الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ذكر بِنَاء الْمَسْجِد الشريف النَّبَوِيّ)
(على صَاحبه أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام) ثمَّ أَن رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم رَحل من قبَاء يُرِيد الْمَدِينَة فَمَا مر على دَار من دور الانصار إِلَّا قَالُوا هَلُمَّ يَا رَسُول الله إِلَى الْعدَد وَالْعدة ويعترضون نَاقَته فَيَقُول خلوا سَبِيلهَا فَإِنَّهَا مأمورة حَتَّى انْتَهَت إِلَيّ مَوضِع مَسْجِد النَّبِي (ص) فبركت هُنَاكَ فَنزل عَنْهَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأخذ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ النَّاقة إِلَى بَيته وَكَانَ مَوضِع الْمَسْجِد مربداً للتمر لسهل وَسُهيْل ابْني عَمْرو - يتيمين فِي حجر أسعد بن زُرَارَة - فَقَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم حِين بَركت نَاقَته هَذَا إِن شَاءَ الله الْمنزل ثمَّ دَعَا الغلامين فساومهما المربد ليتخذه مَسْجِدا فَقَالَ لَا بل نهبه لَك يَا رَسُول الله فَأبى أَن يقبله مِنْهُمَا هبة حَتَّى ابتاعه مِنْهُمَا ثمَّ بناه مَسْجِدا وطفق رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ينْقل مَعَهم اللَّبن فِي بنائِهِ وَقيل بل كَانَ الْموضع لبني النجار وَكَانَ فِيهِ قُبُور الْمُشْركين وَخرب ونخل فَأَرَادَ النَّبِي (ص) أَن يَشْتَرِيهِ من بني النجار فَقَالَ لَهُم يَا بني النجار ثامنوني حائطكم فاقلوا لَا نطلب ثمنه إِلَّا إِلَى الله فَأمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بقبور الْمُشْركين فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فَقطع قَالَ فصفوا النخيل قبل الْمَسْجِد وَجعلُوا عضاديته حِجَارَة وَجعلُوا ينقلون ذَلِك الصخر وهم يرتجزون وَرَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (اللَّهُمَّ لَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة
…
فانصر الْأَنْصَار والمهاجرة) وَأقَام رَسُول الله (ص) عِنْد أبي أَيُّوب حَتَّى بنى مَسْجده ومساكنه وَكَانَ قبله يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكته الصَّلَاة وبناه هُوَ والمهاجرون وَالْأَنْصَار رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَكَانَ الْمَسْجِد الشريف على عهد رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم مَبْنِيا بِاللَّبنِ
وسقفه الجريد وعمده خشب النّخل فَلم يزدْ أَبُو بكر فِيهِ شَيْئا وَزَاد فِيهِ عمر وبناه عل بُنْيَانه فِي عهد رَسُول الله (ص) بِاللَّبنِ والجريد وَأعَاد عمده خشباً ثمَّ غَيره عُثْمَان بن عَفَّان رضي الله عنه فِي خِلَافَته فَزَاد فِيهِ زِيَادَة كَثِيرَة وَبنى جِدَاره بِالْحِجَارَةِ المنقوشة والقصة وَجعل عمده من حِجَارَة منقوشة وسقفه بالساج ثمَّ صَارَت الْخلَافَة إِلَى الْوَلِيد بن عبد الْملك - الَّذِي عمر مَسْجِد دمشق - اسْتعْمل على الْمَدِينَة عمر بن عبد الْعَزِيز رضي الله عنه وَكتب إِلَيْهِ فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ من الْهِجْرَة الشريف يَأْمُرهُ بهدم مَسْجِد رَسُول الله (ص) وَهدم بيُوت أَزوَاج النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم ورضى عَنْهُن وَأَن يدْخل الْبيُوت فِي الْمَسْجِد بِحَيْثُ تصير مساحة الْمَسْجِد مِائَتي ذِرَاع فِي مِائَتي ذِرَاع وَأَن يضع أَثمَان الْبيُوت من بَيت المَال فَأَجَابَهُ أهل الْمَدِينَة إِلَى ذَلِك وَقدم الصناع من عِنْد الْوَلِيد لعمارة الْمَسْجِد وتجرد لذَلِك عمر بن عبد الْعَزِيز وشيد رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَأدْخل فِيهِ مَا حوله من الْمنَازل ثمَّ لما صَارَت الْخلَافَة لبني الْعَبَّاس ووليها الْمهْدي - أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور - وسع الْمَسْجِد الشريف وَزَاد فِيهِ وَحمل إِلَيْهِ الْعمد الرخام وَرفع سقفه وألبس خَارج الْقَبْر الشريف الرخام وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَأمر بتقصير المنابر فِي الْبِلَاد وَجعلهَا بِمِقْدَار مِنْبَر رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد عمر فِي الْمَسْجِد الشريف جمَاعَة من مُلُوك الاسلام من الْخُلَفَاء والسلاطين وجددوا فِيهِ أَشْيَاء من المحاسن وَكَانَ قد احْتَرَقَ الْمَسْجِد الشريف فِي زمن الْملك الظَّاهِر بببرس رحمه الله فاهتم بعمارته وَوضع الدرابزينات حول الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَعمل فِيهِ منبراً وسقفه بِالذَّهَب ثمَّ فِي عصرنا جرى حَادِثَة وَهِي فِي لَيْلَة الثَّالِث عشر من شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وَقعت صَاعِقَة بِاللَّيْلِ فِي الْمَدِينَة الشَّرِيفَة احْتَرَقَ مِنْهَا الْمَسْجِد الشريف النَّبَوِيّ والحجرة الشَّرِيفَة وَجَمِيع مَا بِالْمَسْجِدِ الشريف من الْمَصَاحِف والكتب
وَغير ذَلِك ووردت الْأَخْبَار بذلك إِلَى السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف قايتباى وَكتب لأهل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة محضراً بِمَا وَقع وجهزوه إِلَى الْقَاهِرَة فِي أسْرع وَقت وجزع النَّاس لذَلِك ثمَّ اهتم السُّلْطَان بعمارته وَأقَام فِي ذَلِك أعظم قيام وأنشأه وجدد عِمَارَته فَجَاءَت فِي غَايَة الْحسن وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَأما الْمَسْجِد الشريف فَلهُ أَرْبَعَة أَبْوَاب من جهتي الْمشرق وَالْمغْرب فَمن جِهَة الْمشرق بَاب جِبْرِيل وَبَاب النِّسَاء وَمن جِهَة الْمغرب بَاب السَّلَام وَبَاب الرَّحْمَة وَعَلِيهِ خمس مَنَابِر أَرْبَعَة قديمَة وَالْخَامِسَة مستجدة بمدرسة السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف قايتباي وَقد وقف السُّلْطَان الْمشَار إِلَيْهِ عل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة أوقافاً كَبِيرَة أَكْثَرهَا عقارات بِالْقَاهِرَةِ ورتب قمحاً يحمل إِلَيْهَا فِي كل سنة يصرف لأَهْلهَا والواردين إِلَيْهَا وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة عِنْد انْتِهَاء الْمَسْجِد الشريف وَإِنَّمَا ذكرت هَذِه الْحَوَادِث هُنَا اسْتِطْرَادًا عل وَجه الِاخْتِصَار لتعلقها بِالْمَسْجِدِ الشريف ولنرجع إِلَى ذكر أَخْبَار الْهِجْرَة الشَّرِيفَة فَأَقُول - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق - وَلما أَقَامَ النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة فَفِي السّنة الأولى من هجرته (ص) بنى بعائشة رضي الله عنها فِي شهر ذِي الْقعدَة وَهِي بنت تسع سِنِين وفيهَا كَانَت المؤاخاة بَين الْمُسلمين آخى بَينهم رَسُول الله (ص) فَاتخذ هُوَ عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه أَخا وَصَارَ أَبُو بكر وخارجة بن زيد بن أبي زُهَيْر الْأنْصَارِيّ أَخَوَيْنِ وتواخى أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَسعد بن معَاذ وَعمر بن الْخطاب وعتبان بن مَالك وَطَلْحَة بن عبيد الله وَكَعب بن مَالك وَسَعِيد بن زيد وَأبي بن كَعْب الْأنْصَارِيّ رضي الله عنهم وفيهَا كَانَت غَزْوَة الْأَبْوَاء وَهِي أول غَزَوَاته ثمَّ غَزْوَة بواط ثمَّ غَزْوَة الْعَشِيرَة ثمَّ دخلت السّنة الثَّانِيَة من الهجر الشريف عل صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
