المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(حج أبى بكر الصديق رضي الله عنه بالناس) - الأنس الجليل - جـ ١

[مجير الدين العليمي]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة التحقيق]

- ‌(ذكر أول مَا خلق الله سبحانه وتعالى

- ‌(خلق الله السَّمَاوَات وسكانها وَصفَة الْمَلَائِكَة وَخلق الشَّمْس وَالْقَمَر)

- ‌((ذكر شِرَاء المغارة))

- ‌(ذكر فضل سيدنَا الْخَلِيل عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفضل زيارته)

- ‌(فصل فِي حكم السُّور السُّلَيْمَانِي)

- ‌(ذكر إِسْحَاق عليه السلام

- ‌(ذكر سيدنَا مُوسَى الكليم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم)

- ‌(قصَّة القبطي)

- ‌(قصَّة أَرض مَدين)

- ‌(قصَّة النّيل)

- ‌(ذكر قصَّة الرُّؤْيَة)

- ‌(طلسم الْحَيَّات)

- ‌(فَقَالَت وأوتينا الْعلم)

- ‌(نزُول الْمَائِدَة)

- ‌(ذكر عمَارَة بَيت الْمُقَدّس الشريف الْمرة الثَّالِثَة)

- ‌(ذكر سيد الْأَوَّلين والآخرين وَخَاتم الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ)

- ‌(ذكر بِنَاء الْمَسْجِد الشريف النَّبَوِيّ)

- ‌(حج أَبى بكر الصّديق رضي الله عنه بِالنَّاسِ)

- ‌(ذكر بِنَاء عبد الْملك بن مَرْوَان لقبه الصَّخْرَة الشَّرِيفَة)

- ‌(فتح الناصرة وصفورية)

- ‌(فتح تبين)

- ‌(فتح جبيل)

- ‌(فتح بَيت الْمُقَدّس)

- ‌(ذكر يَوْم الْفَتْح)

- ‌(فتح حصن دريساك)

- ‌(ذكر نسَاء الإفرنج)

- ‌(ذكر الْكَبْش وحريقه)

- ‌(نوبَة رَأس المَاء)

- ‌(وُصُول ملك الانكثير)

- ‌(وقْعَة الكمين)

- ‌(وُصُول الإبرنس صَاحب إنطاكية)

- ‌(وَفَاة الْخَلِيفَة النَّاصِر الَّذِي فتح الْقُدس فِي أَيَّامه)

الفصل: ‌(حج أبى بكر الصديق رضي الله عنه بالناس)

(حج أَبى بكر الصّديق رضي الله عنه بِالنَّاسِ)

بعث النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم أَبَا بكر الصّديق رضي الله عنه فِي سنة تسع ليحج بِالنَّاسِ وَمَعَهُ عشرُون بَدَنَة لرَسُول الله (ص) وَمَعَهُ ثَلَاثمِائَة رجل فَلَمَّا كَانَ بِذِي الحليفة أرسل النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه وَأمره بِقِرَاءَة آيَات من أول سُورَة بَرَاءَة عل النَّاس وَأَن يُنَادي إِن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان فَسَار أَبُو بكر رضي الله عنه أَمِيرا على الْمَوْسِم وَعلي بن أبي طَالب رضي الله عنه يُؤذن بِبَرَاءَة يَوْم الْأَضْحَى وَأَن لَا يحجّ مُشْرك وَلَا يطوف عُرْيَان ثمَّ دخلت السّنة الْعَاشِرَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وفيهَا كَانَ قدوم الْوَفْد عل رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمَدِينَةِ وجاءته وُفُود الْعَرَب قاطبة وَدخل النَّاس فِي الدّين أَفْوَاجًا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا) فَقدم عَلَيْهِ وَفد بني تَمِيم ووفد عبد الْقَيْس ووفد بني حنيفَة وَغَيرهم وَفَشَا الْإِسْلَام فِي جَمِيع الْقَبَائِل وفيهَا توفّي إِبْرَاهِيم بن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم الثُّلَاثَاء لعشر لَيَال خلت من ربيع الأول (حجَّة الْوَدَاع) خرج النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم حَاجا لخمس بَقينَ من ذِي الْعدة وَقد اخْتلف فِي حجَّة هَل كَانَ قراناً أم تمتعاً أم أفرادا قَالَ صَاحب حماه وَالْأَظْهَر الَّذِي اشْتهر إِنَّه كَانَ قَارنا وَحج رَسُول الله (ص) بِالنَّاسِ ولقى عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه محرما فَقَالَ حل أَصْحَابك فَقَالَ إِنِّي أَهلَلْت بِمَا أهل بِهِ رَسُول الله (ص) فَبَقيَ عل إِحْرَامه وَنحر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الهد عَنهُ وَعلم

ص: 214

رَسُول الله (ص) النَّاس مَنَاسِك الْحَج وَالسّنَن وَنزل قَوْله تَعَالَى (الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ فَلَا تخشوهم وأخشون الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا) فَبكى أَبُو بكر رضي الله عنه لما سَمعهَا وَكَأَنَّهُ استشعر بِأَن لَيْسَ بعد الْكَمَال إِلَّا النُّقْصَان وَإنَّهُ قد نعيت إِلَيّ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وخطب رَسُول الله (ص) للنَّاس بِعَرَفَة خطْبَة بَين فِيهَا الْأَحْكَام وَمِنْهَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر وَإِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كهيئه يَوْم خلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَإِن عد الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا وتمم حجَّة وَسميت حجَّة الْوَدَاع لِأَنَّهُ لم يحجّ بعْدهَا وَلم يحجّ من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة غير حجَّة الْوَدَاع ثمَّ رَجَعَ رَسُول الله (ص) إِلَى الْمَدِينَة وَأقَام بهَا حَتَّى خرجت السّنة وَكَانَت غَزَوَاته صلى الله عليه وسلم تِسْعَة عشر غَزْوَة قَاتل فِي تسع مِنْهَا وَهَذِه الْغَزَوَات غير السَّرَايَا ثمَّ دخلت السّنة الْحَادِيَة عشر من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ قد قدم من حجَّة الْوَدَاع فَأَقَامَ بهَا حَتَّى خرجت سنة عشر وَالْمحرم ومعظم صفر من سنة إِحْدَى عشرَة وَالله سُبْحَانَهُ وتعال أعلم (ذكر وَفَاته صلى الله عليه وسلم قَالَ تَعَالَى (إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة عِنْد ربكُم تختصمون) وَعَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ يَا عَائِشَة مَا أَزَال أجد ألم الطَّعَام الَّذِي أكلت بِخَيْبَر فَهَذَا أَوَان وجدت انْقِطَاع أَبْهَري من ذَلِك السم بَدَأَ برَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم مَرضه الَّذِي مَاتَ يَوْم الْأَرْبَعَاء لليلتين بَقِيَتَا من صفر سنة إِحْدَى عشرَة فِي بَيت مَيْمُونَة ثمَّ انْتقل حِين اشْتَدَّ وَجَعه إِلَى

ص: 215

بَيت عَائِشَة رضي الله عنها وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما احْتضرَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي الْبَيْت رجال فَقَالَ النَّبِي (ص) هلموا اكْتُبْ لكم كتابا لَا تضلوا بعده أبدا فَقَالَ بَعضهم إِن رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم قد ثقل عَلَيْهِ الوجع وعندكم الْقرن حَسبنَا كتاب الله ثمَّ اخْتلف أهل الْبَيْت واختصموا فَمنهمْ من يَقُول قربوا لَهُ يكْتب لكم كتابا لَا تضلوا بعده أبدا وَمِنْهُم من بقول غير ذَلِك فَلَمَّا اكثروا اللَّغْو وَالِاخْتِلَاف قَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم قومُوا فَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول إِن الرزية كل الرزية مَا حَال بَين رَسُول الله (ص) وَبَين أَن يكْتب لَهُم ذَلِك الْكتاب لاختلافهم ولغطهم وَعَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت دَعَا النَّبِي (ص) فَاطِمَة عليها السلام فِي شكواه الَّذِي قبض فِيهِ فسارها بشئ فَبَكَتْ ثمَّ دَعَاهَا فسارها بِشَيْء فَضَحكت فسألناها عَن ذَلِك فَقَالَت سَارَّنِي النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِنَّه يقبض فِي وَجَعه الَّذِي توفّي فِيهِ فَبَكَتْ ثمَّ سَارَّنِي فَأَخْبرنِي إِنِّي أول أَهله لُحُوقا بِهِ فَضَحكت وَلما ثقل وجع النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَهُ بِلَال يُؤذنهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ مروا أَبَا بكر أَن يُصَلِّي النَّاس فَقَالَت عَائِشَة رضي الله عنها يَا رَسُول الله أَن أَبَا بكر رجل أسيف وَإنَّهُ مت يقوم مقامك لَا يسمع النَّاس فَلَو أمرت عمر فَقَالَ مروا أَبَا بكر أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَقَالَت عَائِشَة لحفصة قولي لَهُ إِن أَبَا بكر رجل أسيف وَإنَّهُ مَتى يقوم مقامك لَا يسمع النَّاس فَلَو أمرت عمر قَالَ إنكن لأنتن صَوَاحِب يُوسُف مروا أَبَا بكر فليصلي بِالنَّاسِ فَلَمَّا دخل فِي الصَّلَاة وجد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي نَفسه خفَّة فَقَامَ يتهادى بَين رجلَيْنِ وَرجلَاهُ يخطان فِي الأَرْض حَتَّى دخل الْمَسْجِد فَلَمَّا سمع أَبُو بكر رضي الله عنه حسنه ذهب أَبُو بكر يتَأَخَّر فَأَوْمأ إِلَيْهِ رَسُول الله (ص) فجَاء إِلَى رَسُول الله (ص) حَتَّى جلس عَن يسَاره فَكَانَ أَبُو بكر يُصَلِّي قَائِما وَكَانَ رَسُول الله (يُصَلِّي قَاعِدا يَقْتَدِي

ص: 216

يَقْتَدِي أبوبكر رضي الله عنه بِصَلَاة رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَالنَّاس يقتدون بِصَلَاة أبي بكر رضي الله عنه وَعَن عَائِشَة رضي الله عنها كَانَت تَقول إِن من نعم الله عَليّ إِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم توفّي فِي بَيْتِي وَبَين سحرِي وَنَحْرِي وَإِن الله جمع بَين ريقي وريقه عِنْد مَوته دخل عبد الرَّحْمَن وَبِيَدِهِ السِّوَاك وَأَنا مُسندَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته ينظر إِلَيْهِ وَعرفت إِنَّه يحب السِّوَاك فَقلت آخذه لَك فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَن نعم فناولته لَهُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَقلت ألينه لَك فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَن نعم فلينته وَبَين يَدَيْهِ ركوة أَو علبة وفيهَا مَاء فَجعل يدْخل يَده فِي المَاء فيمسح بهَا وَجهه وَيَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله أَن للْمَوْت سَكَرَات ثمَّ نصب يَده الْكَرِيمَة فَجعل يَقُول فِي الرفيق الْأَعْلَى حَتَّى قبض ومالت يَده وَعَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت كَانَ النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول - وَهُوَ صَحِيح - إِنَّه لم يقبض نَبِي حَتَّى يرى مقَامه فِي الْجِنّ ثمَّ يُخَيّر فَلَمَّا نزل بِهِ وَرَأسه عل فَخذي غشي عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق فأشخص بَصَره إِلَى سقف الْبَيْت ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ الرفيق الْأَعْلَى فَقلت إِذا لَا يختارنا فَعرفت إِنَّه الحَدِيث الَّذِي كَانَ يحدثنا بِهِ وَهُوَ صَحِيح قَالَت وَكَانَ آخر كلم تكلم بهَا اللَّهُمَّ الرفيق الْأَعْلَى وَتُوفِّي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنّ وَنزل عَلَيْهِ جِبْرِيل عليه السلام أَرْبعا وَعشْرين أل مرّة وَلما مَاتَ قَالَت فَاطِمَة رضي الله عنها وَا أبتاه أجَاب رَبًّا دَعَاهُ وَا أبتاه من جن الفردوس مَأْوَاه وَا أبتاه أَتَى جِبْرِيل ينعاه فَلَمَّا دفن قَالَت يَا أنس أطابت نفوسكم أَن تحثوا عل نَبِيكُم التُّرَاب وَلما توفّي دهش النَّاس وطاشت عُقُولهمْ وَاخْتلفت أَحْوَالهم فِي ذَلِك فَقَالَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه من قَالَ إِن رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم مَاتَ

ص: 217

عَلَوْت بِرَأْسِهِ بسيفي هَذَا وَإِنَّمَا ارْتَفع إِلَى السَّمَاء فَقَرَأَ أَبُو بكر رضي الله عنه (وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أفأن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزي الله الشَّاكِرِينَ) فَرجع الْقَوْم إِلَى قَوْله وَبَادرُوا إِلَى سَقِيفَة بني سَاعِدَة فَبَايع عمر أَبَا بكر ثمَّ بَايعه النَّاس خلا جمَاعَة وغسله صل الله عَلَيْهِ وَسلم عَليّ وَالْعَبَّاس وأبناه الْفضل وَقثم وغسلوه وَعَلِيهِ قَمِيصه لم ينْزع وَكَانَ عَليّ بن أبي طَالب يحضنه إِلَى صَدره وَالْعَبَّاس يصب المَاء وكفن فِي ثَلَاث أَثوَاب بيض سحُولِيَّة وَصلى عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ أفراداً لم يؤمهم أحد وحفر لَهُ أَبُو طلح الْأنْصَارِيّ وَدفن فِي الْموضع الَّذِي توفاه الله فِيهِ وَكَانَت وَفَاته يَوْم الِاثْنَيْنِ وَفرغ من جهازه يَوْم الثُّلَاثَاء وَدفن فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء فِي شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى عشر من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وَكَانَ مَرضه ثَلَاثَة عشر لَيْلَة قَالَ أنس بن مَالك رضي الله عنه لما كَانَ الْيَوْم الَّذِي دخل فِيهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَعْنِي الْمَدِينَة - أَضَاء مِنْهَا كل شئ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ أظلم مِنْهَا كل شئ ورثاه جمَاعَة مِنْهُم أَبُو بكر وَعلي وَفَاطِمَة وَعَمَّته صَفِيَّة رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ وَالله سبحانه وتعالى أعلم (ذكر صِفَاته صل الله عَلَيْهِ وَسلم ونبذة من معجزاته) كَانَ صلى الله عليه وسلم مليح الْوَجْه حسن الْخلق معتدل الْقَامَة لَيْسَ الْقصير وَلَا بالطويل أَبيض اللَّوْن مشربً بحمرة يتلألأ وَجهه كتلألؤ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر كث اللِّحْيَة وَاسع الجبين بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ لم يبلغ الشيب فِي رَأسه ولحيته عشْرين شَعْرَة إِن صمت فَعَلَيهِ الْوَقار وَإِن تكلم سما وعلاه

ص: 218

الْبَهَاء أجمل النَّاس وأبهاهم من بعيد وأحلاهم وَأَحْسَنهمْ من قريب بَين كَتفيهِ خَاتم النُّبُوَّة ريح عره أطيب من ريح الْمسك الأذفر يَقُول ناعته لم أر قبله وَلَا بعده مثله وَأما معجزاته صل الله عَلَيْهِ وَسلم فأفضلها الْقرن الْكَرِيم الَّذِي أعجز الفصحاء وأخرس البلغاء وَمِنْهَا انْشِقَاق الصَّدْر والتئامه وَمِنْهَا انْشِقَاق الْقَمَر فرْقَتَيْن وَمِنْهَا نبع المَاء من بَين أَصَابِعه وتكثر الطَّعَام ببركته وَكَلَام الشّجر وشهادتها لَهُ بِالنُّبُوَّةِ وإجابتها دَعوته وَسَلام الْحجر وَالشَّجر عَلَيْهِ وجنين الْجذع إِلَيْهِ وتسبيح الْحَصَا فِي كَفه وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يعد وَلَا يحص وَلَا يحاط بِهِ وَلَا يستقصي وَمن ذَا يُحِيط بالبحر الزاخر وَلَو أجهد نَفسه أناء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وَكَانَ صل الله عَلَيْهِ وَسلم لَا ينْتَقم لنَفسِهِ وَلَا يغْضب لَهَا وَإِلَّا أَن تنتهك حرمات الله تَعَالَى فينتقم لله وَكَانَ أحسن النَّاس خلقا وأرجحهم علما وأعظمهم عفوا وأسخاهم كفا أوسعهم صَدرا وأصدقهم لهجة وَكَانَ أَشد حَيَاء من الْعَذْرَاء فِي خدرها وَإِذا كره شَيْئا عرف فِي وَجهه وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيئ وَلَكِن يعْفُو ويصفح وَكَانَ يخصف النَّعْل ويرقع الثَّوْب ويخدم فِي مهنة أَهله ويجيب الدعْوَة وَيقبل الْهَدْي ويكافئ عَلَيْهَا وَيَأْكُل مِنْهَا وَلَا يَأْكُل الصَّدَقَة وَيعود الْمَرِيض وَيشْهد الْجَنَائِز متواضعاً يمزح وَلَا يَقُول إِلَّا حَقًا يضْحك من غير قهقه وَمَا خير بَين شَيْئَيْنِ إِلَّا اخْتَار أيسرهما إِلَّا أَن يكون فِيهِ أَثم أَو قطيع رحم فَيكون أبعد النَّاس عَن ذَلِك مولده بِمَكَّة هجرته بِطيبَة وَملكه بِالشَّام ارأف وَخَيرهمْ وَلَا ترْتَفع فِي مَجْلِسه الْأَصْوَات؟ ؟ إِذا قَامَ من مَجْلِسه قَالَ سُبْحَانَهُ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت استغفرك وَأَتُوب إِلَيْك طَوِيل الصمت لَا يتَكَلَّم فِي غير حَاج وَأحب الطَّعَام إِلَيْهِ مَا كثرت عَلَيْهِ الْأَيْدِي وَإِذا وضعت الْمَائِدَة قَالَ بِسم الله اللَّهُمَّ

ص: 219

اجْعَلْهَا نعْمَة مشكورة نصل بهَا نعيم الْجنَّة وَإِذا فرغ قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد أطعمت وأسقيت وأريت لَك الْحَمد غير مكفور وَلَا مد ودع وَلَا مُسْتَغْنى عَنهُ رَبنَا وَكَانَ يشرب فِي ثَلَاث دفعات لَهُ فِيهَا ثَلَاث تسميات وَفِي آخرهَا ثَلَاث تحميدات وَكَانَ يُعجبهُ الثِّيَاب الْخضر وَأكْثر ثِيَابه الْبيَاض وَيَقُول ألبسوها أحياءكم وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم وَكَانَ صلى الله عليه وسلم تنام عَيناهُ وَلَا ينَام قلبه وَكَانَ زاهداً فِي الدُّنْيَا مَاتَ وَلم يخلف دِينَارا وَلَا درهما وَلَا شَاة وَلَا بَعِيرًا وَعرض عَلَيْهِ أَن تجْعَل لَهُ بطحاء مَكَّة ذَهَبا فَقَالَ لَا يَا رب أجوع يَوْمًا؟ ً وَأَشْبع يَوْمًا فَأَما الْيَوْم الَّذِي أجوع فِيهِ فأتضرع إِلَيْك وأدعوك وَأما الْيَوْم الَّذِي أشْبع فِيهِ فأحمدك وأثني عَلَيْك وَكَانَ صلى الله عليه وسلم خَاتم النَّبِيين وَسيد الْمُرْسلين وتاه الله علم الْأَوَّلين والآخرين وفضله عل سَائِر الْخلق أَجْمَعِينَ وَلَا يحص أحد مناقبه من الْعَالمين صل الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وعل أَزوَاجه الطاهرات أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ صَلَاة دائمة إِلَى يَوْم الدّين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين (ذكر أَزوَاجه صل الله عَلَيْهِ وَسلم) أول من تزوج خَدِيجَة بنت خويلد رضي الله عنها ثمَّ سَوْدَة بنت زَمعَة ثمَّ عَائِشَة بنت أبي بكر الصّديق رضي الله عنهما ثمَّ حَفْصَة بنت عمر بن الْخطاب رضي الله عنهما ثمَّ زَيْنَب بنت خُزَيْمَة وَكَانَت تدعى أم الْمَسَاكِين لرأفتها بهم وَمَكَثت عِنْده ثَمَانِيَة أشهر وَتوفيت وَقد بلغت ثَلَاثِينَ سنة ودفنت بِالبَقِيعِ وَلم يمت من أَزوَاجه فِي حَيَاته إِلَّا هِيَ وَخَدِيجَة رضي الله عنهما ثمَّ أم سَلمَة وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة ثمَّ زَيْنَب بنت جحش وَكَانَ إسمها بره فسماها النَّبِي صلى الله عليه وسلم زَيْنَب وَكَانَت قبله عِنْد زيد بن حارثه مَوْلَاهُ فَطلقهَا فَلَمَّا زَوجهَا الله تعال إِيَّاه من السَّمَاء وَهِي الَّتِي قَالَ الله تعال فِيهَا (فَلَمَّا قضي زيد مِنْهَا وطرأ زوجناكما) وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا وَأطْعم الْمَسَاكِين خبْزًا وَلَحْمًا

