الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(نزُول الْمَائِدَة)
وَأنزل الله عَلَيْهِ الْمَائِدَة وَأوحى إِلَيْهِ الْإِنْجِيل وَكَانَ عِيسَى عليه السلام يلبس الصُّوف وَالشعر وَيَأْكُل من نَبَات الأَرْض وَرُبمَا تقوت من غزل أمه وَكَانَ الحوارين الَّذين اتَّبعُوهُ اثْنَي عشر رجلا وهم شَمْعُون الصَّفَا وبطرس وَأَخُوهُ أندراوس وَيَعْقُوب بن ريدى وفيلبس وبرطولومادس واندريوس ومرقص ويوحنا ولوقا وتوما وَمَتى وَهَؤُلَاء الَّذين سَأَلُوهُ نزُول الْمَائِدَة فَلَمَّا سَأَلُوهُ ذَلِك قَامَ عيس فألق الصُّوف عَنهُ وَلبس الشّعْر وَوضع يَمِينه عل شِمَاله ووضعها عل صَدره وصف بَين قَدَمَيْهِ وألصق الكعب بالكعب وبالإبهام بالإبهام وخفض رَأسه خَاشِعًا ثمَّ أرسل بالبكاء حَتَّى سَالَتْ الدُّمُوع على لحيته وَجعلت تقطر عل صَدره وَقَالَ (اللَّهُمَّ رَبنَا أنزل علينا مائدة من السَّمَاء تكون لنا عيداً لأولنا وأخرنا - أَي تكون عَطِيَّة مِنْك لنا وعلام بَيْننَا وَبَيْنك ارزقنا عَلَيْهَا طَعَاما نأكله - وَأَنت خير الرازقين) فَنزلت سفرة حَمْرَاء بَين غمامتين غمامة فَوْقهَا وغمامة تحتهَا وهم ينظرُونَ إِلَيْهَا منقضة فِي الْهَوَاء وعيس عليه السلام يبكي وَيَقُول اللَّهُمَّ إجعلنا لَك من الشَّاكِرِينَ اللَّهُمَّ إجعلها رحم وَلَا تجعلها عذَابا إلهي كم أَسأَلك من الْعَجَائِب فتعطيني اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن يكون إنزالها غَضبا ورحزاً اللَّهُمَّ إجعلها عَاقِبَة وسلامة وَلَا تجعلها فتْنَة وَلَا مثلَة حَتَّى اسْتَقَرَّتْ بَين عِيسَى عليه السلام سَاجِدا لله تَعَالَى وخر الحواريون مَعَه فَبلغ الْيَهُود ذَلِك فَأَقْبَلُوا عنوا وَكفرا ينظرُونَ فَرَأَوْا أمرا عجبا فَإِذا منديل مغطى عل السفرة وَجَاء عِيسَى وَجلسَ وَهُوَ يَقُول من أجرؤنا وأوثقنا بِنَفسِهِ وأخشانا عِنْد ربه فليكشف عَن هَذِه لآيَة حَتَّى نَنْظُر وَنَأْكُل ونسمي باسم رَبنَا
وَنَحْمَد إلهنا قَالَ الحواريون أَنْت أولى بذلك يَا روح الله وكلمته فَتَوَضَّأ عيس عليه السلام وضُوءًا جَدِيدا وصل صَلَاة جَدِيدَة ودعا ربه دُعَاء كثيرا وَبكى بكاء شَدِيدا طَويلا ثمَّ قَامَ حَتَّى جَاءَ عِنْد السفرة فَإِذا سَمَكَة مشوية لَيْسَ عَلَيْهَا فلوس وَلَيْسَ لَهَا شوك تسيل دسماً وَقد نصب حولهَا من الْبُقُول خلا الكراث وَإِذا عِنْد رَأسهَا خل وَعند ذنبها ملح وَخَمْسَة أرغفة عل كل وَاحِد مِنْهَا زيتون وَخمْس رمانات وَخمْس تمرات قَالَ شَمْعُون - رَأس الحواريين - يَا روح الله وكلمته أَمن طَعَام الدُّنْيَا أم من طَعَام الْآخِرَة؟ فَقَالَ عِيسَى مَا أخوفني أَن تعاقبوا قَالَ لَا وإله بني إِسْرَائِيل مَا أردْت بِمَا سَأَلتك سوءا يَا بن الصديقة قَالَ نزلت وَمَا عَلَيْهَا من السَّمَاء لَيْسَ شَيْء مِمَّا ترَوْنَ عَلَيْهَا من طَعَام الدُّنْيَا وَلَا طَعَام الْآخِرَة وَهِي وَمَا عَلَيْهَا شَيْء ابتدعه الله بِالْقُدْرَةِ الْغَالِبَة إِنَّمَا قَالَ لَهُ كن فَكَانَ فَكُلُوا مِمَّا سَأَلْتُم وأحمدوا الله ربكُم بمددكم ويزدكم فَإِنَّهُ الْقَادِر البديع لما يَشَاء إِذا شَاءَ أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون قَالَ الحواريون يَا روح الله كَلمته لَو أريتنا الْيَوْم ي من هَذِه السَّمَكَة؟ فَقَالَ عيس عليه السلام يَا سَمَكَة أحيي بِإِذن الله تَعَالَى فاضطربت السَّمَكَة طربة تَدور عَيناهَا وَلها بصيص تتلمض بفيها كَمَا يتلمظ السَّبع وَعَاد عَلَيْهَا فلوسها فَفَزعَ الْقَوْم فَقَالَ عِيسَى مَا لكم تسْأَلُون الشَّيْء فَإِذا أعطيتموه كرهتموه فَمَا أخوفني أَن تعذبوا بِهَذِهِ السَّمَكَة ثمَّ قَالَ عودي كَمَا كنت بِإِذن الله تَعَالَى فَعَادَت مشوية عل حَالهَا قَالُوا كن أَنْت يَا روح الله أول من يَأْكُل ثمَّ نَأْكُل بعْدك قَالَ عيس معَاذ الله أَن يَأْكُل مِنْهَا إِلَّا من طلبَهَا وسألها فَفرق الحواريون أَن تكون إِنَّمَا نزلت سخطَة فِيهَا مثلَة فَلم يَأْكُلُوا مِنْهَا ودعا لَهَا عيس عليه السلام بِأَهْل القاقة والزمانة من العميان والمجذومين
والبرص والمقعدين وَأَصْحَاب المَاء الْأَصْفَر والمجانين فَقَالَ كلوا من رزق الله ودعوة نَبِيكُم فَإِنَّهُ رزق ربكُم فَتكون المهنأة لكم وَالْبَلَاء لغير كم وأذكروا اسْم ربكُم وكلوا من رزق الله ربكُم فَفَعَلُوا وَصدر عَن تِلْكَ السَّمَكَة وَال أرغفة والرمانات والتمرات والبقول ألف وثلاثمائة من رجل وَامْرَأَة بَين فَقير جَائِع وزمن ومبتلي بِآفَة كلهم شعْبَان يتجشى فَنظر عِيسَى فَإِذا مَا عَلَيْهَا كهئية حِين نزل من السَّمَاء وَرفعت السفرة إِلَى السَّمَاء وَهُوَ ينظرُونَ إِلَيْهَا وَاسْتغْنى كل فَقير أكل مِنْهَا يؤمئذ فَلم يزل غَنِيا حَتَّى مَاتَ وَبرئ كل زمن من زمانته فَلم يزل برئياً حَتَّى مَاتَ وَنَدم الحواريون وَسَائِر النَّاس مِمَّن أَبى أَن يَأْكُل مِنْهَا حسرة وشابت مِنْهَا شُعُورهمْ وَكَانَت إِذا نزلت بعد ذَلِك اقْبَلُوا إِلَيْهَا حبوراً من كل مَكَان يركب بَعضهم بَعْضًا الْأَغْنِيَاء والفقراء وَالرِّجَال وَالنِّسَاء فَلَمَّا رأى عيس ذَلِك جعلهَا نوباً بَينهم وَكَانَت تنزل غبا أيتنزل يَوْمًا وتغيب يَوْمًا كناقة ثَمُود ترع يَوْمًا وَترد يَوْمًا فَلَبثت كَذَلِك أَرْبَعِينَ صباحاً تغيب يَوْمًا وتنزل يَوْمًا حَتَّى إِذا فَاء الْفَيْء طارت صعداً ينظرُونَ إِلَيْهَا وَإِلَى ظلها فِي الأَرْض حَتَّى تَوَارَتْ عَنْهُم فَأوحى الله إِلَى عِيسَى إِنِّي آخذ بشرطي من المكذبين قد اشْترطت عَلَيْهِم إِنِّي معذب من كفر مِنْهُم عذَابا لَا أعذبه أحدا من الْعَالمين بعد نُزُولهَا قَالَ عِيسَى (إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم) فَمسح الله مِنْهُم ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثِينَ خنازير من ليلتهم فَأَصْبحُوا يَأْكُلُون