وَكَانَ تَحْويل الْقبْلَة من صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس الشريف إِلَيّ الْمَسْجِد الْحَرَام قَالَ الله تَعَالَى (قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء فلنولينك قبْلَة ترضاها فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام وحيثما كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره) وروى اللَّيْث عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ قَالَ لم يبْعَث الله مُنْذُ هَبَط دم إِلَى الأَرْض نَبيا إِلَّا جعل قبلته صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس وَعَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ إِن أول مَا نسخ من الْقُرْآن الْقبْلَة وَذَلِكَ أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه كَانُوا يصلونَ بِمَكَّة إِلَى الْكَعْبَة فَلَمَّا هَاجر إِلَى الْمَدِينَة أَمر الله تَعَالَى نبيه صل الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُصَلِّي نَحْو صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس ليَكُون أقرب إِلَى تَصْدِيق الْيَهُود إِيَّاه إِذا صل إِلَى قبلتهم مَعَ مَا يَجدونَ من نَعته فِي التَّوْرَاة فصلى بعد الْهِجْرَة الشَّرِيفَة سِتَّة عشر أَو سَبْعَة عشر شهرا إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ يحب أَن يُوَجه إِلَى الْكَعْبَة لِأَنَّهَا كَانَت قبْلَة أَبِيه إِبْرَاهِيم " ع " فَأنْزل الله عَلَيْهِ الْآيَة وَأمره باستقبال الكعب وَلما حولت الْقبْلَة كَانَ النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ فِي بني سَلمَة وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ الظّهْر إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَقد صلى بِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ من صَلَاة الظّهْر فتحول فِي الصَّلَاة واستقبل الْمِيزَاب وحول الرِّجَال مَكَان النِّسَاء وَالنِّسَاء مَكَان الرِّجَال فَسمى ذَلِك الْمَسْجِد مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ وَعَن الْبَراء أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس سِتَّة عشر أَو سَبْعَة عشر شهرا وَكَانَ يُعجبهُ أَن تكون قبلته الْبَيْت؟ فَإِنَّهُ صل الله عَلَيْهِ وَسلم أول صَلَاة صلاهَا صَلَاة الْعَصْر وَصلى مَعَه قوم فَخرج رجل مِمَّن صلوا مَعَه فَمر على أهل مَسْجِد وهم رَاكِعُونَ فَقَالَ أشهد بِاللَّه لقد صليت مَعَ النَّبِي (ص) قبل مَكَّة فَدَارُوا كلهم وُجُوههم قبل الْبَيْت وَكَانَت الْيَهُود قد أيعجبهم إِذْ كَانَ يُصَلِّي قبل بَيت الْمُقَدّس وَلما ولى وَجهه قبل الْبَيْت أَنْكَرُوا ذَلِك؟
وَقَالَ الْبَراء فِي حَدِيثه هَذَا إِنَّه مَاتَ عل الْقبْلَة قبل أَن تحول رجال وَقتلُوا فَلم ندر مَا تَقول فيهم فَأنْزل الله عز وجل (وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ إِن الله بِالنَّاسِ لرؤف رَحِيم) وَكَانَ تَحْويل الْقبل فِي يَوْم الثُّلَاثَاء منتصف شهر شعْبَان وَقيل فِي رَجَب بعد زَوَال الشَّمْس قبل قتال بدر بشهرين من السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة عل صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وفيهَا - أَعنِي فِي السّنة الثَّانِيَة - فِي شعْبَان فرض صَوْم شهر رَمَضَان وَأمر النَّاس بِإِخْرَاج زَكَاة الْفطر قبل الْفطر بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ فصَام صل الله عَلَيْهِ وَسلم تسع رمضانات إِجْمَاعًا وفيهَا رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الْأنْصَارِيّ صُورَة الْأَذَان فِي النّوم وَورد بِهِ الْوَحْي وفيهَا تزوج عَليّ رضي الله عنه بفاطمة بنت الرَّسُول صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ إِن الله سُبْحَانَهُ وتعال عقد عقد فَاطِمَة لعَلي فِي السَّمَاء فَنزل الْوَحْي بذلك فَجمع الصَّحَابَة لذَلِك وَأرْسل وَرَاء عَليّ بن أبي طَالب وَأخْبرهُ بالْخبر فعقد النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم عقد عَليّ عل فَاطِمَة فَقيل لعَلي أَو لم يَا عَليّ فَنزل بدرعه يَبِيعهُ فَعرفهُ عبد الرَّحْمَن فَاشْتَرَاهُ بِأَلف دِرْهَم وَدفعهَا لعَلي ثمَّ أوهبه الدرْع وفيهَا كَانَت غَزْوَة بدر الْكُبْرَى الَّتِي اظهر الله بهَا الدّين وسببها قتل عَمْرو ابْن الحضري وإقبال أبي سُفْيَان بن حَرْب فِي عير لقريش عَظِيمَة من الشَّام وفيهَا أَمْوَال كَثِيرَة فَانْتدبَ الْمُسلمُونَ بِأَمْر النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَخَرجُوا إِلَيْهِم فَبلغ أَبَا سُفْيَان ذَلِك فَبعث إِلَى مَكَّة وَأعلم قُريْشًا بذلك فَخرج الْمُشْركُونَ من مَكَّة وَكَانَ عدتهمْ تِسْعمائَة وَخمسين رجلا فيهم مائَة فرس وَخرج رَسُول الله (ص) من الْمَدِينَة وَمَعَهُ ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر رجلا لم يكن فيهم إِلَّا فارسان وَكَانَت الْإِبِل سبعين يتعاقبون عَلَيْهَا وَنزل فِي بدر وَبني لَهُ عَرِيش وَجلسَ فِيهِ وَمَعَهُ أَبُو بكر
أَقبلت قُرَيْش لما رَآهُمْ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اللَّهُمَّ هَذِه قُرَيْش قد أَقبلت بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرهَا تكذب رَسُولك اللَّهُمَّ فَنَصرك الَّذِي وَعَدتنِي بِهِ وَلم يزل كَذَلِك والتقى الصفان وتزاحف الْقَوْم وَرَسُول الله (ص) مَعَه أَبُو بكر فِي الْعَريش وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُول اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لَا تعبد فِي الأَرْض اللَّهُمَّ أنْجز لي مَا وَعَدتنِي بِهِ وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ فَوَضعه أَبُو بكر عَلَيْهِ وخفق رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ انتبه فَقَالَ أبشر يَا أَبَا بكر فقد أَتَى نصر الله ثمَّ خرج رَسُول الله (ص) من الْعَريش يحرض الْمُسلمين عل الْقِتَال وَأخذ حفْنَة من الْحَصَا وَرمى بهَا قُريْشًا وَقَالَ شَاهَت الْوُجُوه وَقَالَ لأَصْحَابه شدوا عَلَيْهِم فَكَانَت الْهَزِيمَة عل الْمُشْركين وَكَانَت الْوَقْعَة صَبِيحَة الْجُمُعَة لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان وَحمل عبد الله بن مَسْعُود رَأس أبي جهل بن هِشَام إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَسجدَ شكرا لله تَعَالَى وَنصر الله نبيه بِالْمَلَائِكَةِ قَالَ تَعَالَى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم فَاسْتَجَاب لكم أَنِّي ممدد بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى ولتطمئن بِهِ قُلُوبكُمْ وَمَا النَّصْر إِلَّا من عبد الله إِن الله عَزِيز حَكِيم) وَكَانَ عدَّة قتل بدر من الْمُشْركين سبعين رجلا والأسرى كَذَلِك وَكَانَ من جملَة الأسرى الْعَبَّاس عَم رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَلما انْقَضى الْقِتَال أَمر النَّبِي (ص) بسحب الْقَتْلَى إِلَى القليب وَكَانُوا أَرْبَعَة وَعشْرين رجلا من صَنَادِيد قُرَيْش فقذفوا فِيهِ وَجَمِيع من اسْتشْهد من الْمُسلمين أَرْبَعَة عشر رجلا وَعَاد النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَت غيبته تِسْعَة عشر يَوْمًا وَمَاتَتْ ابْنَته رقية - زَوْجَة عُثْمَان - فِي غيبته وَكَانَ عُثْمَان تخلف فِي الْمَدِينَة بأَمْره صل الله عَلَيْهِ وَسلم لسببها