ص: 220

وفها نزلت آيَة الْحجاب وَكَانَت كَثِيرَة الصَّدَقَة والإيثار رضي الله عنها ثمَّ جوَيْرِية بنت الْحَارِث وَكَانَ اسْمهَا بره فسماها جوَيْرِية ثمَّ أم حبيب وَاسْمهَا رَملَة بنت أبي سُفْيَان أصدقهَا عَنهُ النَّجَاشِيّ - كَمَا تقدم - ثمَّ صَفِيَّة بنت حَيّ من سبي خَبِير اصطفاها لنَفسِهِ وَتَزَوجهَا وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا - كَمَا تقدم - ثمَّ مَيْمُون بنت الْحَارِث وَكَانَ اسْمهَا برة فسماها مَيْمُونَة وَهِي الَّتِي وهبت نَفسهَا للنَّبِي صلى الله عليه وسلم فَهَؤُلَاءِ نساؤه الْمَدْخُول بِهن إِحْدَى عشرَة امْرَأَة وَمَات عَن تسع مِنْهُنَّ وَتزَوج وخطب صلى الله عليه وسلم نسَاء غير هَؤُلَاءِ وَلَكِن لم يدْخل بِهن فمنهن أَسمَاء بنت النُّعْمَان الْجَوْنِية تزوج بهَا ثمَّ فَارقهَا فَقيل إِن سَبَب فراقها إِنَّه لما دخلت عَلَيْهِ قَالَت أعوذ بِاللَّه مِنْك فَقَالَ لَهَا قد عذت بعظيم أَو بمعاذ إلحقي بأهلك وَطَلقهَا فَكَانَت تسمى نَفسهَا بالشقية وَقيل إِن صَاحِبَة هَذِه الْقِصَّة امْرَأَة غير أَسمَاء هَذِه وَخَوْلَة بنت الْهُذيْل زَوجهَا رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَاتَتْ فِي الطَّرِيق قبل وصولها إِلَيْهِ وَأم شريك هِيَ عَرَفَة بنت دودان تزَوجهَا وَلم يدْخل بهَا وَصفِيَّة بنت هِشَام العبدية وشراف الْكَلْبِيَّة أُخْت دحْيَة والعالية الْكلابِيَّة رُوِيَ إِنَّهَا مكثت عِنْد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا شَاءَ الله ثمَّ طَلقهَا وسبا السّلمِيّ مَاتَت قبل أَن يصل إِلَيْهَا وَقتيلَة بنت قيس الكندية قبض رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قبل خُرُوجهَا إِلَيْهِ من الْيمن وَعمرَة بنت يزِيد الْكلابِيَّة طَلقهَا وضباعة بنت عَامر القسيرية خطبهَا ثمَّ أمسك وليلى بنت الْحطيم الاوسية تخطت مَنْكِبه وَهُوَ غافل فَقَالَ من هَذِه أكلهَا الْأسد؟ فَقَالَت أَنا ليلى بنت الْحطيم بن مطعم الطير قد جئْتُك أعرض عَلَيْك نَفسِي فَقَالَ قد قبلتك فَرَجَعت إِلَى أَهلهَا فَقَالُوا إِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كثير الضرائر وَأَنت امْرَأَة غيورة ولسنا نَأْمَن أَن تغيظيه فيدعوا عَلَيْك فاستقيليه فَأَتَتْهُ فأقالها فَدخلت بعد ذَلِك حيطان الْمَدِينَة فَشد عَلَيْهَا الْأسد فَأكلهَا

ص: 221

وَأما سراريه فَكُن أَرْبعا مَارِيَة بنت شمعمون الْقبْطِيَّة أهداها لَهُ الْمُقَوْقس صَاحب مصر وَرَيْحَانَة بنت شَمْعُون النضيرية وَأُخْرَى جميلَة أَصَابَهَا فِي السَّبي وَجَارِيَة وهبتها لَهُ زَيْنَب بنت جحش وَتقدم ذكر أَوْلَاده صلى الله عليه وسلم (ذكر الْأسود العنسى ومسيلمة وسجاح وطليحة وَمَا جرى مِنْهُم) أما الْأسود فاسمه عبهلة وَهُوَ مِمَّن ارْتَدَّ وتنبأ وَكَانَ من الْكَذَّابين وَكَانَ بِالْيمن وَادّعى النُّبُوَّة قبل وَفَاة النَّبِي صلى الله عليه وسلم بأَرْبعَة أشهر فَلَمَّا بلغه صلى الله عليه وسلم ذَلِك أرسل إِلَى نفر من الْيمن يَأْمُرهُم بقتْله فَقَتَلُوهُ وَأَرْسلُوا إِلَى رَسُول الله (ص) بِخَبَرِهِ فَسبق خبر السَّمَاء فَأخْبر النَّاس بذلك قبل وَفَاته بِقَلِيل وَوصل الْكتاب الْأسود فِي خلَافَة أبي بكر رضي الله عنه فَكَانَ كَمَا أخبر بِهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ قَتله قبل وَفَاة النَّبِي (ص) بِيَوْم وَلَيْلَة وَأما مُسَيْلمَة فَإِنَّهُ عل رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وَفد بني حنيفَة ثمَّ ارْتَدَّ وَادّعى النُّبُوَّة وَتسَمى رحمان الْيَمَامَة وَخَافَ أَن لَا يتم لَهُ مُرَاده فَقَالَ إِن مُحَمَّدًا قد أشركني مَعَه وَشرع يسجع لِقَوْمِهِ ويضاهي الْقُرْآن وَذَلِكَ فِي حَيَاة النَّبِي (ص) وَكَانَت لَهُ فتْنَة فَاحِشَة وَقَتله أَبُو بكر رضي الله عنه فِي خِلَافَته وَكَانَ وَحشِي قَاتله بالحربة الَّتِي قتل بهَا حَمْزَة عَم النَّبِي صلى الله عليه وسلم وشاركه فِي قَتله رجل من الْأَنْصَار وَأما سجَاح بنت الْحَارِث النميمية كَانَت قد ادَّعَت النُّبُوَّة فِي اردة وتبعها جمَاعَة وقصدت قتال أبي بكر ثمَّ ذهبت إِلَى الْيَمَامَة وَاجْتمعت بمسيلمة وَتَزَوَّجت بِهِ وتنقلت بهَا الْأَحْوَال إِلَى زمن مُعَاوِيَة فَأسْلمت وَحسن إسْلَامهَا وانتقلت إِلَى الْبَصْرَة وَمَاتَتْ بهَا

ص: 222

واما طليحة الْأَسدي فَإِنَّهُ ادْع النُّبُوَّة وَتَبعهُ وقوى أمره وقاتله خَالِد بن الْوَلِيد فِي اردة ثمَّ أسلم وَخرج نَحْو مَكَّة مُعْتَمِرًا فِي خلَافَة أبي بكر (رض) وَقَاتل فِي الفتوحات فَقتل يَوْم وقْعَة نهاوند مَعَ الْأَعَاجِم فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين فِي خلَافَة عمر رضي الله عنه (فضل الصَّلَاة على رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وكيفيتها) رُوِيَ عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِنَّه قَالَ إِذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول ثمَّ صلوا عَليّ فَإِنَّهُ من صلى عَليّ مرّة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا ثمَّ سلوا لي الْوَسِيلَة فَإِنَّهَا منزلَة لَا تنبغي إِلَّا لعبد وَاحِد وَأَرْجُو أَن أكون أَنا فَمن سَأَلَ الْوَسِيلَة حلت لَهُ الشَّفَاعَة وَقَالَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه إِن الدُّعَاء مَوْقُوف بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لَا يصعد مِنْهُ شئ حَتَّى تصل عل نبيك مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فَإِذا فعلت اخرقت الْحجب وَدخل الدُّعَاء وَإِن لم تفعل ذَلِك رَجَعَ الدُّعَاء وَعنهُ صلى الله عليه وسلم إِنَّه قَالَ إِن أنجاكم يَوْم الْقِيَامَة من أهوالها ومواطنها أَكْثَرَكُم عَليّ صَلَاة وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه أَنه قَالَ حَدثنِي رَسُول الله (ص) وعدهن فِي يَدي قَالَ عدهن فِي يَدي جِبْرِيل عليه السلام وَقَالَ جِبْرِيل هَكَذَا أنزلت بِهن من عِنْد رب الْعِزَّة اللَّهُمَّ صلى على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد اللَّهُمَّ وترحم على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا ترحمت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك أَنْت حميد مجيد اللَّهُمَّ وتحنن على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا تحننت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد اللَّهُمَّ وَسلم عل مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا سلمت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد

ص: 223

وَعَن أبي بكر رضي الله عنه إِنَّه قَالَ الصَّلَاة على النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم أمحق للذنوب من المَاء الْبَارِد للنار وَالسَّلَام عَلَيْهِ أفضل من عتق الرّقاب قَالَ ابْن الْفَاكِهَانِيّ قلت إِنَّمَا كَانَ أفضل من عتق الرّقاب - وَالله أعلم - لِأَن عتق الرّقاب فِي مُقَابلَة الْعتْق من النَّار وَدخُول الْجنَّة وَالسَّلَام عَلَيْهِ فِي مُقَابلَة سَلام الله تعال وَسَلام من الله أفضل من مائَة ألف جنَّة فناهيك بهَا من فنسأل الله تَعَالَى أَن يرزقنا مرافقته فِي الْجنَّة بمنه وَكَرمه وجوده وإحسانه آمين (ذكر دَاب زِيَارَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَمَا يستجب أَن يَفْعَله الزائر وَيَدْعُو بِهِ يسْتَحبّ لمن قدم الْمَدِينَة الشَّرِيفَة أَن يغْتَسل قبل دُخُوله إِلَيْهَا ويتطيب ويلبس أحسن ثِيَابه وَيدخل بسكينة ووقار وَيَقُول بِسم الله وعَلى مِلَّة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رب أدخلني مدْخل صدق وأخرجني مخرج صدق وَاجعَل لي من لَدُنْك سُلْطَانا نَصِيرًا وَيكرهُ لَهُ الرّكُوب فِي أزقتها إِلَّا لعذر فَإِذا وصل إِلَى أحد أَبْوَاب الْمَسْجِد الشريف قَالَ اللَّهُمَّ صلى على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وأغفر لي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لي أَبْوَاب رحمتك وكف عني أَبْوَاب سخطك الْحَمد لله الَّذِي بَلغنِي هَذَا الْموضع الشريف وَجَعَلَنِي أَهلا لحضور هَذَا الْمَسْجِد الْعَظِيم وزيارة قبر رَسُوله الْكَرِيم فَالْحَمْد لله على ذَلِك عدد نعمه الَّتِي لَا تحصى وافضاله الَّذِي لَا يستقصي وَلَا يفنى ثمَّ يقدم رجله الْيُمْنَى قللا وَيَقُول بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم بِسم الله وَبِاللَّهِ وَمن الله وَالِي الله وَفِي سَبِيل الله وعل مِلَّة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رب أدخلني مدْخل صدق وأخرجني مخرج صدق وَاجعَل لي من لَدُنْك سُلْطَانا نَصِيرًا وَكَذَا يَتْلُو إِذا خرج وَيُصلي على النَّبِي صلى الله عليه وسلم ثمَّ يَأْتِي الْمِنْبَر مستديماً للذّكر وَالثنَاء وَالصَّلَاة عل رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم فَيصَلي عِنْده رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّة الْمَسْجِد ويتحرى لصلاته جَانب الْمِنْبَر تجاه صندوق

ص: 224

الْمَصَاحِف وَيجْعَل عَمُود الْمِنْبَر حذاء مَنْكِبه الْأَيْمن وَيسْتَقْبل السارية الَّتِي إِلَى جَانبهَا الصندوق وَتَكون الدائرة الَّتِي فِي قبْلَة الْمَسْجِد بَين عَيْنَيْهِ فَذَلِك موقف النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي كَانَ يؤم النَّاس فِيهِ ثمَّ يَقُول بعد فراغهما الْحَمد لله الَّذِي بَلغنِي هَذَا الْمَكَان ووفقني لاتيانه وأوصلنيه فِي يسر وعافية اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام تَبَارَكت وَتَعَالَيْت يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام والطول والأنعام فلك الْحَمد ملئ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وملئ مَا شِئْت من شَيْء بعد وَيَأْتِي الْقَبْر الشريف من بَاب الْمَقْصُورَة الْقبل فَإِذا وصل الْمَقْصُورَة اسْتقْبل وَجهه الْكَرِيم صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ بِأَن يستدير الْقبْلَة وَيسْتَقْبل جِدَار الْقَبْر الشريف عل نَحْو أَرْبَعَة أَذْرع من السارية الَّتِي فِي زَاوِيَة الْمَقْصُورَة وَيجْعَل الْقنْدِيل على رَأسه وَلَا يمس الْجِدَار بِيَدِهِ وَلَا بِشَيْء من بدنه وَيقف متأدباً بَين يَدَيْهِ كَمَا لَو كَانَ حَيا مظْهرا لاحترامه ويستحضر فِي نَفسه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَالم بِحُضُورِهِ وقيامه تجاهه وَسَلَامه عَلَيْهِ وَإنَّهُ يُجيب من سلم عَلَيْهِ من بعيد فَكيف من قريب وَيسلم على رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَيُصلي عَلَيْهِ وَقد ورد أَشْيَاء كَثِيرَة فِي صفة السَّلَام عَلَيْهِ فأيها فعل أجزاءه ثمَّ يتَقَدَّم يَسِيرا فيقف وَيسلم على خَلِيفَته سيدنَا أبي بكر الصّديق رضي الله عنه ثمَّ يتَقَدَّم يَسِيرا فَيسلم عل أَمِير الْمُؤمنِينَ سيدنَا عمر بن الْخطاب رضي الله عنه ثمَّ يَأْتِي الرَّوْضَة فَيصَلي فِيهَا مَا يسر الله لَهُ وَيُصلي عِنْد الْمِنْبَر أَيْضا ثمَّ يَدْعُو عِنْد انْصِرَافه فَيَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أتيت قبر نبيك صل الله عَلَيْهِ وَسلم متقرباً إِلَيْك بزيارته متوسلاً لديك بِهِ وَأَنت قلت وقولك الْحق وَلَا تخلف الميعاد (وَلَو إِنَّهُم إِذْ ظلمُوا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لَهُم الرَّسُول لوجدوا الله تَوَّابًا رحِيما) اللَّهُمَّ أجعلها زِيَارَة مَقْبُول وسعياً مشكوراً وَعَملا منقبلا مبروراً وَدُعَاء تُدْخِلنَا بِهِ جنتك وتسبغ علينا رَجَمْتُك اللَّهُمَّ اجْعَل سيدنَا مُحَمَّدًا انجح السَّائِلين

ص: 225

وَأكْرم الْأَوَّلين والآخرين اللَّهُمَّ كَمَا آمنا بِهِ وَلم نره وصدقناه وَلم نلقه فأدخلنا مدخله واحشرنا محشره وأوردنا حَوْضه واسقنا بكأسه مشرباً روياً سائغاً هنياً لَا نظمأ بعْدهَا أبدا وَيسْتَحب لَهُ زِيَارَة البقيع فَيبْدَأ بِقَبْر سيدنَا إِبْرَاهِيم بن رَسُول الله (ص) فيزوره ويزور قبر الْعَبَّاس وَعُثْمَان بن عَفَّان وَالْحسن بن عَليّ وَبَنَات رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَغَيرهم وَيسْتَحب زِيَارَة مَا بِتِلْكَ الأَرْض الشَّرِيفَة من الْأَمَاكِن الْمَشْهُورَة ثمَّ إِذا قصد الذّهاب إِلَى وَطنه اغْتسل وَلبس أحسن ثِيَابه واتى الْمَسْجِد الشريف مكرراً للصَّلَاة على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَيَأْتِي الْقَبْر الشريف وَيسلم عل رَسُول الله (ص) وعَلى ضجيعيه وَيكثر من الصَّلَاة عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمَا وَيَدْعُو بِمَا أحب من خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ثمَّ يخرج غير مستدبر الْقَبْر الشريف وَيبدأ بِرجلِهِ الْيُسْرَى قَائِلا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وَافْتَحْ لي أَبْوَاب فضلك وَحط عني أوزاري بزيارة نبيك وَأحسن منقلبي إِلَى أَهلِي ووطني ببركته صلي الله عَلَيْهِ وَسلم يَا رب الْعَالمين يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ أدخلنا فِي شَفَاعَته أَجْمَعِينَ (ذكر فَضَائِل الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف وَمَا ورد فِي ذَلِك) من الْآيَات وَالْأَحَادِيث قد تقدم فِي أول الْكتاب الْكَلَام على أول سُورَة الْإِسْرَاء فَلَو لم يكن لَهُ من الْفَضِيلَة غير هَذِه الْآيَة لكَانَتْ كَافِيَة فِيهِ لِأَنَّهُ إِذا بورك حوله فالبركة فِيهِ مضاعفة وَقَالَ الله تَعَالَى - أَخْبَار عَن نبيه مُوسَى عليه السلام (وغذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قوم ادخُلُوا الأَرْض المقدسة) أَي المطهرة وَالتَّقْدِيس هُوَ التَّطْهِير وسم بَيت الْمُقَدّس مقدساً لِأَنَّهُ يتَطَهَّر فِيهِ من الذُّنُوب ، وَتقدم ذَلِك عِنْد أَسمَاء بَيت الْمُقَدّس

