور الدّين وَصَلَاح الدّين والخطباء وسيرت الْأَعْلَام السود ثمَّ توفّي وَالِد الْملك صَلَاح الدّين وَهُوَ الْملك الْأَفْضَل نجم الدّين أَبُو الشُّكْر أَيُّوب وَكَانَ وَلَده غَائِبا عَن الْقَاهِرَة فِي جِهَة الكرك لِأَنَّهُ كَانَ قاصدها لغزو الإفرنج فَلَمَّا عَاد وجد أَبَاهُ قد مَاتَ وَسبب مَوته إِنَّه ركب بِمصْر فنفرت بِهِ فرسه فَوَقع فَحمل إِلَى قصره وَبَقِي أَيَّامًا وَمَات فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ خيرا عَاقِلا حسن السِّيرَة كَرِيمًا كثير الْإِحْسَان وَدفن إِلَى جَانب أَخِيه شيركوه ثمَّ نقلا بعد سنتَيْن إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة عل ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ثمَّ دخلت سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة فَتوفي فِيهَا الْملك الْعَادِل نور الدّين الشَّهِيد هُوَ أَبُو الْقَاسِم مَحْمُود بن الْملك الْمَنْصُور عماد الدّين أبي الْجُود زنكي بن أق سنقر تغمده الله برحمته ومولده فِي شَوَّال سنة إِحْدَى عشرَة وَخَمْسمِائة وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْأَرْبَعَاء حادي عشر شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ ملكه لدمشق فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة بعد أَن ملك حلب وَغَيرهمَا من قبل ذَلِك وَكَانَ ملكا عادلاً مُجَاهدًا خيرا فتح الفتوحات واتسع ملكه وخطب لَهُ بالحرمين واليمن ومصر وخطب لَهُ فِي الدُّنْيَا عل جَمِيع مَنَابِر الْإِسْلَام وبن السبل وَالْمكَاتب وأكمل سور الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وطبق ذكره الأَرْض بِحسن سيرته وعدله وزهده رضي الله عنه وَاسْتقر بعده فِي الْملك بِدِمَشْق وَلَده الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل فقصد الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين دمشق وَأَخذهَا وَكَانَ الصَّالح توجه إِلَى حلب ليقيم بهَا وَثبتت قدم الْملك صَلَاح الدّين وَقرر أَمر دمشق وَكَانَ دُخُوله إِلَيْهَا فِي سلخ ربيع الأول سنة سبعين وَخَمْسمِائة ثمَّ سَار إِلَى حمص وحماه وملكهما ثمَّ إِلَى حلب وحاصرها فَلم يقدر على أَخذهَا لِأَن أَهلهَا صدوه عَنْهَا محبَّة فِي الْملك الصَّالح
وَآخر الْأَمر وَقع الِاتِّفَاق أَن يكون للْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين مَا بِيَدِهِ من الشَّام وللملك الصَّالح مَا بَقِي بِيَدِهِ مِنْهُ فَصَالحهُمْ عل ذَلِك ورحل عَن حلب وَأخذ عدَّة أَمَاكِن وقلاع مِمَّن هِيَ بِيَدِهِ ثمَّ عَاد إِلَى مصر فَلَمَّا توفّي الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن نور الدّين فِي سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة اسْتَقر بعده فِي الْملك بحلب عَمه عز الدّين مَسْعُود ثمَّ اسْتَقر بحلب عماد الدّين زنكي بن مودود صَاحب