وفيهَا هلك أَبُو لَهب ثمَّ كَانَت غَزْوَة بني قينقاع - من الْيَهُود - وَأمر بإجلائهم ثمَّ كَانَت غَزْوَة السويق ثمَّ كَانَت غَزْوَة وقرقرة الكدر وقرقرة الكدر مَاء مِمَّا يَلِي جادة الْعرَاق إِلَى مَكَّة وَقتل كَعْب بن الْأَشْرَف الْيَهُودِيّ بِأَمْر النَّبِي (ص) ثمَّ دخلت السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وفيهَا كَانَت غَزْوَة بني النَّضِير - من الْيَهُود - وَكَانَت عل رَأس سِتَّة أشهر من بدر فأجلاهم النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَحرق نخيلهم وفيهَا كَانَت غَزْوَة أحد وسببها وقْعَة بدر فَاجْتمع الْمُشْركُونَ وَكَانُوا ثَلَاثَة آلَاف فيهم سَبْعمِائة دارع وَمِائَتَا فَارس وَقَائِدهمْ أَبُو سُفْيَان وَسَارُوا من مَكَّة حَتَّى نزلُوا ذَا الحليفة مُقَابل الْمَدِينَة يَوْم الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع مضين من شَوَّال وَخرج النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ألف من الصَّحَابَة إِلَى صَار بَين الْمَدِينَة وَأحد وَنزل الشّعب من أحد ثمَّ كَانَت الْوَقْعَة يَوْم السبت لسبع مضين من شَوَّال وعدة أَصْحَاب رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم سَبْعمِائة وَفِيهِمْ مائَة دارع وَلم يكن مَعَهم من الْخَيل سو فرسين والتقى النَّاس ودنا بَعضهم من بعض وَقَامَت هِنْد بنت عتبَة فِي النسْوَة اللَّاتِي مَعهَا وضربن بِالدُّفُوفِ خلف الرِّجَال يحرضن الْمُشْركين على الْقِتَال وَحرب الْمُسلمين وَقَاتل مُصعب حَامِل لِوَاء رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد ظن قَاتله إِنَّه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لقريش إِنِّي قتلت مُحَمَّدًا وَلما قتل مُصعب أعْط النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم الرَّايَة لعَلي بن أبي طَالب رضي الله عنه وَانْهَزَمَ الْمُشْركُونَ فطمعت الرُّمَاة بِالْغَنِيمَةِ وفارقوا الْمَكَان الَّذِي أَمرهم النَّبِي (ص) بملازمته وَوَقع الصُّرَاخ أَن مُحَمَّدًا قتل وانكشف الْمُسلمُونَ وَأصَاب مِنْهُم الْعَدو
وَكَانَ يَوْم بلَاء عل الْمُسلمين وَكَانَ عدَّة الشُّهَدَاء مِنْهُم سبعين رجلا وعدة قتل الْمُشْركين اثْنَتَيْنِ وَعشْرين رجلا وَوصل الْعَدو إِلَى رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وأصابه حجارتهم حَتَّى وَقع وَأُصِيبَتْ رباعيته وشج وَجهه وَجعل الدَّم يسيل عل وَجهه وَهُوَ يَقُول كَيفَ يفلح قوم خضبوا وَجه نَبِيّهم وَهُوَ يَدْعُو إِلَى رَبهم فَنزل فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى (لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ) وَدخلت حلقتان من الْمَغْفِرَة فِي وَجهه الشريف من الشَّجَّة وَنزع أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح أحد الحلقتين من وَجهه فَسَقَطت ثنيته الْوَاحِدَة ثمَّ نزع الْأُخَر فَسَقَطت ثنيته الْأُخَر ومثلت هِنْد وصواحبها بِالْقَتْلِ من الصَّحَابَة فجد عَن الآذان والأنوف وبقرت هِنْد عَن كبد حَمْزَة ولاكتها وَصعد زَوجهَا أَبُو سُفْيَان الْجَبَل وصرخ بأعل صَوته الْحَرْب سِجَال يَوْم بِيَوْم بدر أعل هُبل - أَي اظهر دينك - فَأَجَابَهُ الْمُسلمُونَ الله أَعلَى وَأجل وناد إِن مَوْعدكُمْ بدر الْعَام الْقَابِل فَقَالَ النَّبِي (ص) لوَاحِد قل هُوَ بَيْننَا وَبَيْنكُم ثمَّ التمس رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم عَمه حَمْزَة فَوَجَدَهُ وَقد بقر بَطْنه وجدع أَنفه وأذناه فَقَالَ لَئِن أظهرني الله عز وجل عل قُرَيْش لأمثلهن بِثَلَاثِينَ مِنْهُم وجاءه جِبْرِيل فَأخْبرهُ إِن حَمْزَة مَكْتُوب من أهل السَّمَاوَات السَّبع حَمْزَة بن عبد الْمطلب أَسد الله وَأسد رَسُوله ثمَّ أَمر النَّبِي (ص) بِهِ فسجي بِبُرْدَةٍ ثمَّ صلى عَلَيْهِ وَكبر سبع تَكْبِيرَات ثمَّ أَتَى بالقتلى يوضعون إِلَى حَمْزَة فصل عَلَيْهِم وَعَلِيهِ اثْنَتَيْنِ وَسبعين صَلَاة وَهَذَا دَلِيل لأبي حنيفَة فَإِنَّهُ يرى الصَّلَاة عل الشَّهِيد خلافًا للشَّافِعِيّ وَأحمد رَحِمهم الله تَعَالَى ثمَّ أَمر بِحَمْزَة فَدفن وَاحْتمل أنَاس من الْمُسلمين إِلَى الْمَدِينَة فدفنوا بهَا ثمَّ نَهَاهُم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَقَالَ ادفنوهم حَيْثُ صرعوا
وَأُصِيبَتْ عين قَتَادَة فَردهَا رَسُول الله (ص) بِيَدِهِ وَكَانَت أحسن عَيْنَيْهِ وَاسْتشْهدَ أنس بن النَّضر عَم أنس بن مَالك وَقد بلَى بلَاء حسنا وَفِيه نزلت (من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ) الْآيَة وفيهَا تزوج النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم حَفْصَة بنت أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه وَبنى بهَا وَكَانَت تَحت خُنَيْس بن حذافة السَّهْمِي ثمَّ دخلت السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وفيهَا كَانَت غَزْوَة بدر الثَّانِيَة وَهِي فِي شعْبَان وفيهَا خرج النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى بدر لميعاد أبي سُفْيَان وَخرج أَبُو سُفْيَان فِي أهل مَكَّة ثمَّ رَجَعَ وَرجعت قُرَيْش مَعَه وَانْصَرف رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ دخلت السّنة الْخَامِسَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وفيهَا كَانَت غَزْوَة الخَنْدَق وَهِي غَزْوَة الْأَحْزَاب وَكَانَت فِي شَوَّال وسببها أَن نَفرا من الْيَهُود حزبوا الْأَحْزَاب عل رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَقدمُوا على قُرَيْش بِمَكَّة يَدعُونَهُمْ إِلَى حربه فَلَمَّا بلغ النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك أَمر بِحَفر الخَنْدَق حول الْمَدِينَة وَعمل فِيهِ بِنَفسِهِ وَفرغ من الخَنْدَق وَأَقْبَلت قُرَيْش وَمن تبعها من بني قُرَيْظَة وَاشْتَدَّ الْبلَاء حَتَّى ظن الْمُؤْمِنُونَ كل الظَّن وَأقَام رَسُول الله (ص) وَالْمُشْرِكُونَ بضعاً وَعشْرين لَيْلَة لم يكن بَين الْقَوْم حَرْب إِلَّا الرَّمْي ثمَّ نصر الله نبيه (ص) عل الْمُشْركين وخذلهم وَاخْتلفت كلمتهم وَأهب الله ريح الصِّبَا كَمَا قَالَ تعال (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ جَاءَكُم جنود فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنوداً لم تَرَوْهَا) فَجعلت الرّيح تقلب أبنيتهم وتكفأ قدورهم وانقلبوا خاسرين فَبلغ ذَلِك رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ الْآن نغزوهم وَلَا يغزونا وكتان كَذَلِك حَتَّى فتح مَكَّة وفيهَا - أَي فِي ذِي الْقعدَة - كَانَت غَزْوَة بني قُرَيْظَة عقب عود النَّبِي (ص)