ص: 226

قَالَ ابْن عَبَّاس بَيت الْمُقَدّس عَلَيْهِ الطل والمطر مذ خلق الله السنين وَالْأَيَّام وَرُوِيَ فِي قَوْله تَعَالَى (ونجيناه ولوطاً إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا للْعَالمين) قَالَ هِيَ الأَرْض المقدسة بَارك الله فِيهَا للْعَالمين لِأَن كل مَاء فِي الأَرْض عذب يخرج مِنْهَا من أصل الصَّخْرَة الشَّرِيفَة ثمَّ يتفرق فِي الأَرْض وَقَالَ تَعَالَى (إِن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون) قيل فِي أحد الْأَقْوَال إِنَّهَا الأَرْض المقدسة يَرِثهَا أمة مُحَمَّد صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ تَعَالَى (وآويناهما إِلَى ربوة ذَات قَرَار ومعين) قَالَ ابْن عَبَّاس هِيَ بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ قَول قَتَادَة وَكَعب وَقَالَ كَعْب هِيَ اقْربْ الأَرْض إِلَى السَّمَاء بِثمَانِيَة عشر ميلًا يَعْنِي لِأَن الربوة الْمَكَان الْمُرْتَفع من الأَرْض وَقَالَ تَعَالَى (واستمع يَوْم يُنَادي الْمُنَادِي من مَكَان قريب) الْمُنَادِي هُوَ اسرافيل عليه السلام يُنَادي من صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس بالحشر وَهِي وسط الأَرْض وَرُوِيَ أَن الْمَكَان الْقَرِيب هُوَ صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس وَقَالَ تعال (قي بيُوت اذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه) يَعْنِي بِهِ بَيت الْمُقَدّس وَقَالَ تَعَالَى (فَضرب بَينهم بسور لَهُ بَاب بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب) يَعْنِي بَين الْمُؤمنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَهُوَ حَائِط بَين الْجنَّة وَالنَّار لَهُ - أَي لذَلِك السُّور - بَاب فِيهِ الرَّحْمَة وَهِي الْجنَّة وَظَاهره - أَي من خَارج ذَلِك السُّور - من قبله - أَي من قبل ذَلِك الظَّاهِر الْعَذَاب - وَعَن أبي الْعَوام قَالَ سَمِعت عبد الله بن عمر يَقُول إِن السُّور الَّذِي ذكره الله فِي الْقُرْآن بقوله (فَضرب بَينهم بسور لَهُ بَاب) هُوَ سور بَيت الْمُقَدّس الشَّرْقِي بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة الْمَسْجِد وَظَاهره من قبْلَة الْعَذَاب وَادي جَهَنَّم ورو الإِمَام أَحْمد رضي الله عنه فِي مُسْنده من حَدِيث أَمَامه قَالَ قَالَ

ص: 227

رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يزَال طَائِفَة من أمتِي عل الْحق ظَاهِرين لعدوكم قاهرين لَا يضرهم من خالفهم وَلَا مَا أَصَابَهُم من اللأواء حَتَّى يَأْتِيهم أنمر الله وهم كَذَلِك قَالُوا يَا رَسُول الله وَأَيْنَ هم؟ قَالَ بِبَيْت الْمُقَدّس وأكناف بَيت الْمُقَدّس وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم أَربع من مَدَائِن الْجنَّة مَكَّة وَالْمَدينَة ودمشق وَبَيت الْمُقَدّس وَعَن معَاذ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ الله تَعَالَى يَا شام أَنْت صفوتي من بلادي وَأَنا سائق إِلَيْك صفوتي من عبَادي من كَانَ مولده فِيك فَاخْتَارَ عَلَيْك غَيْرك فبذنب يُصِيبهُ وَمن كَانَ مولده فِي غَيْرك فاختارك فبرحمة مني يَا شام اتسعي لأهْلك بالرزق كَمَا يَتَّسِع الرَّحِم للْوَلَد وعيني عَلَيْك بالطل والمطر مذ خلقت السنين وَالْأَيَّام من يعْدم فِيك المَال لَا يعْدم فِيك الْخَيْر يَا أورشلم أَنْت مُقَدَّسَة بنوري وفيك الْمَحْشَر والمنشر أزفك يَوْم الْقيام كَمَا تزف الْعَرُوس إِلَى بَعْلهَا وَمن دَخلك استغن عَن الزَّيْت والقمح وَعَن معَاذ قَالَ قَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم يَا معَاذ أَن الله عز وجل سيفتح عَلَيْكُم الشَّام من بعدِي من الْعَريش إِلَى الْفُرَات رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ وإمارؤهم مرابطون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَمن اخْتَار مِنْكُم ساحلا من سواحل الشَّام أَو بَيت الْمُقَدّس فَهُوَ فِي جِهَاد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَعَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ قَالَ تَعَالَى لبيت الْمُقَدّس أَنْت جنتي وقدسي وصفوتي من بلادي من يسكنك فبرحمة مني وَمن خرج مِنْك فبسخط مني عَلَيْهِ (فضل الصَّلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس) رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِنَّه قَالَ إِن سُلَيْمَان عليه السلام سَأَلَ ربه ثَلَاثًا فَأعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَنحن نرجو أَن يكون قد أعطَاهُ الثَّالِثَة سَأَلَهُ حكما يُصَادف حكمه فَأعْطَاهُ إِيَّاه وَسَأَلَهُ ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعده فَأعْطَاهُ إِيَّاه وَسَأَلَهُ أَيّمَا

ص: 228

رجل من بَيته لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة فِي هَذَا الْمَسْجِد أَن يخرج من خطيئته كَيَوْم وَلدته أمه فَنحْن نرجو أَن يكون قد أعطَاهُ إِيَّاه وَعَن مَكْحُول قَالَ من خرج إِلَى بَيت الْمُقَدّس لغير حَاج إِلَّا الصَّلَاة فصلى فِيهِ خمس صلوَات صبحاً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاء خرج من خطيئته كَيَوْم وَلدته أمه وَعَن كَعْب قَالَ شكا بَيت الْمُقَدّس إِلَى ربه الخراب فأوح الله إِلَيْهِ لأملأنك خدوداً سجدا يزفون إِلَيْك زفيف النسور إِلَى أوكارها ويحنون إِلَيْك حنين الْحمام إِلَى بيضها فَقَالَ رجل اتَّقِ الله يَا كَعْب وَإِن لَهُ لِسَانا؟ قَالَ نعم وَقَلْبًا كقلب أحدكُم وَعَن أنس رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم من زار بَيت الْمُقَدّس محتسباً أعطَاهُ الله أجر ألف شَهِيد وَعنهُ صلى الله عليه وسلم من زار عَالما فَكَأَنَّمَا زار بَيت الْمُقَدّس وَمن من صلى فِي بَيت الْمُقَدّس غفوت ذنُوبه كلهَا وَعَن كَعْب الْأَحْبَار من أَتَى بَيت الْمُقَدّس فصلى عَن يَمِين الصَّخْرَة وَعَن شمالها ودعا عِنْد مَوضِع السلسلة وَتصدق بِمَا قل أَو كثر اسْتُجِيبَ لَهُ دعاؤه وكشف الله حزنه وَخرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه وَإِن سَأَلَ الله الشَّهَادَة أعطَاهُ الله إِيَّاهَا وَالله أعلم (مضاعفة الصَّلَاة فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس) رُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه عَن النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فضلت الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام عل غَيره بِمِائَة ألف صلا وَفِي مَسْجِدي بِأَلف صَلَاة

ص: 229

وَفِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس بِخَمْسِمِائَة صَلَاة رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد رضي الله عنه (مضاعفة الْحَسَنَات والسيئات فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس) رُوِيَ عَن جرير بن عُثْمَان وَصَفوَان بن عَمْرو أَنَّهُمَا قَالَا الْحَسَنَة فِي بَيت الْمُقَدّس بِأَلف والسيئة بِأَلف وَعَن اللَّيْث بن سعد عَن نَافِع قَالَ قَالَ لي ابْن عمر - وَنحن بِبَيْت الْمُقَدّس - يَا نَافِع اخْرُج بِنَا من هَذَا الْبَيْت فَإِن السَّيِّئَات تضَاعف فِيهِ كَمَا تضَاعف الْحَسَنَات وَأحرم وَخرج من بَيت الْمُقَدّس قَالَ الْعلمَاء معنى ذَلِك أَن عُقُوبَة من اقْتَرَف ذَنبا فِي أحد الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة اعظم عُقُوبَة مِمَّن اقترفه فِي غَيرهَا لشرف هَذِه الْمَسَاجِد وفضلها والذنب الْوَاحِد فِي أَحدهَا أعظم من ذنُوب كَثِيرَة فِي غَيرهَا من الْمَوَاضِع وَلذَلِك تضَاعف فِيهِ السَّيِّئَات وَمَعْنَاهُ تَغْلِيظ عقوبتها لَا أَن الْإِنْسَان يعْمل ذَنبا وَاحِدًا فَيكْتب عَلَيْهِ عشرَة ذنُوب وَالله تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه الْعَزِيز (من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى إِلَّا مثلهَا) فقد غلظت الدِّيَة عل من قتل فِي الْحرم أَو الْإِحْرَام أَو فِي الْأَشْهر الْحرم أَو قتل ذَا رحم محرم لحُرْمَة هَذِه الْأَشْيَاء وَعظم محلهَا فالتعدد فِي الْمَعْنى من حَيْثُ إِنَّه انتهك حُرْمَة بيُوت الله وَقد قَالَ الله تَعَالَى (فِي بيُوت إِذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه يسبح لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال رجال لَا تليهم تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله وَأقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة يخَافُونَ يَوْمًا تتقلب فِيهِ الْقُلُوب والأبصار لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا علمُوا ويزيدهم من فَضله) وَقد ارْتكب الْمعْصِيَة فِيهَا فَهَذَا معنى التَّضْعِيف (شدّ الرّحال إِلَيْهِ) عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

ص: 230

قَالَ لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام الْمَسْجِد ألاقى ومسجدي هَذَا (كَرَاهِيَة اسْتِقْبَال الصَّخْرَة ببول أَو غَائِط) رو أَبُو دَاوُد رحمه الله فِي سنَنه إِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نهى أَن يسْتَقْبل القبلتان ببول أَو غَائِط وَعَن نَافِع ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تستقبلوا وَاحِدَة من الْقبْلَتَيْنِ ببول أَو غَائِط وَرُوِيَ تَحْرِيم ذَلِك عَن الشّعبِيّ (فضل الإهلال بِالْحَجِّ والعمر من بَيت الْمُقَدّس) عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه سَمِعت رَسُول الله (ص) يَقُول من أهل بِحَجّ أَو عمْرَة من الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَوَجَبَت لَهُ الْجنَّة وَقد أحرم مِنْهُ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه ثمَّ قَالَ لَوَدِدْت إِنِّي مَا جِئْت بَيت الْمُقَدّس واحرم مِنْهُ ابْنه عبد الله رضي الله عنه أَيْضا وَالْمَاء والرياح يخرجَانِ من تَحت صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِنَّه قَالَ الْمِيَاه العذبة والرياح اللواقح تخرج من تَحت صَخْر بَيت الْمُقَدّس وَعَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ ولسم الْأَنْهَار أَرْبَعَة سيحان وجيحان والنيل والفرات فَأَما سيحان فنهر بَلخ وَأما جيحان فدجلة وَأما النّيل مصر وَأما الْفُرَات ففرات الْكُوفَة وكل مَاء يشربه ابْن دم فَهُوَ من هَذِه الْأَرْبَعَة وَيخرج من تَحت صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس وَقد نقل فِي فضل مَاء بَيت الْمُقَدّس وَمَا فِيهِ من الْمَنْفَعَة وَإِن من أَرَادَ

ص: 231

إِن يشرب مَاء فِي جَوف اللَّيْل فَلْيقل يَا مَاء مَاء بَيت الْقُدس يُقْرِئك السَّلَام ثمَّ يشرب فَإِنَّهُ أَمَان بِإِذن الله عز وجل (بَيت الْمُقَدّس أَرض الْمَحْشَر والمنشر) عَن أبي ذَر رضي الله عنه قَالَ قلت يَا رَسُول الله الصَّلَاة فِي مسجدك أفضل من الصَّلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس؟ قَالَ الصَّلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من أَربع صلوَات فِيهِ ولنعم هُوَ أَرض الْمَحْشَر والمنشر وَعَن كَعْب قَالَ إِن الكعب بميزان الْبَيْت الْمَعْمُور فِي السَّمَاء السَّابِعَة الَّذِي تحجه مَلَائِكَة الله تعال لَو وَقعت مِنْهُ أَحْجَار لوقعت عل أَحْجَار الْبَيْت الْحَرَام وَإِن الْجنَّة فِي السَّمَاء السَّابِع بميزان بَيت الْمُقَدّس لَو وَقع مِنْهَا حجر لوقع عل الصَّخْرَة الشَّرِيفَة وَلذَلِك دعيت أورشلم ودعيت الْجنَّة دَار السَّلَام وَقَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان عَن بَيت الْمُقَدّس مَا فِيهِ مَوضِع شبر إِلَّا وَقد صل عَلَيْهِ نَبِي مُرْسل أَو قَامَ عَلَيْهِ ملك مقرب وَقَالَ وهب بن مُنَبّه أهل بَيت الْمُقَدّس جيران الله وَحقّ عل الله أَن لَا يعذب جِيرَانه وَعَن عبد الله بن عمر إِنَّه قَالَ إِن الْحرم لمحرم فِي السَّمَاوَات السَّبع بمقداره فِي الأَرْض وَأَن بَيت الْمُقَدّس فِي السَّمَاوَات السَّبع بمقداره فِي الأَرْض (توكل الْمَلَائِكَة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَمَسْجِد الْمَدِينَة وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى) عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِنَّه قَالَ ثَلَاث أَمْلَاك ملك مُوكل بالكعب وَملك مُوكل بمسجدي وَملك مُوكل بِالْمَسْجِدِ الأقص فَأَما الْمُوكل بالكعب فينادي فِي كل يَوْم من ترك فَرَائض الله خرج من أَمَان الله وَأما الْمُوكل بمسجدي هَذَا فينادي فِي كل يَوْم من ترك سنة رَسُول الله صل الله صلى الله عليه وسلم وَأما الْملك الْمُوكل بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فينادي

ص: 232

فِي كل يَوْم من كَانَت طعمته جواماً عمله مَضْرُوبا بِهِ وَجهه (فضل أسراج بِبَيْت الْمُقَدّس الشريف عِنْد الْعَجز عَن الْوُصُول إِلَيْهِ) فَإِنَّهُ يقوم مقَام الصَّلَاة فِيهِ وَفضل عِمَارَته رُوِيَ عَن مَيْمُونَة بنت سعد مولا رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله افتنا فِي بَيت الْمُقَدّس فَقَالَ أرضالمحشر والمنشر ائتون فصلوا فِيهِ فَإِن كل صَلَاة فِيهِ كألف صَلَاة قُلْنَا يَا رَسُول الله فَمن لم يَسْتَطِيع أَن يصل إِلَيْهِ؟ قَالَ فَمن لم يَسْتَطِيع أَن يَأْتِيهِ فليهد إِلَيْهِ زيتاً يسرج فِي قناديله فَإِن من أهد إِلَيْهِ زيتاً كَانَ كمن أَتَاهُ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم من أَسْرج فِي بَيت الْمُقَدّس سِرَاجًا لم تزل الْمَلَائِكَة تستغفر لَهُ مَا دَامَ ضوؤه فِي الْمَسْجِد وَفِي نبوة يحيى عليه السلام من بني فِي بَيت الْمُقَدّس بِنَاء أَو أثر فِيهِ أثرا حسنا أَو عمر فِيهِ شَيْئا زَاد الله فِي عمره خَمْسَة عشر سنة وراد الله لَهُ من المَال وَالْولد وَإِن كَانَ ملكا ملكه الله إِيَّاهَا - يَعْنِي الأَرْض (وَصفَة الدَّجَّال قَاتله الله - الدَّجَّال لَا يدْخل بَيت الْمُقَدّس) رُوِيَ عَن الضَّحَّاك إِنَّه قَالَ الدَّجَّال لَيْسَ لَهُ لحية وافر الشَّارِب طول وَجهه ذراعان وقامته فِي السَّمَاء ثَمَانُون ذِرَاعا وَعرض مَا بَين مَنْكِبَيْه ثَلَاثُونَ ذِرَاعا ثِيَابه وخفاه وسرجه ولجامه بِالذَّهَب والجواهر على رَأسه تَاج مرصع بِالذَّهَب والجوهر فِي يَده طبرزن هَيئته الْمَجُوس ترسه فارسية وَكَلَامه الفارسية تطو لَهُ الأَرْض ولأصحابه طياً طياً يطَأ مجامعها وَيرد مناهلها غلا الْمَسَاجِد الْأَرْبَع مَسْجِد مَكَّة وَمَسْجِد الْمَدِينَة وَمَسْجِد بَيت الْمُقَدّس وَمَسْجِد الطّور وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ يدْخل الدَّجَّال الأَرْض كلهَا إِلَّا أَرْبَعَة مَسَاجِد وَأَرْبع قرى مَكَّة وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس وطور سيناء

ص: 233

وَرُوِيَ نَحوه عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وروى ثَوْر عَن خَالِد بن صَفْوَان قَالَ عصمَة الْمُؤمنِينَ من المسيخ الدَّجَّال بَيت الْمُقَدّس وَعَن ربيعَة بن زيد قَالَ قَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تزالون تقاتلون الْكفَّار حَتَّى تقَاتل بَقِيَّتكُمْ جنود الدَّجَّال بِبَطن الْأُرْدُن بَيْنكُم النَّهر أَنْتُم غَرِيبَة وهم شرقية قَالَ ربيعَة فَقَالَ الْمُحدث من أَصْحَاب رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَا سَمِعت بنهر الْأُرْدُن إِلَّا من رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَرُوِيَ إِن نَبِي عِيسَى عليه السلام يَأْخُذ من حِجَارَة بَيت الْمُقَدّس ثَلَاثَة أَحْجَار الأول مِنْهَا يَقُول بِسم إِلَه إِبْرَاهِيم وَالثَّانِي يَقُول بِسم إِلَه إِسْحَاق وَالثَّالِث يَقُول بِسم إِلَه يَعْقُوب ثمَّ يخرج بِمن مَعَه من الْمُسلمين إِلَى الدَّجَّال فَإِذا رَآهُ انهزم عَنهُ فيدركه عِنْد بَاب لد فيرميه بِأول حجر فَيُصِيبهُ بَين عَيْنَيْهِ ثمَّ الثَّانِي ثمَّ الثَّالِث فَيَقَع فيضربه سيدنَا عيس عليه السلام فيقتله وَيقتل الْيَهُود حَتَّى إِن الْحجر وَالشَّجر ليقولان يَا مُؤمن تحتي يَهُودِيّ فأته فاقتله قَالَ صل الله عَلَيْهِ وَسلم يُوشك أَن ينزل فِيكُم ابْن مَرْيَم إِمَامًا مقسطاً فيكسر الصَّلِيب وَيقتل الْخِنْزِير (فضل الْأَذَان فِي بَيت الْمُقَدّس) رُوِيَ عَن جَابر رضي الله عنه إِن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله أَي الْخلق أول دُخُولا إِلَى الْجنَّة؟ قَالَ الْأَنْبِيَاء قَالَ ثمَّ من؟ قَالَ الشُّهَدَاء قَالَ ثمَّ قَالَ مؤذنو بَيت الْمُقَدّس قَالَ ثمَّ من؟ قَالَ مُؤذن الْمَسْجِد الْحَرَام قَالَ ثمَّ من؟ قَالَ مؤذنو مَسْجِدي قَالَ ثمَّ من؟ قَالَ سَائِر المؤذنين وَعَن الْعَلَاء بن هَارُون قَالَ بَلغنِي أَن الشُّهَدَاء يسمعُونَ أَذَان مؤذني بَيت الْمُقَدّس لصَلَاة الْغَدَاة يَوْم الْجُمُعَة وَعَن كَعْب قَالَ لم يستشهد عبد قطّ فِي بر وَلَا بَحر إِلَّا وَهُوَ يسمع أَذَان مؤذني بَيت الْمُقَدّس وَإنَّهُ يسمعع أَذَان مؤذني بَيت الْمُقَدّس من السَّمَاء (فضل الصَّدَقَة فِي بَيت الْمُقَدّس) رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ رضيالله عَنهُ إِنَّه قَالَ من تصدق فِي بَيت الْمُقَدّس بدرهم كَانَ لَهُ بَرَاءَة من النَّار وَمن تصدق برغيف كَانَ كمن تصدق بجبال الأَرْض ذَهَبا (فضل الصّيام فِيهِ والإستغفار) رُوِيَ عَن كَعْب إِنَّه قَالَ من صَامَ يَوْمًا بِبَيْت الْمُقَدّس أعطَاهُ الله برَاء من النَّار وَمن اسْتغْفر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات فِي بَيت المقدسس ثلاثمرات كتب لَهُ مثل جَمِيع حَسَنَات الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَدخل عل كل مُؤمن ومؤمنة من دُعَائِهِ فِي كل يَوْم وَلَيْلَة سَبْعُونَ مغْفرَة (فضل الدّفن فِي بَيت الْمُقَدّس) قد سَأَلَ مُوسَى عليه السلام ربه أَن يدينه من الأَرْض المقدسة رمية حجر وَتقدم ذكر ذكل عِنْد ذكره عليه السلام وَعَن كَعْب أَن بِبَيْت الْمُقَدّس ألف قبر من قُبُور الْأَنْبِيَاء عليهم السلام وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِنَّه قَالَ من مَاتَ بِبَيْت الْمُقَدّس فَكَأَنَّمَا مَاتَ فِي السَّمَاء (فضل الصَّخْرَة) رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما إِنَّه قَالَ صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس من صخور الْجنَّة وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم

ص: 234

صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس على نَخْلَة والنخلة عل نهر من أَنهَار الْجنَّة وَتَحْت النَّخْلَة آسِيَة امْرَأَة فِرْعَوْن وَمَرْيَم ابْن عمرَان ينظمان سموط أهل الْجنَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَعَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول سيد الْبِقَاع بَيت الْمُقَدّس وَسيد الصخور صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس وَعَن أم عبد الله ابْنة خَالِد بن سَعْدَان عَن أَبِيهَا لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تزف الْكَعْبَة إِلَى الصَّخْرَة فَيتَعَلَّق بهَا جَمِيع من حَجهَا واعتمرها فَإِذا رأتها الصَّخْرَة قَالَت مرْحَبًا بالزائرة والمزورة وَرُوِيَ إِن الله عز وجل يَجْعَل الصَّخْرَة يَوْم الْقِيَامَة مرجانه بَيْضَاء ثمَّ يبسطها عرض السَّمَاء وَالْأَرْض (فضل الصَّلَاة عَن يَمِين الصَّخْرَة) عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صليت لَيْلَة اسري بِي إِلَى بَيت الْمُقَدّس عَن يَمِين الصَّخْرَة قَالَ المشرف وَلم يخْتَلف اثْنَان إِنَّه عرج بِهِ من عِنْد الْقبَّة الَّتِي يُقَال لَهَا قبَّة الْمِعْرَاج (البلاطة السَّوْدَاء)(وَهِي الَّتِي من دَاخل الْبَاب الشَّامي من أَبْوَاب الصَّخْرَة وَيعرف هَذَا الْبَاب بِبَاب الْجنَّة) حُكيَ إِنَّه رُؤِيَ الْخضر عليه السلام يُصَلِّي هُنَاكَ وَالله أعلم وَيُقَال إِن قبر سُلَيْمَان عليه السلام بِهَذَا الْبَاب وَتقدم عِنْد ذكر وَفَاته مَا قيل إِن قَبره بِبَيْت الْمُقَدّس عِنْد الجيسمانية وَإنَّهُ هُوَ وَأَبوهُ دَاوُد فِي قبر وَاحِد (الْيَمين عِنْد الصَّخْرَة) حُكيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز رضي الله عنه إِنَّه أَمر أَن يحمل عُمَّال سُلَيْمَان بن

ص: 236

عبد الْملك يستخلفون عِنْد الصَّخْرَة فَحَلَفُوا إِلَّا رجلا وَاحِدًا افذى يَمِينه بِأَلف دِينَار يُقَال لله أهيب بن جُنْدُب فَمَا حَال عَلَيْهِم الْحول حَتَّى مَاتُوا وَالله أعلم (فضل الصَّخْرَة لَيْلَة الرجفة) روى أَبُو عُمَيْر عَن جُنْدُب عَن رستم الْفَارِس يُقَال أَتَت الرجفة فَقيل لي قُم فَإِذن فاستهنت بذلك ثمَّ أَتَت الثَّانِيَة فَقيل لي قُم فَإِذن فاستهنت بذلك ثمَّ أَتَت الثَّالِثَة فانتهزت انتهاز شَدِيدَة وَقيل لي قُم فَإِذن فَأتيت الْمَسْجِد فَإِذا الدّور قد تهدمت قَالَ فَخرج لي بعض حراس الصَّخْرَة فَقَالَ لي إذهب فأتني بِخَير أَهلِي وتعال حَتَّى أخْبرك بالعجب قَالَ فَأتيت منزله فَإِذا هُوَ قد هدم فَرَجَعت فأعلمته فَقَالَ لي لما كَانَ من الْأَمر مَا كَانَ أُتِي إِلَيْهَا فَحملت حَتَّى ى نَظرنَا إِلَى السَّمَاء والنجوم ثمَّ أُعِيدَت فسمعناهم يَقُولُونَ ساووها عدلوها حَتَّى أُعِيدَت على حَالهَا وَرَوَاهُ عبيد الله بن مُحَمَّد القرماني عَن ضَمرَة عَن رستم بِنَحْوِهِ وَفِيه أَنا لذِي خرج إِلَيْهِ رجل متن حراس الصَّخْرَة الشَّرِيفَة وَكَانَ على كل بَاب عشرَة وَفِيه لما أخيره عَن أَهله قَالَ لم نعلم فِي أول اللَّيْل إِلَّا وَقد قلعت الْقبَّة من موضعهَا حَتَّى بَدَت لنا الْكَوَاكِب فَلَمَّا كَانَ قبل مجيئك سمعنَا حفيفاً وحبكة ثمَّ سمعنَا قَائِلا يَقُول ساووها عدلوها ثَلَاث مَرَّات فأعيدت على حَالهَا ورو الْوَلِيد بن حَمَّاد عَن عبد الرحمان بن مُحَمَّد بن مَنْصُور بن ثَابت قَالَ حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن جده أَن أَبَا عُثْمَان الْأنْصَارِيّ كَانَ يحيي اللَّيْل بعد انْصِرَافه من الْقيام فِي شهر رَمَضَان عل البلاطة السَّوْدَاء قَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِم فِي الصَّلَاة حَتَّى سمع صَوت الهد فِي الْمَدِينَة وصراخ النَّاس واستغاثتهم وَكَانَت لَيْلَة بَارِدَة مظْلمَة كَثِيرَة الرِّيَاح والأمطار قَالَ سَمِعت قَائِلا يَقُول - اسْمَع الصَّوْت وَلَا أرى الشَّخْص - ارفعوها رويداً بِسم الله فَقلعت الْقبَّة عليا حَتَّى تبدي لنا بَيَاض السَّمَاء والنجوم

ص: 237

فَأصَاب وَجهه من رش الْمَطَر حَتَّى أذن رستم الْفَارِسِي فَسمع قَائِلا يَقُول ردوهَا رويداً بِسم الله ساووها عدلوها فَردَّتْ الْقبَّة على مَا كَانَت عَلَيْهِ وَكَانَ هَذَا فِي الرجفة الأولى وَكَانَت هَذِه الرجفة فِي شهر رَمَضَان سنّ ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَالله سبحانه وتعالى أعلم (نبذة مِمَّا ذكر من فَضَائِل بَيت الْمُقَدّس الشريف الْمُعظم) قد تقدم مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِنَّه قَالَ أَربع من مَدَائِن الْجنَّة مَكَّة وَالْمَدينَة ودمشق وَبَيت الْمُقَدّس وروى المشرف بِسَنَدِهِ عَن عمرَان بن الْحصين قَالَ قلت يَا رَسُول الله مَا أحسن الْمَدِينَة قَالَ لَو رَأَيْت بَيت الْمُقَدّس قَالَ قلت أَهِي أحسن مِنْهَا؟ فَقَالَ كَيفَ لَا تكون أحسن مِنْهَا وكل من فِيهَا يزار وَلَا يزور وتهدي إِلَيْهِ الْأَرْوَاح وَلَا يهدي روح بَيت الْمُقَدّس لغَيْرهَا إِلَّا أَن الله أكْرم الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وطيبها بِي وَأَنا فِيهَا حَيّ وَأَنا فِيهَا ميت وَلَوْلَا ذَلِك مَا هَاجَرت من مَكَّة فَإِنِّي مَا رَأَيْت الْقَمَر فِي بِلَاد قطّ إِلَّا وَهُوَ بِمَكَّة أحسن وَرُوِيَ أَن مُوسَى عليه السلام نظر وَهُوَ بِبَيْت الْمُقَدّس إِلَى نور رب الْعِزَّة ينزل ويصعد إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَعَن كَعْب قَالَ بَاب مَفْتُوح من السَّمَاء من أَبْوَاب الْجنَّة ينزل مِنْهُ النُّور وَالرَّحْمَة على بَيت الْمُقَدّس كل صباح حَتَّى تقوم السَّاعَة والطل الَّذِي على بَيت الْمُقَدّس شِفَاء من كل دَاء لِأَنَّهُ من الْجنَّة وَعَن مقَاتل بن سُلَيْمَان إِن كل لَيْلَة ينزل سَبْعُونَ ألف ملك من السَّمَاء إِلَى مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس يهللون الله ويسبحون ويقدسونه ويحمدونه لَا يعودون إِلَيْهِ حَتَّى تقوم السَّاعَة وَعَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما إِنَّه قَالَ قَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم

ص: 238

من أَرَادَ أَن ينظر إِلَى بقْعَة من بقع الْجنَّة فَلْينْظر إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَقَالَ كَعْب إِن الله ينظر إِلَى بَيت الْمُقَدّس كل يَوْم مرَّتَيْنِ وَقَالَ أنس بن مَالك رضي الله عنه إِن الْجنَّة لتحن شوقاً إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَبَيت الْمُقَدّس من جنَّة الفردوس والفردوس بالسُّرْيَانيَّة الْبُسْتَان وَقيل الْكَرم وَعَن خَالِد بن معدان إِن حَذْو بَيت الْمُقَدّس بَاب من السَّمَاء يهْبط مِنْهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك يَسْتَغْفِرُونَ لمن يجدونه يُصَلِّي فِيهِ وَقَالَ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بَيت الْمُقَدّس بنته الْأَنْبِيَاء وعمرته وَمَا فِيهِ مَوضِع شبر إِلَّا وَقد سجد عَلَيْهِ نَبِي أَو قَامَ عَلَيْهِ ملك وَقَالَ مقَاتل إِن اله تَعَالَى تكفل لمن سكن بَيت الْمُقَدّس بالرزق إِن فَاتَهُ المَال وَمن مَاتَ مُقيما محتسباً فِي بَيت الْمُقَدّس فَكَأَنَّمَا مَاتَ فِي السَّمَاء وَمن مَاتَ حول بَيت الْمُقَدّس فَكَأَنَّمَا مَاتَ فِي بَيت الْمُقَدّس وَأول أَرض بَارك الله فِيهَا بَيت الْمُقَدّس وَالْأَرْض المقدسة الَّتِي ذكرهَا الله فِي الْقُرْآن فَقَالَ (إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا للْعَالمين) هِيَ أَرض بَيت الْمُقَدّس وكلم الله مُوسَى فِي أَرض بَيت الْمُقَدّس وَتَابَ الله عل دَاوُد وَسليمَان عليهما السلام فِي أَرض بَيت الْمُقَدّس ورد الله على سُلَيْمَان ملكه فِي بَيت الْمُقَدّس وَبشر الله زَكَرِيَّا بيحي فِي بَيت الْمُقَدّس وسخر الله لداود الْجبَال وَالطير فِي بَيت الْمُقَدّس وَكَانَت الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم يقربون القرابين بِبَيْت الْمُقَدّس وتتغلب يَأْجُوج على الأَرْض كلهَا غير بَيت الْمُقَدّس ويهلكهم الله فِي أَرض بَيت الْمُقَدّس وَينظر الله كل يَوْم بِخَير إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَأوصى إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق عليهما السلام لما مَاتَا أَن يدفنا بِأَرْض بَيت الْمُقَدّس

ص: 239

أولي الْعَزْم والتمكن وَشد عضده ببقائهم وأقض بإعزاز أوليائه وأوليائهم اللَّهُمَّ كَمَا أجريت على يَده فِي الْإِسْلَام هَذِه الْحَسَنَة الَّتِي تبقى عل الْأَيَّام وتتجدد عل ممر الشُّهُور والأعوام فارزقه الْملك الأبدي الَّذِي لَا ينْفد فِي دَار الْمُتَّقِينَ وَأوجب دعاءه فِي قَوْله (رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعل وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وأدخلني بِرَحْمَتك فِي عِبَادك الصَّالِحين) ثمَّ دَعَا بِمَا جرت بِهِ الْعَادة وَنزل وَصلى وَلما قضيت الصَّلَاة انْتَشَر النَّاس وَكَانَ قد نصب سَرِير الْوَعْظ تجاه الْقبْلَة فَجَلَسَ عَلَيْهِ الشَّيْخ زين الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن نجا الْأنْصَارِيّ الْحَنْبَلِيّ الْمَعْرُوف بِابْن نجية وَعقد مَجْلِسا للوعظ وَكَانَ واعظاً حسنا بليغاً وصل السُّلْطَان الْجُمُعَة فِي قبَّة الصَّخْرَة وَكَانَت الصُّفُوف ملئ الصحن ثمَّ رتب فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف خَطِيبًا وَكَانَ الْملك الْعَادِل نور الدّين الشَّهِيد قد عزم على فتح بَيت الْمُقَدّس وَعمل منبراً بحلب وتعب عَلَيْهِ مُدَّة وَقَالَ هَذَا لأجل الْقُدس فَأَدْرَكته الْمنية وَكَانَ الْفَتْح عل يَد من أَرَادَ الله فَأرْسل السُّلْطَان صَلَاح الدّين من أحضر الْمِنْبَر من حلب وَجعله فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَهُوَ الْمَوْجُود فِي عصرنا هَذَا وَأما الصَّخْرَة فقد كَانَ الإفرنج بنوا عَلَيْهَا كَنِيسَة ومذبحاً وَجعلُوا فِيهَا الصُّور والتماثيل فَأمر السُّلْطَان بكشفها وَنقض الْبناء الْمُحدث فِيهَا وأعادها كَمَا كَانَت ورتب لَهَا إِمَامًا حسن الْقِرَاءَة ووقف عَلَيْهَا دَارا وأرضاً وَحمل إِلَيْهَا وَإِلَى محراب الْمَسْجِد الْأَقْصَى مصاحف وختمات وربعات شريفة ورتب للصخرة وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى خدمَة وَكَانَ الإفرنج قد قطعُوا من الصَّخْرَة قِطْعَة وحملوا مِنْهَا إِلَى قسطنطينية ونقلوا مِنْهَا إِلَى صقلية قيل باعوها بوزنها ذَهَبا وَلما فتح السُّلْطَان الْقُدس كَانَ عل رَأس قبَّة الصَّخْرَة صَلِيب كَبِير مَذْهَب فتسلق الْمُسلمُونَ وقلعوه فَسمع لذَلِك ضجة لم يعْهَد مثلهَا من الْمُسلمين للفرح وَالسُّرُور

ص: 239

وَأوصى آدم عليه السلام لما مَاتَ بِأَرْض الْهِنْد إِن يدْفن بِبَيْت الْمُقَدّس وَأُوتِيت مَرْيَم عليها السلام فَاكِهَة الشتَاء فِي الصَّيف وَفَاكِهَة الصَّيف فِي الشتَاء فِي بَيت الْمُقَدّس وَولد عِيسَى عليه السلام وَتكلم فِي المهد فِي بَيت الْمُقَدّس أنزلت عَلَيْهِ الْمَائِدَة فِي أَرض بَيت الْمُقَدّس وَرَفعه الله إِلَيّ السَّمَاء من بَيت الْمُقَدّس وَينزل من السَّمَاء إِلَى الأَرْض بِبَيْت الْمُقَدّس وَمَاتَتْ مَرْيَم عليها السلام بِبَيْت الْمُقَدّس وَهَاجَر إِبْرَاهِيم عليه السلام من كوثا إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَصلى النَّبِي صلى الله عليه وسلم زَمَانا إِلَى بَيت الْمُقَدّس وأسري بِهِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَتَكون الْهِجْرَة فِي آخر الزَّمَان إِلَى بَيت الْمُقَدّس والمحشر والمنشر إِلَى بَيت الْمُقَدّس والحساب يَوْم الْقِيَامَة إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَينصب الصِّرَاط على جَهَنَّم إِلَيّ الْجنَّة بِبَيْت الْمُقَدّس وينفخ اسرافيل فِي الصُّور بِبَيْت الْمُقَدّس والحوت الَّذِي الأرضون عل ظَهره رَأسه فِي مطلع الشَّمْس وذنبه بالمغرب ووسطه تَحت بَيت الْمُقَدّس وَمن صلى فِي بَيت الْمُقَدّس فَكَأَنَّمَا صل فِي سَمَاء الدُّنْيَا وتخرب الأَرْض كلهَا وتعمر بَيت الْمُقَدّس وَمن صَبر فِي بَيت الْمُقَدّس سنة على لأوائها وشدتها جَاءَهُ الله برزقه من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه وَعَن يَمِينه وَعَن شِمَاله وَمن تَحْتَهُ وَمن فَوْقه يَأْكُل رغداً وَيدخل الْجنَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأول بقْعَة بنيت من الأَرْض كلهَا مَوضِع صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس وَتظهر عين مُوسَى فِي آخر الزَّمَان بِبَيْت الْمُقَدّس وَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِن خِيَار أمتِي من هَاجر هِجْرَة بعد هِجْرَة إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَمن بِبَيْت الْمُقَدّس بعد أَن تَوَضَّأ واسبغ الْوضُوء رَكْعَتَيْنِ

ص: 240

أَو أَرْبعا غفر لَهما كَانَ قبل ذَلِك وَقَالَ النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم لأبي عُبَيْدَة بن الْجراح رضي الله عنه النَّجَاء النَّجَاء إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِذا ظَهرت الْفِتَن قَالَ يَا رَسُول الله فَإِن لم أدْرك بَيت الْمُقَدّس قَالَ فابذل أحرز دينك وَفِي لفظ آخر فابذل مَالك واحرز دينك وَقَالَ عَليّ رضي الله عنه لصعصعة نعم الْمسكن عِنْد ظُهُور الْفِتَن بَيت الْمُقَدّس الْقَائِم فِيهِ كالمجاهد فِي سَبِيل الله وليأتين على النَّاس زمَان يَقُول أحدهم لَيْتَني تبنة فِي لبنة من لبنات بَيت الْمُقَدّس أحب الشَّام إِلَى الله تعال بَيت الْمُقَدّس أحب جبالها إِلَيْهِ الصَّخْرَة وَهِي خر الأَرْض خراباً بِأَرْبَعِينَ عَاما قَالَ وَهِي رَوْضَة من رياض الْجنَّة وَرُوِيَ عَن يحي بن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ إِنَّه قَالَ لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يضْرب على بَيت الْمُقَدّس سَبْعَة أحياط حَائِط من فضَّة وحائط من ذهب وحائط من لُؤْلُؤ وحائط من ياقوت وحائط من زمرد وحائط من غمام وَأما مَا يُقَال أَن بَيت الْمُقَدّس طشت من ذهب مَمْلُوء عقارب وَإنَّهُ كأجمة الْأسد فداخله أما أَن يسلم وَأما أَن يُدْرِكهُ العطب فقد حمل ذَلِك عل زمَان بني إِسْرَائِيل الَّذين كَانُوا يعْملُونَ فِيهِ بمعاصي الله تعال فَإِن اللَّفْظ الْمَذْكُور قيل إِنَّه مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة قَالَ بعض الْعلمَاء وَظَاهر الْخطاب يدل عل إِنَّهُم - يَعْنِي العقارب - كَانُوا موجودين فِي ذَلِك الْوَقْت وَلَو أَرَادَ قوما من هَذِه الْأمة قَالَ املؤها عقارب جتى يكون للمستقبل وَالله أعلم وَأما الْيَوْم فَالْحَمْد لَهُ فَإِنَّمَا وبأ فنائه الطَّائِفَة المنصورة - كَمَا تقدم _ وَعَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ لَيْسَ يعد من الْخُلَفَاء إِلَّا من ملك المسجدين الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد بَيت الْمُقَدّس الشريف وَقد أَجمعت الطوائف كلهَا على تَعْظِيم بَيت الْمُقَدّس مَا عدا السامرة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِن الْقُدس جبل نابلس وخالفوا جَمِيع الْأُمَم فِي ذَلِك وَقد كَانَ بَنو إِسْرَائِيل إِذا نزل بهم خوف من عَدو أَو أجدبوا صوروا الْقُدس

