الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قصَّة أَرض مَدين)
فَلم يزل مُوسَى عليه السلام يسير حَتَّى صَار فِي أَرض مَدين فِي الْيَوْم السَّادِس وَالسَّابِع وَبِه جهد من الْجُوع والعطش وَإِذا بِجَمَاعَة من أهل مَدين على بِئْر لَهُم دون أغنامهم فَنظر مُوسَى امْرَأتَيْنِ تذودان - أَي تمنعان - أغنامهما عَن المَاء من الرُّعَاة وَهُوَ مَا بَين الْعشْر إِلَى الْأَرْبَعين فَقَالَ مُوسَى للمرأتين مَا خطبكما؟ مَا قصتكما - قَالَتَا لَا نسقي حَتَّى يصدر الرعاء - أَي يصرفوا مَوَاشِيهمْ عَن - لأننا امْرَأَتَانِ لَا نطيق أَن نسقي وَلَا نستطيع أَن نزاحم الرِّجَال وأبونا شيخ وَهُوَ شُعَيْب نَبِي الْقَوْم وَكلهمْ يحسدونه على مَا تاه الله من الْغنم وَغَيرهَا وَقَالَ لَهما مُوسَى وَهَذَا المَاء لَهُم خَاصَّة؟ قَالَتَا لَا بل لجَمِيع الْخلق وَكَانُوا إِذا فرغوا عَمدُوا إِلَى حجر كَبِير عَظِيم يطبقونه على رَأْسا الْبِئْر لَا يقدر على تنحيته فَسكت مُوسَى عليه السلام حَتَّى فرغ النَّاس من سقِِي أغنامهم فَاجْتمعُوا وطبقوا وَانْصَرفُوا فَقَامَ مُوسَى عليه السلام وَقَالَ للمرأتين قربا أغنامكما إِلَى الْحَوْض إِنَّه تقدم إِلَى الْبِئْر وَضرب الصَّخْرَة بِرجلِهِ فَرَمَاهَا أَرْبَعِينَ ذِرَاعا ضعفه من الْجُوع وافرغ من سقِِي أغنامهما تولى إِلَى الظل وَهِي شَجَرَة كَانَت هُنَاكَ فَقَالَ (رب لما أنزلت إِلَيّ من خير فَقير) فَانْصَرَفت الْمَرْأَتَانِ إِلَى أَبِيهَا شُعَيْب وأخبرتاه بِمَا كَانَ فَقَالَ لأَحَدهمَا فأتني بِهِ فَأَقْبَلت إِلَى مُوسَى وأومأت إِلَيْهِ وَقَالَت إِن أبي يَدْعُوك ليجزك أجر مَا سقيت لنا فَقَامَ مُوسَى وَمَرَّتْ الْمَرْأَة بَين يَدَيْهِ فكشف الرّيح عَن سَاقهَا فَقَالَ لَهَا مُوسَى تأخري خَلْفي ودليني على الطَّرِيق فتأخرت وَكَانَت تَقول يَمِينك عَن شمالك خَلفك وقدامك حَتَّى وقف على بَاب شُعَيْب فبادرت الْمَرْأَة أَبِيهَا وأخبرته فَأذن لَهُ بِالدُّخُولِ - وَشُعَيْب يَوْمئِذٍ شيخ كَبِير وَقد كف بَصَره -
فَسلم مُوسَى عليه السلام فَرد عليه السلام وعانقه ثمَّ أجلسه بَين يَدَيْهِ وَسَأَلَهُ عَن حَاله وقصته فَأخْبرهُ بِخَبَرِهِ وقص عَلَيْهِ قصَّته فَقَالَ لَا تخف نجوت من الْقَوْم الظَّالِمين وَأَتَاهُ بِطَعَام فَقَالَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَأكل وَلما فرغ من أكله حمد الله تَعَالَى أثنى عَلَيْهِ بالجميل فَقَالَ بنت شُعَيْب - وَاسْمهَا صافورا - (يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الْأمين) فَرغب شُعَيْب فِيهِ لقُوته وأمانته فَقَالَ (إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين على أَن تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك فرضى مُوسَى وَقَالَ ذَلِك بيني وَبَيْنك أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت فَلَا عدوان عَليّ وَالله على مَا نقُول وَكيل) فرض شُعَيْب وَجمع الْمُؤمنِينَ من أهل مَدين وزوجه ابْنَته صافورا وَدخل مُوسَى الْبَيْت وَجعل يرْعَى الْغنم فرعى غنم شُعَيْب عشر حجج وَهِي عشر سِنِين (قصَّة رُجُوعه من أَرض مَدين) ثمَّ قصد مُوسَى السّير إِلَى أَهله فَبكى شُعَيْب وَقَالَ يَا مُوسَى كَيفَ تخرج عني وَقد ضعفت وَكَبرت؟ فَقَالَ مُوسَى قد طَالَتْ غيبتي عَن أُمِّي وخالتي وَهَارُون أخي وأختي فَإِنَّهُم فِي أسر فِرْعَوْن فَقَامَ شُعَيْب وَبسط يَدَيْهِ إِلَى ربه وَقَالَ يَا رب إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَإِسْمَاعِيل الصفي وَإِسْحَاق الذَّبِيح وَيَعْقُوب الكظيم ويوسف الصّديق رد قوتي وبصري فأمن مُوسَى على دُعَائِهِ فَرد الله عَلَيْهِ بَصَره وقوته ثمَّ أوصاه بابنته وَسَار مُوسَى وَأَهله وَضرب خيمته على الْوَادي وَأدْخل أَهله فِيهَا وهطلت السَّمَاء بالمطر والثلج وَكَانَت امْرَأَته حَامِلا فَأَخذهَا الطلق فَأَرَادَ أَن يقْدَح فَلم يظْهر لَهُ نَار فاغتنم لذَلِك وَإِذا هُوَ بِنَار من بعد (فَقَالَ لأَهله امكثوا إِنِّي آنست نَارا لعَلي آتيكم مِنْهَا بِخَبَر أَو جذوة من النَّار لَعَلَّكُمْ تصطلون) فَأتى نَحْو النَّار فَلَمَّا دنا مِنْهَا رأى نورا ممتداً من السَّمَاء إِلَى شَجَرَة عَظِيمَة من الغوسج وَقيل من الْعنَّاب فتحير
وَخَافَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي من شاطئ الْوَادي الْأَيْمن من الشَّجَرَة (إِن يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله رَبك فاخلع نعليك إِنَّك بالوادي الْمُقَدّس طوى وَأَنا اخْتَرْتُك فاستمع لما يُوحى إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فأعبدني وأقم الصَّلَاة لذكري إِن السَّاعَة آتِيَة أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بِمَا تسْعَى فَلَا يصدنك عَنْهَا من لَا يُؤمن بهَا وَاتبع هَوَاهُ فتردى) ثمَّ قَالَ (وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عصاي أتوكأ عَلَيْهَا وأهش بهَا على غنمي ولي فِيهَا مآرب أُخْرَى) قَالَ الله عز وجل (ألقها يَا مُوسَى فألقاها فَإِذا هِيَ حَيَّة تسْعَى فَلَمَّا رَآهَا ولى مُدبرا) وَلم يعقب فَسمع النداء هَل يملك أحد الْمَوْت والحياة غير الله عز وجل؟ فَرجع مُوسَى إِلَى مَوْضِعه والحية على حَالهَا فَقَالَ الله تَعَالَى (خُذْهَا وَلَا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) فَأدْخل يَده فِي كمه ليأخذها فَسمع النداء أَرَأَيْت لَو أَذِنت لَهَا أَن تضربك أَكَانَ يُغْنِيك كمك؟ فكشف يَده وأدخلها فِي فمها فَإِذا هِيَ عَصا كَمَا كَانَت قَالَ عز وجل (أضم يدك إِلَى جناحك تخرج بَيْضَاء من غير سوء) أَي من غير برص آيَة أُخْرَى مَعَ الْعَصَا فَعِنْدَ ذَلِك أنس مُوسَى وَذهب عَنهُ الْخَوْف قَالَ الله يَا مُوسَى أَنِّي اخْتَرْتُك على النَّاس برسالاتي وبكلامي لأبعثك لعبد من عَبِيدِي كفر بنعمتي وَتسَمى باسمي واستعبد عَبِيدِي وَلَوْلَا حلمي وكرمي لأهلكته وَلَكِن