العذرات فِي الحشوش ويتبعون مَا فِي الكناسة والطرق وَكَانُوا قد باتوا أول اللَّيْل عل فراشهم عِنْد نِسَائِهِم فِي دِيَارهمْ بِأَحْسَن صُورَة وأوسع رزق فَأصْبح النَّاس يفرون إِلَى عِيسَى فَزعًا وخوفاً من عُقُوبَة الله تَعَالَى وعيس يبكي عَلَيْهِم ويبكون مَعَه عَلَيْهِم وَجَاءَت الْخَنَازِير بَين يَدَيْهِ تسع إِلَيْهِ حَتَّى أبصرته ينظرُونَ إِلَيْهِ ويشمون رَائِحَته ويسجدون لَهُ وأعينهم تسيل دموعاً لَا يَسْتَطِيعُونَ الْكَلَام ثمَّ قَامَ عِيسَى يناديهم بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُول يَا فلَان فَيَقُول بِرَأْسِهِ نعم يَا فلَان ابْن فلَان قد كنت خوفتكم عَذَاب الله وعقوبته وَكَأَنِّي قد كنت انْظُر إِلَيْكُم ممثلاً بكم فِي غير صوركُمْ قَالَ الله تعال لمُحَمد صل الله عَلَيْهِ وَسلم (ويستعجلونك بِالسَّيِّئَةِ قبل الْحَسَنَة وَقد خلت من قبلهم المثلات) وَقَالَ الله تعال (لعن الَّذين كفرُوا من بني إِسْرَائِيل عل لِسَان دَاوُد وَعِيسَى بن مَرْيَم ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون) فَسَأَلَ عِيسَى عليه السلام ربه أَن يميتهم فأماتهم بعد ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا وارى أحد من النَّاس مِنْهُم جيفة فِي الأَرْض ونسأل الله تعال الْعَافِيَة فِي ذَلِك وَالله أعلم (ذكر صعُود سيدنَا عِيسَى إِلَى السَّمَاء) وَلما أعلم الله سبحانه وتعالى الْمَسِيح إِنَّه خَارج من الدُّنْيَا جزع من ذَلِك فَدَعَا الحواريين ووضعهم طَعَاما وَقَالَ أحضروني اللَّيْلَة فَإِن لي إِلَيْكُم حَاجَة فَلَمَّا اجْتَمعُوا بِاللَّيْلِ عشاهم وَقَامَ يخدمهم فَلَمَّا فرغ من الطَّعَام أَخذ يغسل أَيْديهم ويمسحها بثيابه فتعاظموا ذَلِك فَقَالَ من رد عَليّ شَيْئا مِمَّا اصْنَع فَلَيْسَ مني فَتَرَكُوهُ فَلَمَّا فرغ قَالَ لَهُم إِنَّمَا فعلت هَذَا ليَكُون لكم اسوة بِي فِي خدمَة بَعْضكُم بَعْضًا وَأما حَاجَتي إِلَيْكُم فَإِن تجتهدوا فِي الدُّعَاء إِلَى الله تعال إِن يُؤَخر أَجلي فَلَمَّا أَرَادوا ذَلِك ألقِي الله عَلَيْهِم النّوم حَتَّى لم يستطيعوا الدُّعَاء وَجعل الْمَسِيح