سنجار وَاسْتقر مَسْعُود بسنجار بتراضيهما ثمَّ فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة فِي خَامِس الْمحرم سَار الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين عَن مصر إِلَى الشَّام وَلم يعد بعد ذَلِك إِلَى مصر الْآن توفّي وَسَار فِي طَرِيقه عل بِلَاد الإفرنج وغنم وَوصل إِلَى دمشق فِي صفر ثمَّ سَار فِي ربيع الأول وَنزل قرب طبرية وَشن الإغارة عل بِلَاد الإفرنج مثل بيسان وجيبين والغور فغنم وَقتل ثمَّ سَار إِلَى بيروت وحاصرها وأغار عل بلادها ثمَّ سَار إِلَى عدَّة بِلَاد وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة وَهِي سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة قصد الإفرنج المقيمون بالكرك والشوبك الْمسير لمدينة رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم لينبشوا قَبره الشريف وينقلوا جسده الْكَرِيم إِلَى بِلَادهمْ ويدفنوه عِنْدهم وَلَا يمكنوا الْمُسلمين من زيارته إِلَّا بِجعْل فَأَنْشَأَ الْبُرْنُس ارباط صَاحب الكرك سفناً حملهَا عل الْبر إِلَى بَحر القلزم وَركب فِيهَا الرِّجَال وسارت الإفرنج ومضوا يُرِيدُونَ الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فَكَانَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين على حوران فَلَمَّا بلغه ذَلِك بعث إِلَى سيف الدولة بن منقذ نَائِبه بِمصْر يَأْمُرهُ بتجهيز حسام الدّين لُؤْلُؤ الْحَاجِب خلف الْعَدو فاستعد لذَلِك وَسَار فِي طَلَبهمْ حَتَّى أدركهم وَلم يبْق بَينهم وَبَين الْمَدِينَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة إِلَّا مَسَافَة يَوْم وَكَانُوا نيفاً وثلاثمائة وَقد انْضَمَّ إِلَيْهِم عدَّة من العربان الْمُرْتَدَّة ففرت العربان والتجأ الإفرنج إِلَى رَأس جبل صَعب المرتقى فَصَعدَ إِلَيْهِم فِي نَحْو
عشرَة أنفس وضايقهم فِيهِ فخارت قواهم بعد مَا كَانُوا معدودين من الشجعان وَقبض عَلَيْهِم وقيدوهم وَحَملهمْ إِلَى الْقَاهِرَة وَكَانَ لدخولهم يَوْم مشهود وَتَوَلَّى قَتلهمْ الصُّوفِيَّة وَالْفُقَهَاء وأرباب الدّيانَة بعد مَا سَاق رجلَيْنِ من أَعْيَان الإفرنج إِلَى منى ونحرهما هُنَاكَ كَمَا تنحر الْبدن الَّتِي تساق هَديا إِلَى الْكَعْبَة ثمَّ فِي سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة ملك حمص وآمد وعنتاب وَغَيرهمَا ثمَّ سَار إِلَى حلب وحاصرها وَأَخذهَا من صَاحبهَا عماد الدّين زنكي ابْن مودود بن عماد الدّين وعوضه عَنْهَا سنجار وَمَا مَعهَا وتسلم حَلَبِيّ فِي صفر من هَذِه السّنة وَمن الاتفاقات العجيبة أَن محيي الدّين ابْن الزكي قَاضِي دمشق مدح السُّلْطَان بقصيدة مِنْهَا وفتحكم حَلبًا بِالسَّيْفِ فِي صفر مُبشر بفتوح الْقُدس فِي رَجَب فَوَافَقَ فتح الْقُدس فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ على مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَفِي سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة غزا السُّلْطَان الكرك وضيق عل أَهلهَا من الإفرنج وَملك ربض الكرك وَبقيت القلعة وَحصل بَين الْمُسلمين والإفرنج الْقِتَال فَرَحل عَنْهَا وَسَار إِلَى نابلس وأحرقها وَنهب مَا بِتِلْكَ النواحي وَقتل وَأسر وسي وَعَاد إِلَى دمشق وَفِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة ملك ميافارقين وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة أحضر السُّلْطَان وَلَده الْملك الْأَفْضَل من مصر فأقطعه دمشق ثمَّ أحضر أَخَاهُ الْعَادِل من حلب وَجعل وَلَده الْعَزِيز عُثْمَان نَائِبا عَنهُ بِمصْر واستدع نَائِبه بِمصْر - هُوَ ابْن أَخِيه الْملك المظفر تَقِيّ الدّين عمر ابْن شاهنشاه - وزاده على حماه سنج والمعرة وَكفر طَابَ وميافارقين وَاسْتقر الْعَزِيز عُثْمَان والعادل أَبُو بكر فِي مصر وَاسْتمرّ الْحَال عل ذَلِك إِلَى أَن دخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فِيهَا كَانَت الْوَقْعَة الْعَظِيمَة الَّتِي فتح الله بهَا بَيت الْمُقَدّس وَغَيره على يَد السُّلْطَان الْأَعْظَم
وَاللَّيْث الْهمام الْمُقدم سُلْطَان الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين محيي الْعدْل فِي الْعَالمين قَاتل الْكَفَرَة وَالْمُشْرِكين قاهر والمتمردين جَامع كلمة الْأَيْمَان قامع عَبدة الصلبان رَافع علم الْعدْل وَالْإِحْسَان خَادِم الْحَرَمَيْنِ الشريفين منقذ الْبَيْت الْمُقَدّس من أهل الزيغ والطيغان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدُّنْيَا وَالدّين هُوَ أَبُو المظفر يُوسُف بن أَيُّوب بن شادي تغمده الله برحمته وَأَسْكَنَهُ فسيح جنته وجزاه عَن الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين خيرا وَذَلِكَ فِي أَيَّام الإِمَام الْأَعْظَم والخليفة الاكرم أَمِير الْمُؤمنِينَ ابْن عَم سيد الْمُرْسلين وأرث الْخُلَفَاء الرَّاشِدين الإِمَام النَّاصِر لدين الله أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الإِمَام المستضيء بِاللَّه بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الإِمَام المستنجد بِاللَّه أبي المظفر يُوسُف بن الإِمَام المقتفي لأمر الله أبي عبد الله أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الإِمَام المستظهر بِاللَّه أَحْمد بن الإِمَام الْمُقْتَدِي بِاللَّه أبي الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد الذَّخِيرَة بن الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أبي جَعْفَر عربد الله بن الإِمَام الْقَادِر عبد الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن الْأَمِير إِسْحَاق بن الإِمَام المقتدر بِاللَّه أبي الْفضل جَعْفَر بن الإِمَام المعتضد بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمُوفق بِاللَّه أبي أَحْمد طَلْحَة بن