ص: 241

وجعلوه هيكلاً وصوروا أبوابه ومحاربيه واستقبلوا بِهِ الْعَدو فيهزمه الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ فِي الجدب إِذا صوروه واستقبلوا بِهِ فَلَا تزَال السَّمَاء تمطر عَلَيْهِم حَتَّى يرفعوا الهيكل وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك فِي كل أَمر مُهِمّ يدهمهم وَالله سبحانه وتعالى أعلم (ذكر مَا يسْتَحبّ أَن يدعى بِهِ عِنْد دُخُول الْمَسْجِد الشريف) والصخرة الشريف وآداب دُخُولهَا وَمن أَي بَاب يدخلهَا يسْتَحبّ لمن أَرَادَ دُخُول الْمَسْجِد أَن يبْدَأ بِرجلِهِ الْيمن وَيُؤَخر الْيُسْرَى وَيَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لي أَبْوَاب رحمتك ، وَإِذا خرج صل على النَّبِي (ص) وَقَالَ اللَّهُمَّ أَغفر لي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لي أَبْوَاب فضلك وَيسْتَحب لمن أَرَادَ الدُّخُول للصخرة الشَّرِيفَة أَن يَجْعَلهَا عَن يَمِينه حَتَّى يكون بِخِلَاف الطّواف حول الْبَيْت الْحَرَام وَيقدم النِّيَّة ويعقد التَّوْبَة بالإخلاص مَعَ الله تَعَالَى وَإِن أحب أَن ينزل تَحت الصَّخْرَة الشَّرِيفَة فِي المغارة فَلْيفْعَل فَإِذا نزل يكون بأدب وخشوع وَيُصلي مَا بدا لَهُ وَيَدْعُو بِدُعَاء سُلَيْمَان عليه السلام الَّذِي دَعَا بِهِ لما فرغ من بنائِهِ وَقرب القربان وَهُوَ قَوْله اللَّهُمَّ من أَتَاهُ من ذِي ذَنْب فَاغْفِر ذَنبه أَو ذِي ضرّ فاكشف ضره ثمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ من خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ويجتهد فِي الدُّعَاء تَحت الصَّخْرَة فَإِن الدُّعَاء فِي ذَلِك الْموضع مَقْطُوع لَهُ بالإجابة إِن شَاءَ الله تعال وَحكي جمَاعَة من الْعلمَاء إِن الْأَدْعِيَة الَّتِي يَدعِي بهَا لَيْسَ فِيهَا خُصُوصِيَّة بِهَذَا الْموضع فَإِن الْإِنْسَان مَأْمُور بِالدُّعَاءِ مَوْعُود عَلَيْهِ بالاستجابة لقَوْله تَعَالَى (وَقَالَ ربكُم أدعوني اسْتُجِيبَ لكم) وَقَوله تعال (وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع إِذا دعان) وَالْمرَاد من الْأَدْعِيَة مَا وَردت بِهِ السّنة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة فَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ أنس بن مَالك رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِنَّه قَالَ لأبي عَيَّاش زيد بن الصَّامِت الزرقي حِين رَآهُ يُصَلِّي وَيَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي

ص: 242

أَسأَلك يَا ذَا الْحَمد لَا إِلَه إِلَّا أَنْت المنان بديع السَّمَاوَات والأرضي اذا الْجلَال وَالْإِكْرَام فَقَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم لقد دَعَا الله باسمه الْأَعْظَم الَّذِي إِذا دعِي بِهِ أجَاب وَإِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى وَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ عبيد الله بن زيد عَن أَبِيه أَن رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم سمع رجلا يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بأنك أَنْت الله الْأَحَد الصَّمد الَّذِي لم يلد وَلم تولد وَلم يكن لَك كفوا أحد فَقَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم لقد دَعَا الله باسمه الْأَعْظَم الَّذِي إِذا سُئِلَ بِهِ أعْطى وَإِذا دعِي بِهِ أجَاب وَمن ذَلِك مَا رُوِيَ عَنهُ صل الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه كَانَ يَدْعُو بِهِ وَيَقُول إِنَّه لن يَدْعُو بِهِ ملك مقرب وَلَا نَبِي مُرْسل وَلَا عبد صَالح إِلَّا كَانَ من الدُّعَاء المستجاب اللَّهُمَّ بعلمك الْغَيْب وبقدرتك على الْخلق أحيني مَا علمت أَن الْحَيَاة خير لي وتوفني مَا علمت أَن الْوَفَاة خير لي وَأَسْأَلك خشيتك فِي الْغَيْب وَالشَّهَادَة وَكلمَة الْحق فِي الْغَضَب وَالرِّضَا وَالْقَصْد فِي الْفقر والغنى أَسأَلك نعيماً لَا ينْفد وقرة عين لَا تَنْقَطِع وَبرد الْعَيْش بعد الْمَوْت أَسأَلك النّظر إِلَى وَجهك والشوق إِلَى لقائك من غير ضراء مضرَّة وَلَا فتْنَة مضلة اللَّهُمَّ زينا بزينة الْإِيمَان واجعلنا هداة مهتدين وَرُوِيَ أَن إِدْرِيس النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَدْعُو بِهَذِهِ الدعْوَة وَيَأْمُر أَن لَا يعلموها السُّفَهَاء فيدعوا بهَا فَكَانَ يَقُول يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام يَا ذَا الطول لَا إِلَه إِلَّا أَنْت ظهر اللاجيئن وجار المستجيرين ومأ من الْخَائِفِينَ اللَّهُمَّ إِن كنت كنبتني عنْدك فِي أم الْكتاب شقياً أَو محروماً أَو مقتراً عَليّ فِي رِزْقِي فامح اللَّهُمَّ فضلك شقاوتي وحرماني وإقتار رِزْقِي وأثبتني عنْدك فِي أم الْكتاب سعيداً مرزوقاً موفقاً لِلْخَيْرَاتِ مَسْتُورا مكفياً مُؤنَة من يُؤْذِينِي إِنَّك قلت وقولك الْحق فِي كتابك الْمنزل عل لِسَان نبيك الْمُرْسل (يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب) وَقد رَأَيْت مَنْقُولًا إِنَّه يستجيب الدُّعَاء بِهَذَا فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَقد

ص: 243

ورد فِي الْأَخْبَار وَالْأَحَادِيث غير ذَلِك وَالْمرَاد هُنَا الِاخْتِصَار وَالله الْمُوفق المهدى للصَّوَاب (ذكر الْفَتْح الْعمريّ) الَّذِي يسره تَعَالَى على يَد أَمِير الْمُؤمنِينَ سيدنَا عمر بن الْخطاب رضي الله عنه وَعمارَة الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريف عل يَده رُوِيَ عَوْف بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم أعدد سِتا بَين يَدي السَّاعَة موتِي قَالَ فوجمت عِنْدهَا وجمة قَالَ قل إِحْدَى ثمَّ فتح بَيت الْمُقَدّس ثمَّ موتان يكون فِيكُم كقصاع الْغنم واستفاضة المَال فِيكُم حَتَّى يُعْطي الرجل مائَة دِينَار فيظل لَهَا ساخطاً ثمَّ تكون فِيكُم فتْنَة فَلَا يبْقى بَيت من بيُوت الْعَرَب إِلَّا دَخلته ثمَّ هدنة تكون بَين بني الْأَصْفَر فيغدرون بكم ثمَّ يأتونكم فِي ثَمَانِينَ غَايَة كل غَايَة اثْنَا عشر ألفا قَوْله فوجمت وجمة قَالَ الْجَوْهَرِي الرَّجْم الَّذِي اشْتَدَّ حزنه حَتَّى أمسك عَن الْكَلَام والموتان - بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْوَاو - وَهُوَ الْمَوْت الْكثير السَّرِيع وُقُوعه وَلذَلِك شبهه النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم بقعاص الْغنم فَهُوَ دَاء يَأْخُذهَا لَا يلبثها أَن تَمُوت والقعص عَن يضْرب الْإِنْسَان فَيَمُوت مَكَانَهُ سَرِيعا فَقيل لهَذَا الدَّاء قعاص لسرعة الْمَوْت ثمَّ شبه بِهِ الموتان وَعَن عَوْف قَالَ أتيت صل الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة تَبُوك وَهُوَ فِي قبَّة من أَدَم فَقَالَ لي يَا عَوْف أعدد سِتا بَين يَدي السَّاعَة موتى ثمَّ فتح بَيت الْمُقَدّس وروى إِنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ لشداد بن أَوْس أَلا أَن الشَّام ستفتح وَبَيت الْمُقَدّس سيفتح إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَتَكون أَنْت وولدك من بعْدك أَئِمَّة بهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ إِن السِّت الْمَذْكُورَة قد وَقع بَعْضهَا فموته صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَفتح

ص: 244

بَيت الْمُقَدّس قد وجد وَوَقع الطَّاعُون وهم بالجابية وَيُقَال إِنَّه الطَّاعُون عموس الْوَاقِع فِي سنة ثَمَانِيَة عشر من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة ثمَّ استفاض المَال فِي خلَافَة عُثْمَان ابْن عَفَّان رضي الله عنه قَالَ الْوَلِيد بن مُسلم قَالَ سعيد بن عبد الْعَزِيز زَاد عُثْمَان للنَّاس عَامَّة الدِّيوَان مائَة دِينَار بِزِيَادَة دِينَار فِي عطائهم وَكَانَت الْفِتْنَة وَهِي قتل الْوَلِيد وَمَا وَقع بَين النَّاس بِالشَّام وَالْعراق وخراسان من الْفرْقَة والعصبة وَلَا تزَال متتابعة حَتَّى تقع هدنة الرّوم وَلما توفّي رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتَقر الامام أَبُو بكر الصّديق رضي الله عنه بعده فِي الْخلَافَة واسْمه عبد الله ولقبه عَتيق الله بن أبي قُحَافَة عُثْمَان بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تَمِيم بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب الْقرشِي التَّمِيمِي يلتقي مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي مرّة بن كَعْب بن لؤَي ابْن غَالب الْقرشِي وَهُوَ أول خَليفَة فِي الْإِسْلَام وَكَانَ يدعى خَليفَة رَسُول الله (ص) لَهُ المواقف الرفيعة فِي الْإِسْلَام ثمَّ ختم ذَلِك بمهم من أحسن مناقبه وَأجل فضائله وَهُوَ استخلافه على الْمُسلمين عمر بن الْخطاب رضي الله عنه فمهد بِهِ الْإِسْلَام وأعز بِهِ الدّين وَذَلِكَ أَنه لما حَضرته الْوَفَاة شاور الصَّحَابَة فِي ذَلِك فأشاروا بِهِ ثمَّ دَعَا أَبُو بكر عُثْمَان ابْن عَفَّان رضي الله عنهما فَقَالَ اكْتُبْ باسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا عَاهَدَ عَلَيْهِ أَبُو بكر بن أبي قُحَافَة فِي خر عَهده بالدنيا خَارِجا مِنْهَا وَعند أول عَهده بِالآخِرَة دَاخِلا فِيهَا حِين يُؤمن الْكَافِر ويوقن الْفَاجِر وَيصدق الْكَاذِب إِن مستخلف عَلَيْكُم عمر بن الْخطاب فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا فَإِن عدل فَذَلِك ظَنِّي بِهِ وَعلمِي فِيهِ وَإِن بدل فَلِكُل امْرِئ مَا اكْتسب وَالْخَيْر أردْت وَلَا أعلم الْغَيْب (وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون) وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ثمَّ أمره فختم الْكتاب وَخرج بهَا إِلَى النَّاس فَبَايعُوا عمر وَرَضوا بِهِ

ص: 245

وَلما أَرَادَ أَبُو بكر أَن يُقَلّد عمر الْخلَافَة قَالَ لَهُ عمر اعفني يَا خَليفَة رَسُول الله فَإِنِّي غَنِي عَنْهَا قَالَ بل هِيَ فقيرة إِلَيْك قَالَ لَيْسَ لي بهَا حَاجَة قَالَ هِيَ محتاجة إِلَيْك فقلده الْخلَافَة على كره مِنْهُ ثمَّ أوصاه بِمَا أوصاه فَلَمَّا خرج رفع أَبُو بكر يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي لم أرد بذلك إِلَّا إصلاحهم وَخفت عَلَيْهِم الْفِتْنَة فوليت عَلَيْهِم خيارهم وَقد حضرني من أَمرك مَا حضرني فَاخْلُفْنِي فيهم عِبَادك وَنَوَاصِيهمْ فِي يدك وَأصْلح لَهُم ولاتهم واجعله من خلفائك الرَّاشِدين يتبع هدى نَبِي الرَّحْمَة وَأصْلح لَهُ رَعيته ثمَّ توفّي أَبُو بكر الصّديق رضي الله عنه لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء لثمان لَيَال بَقينَ من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاثَة عشر من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وَله ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وَدفن عِنْد رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَت خِلَافَته سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر وَعشر ليَالِي وبويع عمر بن الْخطاب (رض) بالخلافة فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو بكر (رض) وَهُوَ أول من سمي بأمير الْمُؤمنِينَ وَأما نسبه فَهُوَ أَبُو حَفْص عمر بن الْخطاب ابْن نفَيْل بن عبد الْعِزّ بن رَبَاح بن عبد الله بن قرط بن رواح بن عدي بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب وَفِي كَعْب نسبه مَعَ نسب رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم الْقرشِي الْعَدوي وَأول خطْبَة خطبهَا قَالَ يَا أَيهَا النَّاس وَالله مَا فِيكُم أحد أقوى من الضَّعِيف عِنْدِي حَتَّى خُذ الْحق لَهُ وَلَا أَضْعَف عِنْدِي من الْقوي حَتَّى خُذ الْحق مِنْهُ ثمَّ أول شَيْء أَمر بِهِ أَن عزل خَالِد بن الْوَلِيد عَن الإمرة وَولى أَبَا عُبَيْدَة ابْن الْجراح على الْجَيْش وَالشَّام وَأرْسل بذلك إِلَيْهِمَا فَإِنَّهُمَا كَانَا قبل وَفَاة أبي بكر رضي الله عنه فِي وقْعَة اليرموك وفرغا مِنْهَا وقصدا دمشق فَلَمَّا ورد عَلَيْهِمَا كتاب عمر بن الْخطاب رضي الله عنه سَار أَبُو عُبَيْدَة وَنزل دمشق الشَّام من جِهَة بَاب الْجَابِيَة وَنزل خَالِد بن الْوَلِيد من جِهَة الْبَاب الشَّرْقِي

ص: 246

وَنزل عَمْرو بن الْعَاصِ من جِهَة بَاب توما وَيزِيد بن أبي سُفْيَان من جِهَة الْبَاب الصَّغِير إِلَى بَاب كيسَان وحاصروها قَرِيبا من سبعين لَيْلَة وَفتح خَالِد مَا يَلِيهِ بِالسَّيْفِ فَخرج أهل دمشق وبذلوا الصُّلْح لأبي عُبَيْدَة من الْجَانِب الآخر وفتحوا لَهُ الْبَاب فَأَمنَهُمْ وَدخل والتقى مَعَ خَالِد فِي وسط الْبَلَد وَبعث أَبُو عُبَيْدَة بِالْفَتْح إِلَى عمر ثمَّ بعد دمشق بِيَسِير فتح حمص بعد حِصَار طَوِيل ثمَّ فتح حماه صلحا وَكَذَلِكَ المعرة ثمَّ فتح اللاذقيه عنْوَة وَفتح جبلة والطرطوس ثمَّ فتح حلب وإنطاكية وَفتح بلاداً أخر مِنْهَا قيساوية وسبسطية وَيُقَال أَن قبر يحيى وزكرياء ونابلس ولد ويافا وَتلك الْبِلَاد جَمِيعًا حَتَّى دخلت سنة خَمْسَة عشر من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة ثمَّ سَار أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح رضي الله عنه حَتَّى أَتَى الْأُرْدُن فَعَسْكَرَ بهَا وَبعث الرُّسُل إِلَى أهل ايليا وَكتب إِلَيْهِم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من أبي عُبَيْدَة ابْن الْجراح إِلَى بطارقة أهل ايليا وسكانها سَلام عل من اتبع الهد وآمن بِاللَّه وبالرسول وَأما بعد فَأَنا ندعوكم إِلَى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور فَإِن شهدتم بذلك حرمت علينا دماؤكم وَأَمْوَالكُمْ وذراريكم وَكنت لنا إخْوَانًا وَإِن أَبَيْتُم فأقروا لنا بأَدَاء الْجِزْيَة عَن يَد وَأَنْتُم صاغرون وَإِن أَبَيْتُم سرت إِلَيْكُم يقوم هم أَشد حبا للْمَوْت مِنْكُم لشرب الْخمر وَأكل لحم الْخِنْزِير ثمَّ لَا أرجع عَنْكُم إِن شَاءَ الله تعال أبدا حَتَّى اقْتُل مقاتليكم واسي ذَرَارِيكُمْ وَكتب إِلَى عمر بن الْخطاب رضي الله عنه بِسم الله الحمن الرَّحِيم لعبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ من أبي عُبَيْدَة بن الْجراح سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمد الله تعال إِلَيْك الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَالْحَمْد لله الَّذِي أهلك الْمُشْركين وَنصر الْمُسلمين وَقد نما مَا تولى الله أَمرهم وَأظْهر فلاحهم وأعز دعوتهم فَتَبَارَكَ الله رب الْعَالمين أخبر أَمِير الْمُؤمنِينَ أكْرمه الله أَنا لَقينَا الرّوم وهم جموع لم تلق الْعَرَب مثلهَا جموعاً