يوقظهم وينبهم فَلَا يزدادون إِلَّا نوماً وتكاسلاً واعلموه إِنَّهُم مغلوبون على ذَلِك فَقَالَ الْمَسِيح سُبْحَانَ الله يذهب بالراعي وتتفرق الْغنم ثمَّ قَالَ لَهُم الْحق أَقُول لكم ليكفرون بِي أحدكُم قبل أَن يَصِيح الديك وليبغي أحدكُم بدارهم يسيرَة وَيَأْكُل ثمني وَكَانَ الْيَهُود قد جدوا فِي طلبه فَحَضَرَ إِلَى الْيَهُود وَقَالَ مَا تَجْعَلُونَ لي إِذا دللتكم على الْمَسِيح فَجعلُوا لَهُ ثَلَاثِينَ درهما فَأَخذهَا ودلهم عَلَيْهِ فَرفع الله إِلَيْهِ وَألقى شبهه على الَّذِي دلهم عَلَيْهِ فَإِن الْيَهُود لما قصدوه أظلمت الدُّنْيَا حَتَّى صَارَت كالليل وأظلمت الشَّمْس وأظهرت الْكَوَاكِب وانشقت الصخور فَلذَلِك لم يتحققوا الْمُشبه بِهِ من شدَّة الظلمَة وَحُصُول الارجاف وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي مَوته قبل رَفعه فَقيل رفع وَلم يمت وَقيل بل توفاه الله ثَلَاث سَاعَات وَقيل سبع سَاعَات ثمَّ أَحْيَاهُ الله وَتَأَول قَائِل هَذَا قَوْله تعال (إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ) وَلما امسك الْيَهُود الشَّخْص الْمُشبه بِهِ ربطوه وَجعلُوا يقودونه بِحَبل وَيَقُولُونَ لَهُ أَنْت كنت تحي الْمَوْتَى أَفلا تخلص نَفسك من هَذَا الْحَبل ويقبضون يَدَيْهِ ويبصقون فِي وَجهه ويلفون عَلَيْهِ الشوك وصلبوه على الْخشب فَمَكثَ عَلَيْهِ سِتّ سَاعَات ثمَّ استوهبه يُوسُف النجار من الْحَاكِم الَّذِي عل الْيَهُود وَكَانَ اسْمه فيلاطوس ولقبه هردوس ودفنا فِي قبر كَانَ يُوسُف الْمَذْكُور قد أعده لنَفسِهِ وَأنزل الله الْمَسِيح من السَّمَاء إِلَى أمه مَرْيَم وَهِي تبْكي عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا إِن الله رفعني إِلَيْهِ وَلم يُصِبْنِي إِلَّا الْخَيْر وأمرها فَجمعت لَهُ الحواريين فبثهم فِي الأَرْض رسلًا عَن الله وَأمرهمْ أَن يبلغُوا عَنهُ مَا أمره الله بِهِ ثمَّ رَفعه الله إِلَيْهِ وتفرق الحواريون حَيْثُ أَمرهم وَكَانَ رفع الْمَسِيح لمضي ثَلَاثمِائَة وست وَثَلَاثِينَ سنة من غلب الاسكندر عل دَارهم
ثمَّ أَن أَرْبَعَة من الحواريين وهم مَتى وَثَلَاث مَعَه اجْتَمعُوا وَجمع كل وَاحِد مِنْهُم إنجيلا وخاتمة إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ إِنِّي أرسلتكم إِلَى الْأُمَم كَمَا أَرْسلنِي رَبِّي إِلَيْكُم فاذهبوا وَادعوا الْأُمَم باسم الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس وَكَانَ بَين رفع الْمَسِيح ومولد النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسمِائَة وَخمْس وَأَرْبَعُونَ سنة تَقْرِيبًا وعاش الْمَسِيح إِلَى أَن رفع ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة وَبَين رَفعه وَالْهجْرَة الشَّرِيفَة خَمْسمِائَة وثمان وَتسْعُونَ سنة وَقد مضى من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة إِلَى عصرنا تِسْعمائَة سنة