الإِمَام المتَوَكل عل أبي الْفضل جَعْفَر بن الإِمَام المعتصم بِاللَّه أبي إِسْحَاق مُحَمَّد بن الإِمَام الرشيد أبي جَعْفَر هَارُون بن الإِمَام الْمهْدي أبي عبد الله مُحَمَّد بن الإِمَام الْمَنْصُور أبي جَعْفَر عبد الله باني مَدِينَة السَّلَام بَغْدَاد ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب رضي الله عنه وَعَن أسلافه الطاهرين وَقد حُكيَ إِن السُّلْطَان لما كثرت فتوحاته فِي السواحل واوجع فيهم بسهامه وسطوته وَكَانَ لَا يتجاسر عل فتح بَيت الْمُقَدّس لِكَثْرَة مَا فِيهِ من الْأَبْطَال وَالْعدة لكَونه كرْسِي دين النَّصْرَانِيَّة وَكَانَ فِي بَيت الْمُقَدّس شَاب مأسور من أهل دمشق كتب هَذِه الأبيات وَأرْسل بهَا إِلَى الْملك صَلَاح الدّين عل لِسَان الْقُدس فَقَالَ يَا أَيهَا الْملك الَّذِي لمعالم الصلبان نكس جَاءَت إِلَيْك ظلامة تسع من الْبَيْت الْمُقَدّس
كل الْمَسَاجِد طهرت وَأَنا على شرفي منجس فَكَانَت هَذِه الأبيات هِيَ الداعية لَهُ إِلَى فتح بَيت الْمُقَدّس وَيُقَال إِن السُّلْطَان وجد فِي ذَلِك الشَّاب أَهلِي فولاه خطابة الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَكَانَ السُّلْطَان الْملك النَّاصِر رحمه الله لما عزم عل الْفَتْح كتب يَسْتَدْعِي للْجِهَاد من جَمِيع الْبِلَاد وبرز من دمشق يَوْم السبت مستهل شهر الله الْمحرم الْحَرَام سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة قبل اجْتِمَاع العساكر عَلَيْهِ وَحُضُور من استنفره للْجِهَاد إِلَيْهِ وسافر بِمن مَعَه من عسكره وخيم على قصر سَلامَة من بصر عل سمت الكرك خوفًا على الْحَاج من صَاحب الكرك الْبُرْنُس أرباط فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيد الْعَدَاوَة للْمُسلمين مقداماً عل الشَّرّ وإثارة الحروب وَكَانَ قد عزم عل أٍ ر الْحجَّاج فَلَمَّا أحس بنزول السُّلْطَان قَرِيبا مِنْهُ عَاد وَأقَام بحصنه خشيَة على نَفسه فوصل الْحَاج فِي أول صفر إِلَى وطنهم بِدِمَشْق اطمأنت فكرة السُّلْطَان عَلَيْهِم وانتظر السُّلْطَان وُصُول الْعَسْكَر الْمصْرِيّ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَأمر وَلَده الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عليا أَن يُقيم بِرَأْس المَاء وَيجمع العساكر الْوَاصِلَة إِلَيْهِ وَتوجه السُّلْطَان وَمن مَعَه إِلَى الكرك وضياعه فَأحرق فِيهَا وَنهب وَأسر وَسَار إِلَى الشوبك فَفعل كَذَلِك وَوصل إِلَيْهِ عَسْكَر مصر وَاسْتمرّ عل هَذَا الْحَال شَهْرَيْن وَالْملك الْأَفْضَل مُقيم بِرَأْس المَاء فِي جمع عَظِيم ينْتَظر مَا يَأْمُرهُ بِهِ وَالِده ثمَّ قوى عزمه على طبرية فَسَار بِمن مَعَه وَوصل إِلَى صفورية فَخرج إِلَيْهِم الإفرنج فِي جمع كَبِير والتقى الْفَرِيقَانِ فنصر الله الْمُسلمين وظفرهم بالمشركين فَقتلُوا مِنْهُم واسروا وعد ذَلِك من حسن تَدْبِير الْملك الْأَفْضَل فوردت البشائر عل السُّلْطَان بالكرك ثمَّ سَار السُّلْطَان وَاجْتمعَ بِهِ وَلَده وَقد كثر عَسْكَر الْإِسْلَام وَاجْتمعَ وَاشْتَدَّ عزمهم على الْجِهَاد وقوى وَسمع الإفرنج بِمَا هم فِيهِ من الْكَثْرَة وتحققوا انهم