هان عَليّ وَأَنا مستغن عَنهُ أمهله لأقيم عَلَيْهِ حجتي فَبَلغهُ رسالتي وادعه إِلَى عبادتي فَقَالَ مُوسَى (رب اشرح لي صَدْرِي وَيسر لي أَمْرِي واحلل عقدَة من لساني يفقهوا قولي - يَعْنِي يعرفوا كَلَامي - وَاجعَل لي وزيراً من أَهلِي هَارُون أخي اشْدُد بِهِ أزري وأشركه فِي أَمْرِي) يَعْنِي يكون عوناً لي على الرسَالَة قَالَ الله تَعَالَى (قد أُوتيت سؤلك يَا مُوسَى ثمَّ تذكر مَا كَانَ مِنْهُ من قتل النَّفس فخافهم (فَقَالَ رب إِنِّي قتلت مِنْهُم نفسا فَأَخَاف أَن يقتلُون قَالَ كلا فاذهبا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعكُمْ مستمعون) ثمَّ
- قي القَوْل وَالْفِعْل - فقولا لَهُ لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى قَالَا رَبنَا إننا نَخَاف أَن يفرط علينا أَو أَن يطغى - فيقتلنا - قَالَ لَا تخافا إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى فَأتيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولا رَبك فَأرْسل رَبك فَأرْسل مَعنا بني إِسْرَائِيل) وَهَذِه المخاطبة كَانَت لَهُ وَحده والرسالة لَهُ ولأخيه هَارُون وَمر مُوسَى فِي المخاطبة مَعَ ربه عز وجل وَزَوجته صافورا بنت شُعَيْب قد اشْتَدَّ بهَا الطلق فَسمع أنينها سكان ذَلِك الْوَادي فَأتوا إِلَيْهَا أوقدوا عِنْدهَا نَارا وجلسوا عِنْدهَا ثمَّ اقبل مُوسَى إِلَى أَهله فَسَار بهم نَحْو مصر حَتَّى أَتَاهَا لَيْلًا (قصَّة دُخُوله إِلَى مصر) فَأوحى الله تَعَالَى إِلَى أَخِيه هَارُون بقدوم مُوسَى إِلَى مصر وَهَارُون كَانَ يَوْمئِذٍ وزيراً من وزراء فِرْعَوْن لَا يُفَارِقهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارا وَكَانَت الْأَبْوَاب مغلقة فاحتمله الْملك إِلَى قَارِعَة الطَّرِيق ثمَّ قَالَ لَهُ امْضِ يَا هَارُون واستقبل أَخَاك فَقَالَ لَهُ هَارُون وَكَيف أسلك الطَّرِيق فِي هَذَا اللَّيْل وَأَنا لَا أعرفهُ فَنزل عَلَيْهِ جِبْرِيل وبشره بالرسالة مَعَ أَخِيه مُوسَى إِلَى فِرْعَوْن ثمَّ احتمله الْملك حَتَّى أَتَى بِهِ إِلَى شاطئ النّيل فَالتقى بأَخيه مُوسَى وتعانقا وبشره بالرسالة ثمَّ اقبلا يُريدَان أممهما فاجتمعا بهَا وأخبرها مُوسَى بِمَا كَانَ من أمره ثمَّ حمل جِبْرِيل هَارُون من عِنْد أمه إِلَى منزل فِرْعَوْن ثمَّ خرج مُوسَى متنكراً ينظر مَا أحدثه فِرْعَوْن بِأَرْض مصر من الْبُنيان ثمَّ قصد الِاجْتِمَاع بفرعون فَحَضَرَ إِلَى بَابه فَمنهمْ من يعرفهُ وَمِنْهُم من يُنكره ثمَّ علم بِهِ فِرْعَوْن فَتغير لَونه وارتعدت مفاصله ثمَّ إِن هامان أمْسكهُ وحبسه وَأخْبر فِرْعَوْن بأَمْره وَإنَّهُ حَبسه فَدَعَا فِرْعَوْن بالفراشين وزين قصره وأحضره فَلَمَّا نظر فِرْعَوْن إِلَيّ مُوسَى عرفه وَلكنه قَالَ من أَنْت؟ قَالَ أَنا عبد الله وَرَسُوله وكليمه فَقَالَ فِرْعَوْن إِنَّك عَبدِي وَابْن أمتِي فَقَالَ مُوسَى إِن الله عز وجل أعز من أَن يكون لَهُ ند أَو ضد فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْن يَا مُوسَى أَنْت رَسُول