فَيكون الْمَاضِي من رَفعه إِلَى آخر سنة تِسْعمائَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة ألفا وَأَرْبَعمِائَة وثماني وَتِسْعين سنة وَنزل عَلَيْهِ جِبْرِيل عليه السلام عشر مَرَّات أمته النَّصَارَى على اخْتلَافهمْ وَأما أمه مَرْيَم فَإِنَّهَا عاشت نَحْو ثَلَاث وَخمسين سنة لِأَنَّهَا حملت بِهِ لما صَار لَهَا من الْعُمر ثَلَاثَة عشر سنة وَعَاشَتْ مَعَه مجتمعة ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة وَرفع وَبقيت بعد رَفعه سِتّ سِنِين وَالله أعلم وَيَأْتِي ذكر قبرها فِيمَا بعد أَن شَاءَ الله تعال وَكَانَ رفع الْمَسِيح من طور زيتا - جبل شَرْقي بَيت الْمُقَدّس - وَرُوِيَ إِنَّه دَعَا الله وَقت رَفعه تَعَالَى بِهَذَا الدُّعَاء - وَهُوَ دُعَاء مستجاب - اللَّهُمَّ أَنْت الْقَرِيب فِي علوك والمتعالي فِي دنوك الرفيع عل كل شَيْء من خلقك وَأَنت الَّذِي نفذ بَصرك فِي خلقك وحسرت الْأَبْصَار دون النّظر إِلَيْك وغشيت دُونك وَسبح لَك الفلق فِي النُّور أَنْت الَّذِي جليت الظُّلم بنورك فتباركت اللَّهُمَّ أَنْت خَالق الْخلق بقدرتك مُقَدّر الْأُمُور بحكمتك مبدع الْخلق بعظمتك القَاضِي فِي كل شَيْء بعلمك الَّذِي خلقت سبعا طباقاً فِي الْهَوَاء بكلماتك مستويات الطباق مذعنات لطاعتك سماعين لعلو سلطانك فأجبن وَهن دُخان من خوفهن فَأَتَيْنَ طائعين بِأَمْرك فِيهِنَّ الْمَلَائِكَة يسبحونك ويقدسونك وَجعلت فِيهِنَّ نورا يجلو الظلام وضياء أضوء من الشَّمْس وَجعلت فِيهِنَّ مصابيح يَهْتَدِي بهَا فِي الظُّلُمَات
الْبر وَالْبَحْر ورجوماً للشياطين فتباركت اللَّهُمَّ فِي مفطور سماواتك وَفِيمَا دحيت من الأَرْض ودحوتها على المَاء فأذللت لَهَا المَاء الطَّاهِر فذل لطاعتك وأذعن لأمرك وخضع لقوتك أمواج الْبحار ففجرت فِيهَا بعد الْبحار الْأَنْهَار وَبعد الْأَنْهَار الْعُيُون الغزار والينابيع ثمَّ أخرجت مِنْهَا الْأَشْجَار بالثمار ثمَّ جعلت عل ظهرهَا الْجبَال أوتاداً فأطاعتك أطوادها فتباركت اللَّهُمَّ صفاتك وَمن يبلغ صفة قدرتك وَمن ينعَت بنعتك وتنشئ السَّحَاب وَتَفُك الرّقاب وتقضي الْحق وَأَنت خير الفاصلين لَا إِلَه إِلَّا أَنْت إِنَّمَا يخشاك من عِبَادك الْعلمَاء واشهد أَنَّك لست بإله استحدثناك وَلَا رب لنا سواك نذكرهُ وَلَا كَانَ لَك شُرَكَاء يقضون مَعَك فندعوهم وَنَدَعك وَلَا أعانك أحد على خلقك فنشك فِيك أشهد إِنَّك أحد صَمد لم تَلد وَلم تولد وَلم يكن لَك كفوا أحد وَلم تتَّخذ صَاحِبَة وَلَا ولدا اجْعَل لي من أَمْرِي فرجا ومخرجاً فَلَمَّا أتم دعاءه رَفعه الله إِلَيْهِ وَلما مَاتَت أمه مَرْيَم عليها السلام دفنت بالكنيسة الْمَعْرُوفَة بالجيسمانية خَارج بَاب الأسباط فِي ذبل