إِلَى الْمَدِينَة من غَزْوَة الخَنْدَق بِوَحْي من الله تعال نزل عل نبيه مُحَمَّد (ص) فَسَار إِلَيْهِم وحاصرهم خمْسا وَعشْرين لَيْلَة وَقذف فِي قُلُوبهم الرعب ونزلوا على حكم رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم فَرد الحكم فيهم إِلَى سعد بن معَاذ فَحكم بقتل الْمُقَاتلَة وَسبي الذُّرِّيَّة وَالنِّسَاء وَقسم الْأَمْوَال ثمَّ رَجَعَ النَّبِي (ص) إِلَى الْمَدِينَة وَضرب أَعْنَاقهم وَكَانُوا سِتّمائَة أَو تِسْعمائَة وَقيل مَا بَين الثَّمَانمِائَة والسبعمائة ثمَّ قسم الْأَمْوَال والسبايا وَاصْطفى لنَفسِهِ رَيْحَانَة بنت شَمْعُون فَكَانَت فِي ملكه حَتَّى مَاتَ وَلم يستشهد فِي هَذِه الْغَزْوَة سو خَلاد بن زيد بن ثَعْلَبَة أَلْقَت عَلَيْهِ امْرَأَة من بني قُرَيْظَة رَحا شدخت رَأسه فَقَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ اجْرِ شهيدين وقتلها بِهِ ثمَّ دخلت السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وفيهَا فِي شعْبَان كَانَت غَزْوَة بني المصطاق وَهِي غَزْوَة الْمُريْسِيع وَكَانَ فِي جملَة السي جوَيْرِية بنت الْحَارِث كَانَ اسْمهَا برة فسماها رَسُول الله (ص) جوَيْرِية وَكَانَت إِحْدَى أَزوَاجه وفيهَا كَانَت قصَّة الافك فرميت السيدة أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رضي الله عنها بالافك مَعَ صَفْوَان بن الْمُعَطل وَكَانَ صَفْوَان حصوراً لَا يَأْتِي النِّسَاء والقصة مَشْهُورَة فِي الحَدِيث الشريف وفيهَا نزلت ي التَّيَمُّم وفيهَا كَانَت غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وَهِي إِن رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم خرج من الْمَدِينَة فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ مُعْتَمِرًا يُرِيد حَربًا وسَاق الْهَدْي وَأحرم بِالْعُمْرَةِ وَسَار حَتَّى وصل إِلَى ثنية الزمار مهبط الْحُدَيْبِيَة أَسْفَل مَكَّة وَالْحُدَيْبِيَة بِئْر وَوَقع من معجزاته نبع المَاء فِي ذَلِك الْمَكَان وتأهبت قُرَيْش لِلْقِتَالِ وبعثوا رسولهم إِلَى النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم فَبعث رَسُول الله (ص) عُثْمَان بن عَفَّان إِلَيْهِم يعلمهُمْ إِنَّه لم يَأْتِ لحب وَإِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا
ومعظماً لهذاالبيت فَلَمَّا وصل غلأيهم امسكوه وحبسوه وَبلغ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَتله فَدَعَا النَّاس إِلَى الْبيعَة فَكَانَت بيعَة الرضْوَان تَحت الشَّجَرَة فَبَايع النَّاس على الْمَوْت ثمَّ أَتَاهُ الْخَبَر إِن عُثْمَان لم يقتل ثمَّ وَقع الصُّلْح بَين رَسُول الله (ص) وَبَين قُرَيْش فَإِنَّهُم بعثوا سُهَيْل بن عَمْرو فِي الصُّلْح فَأجَاب النَّبِي (ص) ثمَّ دَعَا عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ اكْتُبْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اكْتُبْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ ثمَّ قَالَ اكْتُبْ هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله فَقَالَ سُهَيْل لَو شهِدت إِنَّك رَسُول الله لم أقاتلك وَلَكِن اكْتُبْ اسْمك وَاسم أَبِيك فَقَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم اكْتُبْ - هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله سُهَيْل بن عَمْرو على وضع الْحَرْب عَن النَّاس عشر سِنِين وَإنَّهُ من أحب أَن يدْخل فِي عقد مُحَمَّد وَعَهده دخل فِيهِ وَمن أحب أَن يدْخل فِي عقد قُرَيْش وَعَهْدهمْ دخل فِيهِ وَأشْهدُوا فِي ذَلِك الْكتاب عل الصُّلْح رجَالًا من الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين وَلما فرغ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من ذَلِك نحر هَدِيَّة وَحلق رَأسه وَفعل النَّاس كَذَلِك ثمَّ عَاد إِلَى الْمَدِينَة حَتَّى إِذا كَانَ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة نزلت سُورَة الْفَتْح (أَنا فتحنا لَك فتحا مُبينًا ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر وَيتم نعْمَته عَلَيْك ويهديك صراطاً مُسْتَقِيمًا) وَدخل فِي الْإِسْلَام فِي هَذِه السّنة مثل مَا دخل فِيهِ قبل ذَلِك وَأكْثر والقصة مبسوطة مَشْهُورَة وَلَكِن المُرَاد هُنَا الِاخْتِصَار ثمَّ دخلت السّنة السَّابِعَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وفيهَا كَانَت غَزْوَة ذِي قرد وَذُو قرد مَوضِع على ميلين من الْمَدِينَة على طَرِيق خَيْبَر وَهِي الْغَزْو الَّتِي أَغَارُوا فِيهَا على لقاح النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم قبل خَبِير بِثَلَاث وفيهَا كَانَت غَزْوَة خَيْبَر فِي منتصف الْمحرم سَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
إِلَى خَبِير وَهِي عل ثَمَان برد من الْمَدِينَة فَأَشْرَف عَلَيْهَا وَقَالَ لأَصْحَابه قفوا ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ رب السَّمَاوَات وَمَا أضللن وَرب الرِّيَاح وَمَا ذرين فسألك خير هَذِه الْقرْيَة وَخير أَهلهَا ونعوذ بك من شَرها وَمن شَرّ أَهلهَا وَشر مَا فِيهَا أقدموا بِسم الله وَنزل عل خَيْبَر لَيْلًا وَلم يعلم أَهلهَا فَلَمَّا أَصْبحُوا خَرجُوا إِلَى أَعْمَالهم فَلَمَّا رَأَوْهُ عَادوا وَقَالُوا مُحَمَّد وَالْخَمِيس - يعنون الْجَيْش - فَقَالَ النَّبِي (ص) الله أكبر خربَتْ خَيْبَر أَنا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين ثمَّ حَاصَرَهُمْ وضيق عَلَيْهِم وَأخذ أَمْوَال وَفتح الْحُصُون وَأصَاب سَبَايَا مِنْهُنَّ صفي بنت حس فاصطفاها رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم لنَفسِهِ وَتَزَوجهَا وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا وَهَذَا مَذْهَب الإِمَام أَحْمد رَضِي الله عته وَهُوَ من مُفْرَدَات مذْهبه وَكَانَ عَليّ بن أَبى طَالب رضي الله عنه قد تخلف بِالْمَدِينَةِ لرمد لحقه فَلَمَّا أَصْبحُوا جَاءَ عَليّ فتفل النَّبِي صل الله عَلَيْهِ فِي عَيْنَيْهِ فَمَا اشْتَكَى رمداً بعْدهَا ثمَّ أعطَاهُ الرَّايَة فَنَهَضَ بهَا وأتى خَيْبَر فَأَشْرَف عَلَيْهِ رجل من يهود خَيْبَر وَقَالَ من أَنْت؟ قَالَ أَنا عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ الْيَهُودِيّ غلبتم يَا معشر الْيَهُود فَخرج مرحب من الْحصن وَعَلِيهِ مغفر يماني وعل رَأسه بَيْضَة عادي وَهُوَ يَقُول
(قد علمت خَيْبَر إِنِّي مرحب
…
شاكي السِّلَاح بَطل مجرب)