ص: 247

فأتونا وهم يرَوْنَ لَا غَالب لَهُم من النَّاس أحد فَقَاتلُوا الْمُسلمين قتالاً شَدِيدا مَا قوتل الْمُسلمُونَ مثله فِي موطن قطّ ورزق الله الْمُؤمنِينَ النَّصْر وَأنزل عَلَيْهِم الصَّبْر فَقَتلهُمْ الله تعال فِي كل قَرْيَة وَفِي كل شعب وواد وجبل وَسَهل وغنم الله الْمُسلمين عَسْكَرهمْ وَمَا كَانَ فيهم من أَمْوَالهم ومتاعهم ثمَّ إِنِّي تبعتهم بِالْمُسْلِمين حَتَّى بلغت أقْصَى بِلَاد الشَّام وَقد بعثت إِلَى أهل الشَّام عمالي وَقد بعثت إِلَى أهل ايليا أدعوهم إِلَى الْإِسْلَام فَإِن قبلوا وَإِلَّا فليؤدوا الْجِزْيَة إِلَيْنَا عَن يَد وهم صاغرون فَإِن أَبَوا سرت إِلَيْهِم حَتَّى أنزل بهم ثمَّ لَا ازيلهم حَتَّى يفتح الله تعال عل الْمُسلمين إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة - حِين جَاءَهُ الْكتاب - ليتركنها خلوفاً ثمَّ دَعَا يزِيد بن أبي سُفْيَان وَقَالَ اكْفِنِي دمشق فَقَالَ لَهُ يزِيد اكفيكها إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَسَار إِلَيْهَا فولاها لَهُ وَلما حصر أَبُو عُبَيْدَة أهل ايليا وَأوجب عل نَفسه إِنَّه غير مقلع وَلم يَجدوا لَهُم طَاقَة بحريّة قَالُوا نُصَالِحُكَ قَالَ وَإِنِّي قَابل مِنْكُم قَالُوا فَأرْسل إِلَى خليفتكم فَيكون هُوَ الَّذِي يُعْطِينَا هَذَا الْعَهْد وَيكْتب لنا الْأمان فَقبل أَبُو عُبَيْدَة ذَلِك وَهُوَ أَن يكْتب وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة رضي الله عنه قد بعث معَاذ بن جبل عل الْأُرْدُن وَلم يكن سَار فَقَالَ معَاذ لأبي عُبَيْدَة أتكتب لأمير الْمُؤمنِينَ تَأمره بالقدوم عَلَيْك فَلَعَلَّهُ يقدم ثمَّ يَأْتِي هَؤُلَاءِ الصُّلْح فَيكون مَجِيئه فضلا وعناء فَلَا تكْتب حَتَّى يُوثقُوا إِلَيْك واستحلفهم بِالْإِيمَان الْمُغَلَّظَة والمواثيق الْمُؤَكّدَة إِن أَنْت بعثت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقدم عَلَيْهِم وَأَعْطَاهُمْ أَمَانًا عل أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وَكتب عَلَيْهِم بذلك كتابا ليقبلن وليؤدن الْجِزْيَة وليدخلن فِيمَا دخل فِيهِ أهل الشَّام فَبعث بذلك إِلَيْهِم أَبُو عُبَيْدَة فَأَجَابُوهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا فعلوا ذَلِك كتب أَبُو عُبَيْدَة إِلَى عمر بن الْخطاب رضي الله عنه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لعبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ من أبي عُبَيْدَة بن الْجراح سَلام عَلَيْك فَإِنِّي أَحْمد الله إِلَيْك الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَأَنا أَقَمْنَا عل أهل ايليا فظنوا إِن لَهُم فِي مطاولتهم فرجا فَلم يزدهم الله بِهَذَا إِلَّا ضيقا ونقصاً وهزالاً وذلا فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك سَأَلُوا أَن يقدم عَلَيْهِم أَمِير الْمُؤمنِينَ فَيكون هُوَ الموثوق لَهُم وَالْكَاتِب

ص: 248

فَخَشِينَا أَن يقدم أَمِير الْمُؤمنِينَ فيغدر الْقَوْم ويرجعوا فَيكون مسيرك - أصلحك الله - عناء وفضلا فأخذنا عَلَيْهِم المواثيق الْمُغَلَّظَة بإيمَانهمْ ليقبلن وليؤدن الْجِزْيَة وليدخلن فِيمَا دخل فِيهِ أهل الذِّمَّة فَفَعَلُوا فَإِن رَأَيْت أَن يقدم فافعل فَإِن فِي مسيرك أجرا وصلاحاً آتاك الله رشدك وَيسر أَمرك وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَبعث الْمُسلمُونَ إِلَيْهِ وَفْدًا وَبعث الرّوم وَفْدًا مَعَ الْمُسلمين حَتَّى أَتَوا الْمَدِينَة فَجعلُوا يسْأَلُون عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الرّوم لترجمانهم عَمَّن يسْأَلُون فَقَالَ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم وَقَالُوا هَذَا الَّذِي غلب فَارس وَالروم وَأخذ كنوز كسْرَى وَقَيْصَر لَيْسَ لَهُ مَكَان مَعْرُوف بِهَذَا غلب الْأُمَم فوجدوه وَقد ألْقى نَفسه حِين أَصَابَهُ الْحر نَائِما فازدادوا تَعَجبا فَلَمَّا قدم الْكتاب عل عمر رضي الله عنه دَعَا برؤساء الْمُسلمين إِلَيْهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِم كتاب أبي عُبَيْدَة رضي الله عنه واستشارهم فِي الَّذِي كتب إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَان رضي الله عنه إِن الله تَعَالَى قد أذلّهم وحصرهم وضيق عَلَيْهِم وَهُوَ فِي كل يَوْم يزدادون نقصا وهزالا وضعفاً ورعباً فَإِن أَنْت أَقمت وَلم تسر إِلَيْهِم رَأَوْا إِنَّك بأمرهم مستخف ولشأنهم حاقر غير مُعظم فَلَا يلبثُونَ إِلَّا قَلِيلا حَتَّى ينزلُوا عل الحكم ويعطوا الْجِزْيَة فَقَالَ عمر مَا ترَوْنَ هَل عِنْد أحدكُم رَأْي غير هَذَا؟ فَقَالَ عَليّ ابْن أبي طَالب رضي الله عنه نعم عِنْدِي غير هَذَا الرَّأْي قَالَ مَا هُوَ؟ قَالَ إِنَّهُم قد سَأَلُوا الْمنزلَة الَّتِي فِيهَا الذل الصغار وَهُوَ عل الْمُسلمين فتح وَلَهُم فِيهِ عز وهم يعطونكها الْآن فِي العاجل فِي عَافِيَة لَيْسَ بَيْنك وَبَين ذَلِك إِلَّا أَن تقدم عَلَيْهِم وَلَك فِي الْقدوم عَلَيْهِم الْأجر فِي كل ظمأ ومخمصة وَفِي قطع كل وَاد وَفِي كل نَفَقَة حَتَّى تقدم عَلَيْهِم فَإِذا قدمت عَلَيْهِم كَانَ الْأَمْن والعافية وَالصَّلَاح وَالْفَتْح وَلست آمن إِن أيسوا من قبولك الصُّلْح مِنْهُم أَن يَتَمَسَّكُوا بحصنهم فيأتيهم عَدو لنا ويأتيهم مِنْهُم مدد فَيدْخل على الْمُسلمين بلَاء وَيطول بهم حِصَار فَيُصِيب الْمُسلمين من الْجهد والجوع مَا يصيبهم وَلَعَلَّ الْمُسلمين يدنون من حصنهمْ فيرشقونهم بالنشاب

ص: 250

أَو يقذفونهم بالمناجيق فَإِن أصَاب بعض الْمُسلمين تمنيتم إِنَّكُم افتديتم قتل رجل من الْمُسلمين بمشرك إِلَى مُنْقَطع التُّرَاب وَكَانَ الْمُسلم لذَلِك من إخوانه أَهلا فَقَالَ عمر رضي الله عنه قد أحسن عُثْمَان النّظر فِي مكيدة الْعَدو وَأحسن عَليّ بن أبي طَالب النّظر لأهل الْإِسْلَام سِيرُوا على اسْم الله فَإِنِّي سَائِر فَخرج فَعَسْكَرَ خَارج الْمَدِينَة وَنُودِيَ فِي النَّاس بالعسكر والمسير فَعَسْكَرَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب بأصحاب النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم ووجوه قُرَيْش وَالْأَنْصَار وَالْعرب رضي الله عنهم حَتَّى إِذا تَكَامل عِنْده النَّاس اسْتخْلف عل الْمَدِينَة عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه وَسَار فَقل غَدا إِلَّا وَهُوَ يقبل عل الْمُسلمين بِوَجْهِهِ وَيَقُول الْحَمد الَّذِي أعزنا بِالْإِسْلَامِ وَأَكْرمنَا بِالْإِيمَان ورحمنا بِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فهدانا بِهِ من الضَّلَالَة وجمعنا بِهِ من بعد الشتات وَألف بَين قُلُوبنَا ونضرنا بِهِ على الْأَعْدَاء وَمكن لنا فِي الْبِلَاد وَجَعَلنَا إخْوَانًا متحابين فاحمدوا الله عباد الله على هَذِه النِّعْمَة واسألوه الْمَزِيد مِنْهَا وَالشُّكْر عَلَيْهَا وَتَمام مَا أَصْبَحْتُم متقلبين فِيهِ مِنْهَا فَإِن الله يزِيد المزيدين من الراغبين وَيتم نعْمَته عل الشَّاكِرِينَ وَكَانَ لَا يدع هَذَا القَوْل فِي كل غَدَاة فِي سَفَره كُله فَلَمَّا دنا من الشَّام عَسْكَر حَتَّى قدم إِلَيْهِ من تخلف من الْعَسْكَر فَمَا هُوَ إِلَّا أَن طلعت الشَّمْس فَإِذا الرَّايَات والرماح والجنود قد اقْبَلُوا عل الْخُيُول يستقبلون عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ الرَّاوِي فَكَانَ أول مقنب لَقينَا من النَّاس سَأَلنَا عَن الْمَدِينَة وأخبرناه بصلاح النَّاس فَنَادوا هَل لكم بأمير الْمُؤمنِينَ من علم؟ فسكننا ومضوا فَأقبل مقنب آخر فَسَلمُوا ثمَّ سَأَلُوا عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ هَل لنا بِهِ علم فَقَالَ لنا أَلا تخبرون الْقَوْم عَن صَاحبكُم؟ فَقُلْنَا هَذَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَذَهَبُوا يرجعُونَ ويقتحمون

ص: 251

عَن خيولهم فناداهم عمر رضي الله عنه لَا تَفعلُوا وَرجع الْآخرُونَ الَّذين مضوا فَسَارُوا مَعنا وَأَقْبل الْمُسلمُونَ يصفونَ الْخَيل ويشرعون الرماح فِي طَرِيق عمر حَتَّى طلع أَبُو عبيد فِي عَظِيم النَّاس فَإِذا هُوَ على قلُوص اكفها بعباءة خطامها من شعر لابس سلاحه متنكب قوسه فَلَمَّا نظر إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنَاخَ قوصه وأناخ أَمِير الْمُؤمنِينَ بعيره فَنزل أَبُو عبيد وَأَقْبل إِلَى عمر وَاقْبَلْ إِلَى أبي عُبَيْدَة فَلَمَّا دنا عمر من أبي عبيد مد أَبُو عبيد يَده إِلَى عمر ليصافحه فَمد عمر يَده فَأَخذهَا أَبُو عبيد وأهو ليقبلها يُرِيد أَن يعظمه فِي الْعَام فأهو عمر إِلَى رجل أبي عُبَيْدَة ليقبلها فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة مَه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تنحى فَقَالَ عمر مَه يَا أَبَا عُبَيْدَة فتعانق الشَّيْخَانِ ثمَّ ركبا يتسامران وسارا وَسَار النَّاس أمامهما وَحكي إِنَّهُم تلقوا عمر بيرذون وَثيَاب بيض وكلموه أَن يركب البرذون ليراه الْعَدو فَهُوَ أهيب لَهُ عِنْدهم وَأَن يلبس الثِّيَاب الْبيض ويطرح الفروة عَنهُ فَأبى ثمَّ لجوا عَلَيْهِ فَركب البرذون بفروته وثيابه فهملج بِهِ البرذون وخطام نَاقَته بِيَدِهِ بعد فَنزل وَركب رَاحِلَته وَقَالَ لقد غيرني هَذَا حَتَّى خفت أَن أتكبر وَأنكر نَفسِي فَعَلَيْكُم يَا معشر الْمُسلمين فالقصد وَإِنَّمَا أعزكم الله عز وجل بِهِ وَرُوِيَ عَن طَارق بن شهَاب قَالَ لما قدم عمر الشَّام عرضت لَهُ مَخَاض فَنزل عَن بعيره وَنزع جرموقيه فَأَمْسكهَا بِيَدِهِ وخاض المَاء وَمَعَهُ بعيره فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لقد صنعت الْيَوْم صنعا عَظِيما عِنْد أهل الأَرْض فَصَكَّهُ عمر فِي صَدره وَقَالَ لَهُ لَو غَيْرك يَقُولهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة انكم كُنْتُم أذلّ النَّاس وأحقر النَّاس وَأَقل النَّاس فَأَعَزكُم الله بِالْإِسْلَامِ وَمهما تَطْلُبُوا الْعِزّ بِغَيْرِهِ يذلكم الله تَعَالَى وَرُوِيَ إِنَّه لما قدم عمر من الْمَدِين ناهضوهم الْقِتَال بعد قدومه فَظهر الْمُسلمُونَ عل أَمَاكِن لم يَكُونُوا ظهوراً عَلَيْهَا قبل ذَلِك وظهروا يَوْمئِذٍ على كرم كَانَ

ص: 252

فِي أَيْديهم لرجل من النَّصَارَى لَهُ ذمَّة مَعَ الْمُسلمين فِي كرمه عِنَب فَجعلُوا يَأْكُلُونَهُ فأت الذِّمِّيّ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كرمي كَانَ فِي أَيْديهم فَلم يستبيحوه وَلم يتَعَرَّضُوا لي وَأَنا رجل ذمَّة مَعَ الْمُسلمين فَلَمَّا ظهر عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ وَقَعُوا فِيهِ فَدَعَا عمر رضي الله عنه ببرذون لَهُ فَرَكبهُ عُريَانا من العجلة ثمَّ خرج يرْكض فِي أَعْرَاض الْمُسلمين فَكَانَ أول من لقِيه أَبُو هُرَيْرَة يحمل فَوق رَأسه عنباً فَقَالَ لَهُ أَنْت أَيْضا يَا أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أصابتنا مَخْمَصَة شَدِيدَة فَكَانَ أَحَق من أكلنَا من مَاله من قاتلنا فَتَركه عمر ثمَّ أَتَى الْكَرم فنظره فَإِذا هُوَ قد أسرعت النَّاس فِيهِ فَدَعَا عمر رضي الله عنه الذِّمِّيّ فَقَالَ لَهُ كم كنت ترجو من غلَّة كرمك هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ شَيْئا قَالَ فَخَل سَبيله ثمَّ أخرج عمر رضي الله عنه ثمنه الَّذِي قَالَ لَهُ فَأعْطَاهُ إِيَّاه ثمَّ أَبَاحَهُ للْمُسلمين وَعَن سيف عَن أبي حَازِم وَأبي عُثْمَان عَن خَالِد وَعبادَة قَالَا صَالح عمر بن الْخطاب رضي الله عنه أهل ايليا بالجابية وَكتب لَهُم فِيهَا الصُّلْح لكل كورة كتابا وَاحِدًا مَا خلا أهل ايليا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا أعْط عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر أهل ايليا من الْأمان أَعْطَاهُم أَمَانًا لأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالهمْ ولكنائسهم ولصلبانهم ومقيمها وبريها وَسَائِر ملتها إِنَّهَا لَا تسكن كنائسهم وَلَا تهدم وَلَا ينتقص مِنْهَا وَلَا من حَدهَا وَلَا من صليبهم وَلَا شئ من أَمْوَالهم وَلَا يكْرهُونَ عل دينهم وَلَا يضار أحد مِنْهُم وَلَا يسكن بايليا مَعَهم أحد من الْيَهُود وعل أهل ايليا أَن يُعْطوا الْجِزْيَة كَمَا يُعْطي أهل الْمَدَائِن وعَلى أَن يخرجُوا مِنْهَا الرّوم واللصوص فَمن خرج مِنْهُم فَهُوَ آمن على نَفسه وَمَاله حَتَّى يبلغُوا مأمنهم وَمن أَقَامَ مِنْهُم آمن وَعَلِيهِ مثل مَا على أهل ايليا من الْجِزْيَة وَمن أحب من أهل ايليا أَن يسير بِنَفسِهِ وَمَاله مَعَ الرّوم ويخلي بيعتهم وصليبهم فَإِنَّهُم آمنون على أنفسهم وعَلى بيعتهم وصليبهم حَتَّى يبلغُوا مأمنهم وَمن كَانَ فِيهَا من أهل الأَرْض فَمن شَاءَ مِنْهُم قعد وَعَلِيهِ مثل مَا على أهل ايليا من

ص: 253

الْجِزْيَة وَمن شَاءَ سَار مَعَ الرّوم وَمن شَاءَ رَجَعَ إِلَى أرضه فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذ مِنْهُ شئ حَتَّى يحصد حصادهم وعَلى مَا فِي هَذَا الْكتاب عهد الله وذمته وَذمَّة رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَذمَّة الْخُلَفَاء وَذمَّة الْمُؤمنِينَ إِذا أعْطوا الَّذِي عَلَيْهِم من الْجِزْيَة شهد على ذَلِك خَالِد بن الْوَلِيد وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَعَن عبد الرَّحْمَن بن غنم قَالَ كتب لعمر بن الْخطاب رضي الله عنه حِين صَالح نصار أهل الشَّام بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا كتاب لعبد الله عمر بن الْخطاب أَمِير الْمُؤمنِينَ من نصار مَدِينَة كَذَا كَذَا انكم لما قدمتم علينا سألناكم الْأمان لأنفسنا وذرارينا واموالنا وَأهل ملتنا وشرطنا لكم عل أَنْفُسنَا أَن لَا نُحدث فِي مدينتنا وَلَا فِيمَا حولهَا ديراً وَلَا كَنِيسَة وَلَا قلاية وَلَا صومعة رَاهِب وَلَا نحيي مِنْهَا مَا كَانَ فِي خطط الْمُسلمين وَلَا نمْنَع كنائسها أَن ينزلها أحد من الْمُسلمين ثَلَاث لَيَال نطعمهم وَلَا نواري فِي كنائسنا وَلَا فِي مَنَازلنَا جاسوساً وَلَا نكتم غشاً للْمُسلمين وَلَا نعلم أَوْلَادنَا الْقرَان وَلَا نظهر شركا وَلَا نَدْعُو إِلَيْهِ أحدا وَلَا نمْنَع أحدا من ذَوي قرابتنا الدُّخُول فِي الْإِسْلَام أَن أَرَادَهُ وَأَن نوقر الْمُسلمين ونقوم لَهُم من مجالسنا إِذا أَرَادوا الْجُلُوس وَلَا نتشبه بهم فِي شَيْء من لباسهم فِي قلنسوة وَلَا عِمَامَة وَلَا نَعْلَيْنِ وَلَا فرق شعر وَلَا نتكلم بكلامهم وَلَا نتكي بكناهم وَلَا نركب السُّرُوج وَلَا نتقلد السيوف وَلَا نتَّخذ شَيْئا من السِّلَاح وَلَا نحمله مَعنا وَلَا ننقش عل خواتمنا بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا نبيع الْخُمُور وَأَن نجز مقادم رؤسا وَأَن نلزم زينا حَيْثُمَا مَا كُنَّا وَأَن نَشد زنانير على أوساطنا وَلَا نظهر الصَّلِيب على كنائسنا وَلَا نظهر صلباننا وَلَا كتبنَا فِي شَيْء من طرق الْمُسلمين وَلَا فِي أسواقهم وَلَا نضرب نواقيسنا فِي كنائسنا إِلَّا ضربا خَفِيفا وَلَا نرفع أصواتنا مَعَ مَوتَانا وَلَا نتَّخذ من الرَّقِيق مَا جرت عَلَيْهِ سِهَام الْمُسلمين وَلَا نطلع عَلَيْهِم فِي مَنَازِلهمْ