جبل طور زيتا وَهُوَ مَكَان مَشْهُور يَقْصِدهُ النَّاس للزيارة من الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَاسْتمرّ بَيت الْمُقَدّس عَامِرًا بعد رفع عِيسَى أَرْبَعِينَ سنة فَيكون لبثه على عِمَارَته الثَّانِيَة الَّتِي عمرها كورش سَبْعمِائة وَإِحْدَى وَعشْرين سنة وَالله سبحانه وتعالى أعلم (ذكر خراب بَيت الْمُقَدّس الخراب الثَّانِي وهلاك الْيَهُود)(وَزَوَال دولتهم زوالا لَا رُجُوع بعده) لما جر مَا تقدم شَرحه من رفع الْمَسِيح إِلَى السَّمَاء اسْتمرّ بَيت الْمُقَدّس عَامِرًا بعده أَرْبَعِينَ سنة وتول عل بني إِسْرَائِيل جمَاعَة من الْمُلُوك وَاحِدًا بعد
وَاحِد إِلَى أَن ملك طيطوس الرُّومِي وَكَانَ مَحل ملكه مَدِينَة روميا من بِلَاد الإفرنج فَفِي السّنة الأولى من ملكه قصد بَيت الْمُقَدّس وأوقع باليهود وقتلهم وأسرهم عَن أخرهم إِلَّا من اختفى وَخرب بَيت الْمُقَدّس ونهبه واحرق الهيكل وأحرق كتبهمْ وأخلى الْقُدس من بني إِسْرَائِيل (كَأَن لم تغن بالْأَمْس) وَلم يعد لَهُم بعد ذَلِك رياسة وَلَا حكم وَكَانَ ذَلِك بعد رفع الْمَسِيح بِنَحْوِ أَرْبَعِينَ سنة كَمَا تقدم وَهِي لمضي ثَلَاثمِائَة وست وَسبعين سنة من غَلَبَة الاسكندر وثلاثمائة وَإِحْدَى عشرَة سنة مَضَت لابتداءملك بخت نصر وَهَذِه الْمرة الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فَقَالَ (فَإِذا جَاءَ وعد الْآخِرَة من إفسادكم) وَذَلِكَ قصدهم قتل عِيسَى عليه السلام حِين رفع وقتلهم يحيى " ع " فَسلط الله عَلَيْهِم الْفرس وَالروم وخردوش وطيطوس حَتَّى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عَن دِيَارهمْ فَذَلِك قَوْله تَعَالَى (ليسوؤا وُجُوهكُم - بِإِدْخَال الْهم وَالْغَم والحزن - وليدخلوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أول مرّة وليتبروا مَا علوا تتبيرا عس ربكُم أَن يَرْحَمكُمْ) بعد انتقامه مِنْكُم فَيرد الدولة إِلَيْكُم وَإِن عدتم إِلَيّ الْمعْصِيَة عدنا إِلَى الْعقُوبَة قَالَ قَتَادَة فعادوا فَبعث الله مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فهم يُعْطون الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون وَبَين هَذَا التخريب الثَّانِي وَالْهجْرَة خَمْسمِائَة وثمان وَخَمْسُونَ سنة بالتقريب وَقد مضى من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة إِلَى عصرنا هَذَا تِسْعمائَة سنة فَيكون الْمَاضِي من خراب بَيت الْمُقَدّس الثَّانِي إِلَى آخر سنّ تِسْعمائَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة ألفا وَأَرْبَعمِائَة وثماني وَخمسين سنة بالتقريب وَهُوَ تَارِيخ تشَتت الْيَهُود فِي الْبِلَاد وَالله سُبْحَانَهُ وتعال أعلم