وحدي؟ فَقَالَ مُوسَى إِلَيْك وَإِلَى جَمِيع أهل مصر فَقَالَ فِرْعَوْن بِمَاذَا أَنْت؟ قَالَ أَن تَقولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُوسَى عَبده وَرَسُوله قَالَ لَهُ فِرْعَوْن فَمَا حجتك فَإِن لكل مَعَ بَين وبرهاناً فَقَالَ مُوسَى بينتك بَيِّنَة وَاحِدَة تؤمن بِي؟ قَالَ نعم قَالَ مُوسَى يَا هَارُون انْزِلْ عَن كرْسِي فَنزل هَارُون ثمَّ قَالَ (يَا فِرْعَوْن أَنا رَسُولا رَبك إِلَيْك فَأرْسل مَعنا إِسْرَائِيل وَلَا تُعَذبهُمْ - يَعْنِي بِالْبِنَاءِ وَنقل الْأَحْجَار - قد جئْنَاك بِآيَة من رَبك) قَالَ فتحير فِرْعَوْن لِأَن هَارُون كَانَ عِنْده وَهُوَ يظنّ إِنَّه يساعده على أَخِيه قصاصه بِهِ وقربه مِنْهُ ثمَّ قَالَ فَمن رَبكُمَا يَا مُوسَى؟ (قَالَ رَبنَا الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ يميته) وَكَانَ هَارُون كلما تكلم أَخُوهُ مُوسَى بِشَيْء صدقه فِيهِ وأعانه عَلَيْهِ فِرْعَوْن على هَارُون فَخلع مَا كَانَ عَلَيْهِ من اللبَاس حَتَّى بَقِي هَارُون بالسراويل قَامَ مُوسَى عليه السلام وَنزع مدرعة مِمَّا عَلَيْهِ وألبسها لهارون ثمَّ نزل البس عليه السلام بقميص من الْجنَّة فأفرغه عل هَارُون فتحير فِرْعَوْن فِي أمره ثمَّ أَمر هامان بحملها إِلَى دَاره ومداراتهما على أَن يَأْمر إِلَى طَاعَته فَلم يلتفتا إِلَى قَوْله فجَاء هامان وَأخْبر فِرْعَوْن إنَّهُمَا لم يقبلا وَلم يلتفتا إِلَى قَوْله فأحضرهما فرعال لمُوسَى (ألم نربك فِينَا وليداً وَلَبِثت فِينَا من السنين وَفعلت فعلتك الَّتِي فعلت - يَعْنِي الْقَتْل - قَالَ فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين لست مِنْكُم لما خفتكم فوهب لي رَبِّي حكما وَجَعَلَنِي من الْمُرْسلين) يَعْنِي إِلَيْك يَا فِرْعَوْن قَالَ لَهُ (وَتلك نعْمَة تمنها عَليّ أَن عبدت نَبِي إِسْرَائِيل - يَعْنِي إِنَّك جعلت إِسْرَائِيل عبيدا لَك - تذبح أَبْنَاءَهُم وتستحي نِسَاءَهُمْ) وَكَانَ فِرْعَوْن مُتكئا أَي جَالِسا (فَقَالَ وَمَا رب الْعَالمين قَالَ مُوسَى رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وكنتم موقنين فَالْتَفت فِرْعَوْن إِلَى من حوله وَقَالَ أَلا تَسْمَعُونَ - يَعْنِي إِلَى
قَول مُوسَى - قَالَ مُوسَى ربكُم وَرب آبائكم الْأَوَّلين قَالَ فِرْعَوْن أَن رَسُولكُم الَّذِي أرسل إِلَيْكُم لمَجْنُون قَالَ مُوسَى رب الْمشرق وَالْمغْرب ومل بَينهمَا أَن كُنْتُم تعقلون قَالَ فِرْعَوْن لمُوسَى لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غَيْرِي لأجعلنك من المسجونين قَالَ أولو جئنك بِشَيْء مُبين - يَعْنِي بِآيَة بَيِّنَة - قَالَ فأت بهَا إِن كنت من الصَّادِقين) (قصَّة الْحَيَّة وَالْيَد الْبَيْضَاء) فَبَيْنَمَا هما فِي المجادلة إِذا بالعصا قد اضْطَرَبَتْ فِي كف مُوسَى فناداه جِبْرِيل (ألقها يَا مُوسَى