(اطعن أَحْيَانًا وحيناً أضْرب
…
إِذا الليوث أَقبلت تلتهب) فَخرج إِلَيْهِ عَليّ رضي الله عنه وَهُوَ يَقُول
(أَنا الَّذِي سمتني أُمِّي حيدره
…
أكبلكم بِالسَّيْفِ كبل السندرة
…
لَيْث بغايات شَدِيد قسوره) وَاخْتلف بَينهمَا ضربتان فسبقه عَليّ رضي الله عنه فقد الْبَيْضَة والمغفر وَرَأسه فَسقط عَدو الله مَيتا وَكَانَ فتح خَيْبَر فِي صفر على يَد عَليّ رَضِي الله عَنهُ
ثمَّ انْصَرف رَسُول الله (ص) إِلَى وَادي الْقرى فحاصره ليل وفتحه عنْوَة ثمَّ سَار إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ قد كتب إِلَى النَّجَاشِيّ يطْلب مِنْهُ بَقِيَّة الْمُهَاجِرين ويخطب أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان فَزَوجهَا للنَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم ابْن عَمها خَالِد بن سعيد وَأصْدقهَا النَّجَاشِيّ عَن النَّبِي (ص) أَرْبَعمِائَة دِينَار وَفِي غَزْوَة خَيْبَر اهديت للنَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم الشَّاة المسمومة فَأخذ مِنْهَا قِطْعَة ولاكها ثمَّ لَفظهَا وَقَالَ تُخبرنِي هَذِه الشَّاة إِنَّهَا مَسْمُومَة ثمَّ بعد غَزْوَة خَيْبَر كَانَت غَزْوَة ذَات الرّقاع فتفارق النَّاس وَلم يكن بَينهم حَرْب قَالَ أَبُو مُوسَى سميت غَزْوَة ذَات الرّقاع لما كُنَّا نعصب عل أَرْجُلنَا من الْخرق وَفِي هَذِه السّنة أرسل النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى مُلُوك الأَرْض وَأرْسل إِلَى كسْرَى فمزق كتاب النَّبِي (ص) فَلَمَّا بلغه ذَلِك قَالَ مزق الله ملكه فَسلط الله عَلَيْهِ ابْنه برويز فَقتله وَأرْسل إِلَى قَيْصر - وَهُوَ هِرقل - وَكَانَ إِذْ ذَاك بِبَيْت الْمُقَدّس فَإِنَّهُ مَشى مِمَّن حمص إِلَى ايليا شكرا لما كشف الله عَنهُ جنود فَارس وَكَانَ على الصَّخْرَة الشَّرِيفَة مزبلة قد حاذت محراب دَاوُد مِمَّا ألقته النَّصَارَى عَلَيْهَا مضارة للْيَهُود حَتَّى كَانَت الْمَرْأَة تبْعَث بخرق حَيْضهَا من رُومِية فَتلقى عَلَيْهَا فَلَمَّا قَرَأَ قَيْصر كتاب رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِنَّكُم يَا معشر الرّوم لحقيق أَن تقتلُوا على هَذِه المزبلة بِمَا انتهكتم من حُرْمَة هَذَا الْمَسْجِد كَمَا قتلت بَنو إِسْرَائِيل عل دم يحيى بن زَكَرِيَّا عليهما السلام فَأمر بكشفها فَأخذُوا فِي ذَلِك فَقدم الْمُسلمُونَ الشَّام وَلم يكشفوا مِنْهَا إِلَّا ثلثهَا فَلَمَّا قدم عمر بن الْخطاب رضي الله عنه إِلَى بَيت الْمُقَدّس وفتحه وَرَأى مَا عَلَيْهَا من المزبلة أعظم ذَلِك فَأمر بكشفها وسخر لَهَا أَنْبَاط فلسطين وَأكْرم هِرقل قَاصد رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ دحْيَة الْكَلْبِيّ
وَوضع كتاب النَّبِي (ص) على فَخذه وَقصد أَن يسلم فَمَنعه بطارقته فخاف عل نَفسه وَاعْتذر ورد دحْيَة ردا جميلاً وَأرْسل إِلَى الْمُقَوْقس - صَاحب مصر - فَأكْرم القاصد وَقبل كتاب النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم وأهد إِلَيْهِ أَربع جواري إِحْدَاهُنَّ مَارِيَة أم وَلَده إِبْرَاهِيم وَأهْدى إِلَيْهِ بغلته دُلْدُل وَحِمَاره يَعْفُور وَكِسْوَة وارسل إِلَى النَّجَاشِيّ بِالْحَبَشَةِ فَقبل كتاب النَّبِي (ص) وَمن بِهِ وَاتبعهُ وَأسلم وَأرْسل إِلَى الْحَارِث الغساني بِدِمَشْق فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب قَالَ هَا أَنا سَائِر إِلَيْهِ فَلَمَّا بلغ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ باد ملكه وَأرْسل إِلَى هَوْذَة ملك اليمام وَكَانَ نَصْرَانِيّا فَقَالَ إِن جعل الْأَمر لي من بعده سرت إِلَيْهِ وَأسْلمت ونصرته وَإِلَّا قصدت حربه فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لَا ول كَرَامَة اللَّهُمَّ اكفنيه فَمَاتَ بعد قَلِيل وَأرْسل إِلَى الْمُنْذر ملك الْبَحْرين فأٍ لم وَأسلم جَمِيع الْعَرَب بِالْبَحْرَيْنِ (عمْرَة الْقَضَاء) ثمَّ خرج رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذِي الْقعدَة سِتَّة سبع مُعْتَمِرًا عمْرَة الْقَضَاء وسَاق مَعَه سبعين بَدَنَة فَأبى أهل مَكَّة أَن يَدعُوهُ يدْخل مَكَّة حَتَّى قاضاهم عل أَن يُقيم بهَا ثَلَاثَة أَيَّام فَلَمَّا كتبُوا الْكتاب كتبُوا هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم قَالُوا لَا نقر بِهَذَا لَو نعلم إِنَّك رَسُول الله مَا منعناك شَيْئا وَلَكِن أَنْت مُحَمَّد بن عبد الله فَقَالَ أَنا رَسُول الله وَأَنا مُحَمَّد ابْن عبد الله ثمَّ قَالَ لعَلي امح رَسُول الله فَقَالَ عَليّ وَالله لَا أمحوك أبدا فَأخذ رَسُول الله (ص) الْكتاب - وَلَيْسَ يحسن أَن يكْتب - فَكتب هَذَا مَا قاضى مُحَمَّد بن عبد الله لَا يدْخل مَكَّة السِّلَاح إِلَّا السَّيْف فِي القراب وَإنَّهُ لَا يخرج
أَهلهَا بِأحد إِن أَرَادَ أَن يتبعهُ وَأَن لَا يمْنَع من أَصْحَابه أحدا إِن أَرَادَ ن يُقيم بهَا فَلَمَّا دخل الْمَسْجِد اضطبع بردائه وَرمل فِي أَرْبَعَة أَشْوَاط من الطّواف ثمَّ خرج إِلَى الصَّفَا والمروة فسع بَينهمَا وَتزَوج فِي سَفَره هَذَا مَيْمُونَة بنت الْحَارِث - وَهُوَ محرم - وَهَذَا من خَصَائِصه صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَهِي أخر امْرَأَة تزَوجهَا وَأقَام بِمَكَّة ثَلَاثًا فَأرْسل الْمُشْركُونَ إِلَيْهِ مَعَ عَليّ بن أبي طَالب ليخرج عَنْهُم فَخرج بميمونة وَانْصَرف إِلَى الْمَدِينَة صل الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ دخلت السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة فِيهَا أسلم عَمْرو بن الْعَاصِ وخَالِد بن الْوَلِيد رضي الله عنهما وَفِيه كَانَت غَزْوَة مُؤْتَة وَهِي أول الْغَزَوَات بَين الْمُسلمين وَالروم ومؤتة من أَرض الشَّام وَهِي قبل الكرك وفيهَا اتخذ لرَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم الْمِنْبَر وَكَانَ يخْطب إِلَى جذع نَخْلَة فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة خطب عل الْمِنْبَر فَأن الْجذع الَّذِي كَانَ يقوم عَلَيْهِ أَنِين الصَّبِي فَقَالَ رَسُول الله (ص) إِن هَذَا بك لما فَقده من الذّكر فَنزل يمسحه بِيَدِهِ حَتَّى سكن فَلَمَّا هدم الْمَسْجِد وَتغَير أَخذ ذَلِك الْجذع أبي بن كَعْب فَكَانَ عِنْده فِي دَاره حَتَّى بلَى (نقض الصُّلْح وَفتح مَكَّة) وسمى ذَلِك أَن نَبِي بكر بن عبد منَاف عدت على خزانَة وهم عل مَاء لَهُم بِأَسْفَل مَكَّة يُقَال لَهُ الوثير وَكَانَت خُزَاعَة فِي عهد رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَنُو بكر فِي عهد قُرَيْش فِي صلح الْحُدَيْبِيَة وَكَانَت بَينهم حروب فِي الْجَاهِلِيَّة فكلمت بَنو بكر أَشْرَاف قُرَيْش أَن يعينوهم على خُزَاعَة بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاح فوعدوهم ووافوهم متنكرين فبيتوا خُزَاعَة لَيْلًا فَقتلُوا مِنْهُم عشْرين ثمَّ نَدِمت قُرَيْش عل مَا فعلوا وَعَلمُوا أَن هَذَا نقض للْعهد الَّذِي بَينهم وَبَين رَسُول الله (ص)