مأخوذون وَكَانَ بَينهم خلف وتنافر فشرعوا حِينَئِذٍ فِي الصُّلْح وتوافقوا عل اجْتِمَاع الْكَلِمَة ثمَّ إِن السُّلْطَان سَار بالعسكر إل ديار الإفرنج بعد أَن رتب الْعَسْكَر واستعرضه ورحل عل هَيْئَة عَظِيمَة يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر ربيع الآخر وخيم على جيبين ثمَّ أصبح سائراً وَنزل عل الْأُرْدُن وَهُوَ نهر الشَّرِيعَة والإفرنج قد تأهبوا للحرب بصفورية ورتبوا جيوشهم وَرفعُوا صلبانهم وَكَانُوا نَحْو خمسين ألفا وَأكْثر وَالسُّلْطَان فِي كل صباح يسير إِلَيْهِم ويراميهم (فتح طبرية) ثمَّ قوى عزمه على طبري فَسَار إِلَيْهَا وَنزل عَلَيْهَا وأحضر الحجارين والنقابين وَأمرهمْ بالهدم والنقب وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس فَنقبُوا فِي برج فهدموه وتسلقوا فِيهِ وتسلموه وَدخل اللَّيْل فَلَمَّا بلغ الإفرنج ذَلِك اعتدوا وشدوا عزمهم وَعَلمُوا أَن طبرية مَتى أخذت تُؤْخَذ مِنْهُم جَمِيع الْبِلَاد فَاجْتمع الإفرنج مَعَ مُلُوكهمْ وَسَارُوا بفارسهم وراجلهم نَحْو السُّلْطَان ذَلِك يَوْم الْجُمُعَة فَمَا كذب الْخَبَر واستخار لله تَعَالَى وَسَار بعسكره وَجَاء يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشر ربيع الآخر والإفرنج سائرون إِلَى طبرية فرتب السُّلْطَان الاطلاب فِي مُقَاتلَتهمْ فحال اللَّيْل بَين الْفَرِيقَيْنِ (وقْعَة حطين - وَهِي الْوَقْعَة الْعُظْمَى) فَلَمَّا أَسْفر الصُّبْح ثار الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ وَصَاح الْمُسلمين صبحة رجل وَاحِد فَألْقى الله الرعب فِي قُلُوب الْكَافرين وَوَقع الْبَطْش فِي الإفرنج وَمكن الله الْمُسلمين مِنْهُم فأووا إِلَى جبل حطين - وَهِي قَرْيَة عِنْدهَا قبر النَّبِي شُعَيْب عليه الصلاة والسلام وَانْهَزَمَ القمس حِين أحس بالكسرة وَذَلِكَ قبل اضْطِرَاب الْجمع فدهمهم الْمُسلمُونَ
ومالوا عَلَيْهِم من كل جَانب فتثبتوا فأحاط بهم عَسْكَر الْإِسْلَام واوقدوا حَولهمْ النيرَان فَإِنَّهُ كَانَ تَحت أَقْدَام خيولهم حشيش فَأمر السُّلْطَان بإلقاء النَّار فِيهِ فَاجْتمع عَلَيْهِم حر الشَّمْس وحر النَّار وَاشْتَدَّ بهم الْعَطش وضاق بهم الْأَمر وَوَقع السَّيْف فيهم وَاشْتَدَّ الْقِتَال فنصر الله الْمُسلمين وأطلقوا عَلَيْهِم السِّهَام وحكموا فيهم السيوف وأبادوا الإفرنج قتلا وأسراً وأسروا ملكهم وَمن مَعَه وَسميت هَذِه الْوَقْعَة وقْعَة حطين وَهِي من الوقعات الْمَشْهُورَة وَقتل من الإفرنج ثَلَاثُونَ ألفا من شجعانهم وفرسانهم رُؤِيَ بعض الفلاحين وَهُوَ يَقُود نيفاً وَثَلَاثِينَ أَسِيرًا قد ربطهم فِي طُنب