ص: 254

قَالَ فَلَمَّا أتيت عمر بن الْخطاب رضي الله عنه بِالْكتاب زَاد فِيهِ وَلَا نضر بِأحد من الْمُسلمين شرطنا لكم ذَلِك على أَنْفُسنَا وَأهل ملتنا وَقَبلنَا عَلَيْهِ الْأمان فَإِن نَحن خَالَفنَا شَيْئا مِمَّا شرطناه لكم وضمناه لكم وضمناه عل أَنْفُسنَا فَلَا ذمَّة لنا وَقد حل لكم منا مَا حل من أهل المعاندة والشقاق رَوَاهُ الإِمَام الْبَيْهَقِيّ وَغَيره وَقد اعْتمد أَئِمَّة الْإِسْلَام هَذِه الشُّرُوط وَعمل بهَا الْخُلَفَاء الراشدون وَرُوِيَ أَن عمر رضي الله عنه أَمر فِي أهل الذِّمَّة أَن تجز نواصيهم وَأَن يركبُوا على الاكف عرضا وَلَا يركبُوا كَمَا يركب الْمُسلمُونَ وَأَن يُوثقُوا المناطق أَي الزنانير وَلما قدم عمر بن الْخطاب رضي الله عنه بِبَيْت الْمُقَدّس نزل على الْجَبَل الشَّرْقِي وَهُوَ طور زيتا وأتى رَسُول - بطريقها إِلَيْهِ - بالترحيب وَقَالَ أَنا سنعطي بحضورك مَا لم نَكُنْ نُعْطِيه لَا حد دُونك وَسَأَلَهُ أَن يقبل مِنْهُ الصُّلْح والجزية وَأَن يُعْطِيهِ الْأمان عل دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وكنائسهم فأنعم لَهُ عمر بذلك فَسَأَلَهُ الرَّسُول الْأمان لصَاحبه ليتول مصالحته ومكاتبته فأنعم وَخرج إِلَيْهِ بطريقها فِي جمَاعَة فَصَالحهُمْ وَأشْهد عل ذَلِك والبطريق هُوَ الْأَمِير وَأما البطرك فَهُوَ الكاهن وَكَانَ اسْم البطرك يَوْم ذَلِك صقريوس وَكَانَ قد أخبر النَّصَارَى أَن الله يفتح بَاب الْمُقَدّس عل يَد عمر من غير قتال فَلَمَّا فرغ عمر من كتاب الصُّلْح بَينه وَبَين أهل بَيت الْمُقَدّس قَالَ لبطريقها دلَّنِي على مَسْجِد دَاوُد قَالَ نعم وَخرج عمر مُقَلدًا بِسَيْفِهِ فِي أَرْبَعَة آلَاف من الصَّحَابَة الَّذين قدمُوا مَعَه متقلدين بسيوفهم وَطَائِفَة مِمَّن كَانَ عَلَيْهَا لَيْسَ عَلَيْهِم من السِّلَاح إِلَّا السيوف والبطريق بَين يَدي عمر فِي أَصْحَابه حَتَّى دخلُوا بَيت الْمُقَدّس فأدخلهم الْكَنِيسَة الَّتِي يُقَال لَهَا الْقِيَامَة وَقَالَ هَذَا مَسْجِد دَاوُد فَنظر عمر وَتَأمل وَقَالَ لَهُ كذبت وَلَقَد وصف رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم مَسْجِد دَاوُد بِصفة

ص: 255

مَا هِيَ هَذِه فَمضى بِهِ إِلَى كَنِيسَة يُقَال لَهَا صهيون وَقَالَ لَهُ هَذَا مَسْجِد دَاوُد فَقَالَ لَهُ كذبت فَمضى بِهِ إِلَى مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس حَتَّى انته بِهِ غل الْبَاب الَّذِي يُقَال لَهُ بَاب مُحَمَّد (ص) وَقد انحدر مَا فِي الْمَسْجِد من الزبالة على درج الْبَاب حَتَّى خرج إِلَى الزقاق الَّذِي فِيهِ الْبَاب وَكثر على الدرج حَتَّى كَاد أَن يلصق بسقف الرواق فَقَالَ لَهُ لَا نقدر أَن ندخل إِلَّا حبوا فَقَالَ عمر وَلَو حبواً فحبا بَين يَدي عمر وحبا عمر وَمن مَعَه خَلفه حَتَّى ظَهَرُوا إِلَى صحنه واستووا فِيهِ قيَاما فَنظر عمر وَتَأمل مَلِيًّا وَنظر يَمِينا وَشمَالًا ثمَّ قَالَ الله أكبر هَذَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَسْجِد دَاوُد عليه السلام الَّذِي أخبرنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِنَّه اسري بِهِ إِلَيْهِ وَوجد على الصَّخْرَة زبلا كثيرا مِمَّا طرحته الرّوم غيظاً لبني إِسْرَائِيل فَبسط عمر رِدَاءَهُ وَجعل يكنس ذَلِك الزبل وَجعل الْمُسلمُونَ يكنسون مَعَه الزبل وَمضى نَحْو محراب دَاوُد وَهُوَ الَّذِي على بَاب الْبَلَد فِي القلعة فصلى فِيهِ ثمَّ قَرَأَ سُورَة ص وَمَسْجِد وَرُوِيَ إِنَّه لما جلا المزبلة عَن الصَّخْرَة قَالَ لَا تصلوا فِيهَا حَتَّى يُصِيبهَا ثَلَاث مطرات وَرُوِيَ إِنَّه لما فتح عمر رضي الله عنه بَيت الْمُقَدّس قَالَ لكعب يَا أَبَا اسحاق أتعرف مَوضِع الصَّخْرَة؟ فَقَالَ اذرع من الْحَائِط الَّذِي يَلِي وَادي جَهَنَّم كَذَا وَكَذَا ذِرَاعا ثمَّ احْفِرْ فانك تجدها وَكَانَت يَوْمئِذٍ مزبلة فَحَفَرُوا فظهرت لَهُم فَقَالَ عمر لكعب أَيْن تَرَ أَن نجْعَل الْمَسْجِد - أَو قَالَ الْقبْلَة -؟ فَقَالَ اجْعَلْهُ خلف الصَّخْرَة فتجمع القبلتان قبْلَة مُوسَى وقبلة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ ضاهيت الْيَهُودِيَّة يَا أَبَا إِسْحَاق خير الساجد مقدمها فبناها فِي مقدم الْمَسْجِد وَرُوِيَ أَن عمر قَالَ لكعب أَيْن تَرَ نجْعَل الْمصلى؟ قَالَ إِلَى الصَّخْرَة فَقَالَ ضاهيت وَالله يَا كَعْب الْيَهُودِيَّة بل نجْعَل قبلته صَدره كَمَا جعل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قبْلَة مَسَاجِدنَا صدورها اذْهَبْ إِلَيْك فَأَنا لم نؤمر بالصخرة وَلَكِن امرنا بِالْكَعْبَةِ

ص: 256

وَلما فرغ عمر من فتح ايليا وعزل الصَّخْرَة من القمامة وأبق النَّصَارَى على حَالهم بأَدَاء الْجِزْيَة فَسمى الْمُسلمُونَ كَنِيسَة النَّصَارَى الْعظم عِنْدهم قمامة تَشْبِيها بالمزابل وتعظيماً للصخرة الشَّرِيفَة ثمَّ ارتحل من الْقُدس إِلَى الأَرْض فلسطين وَكَانَ هَذَا الْفَتْح فِي سنة خَمْسَة عشر من الْهِجْرَة الشريف قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره من المؤرخين وَقيل كَانَ فِي سنة سِتَّة عشر فِي ربيع الأول وَقيل لخمس خلون من ذِي الْقعدَة وَالله أعلم وَوجد على رَأس بعض التصاوير الَّتِي كَانَت فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى عقب مَا استنقذه الْمُسلمُونَ مِنْهُم هَذِه الأبيات - وَيُقَال إِنَّهَا لِابْنِ ضامر الضبعِي بعكا -

(أَدَم الْكَنَائِس أنتكن عَبث بكم

أَيدي الْحَوَادِث أَو تغير حَال)

(فلطالما سجدت لَكِن شماس

شم الانوف ضراغم أبطال)

(بعدا على هَذَا الْمُصَاب لِأَنَّهُ

يَوْم بِيَوْم والحروب سِجَال) وَرُوِيَ أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر لما فتح بَيت الْمُقَدّس وَكتب كتاب الْأمان وَالصُّلْح وقبضوا كِتَابهمْ وأمنوا دخل النَّاس بَعضهم فِي بعض وَأقَام عمر أَيَّامًا ثمَّ قَالَ لأبي عُبَيْدَة لم يبْق أَمِير من الْأُمَرَاء الأجناد غَيْرك إِلَّا استزارني فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي أَخَاف أَن استزيرك فتعصب عَيْنَيْك فِي بَيْتِي قَالَ فزرني فَلَمَّا أَتَاهُ عمر فِي بَيته فَإِذا لَيْسَ فِيهِ شَيْء إِلَّا لبد فرسه وَإِذا هُوَ فرَاشه وسرجه وَإِذا هُوَ وسادته وَإِذا كسر يابسة فِي كوَّة بَيته فجَاء بهَا فوضعها على الأَرْض بَين يَدَيْهِ وَأَتَاهُ بملح جريش وكوز خزف فِيهِ مَاء فَلَمَّا نظر عمر إِلَى ذَلِك بَكَى ثمَّ الْتَزمهُ وَقَالَ أَنْت أخي وَمَا من أحد من صَحَابِيّ إِلَّا وَقد نَالَ من الدُّنْيَا ونالت مِنْهُ غَيْرك فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَة ألم أخْبرك إِنَّك ستعصب عَيْنَيْك ثمَّ إِن عمر قَامَ فِي النَّاس فَحَمدَ الله واثن عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله وَصلى على النَّبِي صلى الله عليه وسلم ثمَّ قَالَ يَا أهل الْإِسْلَام إِن الله تعال قد صدقكُم الْوَعْد

ص: 257

ونصركم عل الْأَعْدَاء واورثكم الْبِلَاد وَمكن لكم فِي الأَرْض فَلَا يكون جَزَاؤُهُ مِنْكُم إِلَّا الشُّكْر وَإِيَّاكُم وَالْعَمَل بِالْمَعَاصِي فَإِن الْعَمَل بِالْمَعَاصِي كفر للنعم وقلما كفر قوم بِمَا أنعم الله عَلَيْهِم ثمَّ لم يفزعوا إِلَى التَّوْبَة إِلَّا سلبوا عزهم وسلط عَلَيْهِم عدوهم ثمَّ نزل وَحَضَرت الصَّلَاة فَقَالَ يَا بِلَال أَلا تؤذن لنا رَحِمك الله قَالَ بِلَال يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالله مَا أردْت أَن أؤذن لأحد بعد رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَكِن سأطيعك إِذا أَمرتنِي فِي هَذِه الصَّلَاة وَحدهَا فَلَمَّا أذن بِلَال وَسمعت الصَّحَابَة صَوته ذكرُوا نَبِيّهم صلى الله عليه وسلم فبكوا بكاء شَدِيدا وَلم يكن من الْمُسلمين يَوْمئِذٍ أطول بكاء من أبي عُبَيْدَة ومعاذ ابْن جبل حَتَّى قَالَ لَهما عمر حسبكما رحمكما الله فَلَمَّا قضى صلَاته انْصَرف أَمِير الْمُؤمنِينَ رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة واجتهد فِيمَا هُوَ بصدده من إِقَامَة شَعَائِر الْإِسْلَام وَالنَّظَر فِي مصَالح الْمُسلمين وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى توفّي رضي الله عنه ونفعنا بِهِ وَجمع بَيْننَا وَبَينه فِي دَار كرامته إِنَّه ولي الْحَسَنَات وغافر السَّيِّئَات عَنهُ وَكَرمه وَقد حكى المصنفون لفضائل بَيت الْمُقَدّس قصَّة الْفَتْح من طرق كَثِيرَة بروايات وألفاظ مُخْتَلفَة فَأحْسن مَا رَأَيْته مِنْهَا مَا نقتلته هُنَا وَالله الْمُوفق (ذكر وَفَاة عمر رضي الله عنه رُوِيَ أَنه خرج لصَلَاة الصُّبْح فِي جمَاعه فضر بِهِ أَبُو لؤلؤة غُلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة _ لما وقف يُصَلِّي _ بخنجر برأسين وطعنه ثَلَاث طعنات إِحْدَاهمَا تَحت سرته وَهِي الَّتِي قتلته وَطعن اثن عشر رجلا من أهل الْمَسْجِد فَمَاتَ مِنْهُم سِتَّة ثمَّ نحر نَفسه بخنجره فَمَاتَ لعنة الله وَلما طعنه أَبُو لؤلؤة وَقع عل الأَرْض ثمَّ قَالَ أَفِي النَّاس عبد الرَّحْمَن بن عَوْف؟ قَالُوا نعم قَالَ مروه يصل بالناسي وَقَالَ لوَلَده عبد الله انْظُر من الَّذِي

ص: 258

قتلني فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ذَلِك أَبُو لؤلؤة غُلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل قَتْلِي على يَد رجل سجد الله سَجْدَة وَاحِدَة ثمَّ بعث ابْنه عبد الله عَائِشَة رضي الله عنها فَقَالَ قل لَهَا يقْرَأ عَلَيْك عمر السَّلَام - وَلَا تقل أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي لست الْيَوْم أَمِير الْمُؤمنِينَ - وَيَقُول لَك إِنَّه لَاحق بربه أفتأذنين لَهُ أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ فجَاء عبد الله إِلَى عَائِشَة فإستأذن عَلَيْهَا فَأَذنت لَهُ فبلغها رِسَالَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر رضي الله عنه فتأوهت وبكت وَقَالَت لقد كنت أَشمّ رَائِحَة رَسُول الله صل اله عَلَيْهِ وَسلم فِي أبي بكر فَلَمَّا مَاتَ أَبُو بكر كنت أَشمّ رَائِحَته فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر مَا لي وَالدُّنْيَا افقد فِيهَا الأحباب وَاحِدًا بعد وَاحِد ثمَّ قَالَت لَهُ بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ مني السَّلَام وَقل لَهُ أَلا إِنَّهَا كَانَت قد أدخرت ذَلِك لنَفسهَا وَلكنهَا آثرتك الْيَوْم عل نَفسهَا فَلَمَّا رَجَعَ عبد الله قَالَ لَهُ عمر مَا وَرَاءَك يَا عبد الله؟ قَالَ الَّذِي تحب قد أَذِنت لَك عَائِشَة قَالَ الْحَمد لله مَا كَانَ شَيْء أهم إِلَيّ من ذَلِك فَإِذا أَنا قبضت فَارْجِع إِلَيّ عَائِشَة فاستأذنها ثَانِيًا فَرُبمَا تكون استحيت مني وَأَنا حَيّ فَلَا تَسْتَحي مني وَأَنا ميت وأوصاهم أَن يقتصروا فِي كنفه وَلَا يتغالوا وَتُوفِّي يَوْم السبت سلخ ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وَدفن يَوْم الْأَحَد هِلَال الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين وغسله ابْنه عبد الله وَحمل عل سَرِير رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَصلي عَلَيْهِ فِي مَسْجده وَصلي بهم عَلَيْهِ صُهَيْب وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا ونزله فِي قَبره ابْنه عبد الله وَعُثْمَان بن عَفَّان وَسَعِيد ابْن زيد وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَكَانَت خِلَافَته رضي الله عنه عشر سِنِين وَسِتَّة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام وَتُوفِّي وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ عل الصَّحِيح الْمَشْهُور وَالصَّحِيح أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَعمر بن الْخطاب رضي الله عنه وَعمر وَعلي وَعَائِشَة ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة

ص: 259

وَكَانَ عمر رضي الله عنه طَويلا أصلع أَبيض تعلوه حمرَة وَقيل كَانَ دم شَدِيد الآدمة كث اللِّحْيَة وَعَلِيهِ أَكثر أهل الْعلم وفضائله أشهر من أَن تذكر وَأكْثر من أَن تحصر جَاهد فِي الله حق جهاده فجيش الجيوش وَفتح الْبِلَاد ومصر الْأَمْصَار وأعز الْإِسْلَام وأذل الْكفْر وَأجل الْيَهُود وَالنَّصَارَى من بِلَاد الْحجاز وَفِي أَيَّامه فتح الْعرَاق والموصل ومصر والإسكندرية وَغَيرهَا وَهُوَ الَّذِي اختط الْكُوفَة ووسع فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَعمر مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى وَهُوَ أول من جمع النَّاس لصَلَاة التَّرَاوِيح وَأول من كتب التَّارِيخ وأرخ من السّنة الَّتِي هَاجر فِيهَا رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَأول من عس بِاللَّيْلِ وَأول من نه عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَأول من جمع النَّاس فِي صَلَاة الْجِنَازَة على أَربع تَكْبِيرَات وَكَانُوا يكبرُونَ أَرْبعا وخمساً وستاً وَأول من حمل الدرة وَضرب بهَا وَدون الدَّوَاوِين وَلَو لم يكن من فضائله إِلَّا فتح هَذَا الْبَيْت الْمُقَدّس وتطهيره من الشّرك لكفاه رضي الله عنه ونفعنا ببركته وبركات علومه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة واما من دخل بَيت الْمُقَدّس من الصَّحَابَة رضي الله عنهم فهم خلق كثير لَا يحصيهم إِلَّا الله سُبْحَانَهُ وتعال ولنذكر جمَاعَة من أعيانهم تبركاً بذكرهم ونجعل تَرْتِيب أسمائهم عل الوفيات من غير استقصاء فِي ذكر تراجمهم فَأَقُول - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق - أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح واسْمه عَامر بن عبد الله بن الْجراح توفّي فِي طاعون عمواس سنة ثَمَانِيَة عشر من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وقبره فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا عُثْمَان تَحت جبل عجلون بَين فقارس والعادلية بزاوية دير علا من الْغَوْر الغربي ووفاته فِي خلَافَة عمر وَله ثَمَان وَخَمْسُونَ سنة معَاذ بن جبل الْأنْصَارِيّ رضي الله عنه اسْتَخْلَفَهُ أَبُو عُبَيْدَة على النَّاس عِنْد مَوته فَمَاتَ أَيْضا بالطاعون بِنَاحِيَة الْأُرْدُن فِي سنة ثَمَان عشرَة وَله ثَمَان وَثَلَاثُونَ

ص: 260

سنة وَقيل ثَلَاثُونَ وَثَلَاثُونَ سنة وقبره بِالْقصرِ الَّذِي من الْغَوْر وَمَات من الْعَسْكَر فِي هَذَا الطَّاعُون خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألف نفس وَطَالَ مكثه شهرا وطمع الْعَدو فِي الْمُسلمين بِلَال بن رَبَاح مول أبي بكر الصّديق وَهُوَ مُؤذن رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم شهد فتح بَيت الْمُقَدّس مَعَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه وَلم يُؤذن بعد رَسُول الله (ص) سو مرّة وَاحِدَة لما أَمر عمر بِالْأَذَانِ بعد الْفَتْح - كَمَا تقدم - توفّي بِدِمَشْق فِي سنة تِسْعَة عشر من الْهِجْرَة وَدفن عِنْد الْبَاب الصَّغِير وَهُوَ ابْن بضع وَسِتِّينَ سنة وَقيل مَاتَ بحلب سنة عشْرين وَقيل ثَمَانِيَة عشر وَالله أعلم عِيَاض بن غنم رضي الله عنه ابْن عَم أبي عُبَيْدَة دخل بَيت الْمُقَدّس وبن فِيهَا حَماما وَله رِوَايَة عَن النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَتُوفِّي فِي سنة عشْرين مكن الْهِجْرَة خَالِد بن الْوَلِيد رضي الله عنه سيف الله المسلول توفّي سنة إِحْدَى وَعشْرين من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وَاخْتلف فِي مَوضِع قَبره فَقيل بحمص وَقيل بِالْمَدِينَةِ أَبُو ذُو الْغِفَارِيّ واسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة دخل بَيت الْمُقَدّس وَكَانَت وَفَاته بالربذة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَالله أعلم أَبُو الدَّرْدَاء عُوَيْمِر رضي الله عنه توفّي بِدِمَشْق فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَقيل إِحْدَى وَثَلَاثِينَ فِي خلَافَة عُثْمَان رضي الله عنه عبَادَة بن الصَّامِت الْأنْصَارِيّ رضي الله عنه وَجهه عمر إِلَى الشَّام قَاضِيا ومعلماً وَأقَام بحمص ثمَّ انْتقل إِلَى فلسطين وَهُوَ أول ولي قَضَاهَا سكن بَيت الْمُقَدّس وَمَات بفلسطين وَدفن بِبَيْت الْمُقَدّس وَقيل بالرملة وَالْأول أشهر وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ والآن قَبره لَا يعرف بِبَيْت الْمُقَدّس وَلَا بالرملة واندرس لاستيلاء الإفرنج على تِلْكَ النَّاحِيَة سُلَيْمَان الْفَارِسِي توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة وَدفن بِالْمَدَائِنِ عَن مِائَتَيْنِ وَخمسين سنة وَيُقَال أَكثر ذكره النَّوَوِيّ فِي التَّهْذِيب والكرماني