وَخرج عَمْرو بن سَالم الْخُزَاعِيّ فِي طَائِفَة من قومه فقدموا على رَسُول الله (ص) مستغيثين بِهِ فَوقف عَمْرو عَلَيْهِ وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد وأنشده أبياتاً يسْأَله أَن ينصره فَقَالَ رَسُول الله (ص) نصرت يَا عَمْرو بن سَالم ثمَّ قدم بديل بن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ فِي نفر من خُزَاعَة على النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ كأنكم بِأبي سُفْيَان قد جَاءَ يشد العقد وَيزِيد فِي الْمدَّة فَكَانَ كَذَلِك ثمَّ قدم أَبُو سُفْيَان الْمَدِينَة فَدخل عل ابْنَته أم حَبِيبَة أَو الْمُؤمنِينَ زوج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا ذهب ليجلس عل فرَاش رَسُول الله (ص) طوته عَنهُ فَقَالَ مَا أَدْرِي أرغبت لي عَن هَذَا الْفراش أم رغبت بِهِ عني؟ قَالَت بل هُوَ فرَاش رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَنت رجل مُشْرك نجس قَالَ وَالله لقد أَصَابَك بعدى يَا بني شَرّ ثمَّ خرج وأتى النَّبِي (ص) فَكَلمهُ فَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا فَذهب إِلَى أبي بكر ثمَّ إِلَى عمر ثمَّ إِلَى عَليّ رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ على أَن يكلموا النَّبِي (ص) فِي فمره وَتشفع بهم فَلم يَفْعَلُوا لعَلي يَا أَبَا الْحسن إِنِّي أر الْأُمُور قد اشتدت عَليّ فانصحني فَقَالَ وَالله لَا أعلم شَيْئا يُغني عَنْك وَلَكِنَّك سيد بني كنَانَة فَقُمْ فأجر بَين النَّاس وَالْحق بأرضك قَالَ أَو تَرَ ذَلِك يُغني عني شَيْئا؟ قَالَ لَا وَالله مَا أَظُنهُ وَلَكِن لَا أجد لَك غير ذَلِك فَقَامَ أَبُو سُفْيَان فِي الْمَسْجِد فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي قد أجرت بَين النَّاس ثمَّ ركب بعيره وَانْطَلق فَلَمَّا قدم عل قُرَيْش قَالُوا لَهُ مَا وَرَاءَك؟ فَقص شَأْنه وَإنَّهُ قد أَجَارَ بَين النَّاس قَالُوا فَهَل أجَاز مُحَمَّد ذَلِك؟ قَالَ لَا قَالُوا وَالله إِن زَاد الرجل عل أَن لعب بك ثمَّ أَمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِالْجِهَادِ وَأمر أَهله أَن يجهزوه ثمَّ علم النَّاس بِأَنَّهُ يُرِيد مَكَّة وَقَالَ اللَّهُمَّ خُذ الْعُيُون وَالْأَخْبَار عَن قُرَيْش حَتَّى نبغتهم
فِي بِلَادهمْ ثمَّ مض رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم لسفره واستخلف عل الْمَدِينَة كُلْثُوم بن الْحصين الْغِفَارِيّ وَخرج رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم لعشر مضين من رَمَضَان وَمَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار وَطَوَائِف من الْعَرَب فَكَانَ جَيْشه عشرَة آلَاف فصَام وَصَامَ النَّاس مَعَه حَتَّى إِذا كَانَ بالكايد - وَهُوَ المَاء الَّذِي بَين قديد وَعُسْفَان - أفطر وَبلغ ذَلِك قُريْشًا فَخرج أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَحَكِيم بن حزَام وَبُدَيْل بن وَرْقَاء يتجسسون الْأَخْبَار وَكَانَ الْعَبَّاس رضي الله عنه أسلم قَدِيما وَكَانَ يكتم اسلامه فَخرج أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَحَكِيم بن حزَام وَبُدَيْل بن وَرْقَاء يتجسسون الْأَخْبَار وَكَانَ الْعَبَّاس رضي الله عنه أسلم قَدِيما وَكَانَ يكتم إِسْلَامه فَخرج بعياله مُهَاجرا فلق رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْجُحْفَةِ وَقيل بِذِي الحليفة ثمَّ حضر أَبُو سُفْيَان بن حَرْب على يَد الْعَبَّاس إِلَيّ النَّبِي (ص) بعد أَن استأمن لَهُ فَأسلم وَأسلم مَعَه حَكِيم بن حزَام وَبُدَيْل بن زرقاء وَمِمَّنْ أسلم يَوْمئِذٍ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَأَخُوهُ يزِيد وَأمه هِنْد بنت عتبَة وَكَانَ مُعَاوِيَة يَقُول إِنَّه اسْلَمْ يَوْم الْحُدَيْبِيَة فكتم إِسْلَامه عَن أَبِيه وَأمه وَقَالَ الْعَبَّاس يَا رَسُول الله إِن أَبَا الْعَبَّاس يحب الْفَخر فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئا يكون فِي قومه فَقَالَ من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن وَمن دخل الْمَسْجِد فَهُوَ من وَمن أغلق عَلَيْهِ بَابه فَهُوَ من وَمن دخل دَار حَكِيم بن حزَام فَهُوَ آمن وَكَانَ فِيمَن خرج ولقى رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم بِبَعْض الطّرق أَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث وَعبد الله بن أُميَّة بن الْمُغيرَة بالابواء فاعرض عَنْهُمَا فجَاء إِلَيْهِ أَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَعبد الله فَقبلا وَجهه فَقَالَ رَسُول الله (ص)(لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ) وَقبل مِنْهُمَا إسلامهما فأنشده أَبُو سُفْيَان معتذراً إِلَيْهِ أبياتاً فَضرب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صَدره وَقَالَ أَنْت طردتني كل طرد وَكَانَ أَبُو سُفْيَان بعد ذَلِك مِمَّن حسن إِسْلَامه وَيُقَال إِنَّه مَا رفع رَأسه
إِلَى رَسُول الله (ص) مُنْذُ أسلم حَيَاء مِنْهُ وَكَانَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم يُحِبهُ وَيشْهد لَهُ بالجن وَيَقُول أَرْجُو أَن يكون خلفا من حَمْزَة ثمَّ أَمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن تركز راية سعد بن عباد بالحجون لما بلغه إِنَّه قَالَ الْيَوْم يَوْم الملحمة الْيَوْم تستحل الْكَعْبَة فَقَالَ كذب سعد وَلَكِن هَذَا يَوْم يعظم الله فِيهِ الْكَعْبَة وَيَوْم تكسي فِيهِ الْكَعْبَة وَأمر خَالِد بن الْوَلِيد أَن يدْخل من أعلا مَكَّة من كداء فِي بعض النَّاس وكل هَؤُلَاءِ الْجنُود لم يقاتلوا لِأَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم نهى عَن الْقِتَال إِلَّا أَن خَالِد بن الْوَلِيد لقِيه جمَاعَة من قُرَيْش فَرَمَوْهُ بِالنَّبلِ ومنعوه من الدُّخُول فَقَاتلهُمْ خَالِد فَقتل من الْمُشْركين ثَمَانِيَة وَعشْرين رجلا فَلَمَّا ظهر النَّبِي (ص) عل ذَلِك قَالَ ألم أنهكم عَن الْقِتَال؟ فَقَالُوا لَهُ إِن خَالِدا قوتل فقاتل وَقتل من الْمُسلمين رجلَانِ وَدخل النَّبِي (ص) من كدا وَهُوَ عل نَاقَته يقْرَأ سُورَة الْفَتْح وَيرجع وَكَانَ فتح مَكَّة يَوْم الْجمع لعشر بَقينَ من رَمَضَان وَدخل رَسُول الله (ص) مَكَّة وملكها عنْوَة بِالسَّيْفِ وَإِلَى ذَلِك ذهب مَالك وَأَصْحَابه وَهُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب أَحْمد رضي الله عنه وَقَالَ أَبُو حنيف وَالشَّافِعِيّ رضي الله عنهما إِنَّهَا فتحت صلحا وَالله أعلم وَلما دخل رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّة كَانَ عل الْكَعْبَة ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ صنما قد شدّ لَهُم إِبْلِيس أَقْدَامهَا بِرَصَاصٍ فجَاء وَمَعَهُ قضيب فَجعل يومي إِلَى كل صنم مِنْهَا فيخر لوجهه فَيَقُول (جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا) حَتَّى مر عَلَيْهَا كلهَا واتى النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَحشِي بن حَرْب - قَاتل حَمْزَة رضي الله عنه وَهُوَ يَقُول أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم أوحشي؟ قَالَ نعم قَالَ أَخْبرنِي كَيفَ قتلت عمي؟ فَأخْبرهُ فَبكى وَقَالَ غيب وَجهك عني