خيمته وَبَاعَ مِنْهُم وَاحِدًا بنعل لبسه فِي رجله فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أَحْبَبْت أَن يُقَال بَاعَ أَسِيرًا بمداس وَجلسَ السُّلْطَان لعرض أكَابِر الاساري فَأول من قدم إِلَيْهِ مقدم الرِّوَايَة وعدة كَثِيرَة مِنْهُم وَمن الاستبارية وأحضر الْملك كي وأخاه جقرى وأود صَاحب جبيل وهنقري والبرنس أرباط صَاحب الكرك وَهُوَ أول من أسر وَكَانَ السُّلْطَان قد نذر دَمه وَأقسم إِنَّه إِذا ظفر بِهِ يعجل بإتلافه لِأَنَّهُ كَانَ قد عبر بِهِ بالشوبك قوم من الديار المصرية فِي حَال الصُّلْح فغدر بهم وقتلهم فناشدوه الصُّلْح الَّذِي بَينه وَبَين الْمُسلمين فَقَالَ مَا يتَضَمَّن الاستخفاف بِالنَّبِيِّ صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَقصد الْمسير إِلَى الْمَدِينَة وَمَكَّة المشرفة - كَمَا تقدم ذكره - وَبلغ ذَلِك السُّلْطَان فَحَملته الحمية الدِّينِيَّة عل أَن نذر دَمه وَلما فتح الله عَلَيْهِ بنصره وَجلسَ فِي دهليز الْخَيْمَة لِأَنَّهَا لم تكن نصبت بعد وَعرضت عَلَيْهِ الاساري فَلَمَّا حضر بَين يَدَيْهِ أجلسه إِلَى جنب الْملك وَالْملك بِجنب السُّلْطَان وقرعه على غدره وقصده الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَذكره بِذَنبِهِ من حلفه وحنثه ونقضه العهود والمواثيق فَقَالَ الترجمان إِنَّه يَقُول قد جرت بذلك عَادَة الْمُلُوك وَكَانَ الْملك كي يَلْهَث من الظمأ فآنسه السُّلْطَان وَسمن رعبه وَأتي بِمَاء
مثلوج فَشرب مِنْهُ ثمَّ نَاوَلَهُ الْبُرْنُس فَأَخذه من يَده فشربه الملعون فَقَالَ السُّلْطَان للْملك إِن هَذَا الملعون لم يشرب المَاء بادني فَيكون أَمَانًا لَهُ ثمَّ نصبت لَهُ الْخيام ففلما جلس فِي خيمته أحضر الْبُرْنُس فَلَمَّا أقبل عَلَيْهِ أوقفهُ بَين يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُ هَا أَنا انتصر لمُحَمد مِنْك ثمَّ عرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَلم يقبل فبادره وضربه بِالسَّيْفِ فصرعه ثمَّ أَمر بِرَأْسِهِ فَقطع وجر بِرجلِهِ قُدَّام الْملك فارتاع وانزعج فَعرف السُّلْطَان مِنْهُ ذَلِك فاستدعاه وأمنه وطمنه وَقَالَ لما غدر غدرنا بِهِ لِأَنَّهُ تجَاوز الْحَد وتجرأ على الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه وَكَانَت هَذِه النُّصْرَة للْمُسلمين فِي يَوْم السبت لخمس بَقينَ من ربيع الآخر وَبَات النَّاس فِي تِلْكَ اللَّيْلَة عل أتم ترفع أَصْوَاتهم سرُور بِحَمْد الله تعال وشكره وتهليله وتكبيره حَتَّى طلع الْفجْر وَأما الصَّلِيب الْأَعْظَم عِنْدهم فَإِن الْمُسلمين استولوا عَلَيْهِ يَوْم المصاف وَلم يؤسر الْملك حَتَّى أَخذ صَلِيب الصلبوت وَهُوَ الَّذِي إِذا رفع وَنصب سجد لَهُ كل نَصْرَانِيّ وَركع وهم يَزْعمُونَ إِنَّه من الْخَشَبَة الَّتِي صلب عَلَيْهَا معبودهم وَقد غلفوه بِالذَّهَب وكللوه بالجوهر وَكَانَ أَخذه عِنْدهم أعظم من أسر الْملك وعظمت مصيبتهم بِأَخْذِهِ ثمَّ نزل السُّلْطَان على صحراء طبرية وَندب إِلَى حصنها من تَسْلِيمه بالأمان وَكَانَت السِّت صَاحِبَة طبرية قد حمته ونقلت إِلَيْهِ كل مَا تملكه فَأَمَّنَهَا على أَصْحَابهَا وأموالها وَخرجت بِمن مَعهَا إِلَى طرابلس بلد زَوجهَا القمس وَصَارَت طبرية للْمُسلمين وَعين لولايتها صارم الدّين قيمًا زاصنجي وَكَانَ من الأكابر وَالسُّلْطَان نَازل ظَاهر طبرية فَلَمَّا أصبح يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع عشر من ربيع الآخر طلب السُّلْطَان الاسارى من الرِّوَايَة والاستبارية فأحضر الْعَسْكَر مِنْهُم فِي الْحَال مِائَتَيْنِ وَأمر بِضَرْب أَعْنَاقهم وَكَانَ عِنْده جماع من أهل الْعلم والتصوف فَسَأَلَ كل وَاحِد فِي قتل وَاحِد فَقَتَلُوهُ بِحَضْرَة السُّلْطَان ثمَّ سير ملك الإفرنج وأخاه وهنقرى وَصَاحب جبيل
ومقدم الرِّوَايَة وَجَمِيع أكابرهم المأسورين إِلَى دمشق وسجنهم (فتح عكا) ورحل السُّلْطَان ظهر يَوْم الثُّلَاثَاء بِمن مَعَه من العساكر الإسلامية وَنزل عَشِيَّة بِأَرْض لوبيا فَلَمَّا أصبح سَار وَكَانَ فِي صبيحه الْأَمِير عز الدّين أَبُو فليسة الْقَاسِم ابْن المهنى الْحُسَيْنِي أَمِير الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة عل ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَانَ حضر تِلْكَ السن صُحْبَة الْحجَّاج وَهُوَ ذُو شيبَة نيرة وَحضر مَعَ السُّلْطَان هَذَا الْفَتْح جَمِيعه فَأقبل السُّلْطَان عل عكا وخيم قَرِيبا مِنْهَا وَأصْبح يَوْم الْخَمِيس ركب لحربها فَخرج أهل الْبَلَد يطْلبُونَ الْأمان فَأَمنَهُمْ وَخَيرهمْ بَين الْمقَام والانتقال وأمهلهم أَيَّامًا حَتَّى ينْتَقل من يخْتَار النقلَة فأسرع الإفرنج فِي الْخُرُوج مِنْهَا وَدخل الْجند واستولوا عل الدّور ونزلوا بهَا وغنموا مِنْهَا شَيْئا كثيرا وَكَانَ السُّلْطَان جعل للفقيه ضِيَاء الدّين عِيسَى الهكاري كل مَا يتَعَلَّق بالزاوية من منَازِل وضياع فَأَخذهَا بِمَا فِيهَا ووهب عكا لوَلَده الْملك الْأَفْضَل ودخلها الْمُسلمُونَ مستهل جُمَادَى الأول وَصليت الْجُمُعَة بهَا وَجعلت الْكَنِيسَة الْعظم مَسْجِدا جَامعا ورتب فِيهِ الْقبْلَة والمنبر وخطب جمال الدّين عبد اللَّطِيف بن الشَّيْخ أبي نجيب السهروردى وَتَوَلَّى بهَا الْقَضَاء والخطابة وَأقَام السُّلْطَان فِي خيمة بِبَاب عكا عل التل وَكتب لِأَخِيهِ الْملك الْعَادِل سيف الدّين أبي بكر وَهُوَ بِمصْر يُعلمهُ بِالْفَتْح فوصلت البشائر للسُّلْطَان بوصوله وَإنَّهُ فتح فِي طَرِيق حصن مجدل يابا ومدينة يافا عنْوَة وغنم مَا فِيهَا فَتوجه إِلَيْهِ القصاد من أَخِيه السُّلْطَان الْملك وأنعم عَلَيْهِم مِمَّا غنمه وسباه بِشَيْء كثير وَاسْتمرّ السُّلْطَان مُقيما بمخيمه وَفرق الْأُمَرَاء لفتح الْبِلَاد الْمُجَاورَة وأمدهم بالعساكر