ص: 261

وَابْن الْجَوْزِيّ فِي صفوة الصفوة قَالَ أهل الْعلم بالسير كَانَ سُلَيْمَان من المعمرين أدْرك وَصِيّ عِيسَى بن مَرْيَم ورد بعض الْعلمَاء هَذَا القَوْل وَقَالَ إِنَّه لم يبلغ الْمِائَة وَالله أعلم أَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ عقبَة بن عَمْرو البدري سكن بَدْرًا وَلم يشهدها عل الرَّاجِح وَتُوفِّي فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة وَقيل سنة أَرْبَعِينَ تَمِيم الدَّارِيّ بن أَوْس رضي الله عنه وفدهو وَأَخُوهُ نعيم عل رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم سنة تسع واسلما صحب تَمِيم رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وغزا مَعَه ورو عَنهُ وَلم يزل بِالْمَدِينَةِ حَتَّى تحول إِلَى الشَّام بعد قتل عُثْمَان وَكَانَ أَمِيرا على بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ الَّذِي اقطعه النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم أَرض حبرون وَسَنذكر نُسْخَة الإقطاع فِيمَا بعد عِنْد ذكر بلد سيدنَا الْخَلِيل عليه الصلاة والسلام إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَتُوفِّي سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة عَمْرو بن الْعَاصِ السَّهْمِي توفّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين من الْهِجْرَة فِي خلَافَة مُعَاوِيَة عبد الله بن سَلام أَبُو الْحَارِث الإِمَام الحبر الإسرائيلي الْمَشْهُود لَهُ بِالْجنَّةِ قدم بَيت الْمُقَدّس من خَواص الصَّحَابَة كَانَ اسْمه الْحصين فَغَيره النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَبْد الله شهد فتح بَيت الْمُقَدّس توفّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين من الْهِجْرَة سعيد بن زيد أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ قدم بَيت الْمُقَدّس زمن الْفَتْح توفّي سنة إِحْدَى وَخمسين من الْهِجْرَة بالعقيق وَقيل بِالْكُوفَةِ وَله بضع وَسَبْعُونَ سنة أَبُو إِسْحَاق سعد بن أبي وَقاص اسْمه مَالك بن وهب رضي الله عنه قدم بَيت الْمُقَدّس واحرم مِنْهُ بِعُمْرَة إِحْدَى الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ مَاتَ فِي قصره بالعقيق عل أَمْيَال من الْمَدِينَة فَحمل إِلَى الْمَدِينَة وصلت عَلَيْهِ أَزوَاج النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي حجرهن وَدفن بِالبَقِيعِ فِي سنة خمس - وَقيل سِتّ - وَخمسين من الْهِجْرَة وَهُوَ ابْن بضع وَسبعين سنة

ص: 262

مرّة بن كَعْب الفِهري رضي الله عنه نزل بِالشَّام وَتُوفِّي سنة سبع وَخمسين من الْهِجْرَة بالأردن شَدَّاد بن أَوْس ابْن أخي حسان بن ثَابت نزل بِالشَّام نَاحيَة فلسطين وَكَانَ مِمَّن أُوتِيَ الْعلم والحلم وَالْحكمَة يروي إِنَّه لما دنت وَفَاة النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَ ثمَّ جلس ثمَّ قَامَ ثمَّ جلس فَقَالَ رَسُول الله (ص) يَا شَدَّاد مَا سَبَب قلقك؟ فَقَالَ يَا رَسُول الله ضَاقَتْ بِي الأَرْض فَقَالَ أَلا أَن الشَّام ستفتح وَبَيت الْمُقَدّس سيفتح أَن شَاءَ الله تَعَالَى وَتَكون أَنْت وولدك من بعْدك أَئِمَّة بهَا إِن شَاءَ الله فَكَانَ كَمَا أخبر صل اله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ ذَا عبَادَة واجتهاد توفّي سنة ثَمَان وَخمسين من الْهِجْرَة وَله خمس وَسَبْعُونَ سنة وَقيل مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وقبره ظَاهر بِبَيْت الْمُقَدّس يزار فِي مقبره بَاب الرَّحْمَة تَحت سور الْمَسْجِد الْأَقْصَى رضي الله عنه أَبُو هُرَيْرَة رضي الله عنه واسْمه عبد الرَّحْمَن بن صَخْر قدم بَيت الْمُقَدّس وَشهد فَتحه مَاتَ بِمَدِينَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي سنة تسع وَخمسين من الْهِجْرَة وَهُوَ مِمَّن لَازم خدمَة النَّبِي (ص) وروى عَنهُ الْكثير وَلَيْسَ هُوَ المدفون بقرية يبْنى الَّتِي هِيَ من أَعمال مَدِينَة غَزْوَة وَإِنَّمَا بهَا بعض وَلَده مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أَمِير الْمُؤمنِينَ قدم بَيت الْمُقَدّس وَقدم عَلَيْهِ عَمْرو بن الْعَاصِ فَبَايعهُ عل طلب عُثْمَان وكتباً كتابا بَينهمَا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا تعاهد عَلَيْهِ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَعَمْرو بن الْعَاصِ بِبَيْت الْمُقَدّس بعد مقتل عُثْمَان وَحمل كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه الْأَمَانَة أَن بَيْننَا عهد الله على التناصر والتخالص والتناصح فِي أَمر الله وَالْإِسْلَام وَلَا يخذل أَحَدنَا صَاحبه بِشَيْء وَلَا يتَّخذ من دونه وليجة وَلَا يحول بَيْننَا ولد وَلَا وَالِد أبدا مَا حيينا فِيمَا استطعنا توفّي بِدِمَشْق فِي النّصْف من رَجَب فِي سِتَّة سِتِّينَ من الْهِجْرَة وَله ثَمَان وَسَبْعُونَ سنة وَقيل سِتّ وَثَمَانُونَ سنة وَقيل غير ذَلِك وَصلى عَلَيْهِ الضَّحَّاك وَدفن بمقبرة دمشق

ص: 263

عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ اسْلَمْ قبل أَبِيه وَلم يكن أَصْغَر من أَبِيه إِلَّا باثنتي عشرَة سنة وَكَانَ يقْرَأ الْقُرْآن والتوراة ويصوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا توفّي فِي سنة خمس وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة عبد الله بن عَبَّاس رضي الله عنهما مولده قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين ودعا لَهُ النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل فَكَانَ كَذَلِك وَكَانَ يسم الحبر لِكَثْرَة علومه وَأهل من بَيت الْمُقَدّس فِي الشتَاء توفّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة بِالطَّائِف بقرية تدعى السَّلامَة وقبره ظَاهر مَعْرُوف بهَا عَلَيْهِ قبَّة مَبْنِيَّة وحولها مَسْجِد جَامع عبد الله بن عمر بن الْخطاب رضي الله عنهما قدم بَيت الْمُقَدّس وَأهل مِنْهُ بِعُمْرَة توفّي سنة وَسبعين من الْهِجْرَة بعد قتل ابْن الزبير بِثَلَاثَة أشهر وَله سبع وَثَمَانُونَ سنة عَوْف بن مَالك بن عَوْف الْأَشْجَعِيّ أَبُو مُحَمَّد شهد فتح بَيت الْمُقَدّس وَنزل بحمص وَهُوَ صَحَابِيّ جليل توفّي سنة ثَلَاث وَسبعين من الْهِجْرَة بَايع رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم عل أَن يعبد الله وَلَا يُشْرك بِهِ شَيْئا والصلوات الْخمس وَإِن لَا يسْأَل النَّاس شَيْئا أَبُو جُمُعَة الْأنْصَارِيّ واسْمه جُنْدُب بن سِبَاع وَقيل جُنَيْد بن سِبَاع وَقيل ابْن وهب وَقيل ابْن فديك قدم بَيت الْمُقَدّس ليُصَلِّي فِيهِ يعد من الشاميين مَاتَ بِالشَّام أول الْمحرم سنة سبع وَسبعين من الْهِجْرَة وَاثِلَة بن الاسقع الهوازني أسلم وَالنَّبِيّ صل الله عَلَيْهِ وَسلم مُتَوَجّه إِلَى تَبُوك وَيُقَال إِنَّه خدمَة ثَلَاث سِنِين وَهُوَ من أهل الضفة سكن الْبَصْرَة ثمَّ الشَّام وَشهد الْمَغَازِي بِدِمَشْق وحمص ثمَّ تحول إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَمَات بِهِ وَهُوَ ابْن مائَة سنة وَقيل مَاتَ بِدِمَشْق فِي خر خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان سنة خمس - أَو سِتّ - وَثَمَانِينَ من الْهِجْرَة رَضِي الله عَنهُ

ص: 264

أَبُو أُمَامَة صدى بن عجلَان الْبَاهِلِيّ سكن بَيت الْمُقَدّس ودمشق الشَّام وَكَانَ آخر من أَتَى الشَّام من الصَّحَابَة رضي الله عنه شهد حجَّة الْوَدَاع وَهُوَ ابْن ثَلَاثِينَ سنة توفّي سنة ثَمَان - وَقيل سِتّ - ثَمَانِينَ من الْهِجْرَة مَحْمُود بن الرّبيع نعيم وَقيل أَبُو مُحَمَّد فِي الصَّحِيح من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن مَحْمُود بن الرّبيع كَانَ يزْعم أَنه أدْرك رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن خمس سِنِين وَزعم إِنَّه عقل مجة مجها رَسُول الله (ص) فِي وَجهه نزل بَيت الْمُقَدّس وَأهل مِنْهُ بِحَجّ وَعمرَة وَهُوَ ختن عبَادَة بن الصَّامِت مَاتَ شنة تسع وَتِسْعين من الْهِجْرَة وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَتِسْعين سنة يزِيد بن أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب كَانَ أَمِيرا بِالشَّام عل جند من الأجناد وَلما مَاتَ أَمر عمر مَكَانَهُ أَخَاهُ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أَبُو رَيْحَانَة واسْمه شَمْعُون - بشين مُعْجمَة وَقيل بِالْمُهْمَلَةِ - شَمْعُون الْقرظِيّ من بني قُرَيْظَة يُقَال من بني النَّضِير وَيُقَال لَهُ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت ابْنَته رَيْحَانَة سَرِيَّة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَسكن أَبُو رَيْحَانَة بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ يعظ فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى الشريد بن سُوَيْد قدم بَيت الْمُقَدّس لِأَنَّهُ كَانَ قد نذر أَن يُصَلِّي فِيهِ أَن فتح الله مَكَّة على رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم واستأذنه فِي ذَلِك فَأذن لَهُ ابْن أبي الجدعا وَهُوَ عبد الله بن أبي الجدعا التَّمِيمِي وَيُقَال لَهُ الْكِنَانِي وَيُقَال لَهُ الْعَبْدي فَيْرُوز الديلمي أَبُو عبد الله وَيُقَال أَبُو عبد الرَّحْمَن وَيُقَال أَبُو الضَّحَّاك وَيُقَال الْحِمْيَرِي لنوله بحمير وَهُوَ من أَبنَاء فَارس من فرس صنعاء فَيْرُوز من الَّذين بَعثهمْ كسْرَى إِلَى الْيمن فنفوا الْحَبَشَة مِنْهَا وغلبوا عَلَيْهَا سكن بَيت الْمُقَدّس وَيُقَال إِنَّه مَاتَ بهَا وقبره بِهِ مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان

ص: 265

ذُو الْأَصَابِع التَّمِيمِي يُقَال الْخُزَاعِيّ وَيُقَال الْجُهَنِيّ سكن بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ من أهل الْيمن من المدد الَّذين نزلُوا بِبَيْت الْمُقَدّس أَبُو مُحَمَّد النجاري - بِالْجِيم - الْأنْصَارِيّ البدري قَالَ صَاحب (مثير الغرام) أَظُنهُ مَسْعُود بن أويس بن زيد بن أَصْرَم بن زيد بن ثَعْلَبَة بن غنم بن مَالك النجاري كَذَا نسبه الْوَاقِدِيّ وَغَيره وَهُوَ الَّذِي زعم أَن الْوتر وَاجِب فَقَالَ عبَادَة بن الصَّامِت كذب أَبُو مُحَمَّد قيل توفّي فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب رضي الله عنه وَقيل شهد صفتين مَعَ عَليّ سَلام بن قَيْصر قيل سَلامَة لَهُ صُحْبَة وَكَانَ والياً لمعاوية على بَيت الْمُقَدّس وَله عقب بِهِ وَأنكر بَعضهم صحبته وَالله أعلم أَبُو أبي بن أم حرَام وَيُقَال أبي وَيُقَال عبد الله بن أبي وَقيل عبد الله ابْن كَعْب وَقيل عبد الله بن عَمْرو بن شَمْعُون بن خَليفَة بن قيس وَأمه أم حرَام بنت ملْحَان أُخْت أم سليم أسلم قَدِيما ويعد فِي الشاميين سكن بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ ربيب عبَادَة بن الصَّامِت وَهُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بِبَيْت الْمُقَدّس وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِيمَن ذكر إِنَّه كَانَ بِبَيْت الْمُقَدّس من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَات بِهِ عبَادَة بن الصَّامِت وَشَدَّاد بن أَوْس وَأَبُو أبي بن أم حرَام وَأَبُو رَيْحَانَة وسلامة بن قَيْصر وفيروز الديلمي وَذُو الْأَصَابِع وَأَبُو مُحَمَّد النجاري وَالله أعلم عصيف بن الْحَارِث وَهُوَ الصَّوَاب فِي اسْمه قدم بَيت الْمُقَدّس هُوَ وَأَهله فصلى فِيهِ وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة صَفِيَّة بنت حَيّ أم الْمُؤمنِينَ رضي الله عنها قدمت بَيت الْمُقَدّس فصلت فِيهِ وصعدت عل طور زيتا فصلت وَقَامَت طرف الْجَبَل فَقَالَت من هَاهُنَا يتفرق

ص: 266

النَّاس يَوْم الْقيام إِلَى الْجنَّة وَإِلَى النَّار توفيت فِي سنة خمسين وَقيل اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَقيل سِتّ وَثَلَاثِينَ ودفنت بِالبَقِيعِ رضي الله عنها وَحكى صَاحب (مثير الغرام) أَن حبرًا من الْأَحْبَار بَيت الْمُقَدّس قدم الْمَدِينَة بعد موت النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ يرْوى عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ لما توفّي رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم لثنتي عشرَة خلت من ربيع الأول فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَة الْخَمِيس إِذا نَحن بشيخ أَبيض الرَّأْس واللحية متلثم بعمامة على قعُود لَهُ فجَاء فَنزل فعقل بعيره بِبَاب الْمَسْجِد فَنَادِ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله هَل فِيكُم مُحَمَّد رَسُول الله؟ فَقَالَ عَليّ مَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ أَنا حبر من أَحْبَار بَيت الْمُقَدّس قَرَأت التَّوْرَاة ثَمَانِينَ سنة وتدبرتها أَرْبَعِينَ سنة صفاحاً فَوجدت فِيهَا ذكر مُحَمَّد وَإنَّهُ لَيْسَ بكاذب وَلَا أَقْوَال لكذب وَقد جِئْت أطلب الْإِسْلَام على يَدَيْهِ فَذكر أثرا طَويلا مَعَ عَليّ رضي الله عنه (ذكر المهدى الَّذِي يكون فِي آخر الزَّمَان بالقدس الشريف) رو صَاحب (مثير الغرام) عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله (ص) ينزل بأمتي فِي آخر الزَّمَان بلَاء شَدِيد من سلطانهم لم يسمع النَّاس ببلاء أَشد مِنْهُ حَتَّى تضيق عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وَحَتَّى تملأ الأَرْض جوراً وظلماً ثمَّ إِن الله يبْعَث رجلا يمْلَأ بِهِ الأَرْض قسطاً وعدلاً كَمَا ملئت ظلما وجراً يرضى عَنهُ سَاكن السَّمَاء وَسَاكن الأَرْض لَا تدخر الأَرْض من بذرها شَيْئا إِلَّا أخرجته وَلَا السَّمَاء من قطرها شَيْئا إِلَّا صبه الله عَلَيْهِم مدراراً يعِيش فيهم سبع سِنِين أَو ثَمَانِي سِنِين أَو تسعا يتَمَنَّى الْأَحْيَاء الْأَمْوَات بِمَا صنع الله بِأَهْل الأَرْض من الْخَيْر وَرَوَاهُ أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ بِنَحْوِهِ وَفِيه وَينزل بَيت الْمُقَدّس وَرُوِيَ عَن عَليّ قَالَ الْمهْدي يُولد بِالْمَدِينَةِ من أهل بَيت النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم وأسمه اسْم نَبِي ويهاجر بِبَيْت الْمُقَدّس

ص: 267

وَعَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قَالَ تخرج راية سَوْدَاء لبني الْعَبَّاس ثمَّ تخرج من خُرَاسَان أخر سَوْدَاء وثيابهم بيض على مقدمتهم رجل يُقَال لَهُ شُعَيْب بن صَالح مولى بني تَمِيم يهزمون أَصْحَاب السفياني حَتَّى ينزل بَيت الْمُقَدّس يوطئ للمهدي سُلْطَانه ويفد إِلَيْهِ ثَلَاثمِائَة من الشَّام يكون بَين خُرُوجه وَبَين أَن يسلم إِلَيْهِ الْأَمر ثَلَاث وَسَبْعُونَ شهرا وَعَن شُرَيْح بن عبيد عَن رَاشد بن سعد وضمرة بن حبيب ومشايخهم قَالُوا يخرج شُعَيْب بن صَالح مول بني تَمِيم مختفياً إِلَيّ بَيت الْمُقَدّس يوطئ للمهدي منزله إِذا بلغه خُرُوجه إِلَى الشَّام وَعَن مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ إِذا سمع العابد الَّذِي بِمَكَّة بالخسف خرج مَعَ اثْنَي عشر ألفا فيهم الْإِبْدَال حَتَّى ينزلُوا بايليا - يَعْنِي بَيت الْمُقَدّس - الْأَثر وَعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا رَأَيْتُمْ خليفتين خَليفَة بَيت الْمُقَدّس يقتل الَّذِي هُوَ دونه يَعْنِي بالخليفة الَّذِي بِبَيْت الْمُقَدّس الْمهْدي وَالَّذِي دونه السفياني وَعَن سُلَيْمَان بن عيس قَالَ بَلغنِي إِنَّه عل يَد الْمهْدي تَابُوت السكينَة من بحيرة طبرية حَتَّى يحمل فَيُوضَع بَين يَدَيْهِ فِي بَيت الْمُقَدّس فَإِذا نظرت إِلَيْهِ الْيَهُود أَسْلمُوا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم ثمَّ يَمُوت الْمهْدي وَأما مَا رُوِيَ عَن انس بن مَالك عَن النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّه قَالَ لَا يزْدَاد الْأَمر إِلَّا شدَّة وَلَا النَّاس غلا شحا وَلَا الدُّنْيَا إلاأدباراً وَلَا تقوم السَّاعَة إِلَّا على شرار الْخلق وَلَا مهْدي إِلَّا عِيسَى بن مَرْيَم فَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد إِنَّه حَدِيث أَمر جدا لَا يُعَارض مَا تقدم وَعَن هِشَام بن عمار قَالَ سَمِعت أَن رجلا انْتقل إِلَى بَيت الْمُقَدّس فَقيل لَهُ مَا نقلك إِلَيْهَا؟ قَالَ بَلغنِي إِنَّه لَا يزَال فِي بَيت الْمُقَدّس رجل يعْمل عمل آل دَاوُد وَالله أعلم

ص: 268