وَلما دخل رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّة كَانَت عَلَيْهِ عِمَامَة سَوْدَاء فَوقف عل بَاب الكعب وَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده صدق وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده ثمَّ قَالَ يَا معشر قُرَيْش مَا ترَوْنَ إِنِّي فَاعل بكم؟ قَالُوا خيرا أَخ كريم وَابْن أَخ كريم قَالَ اذْهَبُوا فَأنْتم الطُّلَقَاء فَأعْتقهُمْ رَسُول الله (ص) وَكَانَ الله تعال قد أمكنه مِنْهُم فَكَانُوا لَهُ فَيْئا فبذلك سمي أهل مَكَّة الطُّلَقَاء وَلما اطْمَأَن النَّاس خرج رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الطّواف فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا عل رَاحِلَته واستلم الرُّكْن بمحجن كَانَ فِي يَده وَدخل الْكَعْبَة وَرَأى فِيهَا الشخوص عل صُورَة الْمَلَائِكَة وَصُورَة إِبْرَاهِيم وَفِي يَده الازلام يَسْتَقِيم بهَا فَقَالَ قَاتلهم الله جعلُوا شَيخنَا يَسْتَقِيم بالازلام مَا شَأْن إِبْرَاهِيم والأزلام ثمَّ أَمر بِتِلْكَ الصُّورَة فطمست وصل فِي الْبَيْت ثمَّ جلس (ص) عل الصَّفَا وَاجْتمعَ النَّاس لبيعته عل الْإِسْلَام فَكَانَ يبايعهم على السّمع وَالطَّاعَة لله وَلِرَسُولِهِ فَبَايع الرِّجَال ثمَّ النِّسَاء وَلما جَاءَ وَقت الظّهْر يَوْم الْفَتْح إِذن بِلَال عل ظهر الْكَعْبَة فَقَالَ الْحَارِث ابْن هِشَام لَيْتَني مت قبل هَذَا وَقَالَ خَالِد بن أسيد لقد اكرم الله أبي فَلم ير هَذَا الْيَوْم فَخرج عَلَيْهِمَا رَسُول الله (ص) ثمَّ ذكر لَهما مَا قَالَاه فَقَالَ الْحَارِث ابْن هِشَام أشهد إِنَّك رَسُول الله مَا أطلع عل هَذَا أحد فَنَقُول أخْبرك وَقَامَ عَليّ رضي الله عنه ومفتاح الْكَعْبَة فِي يَده فَقَالَ يَا رَسُول الله اجْمَعْ لنا الحجابة مَعَ السِّقَايَة فَقَالَ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم أَيْن عُثْمَان بن طَلْحَة؟ فدعي لَهُ فَقَالَ هاك مفتاحك يَا عُثْمَان الْيَوْم يَوْم بر ووفاء وَقَالَ خذوها تالدة خالدة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُم إِلَّا الظَّالِم يَا عُثْمَان إِن الله استأمنكم عل بَيته فَكُلُوا مِمَّا يصل إِلَيْكُم من هَذَا الْبَيْت بِالْمَعْرُوفِ وَذكر إِن فضَالة ابْن عُمَيْر أَرَادَ قتل النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ عَام الْفَتْح فَلَمَّا دنا مِنْهُ قَالَ رَسُول الله (ص) أفضالة؟ قَالَ نعم فضَالة
يَا رَسُول الله ثمَّ قَالَ مَا كنت تحدث بِهِ نَفسك؟ قَالَ لَا شَيْء كنت أذكر الله تعال فَضَحِك النَّبِي صلى الله عليه وسلم ثمَّ قَالَ اسْتغْفر الله وَوضع يَده على صَدره فمكن قلبه قَالَ فضَالة وَالله مَا رفع يَده عَن صَدْرِي حَتَّى مَا خلق الله تعال شَيْئا أحب إِلَيّ مِنْهُ وَبعث النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم السَّرَايَا إِلَى الْأَصْنَام الَّتِي حول مَكَّة فسروها وناد مناديه بِمَكَّة من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يدع فِي بَيته صنماً إِلَّا كَسره وَلما بعث السَّرَايَا حول الْكَعْبَة إِلَى النَّاس يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام وَلم يَأْمُرهُم بِقِتَال وَكَانَ من السَّرَايَا سَرِيَّة خَالِد بن الْوَلِيد فَنزل على مَاء لبني خُزَيْمَة فَأَقْبَلُوا بِالسِّلَاحِ فَقَالَ لَهُم خَالِد ضَعُوا السِّلَاح فَإِن النَّاس قد أَسْلمُوا فوضعوه فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام فَلم يحسنوا أَن يَقُولُوا أسلمنَا فَجعلُوا يَقُولُونَ صبأنا صبأنا فَقتل مِنْهُم من قتل فَلَمَّا بلغ ذَلِك النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم رفع يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صنع خَالِد - مرَّتَيْنِ - ثمَّ أرسل عَليّ بن أبي طَالب (رض) بِمَال وَأمره أَن يُؤَدِّي لَهُم الدِّمَاء وَالْأَمْوَال فَفعل ذَلِك ثمَّ سَأَلَهُمْ هَل بَقِي لكم دم أَو مَال؟ فَقَالُوا لَا وَكَانَ قد فضل مَعَ عَليّ رضي الله عنه قَلِيل مَال فَدفعهُ إِلَيْهِم زِيَادَة تطيب لقُلُوبِهِمْ وَأخْبر النَّبِي (ص) بذلك فأعجبه وفيهَا كَانَت غَزْوَة حنين وهوازن وَكَانَت فِي شَوَّال سنة ثَمَان من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة وحنين وَاد بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاثَة أَمْيَال وَلما فتحت مَكَّة تجمعت هوَازن بخيولهم وَأَمْوَالهمْ لحب رَسُول الله (ص) ومقدمهم مَالك بن عَوْف النضري وانضمت إِلَيْهِ ثَقِيف وهم أهل الطَّائِف وَبَنُو سعد وهم الَّذين كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم مرتضعاً عِنْدهم فَلَمَّا سمع النَّبِي (ص) باجتماعهم خرج من مَكَّة لست خلون من شَوَّال وَخرج مَعَه اثْنَا عشر ألفا أَلفَانِ من أهل مَكَّة وَعشرَة لاف كَانَت مَعَه وحضرها جمَاعَة كَثِيرَة من الْمُشْركين وهم
مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وانْتهى إِلَى حنين وَركب بغلته الدلْدل وَقَالَ رجل من الْمُسلمين - لما رأى كَثْرَة من مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لن يغلب هَؤُلَاءِ من قلَّة وَفِي ذَلِك نزل قَوْله تَعَالَى (وَيَوْم حنين إِذا أَعجبتكُم كثرتكم فَلم تغن عَنْكُم شَيْئا) وَلما الْتَقَوْا انهزم الْمُسلمُونَ لَا يلوي أحد عل أحد وإنجاز رَسُول الله (ص) فِي نفر من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَأهل بَيته وَاسْتمرّ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم ثَابتا وتراجع الْمُسلمُونَ واقتتلوا قتالاً شَدِيدا وَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لبغلته الْبَدِيِّ فَوضعت بَطنهَا عل الأَرْض وَأخذ حفْنَة من تُرَاب فَرمى بهَا فِي وحجه الْمُشْركين فَكَانَت الْهَزِيمَة عَلَيْهِم وَنصر الله الْمُسلمين وَاتبع الْمُسلمُونَ الْمُشْركين يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَهُمْ وَلما فرغ النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم من حنين بعث أَبَا عَامر على جَيش لغزوة أَوْطَاس فاستشهد رضي الله عنه وانهزمت ثَقِيف إِلَى الطَّائِف وَأَغْلقُوا بَاب مدينتهم فَسَار النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم وحاصرهم نيفاً وَعشْرين يَوْمًا وَقَاتلهمْ بالمنجنيق وَأمر بِقطع أَعْنَاقهم ثمَّ رَحل عَنْهُم فَنزل بالجعرانة وأتى إِلَيْهِ بعض هوزان ودخلوا عَلَيْهِ فَرد عَلَيْهِم نصِيبه وَنصِيب بني عبد الْمطلب ورد النَّاس أَبْنَاءَهُم ونساءهم ثمَّ لحق مَالك بن عَوْف - مقدم هوزان - برَسُول الله (ص) وَأسلم وَحسن إِسْلَامه وَاسْتَعْملهُ رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم عل قومه وعل من أسلم من تِلْكَ الْقَبَائِل وَكَانَ عدَّة السَّبي الَّذِي أطلقهُ سِتَّة آلَاف ثمَّ قسم الْأَمْوَال وَكَانَت عدَّة الْإِبِل أَرْبَعَة وَعشْرين ألف بعير وَالْغنم أَكثر من أَرْبَعِينَ ألف شَاة وَمن الْفضة أَرْبَعَة الآف أُوقِيَّة وَأعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم مثل أبي سُفْيَان وابنيته يزِيد وَمُعَاوِيَة وَسَهل بن عَمْرو وَعِكْرِمَة بن أبي جهل والْحَارث بن هِشَام أخي أبي جهل وَصَفوَان ابْن أُميَّة وَهَؤُلَاء من قُرَيْش وَأعْطِ الْأَقْرَع بن حَابِس التَّمِيمِي وعيينة بن حصن وَمَالك بن عَوْف - مقدم هوَازن - وأمثالهم فَأعْطى لكل من الْأَشْرَاف مائَة
من الْإِبِل وَأعْطِ الآخرين أَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ وَأعْطى الْعَبَّاس بن مرادس السّلمِيّ أباعر لم يرضها وَقَالَ فِي ذَلِك أبياتاً
(فَأصْبح نَهْبي وَنهب العبي
…
بَين عَيْنِيَّة والأقرع)
(وَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِس
…
يَفُوقَانِ مرادس فِي مجمع)
(وَمَا كنت دون امْرِئ مِنْهُمَا
…
وَمن تضع الْيَوْم لم يرفع) فروى أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ اقْطَعُوا عني لِسَانه فَأعْطِي حَتَّى رَضِي وَلما فرق رَسُول الله (ص) الْغَنَائِم لم يُعْط الْأَنْصَار شَيْئا فوجدوا فِي أنفسهم فَدَعَاهُمْ رَسُول الله (ص) فَقَالَ إِن قُريْشًا حَدِيث عهد بجاهلية ومصبئة وَإِنِّي أردْت أَن أحبوهم أتألفهم أما ترْضونَ أَن يرجع النَّاس بالدنيا وترجعون برَسُول الله إِلَى بُيُوتكُمْ؟ قَالُوا بلَى قَالَ وَالله لَو سلك النَّاس وَاديا وسلكت الْأَنْصَار شعبًا لَسَلَكْت وَادي الْأَنْصَار وَشعب الْأَنْصَار ثمَّ اعْتَمر رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَاد إِلَى الْمَدِينَة واستخلف عل مَكَّة عتاب بن اسيد وَهُوَ شَاب لم يبلغ عشْرين سنة وَترك مَعَه معَاذ بن جبل يفقه النَّاس وَحج بِالنَّاسِ فِي هَذِه السّنة عتاب بن اسيد على مَا كَانَت تحج عَلَيْهِ الْعَرَب وَفِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان ولد إِبْرَاهِيم بن النَّبِي صلى الله عليه وسلم من مَارِيَة القطبية وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة مَاتَ حَاتِم الطَّائِي وَكَانَ يضْرب بجودة وَكَرمه الْمثل وَكَانَ من الشُّعَرَاء المجيدين ثمَّ دخلت السّنة التَّاسِعَة من الْهِجْرَة الشَّرِيفَة فِيهَا فرض الله الْحَج على الصَّحِيح وفيهَا ترادفت وُفُود الْعَرَب عل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ووفد كَعْب بن زُهَيْر بن أبي سلم بعد أَن كَانَ النَّبِي (ص) أهْدر دَمه ومدحه بقصيدته الْمَشْهُورَة وَهِي
(بَانَتْ سعاد فقلبي الْيَوْم متبول
…
)
وَأَعْطَاهُ النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم بردته فَلَمَّا كَانَ زمن مُعَاوِيَة أرسل إِلَى كَعْب إِن بعنا بردة رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ مَا كنت لأوثر بِثَوْب رَسُول الله (ص) أحدا فَلَمَّا مَاتَ كَعْب اشْتَرَاهَا مُعَاوِيَة من أَوْلَاده بِعشْرَة لاف دِرْهَم وَنقل الْملك صَاحب جماة فِي تَارِيخه إِنَّه اشْتَرَاهَا بِأَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم ثمَّ توارثها الْخُلَفَاء الأمويون والعباسيون حَتَّى أَخذهَا التتر وفيهَا كَانَت غَزْوَة تَبُوك وَهِي الْعسرَة لوقوعها فِي زمن الْحر والبلاد مُجْدِبَة وَالنَّاس فِي عسرة فانفق أَبُو بكر جَمِيع مَاله وَأنْفق عُثْمَان نَفَقَة عَظِيمَة وَسَار النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى تَبُوك واستخلف عليا رضي الله عنه فَقَالَ عَليّ أتخلفني فِي الصّبيان وَالنِّسَاء؟ قَالَ أَلا ترض أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا إِنَّه لَيْسَ نَبِي بعدِي وتخلف عبد الله بن أبي الْمُنَافِق وَمن تبعه من أهل النِّفَاق وتخلف ثَلَاثَة من الصَّحَابَة وهم كَعْب بن مَالك ومرارة بن ربيع وهلال بن أُميَّة وَلم يكن لَهُم عذر ثمَّ رَجَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَة بعد أَن أَقَامَ بتبوك بضع عشرَة لَيْلَة لم يجاوزها وكتان إِذا قدم من سَفَره بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جلس للنَّاس فَلَمَّا فعل ذَلِك جَاءَ الْمُخَلفُونَ فطفقوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ ويحلفون وَكَانُوا بضعَة وَثَمَانِينَ رجلا فَقبل مِنْهُم رَسُول الله (ص) علانيتهم وبايعهم واستغفر لَهُم ووكل سرائرهم إِلَى الله تَعَالَى ثمَّ جَاءَ كَعْب وَكَانَت تقدمه مرَارَة وهلال فَسَأَلَهُمْ عَن سَبَب تخلفهم فَاعْتَرفُوا أَن لَا عذر لَهُم فَأَمرهمْ بالمضي جتى يقْضِي الله فيهم وَنهى النَّبِي صلى الله عليه وسلم الْمُسلمين عَن كَلَامهم من بَين من تخلف عَنهُ فَاجْتَنِبْهُمْ النَّاس فلبثوا على ذَلِك خمسين لَيْلَة وَلما مَضَت أَرْبَعُونَ لَيْلَة من الْخمسين أَمرهم النَّبِي صلى الله عليه وسلم باعتزال نِسَائِهِم
وَجَاءَت امْرَأَة هِلَال إِلَى النَّبِي (ص) تستأذنه فِي خدمته فَأذن لَهَا من غير أَن يقربهَا فَلَمَّا كملت لَهُم خَمْسُونَ لَيْلَة من حِين نهي رَسُول الله صل الله عَلَيْهِ وَسلم عَن كَلَامهم أذن رَسُول الله (ص) بتوبة الله عَلَيْهِم وَذهب النَّاس يبشرونهم وَجَاء كَعْب إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ - وَهُوَ يَبْرق وَجهه من السرُور - أبشر بِخَير يَوْم مر عَلَيْك مُنْذُ وَلدتك أمك فَقَالَ أَمن عنْدك يَا رَسُول الله أم من عِنْد الله؟ قَالَ لَا بل من عِنْد الله وَأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم (لقد تَابَ الله عل النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة من بعد مَا كَاد تزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّه بهم رؤوف رَحِيم وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِم أنفسهم وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا إِن الله هُوَ التواب الرَّحِيم يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين) قَالَ كَعْب فو الله مَا أنعم الله عَليّ بِنِعْمَة قطّ بعد أَن هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أعظم فِي نَفسِي من صدقي لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن أكون كَذبته فَأهْلك كَمَا هلك الَّذين كذبوه فَإِن الله قَالَ للَّذين كذبُوا حِين أنزل الْوَحْي شَرّ مَا قَالَ لأحد فَقَالَ تبارك وتعالى (سيحلفون بِاللَّه لكم إِذا انقلبتم إِلَيْهِم لتعرضوا عَنْهُم فأعرضوا عَنْهُم إِنَّهُم رِجْس ومأواهم جَهَنَّم جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يحلفُونَ لكم لترضوا عَنْهُم فَإِن الله لَا يرض عَن الْقَوْم الْفَاسِقين) وَفِي ذِي الْقعدَة من سنة تسع هلك رَأس الْمُنَافِقين عبد الله بن أبي بن سلول وَالله أعلم