فألقاها فَإِذا هِيَ حَيَّة تسْعَى) أَي ثعبان مُبين وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ وَقَامَ على رجلَيْهِ حَتَّى أشرف على الْحَائِط وَجعل يقْلع الصخور من قصر فِرْعَوْن ويهدمها وَجعلت تتنفس فِي الْبيُوت والخزائن واشتعلت نَارا وَجعلت تهيج كَمَا يهيج الْجمل وَلها صَوت كالرعد القاصف وَالنَّاس يهربون مِنْهَا وآسية تنظر وتتعجب من ذَلِك فَلَمَّا نظر فِرْعَوْن إِلَى ذَلِك وثب عَن سَرِيره وَقد أحدث فِي ثِيَابه وَأخذت الْحَيَّة ذيل ثِيَابه حَتَّى رمى بِنَفسِهِ خلف السرير وَقَالَ يَا مُوسَى بِحَق التربية وَالرّضَاع وبحق آسِيَة قَالَ فَلَمَّا سمع مُوسَى بِذكر آسِيَة صَاح بالحية فَأَقْبَلت نَحوه كَالْكَلْبِ فَأدْخل يَده فِي فِيهَا وَقبض على لسانها فَإِذا هِيَ عَصا كَمَا كَانَت بِقدر الله تَعَالَى فَلَمَّا نظر فِرْعَوْن إِلَى ذَلِك قَالَ يَا مُوسَى لقد حويت سحرًا عَظِيما هَل عنْدك غير هَذَا؟ قَالَ نعم فَأدْخل يَده فِي جيبه ثمَّ أخرجهَا وَهِي بَيْضَاء وَلها نور ثمَّ ردهَا إِلَى جيبه وأخرجها وَإِذا هِيَ على لَوْنهَا الأول كَمَا كَانَت فَأقبل فِرْعَوْن على قومه وَقَالَ (إِن هَذَا لساحر عليم يُرِيد أَن يخرجكم من أَرْضكُم بسحره فَمَاذَا تأمرون)(قصَّة السَّحَرَة) ثمَّ أقبل الْمَلأ من قوم فِرْعَوْن عَلَيْهِ وَقَالُوا (أَيهَا الْملك إِن هَذَانِ لساحران يُريدَان أَن يخرجاكم من أَرْضكُم بسحرهما فأخرجهما وأبعث فِي الْمَدَائِن حاشرين يأتوك
بِكُل سَاحر عليم) فَأمر فِرْعَوْن بذلك وَأرْسل قصاده إِلَى جَمِيع الْبِلَاد فَاجْتمع إِلَيْهِ سَبْعُونَ ألف سَاحر وهم أحذق الْخلق ثمَّ بعث إِلَى مُوسَى وَدعَاهُ وَقَالَ فِرْعَوْن للسحرة اجتهدوا أَن تغلبُوا مُوسَى ثمَّ اجْتمع النَّاس فِي صَعِيد وَاحِد لينظروا من يكون الْغَالِب وَخرج فِرْعَوْن بجنده فَأقبل مُوسَى وَهَارُون وَقد أحدقت بهم الْمَلَائِكَة وَكَانَ السَّحَرَة قد أخرجُوا ثَلَاثمِائَة وقر منن الحبال والعصي وسحروا أعين النَّاس فَإِذا حبالهم وعصيهم يخيل إِلَيْهِ من سحرهم إِنَّهَا تسْعَى فَامْتَلَأَ الْوَادي من العصي والحبال وَجعلت تركض بَعْضهَا على بعض (فأوجس فِي نَفسه خُفْيَة مُوسَى فَأوحى الله إِلَيْهِ لَا تخف إِنَّك أَنْت الْأَعْلَى والق مَا فِي يَمِينك تلقف مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كيد سَاحر وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى) فَزَالَ عَن مُوسَى الْخَوْف وَقَالَ (مَا جئْتُمْ بِهِ السحر أَن الله سيبطله أَن الله لَا يصلح عمل المفسدين) ثمَّ ألْقى عَصَاهُ فِي وسط الْوَادي وَبَطل مَا أظهروه من السحر وَإِذا هُوَ حبال وعصي فَصَارَت عَصا مُوسَى ثعباناً لَهَا سبع رُؤُوس ثمَّ أَتَت على حبالهم وعصيهم فابتلعها عَن آخرهَا وَجَمِيع مَا فِي الْوَادي من زِينَة فِرْعَوْن ثمَّ حملت على السَّحَرَة فَوَلوا هاربين على وجوهم ثمَّ اجْتَمعُوا فِي مَوضِع وَاحِد وَقَالُوا مَا هَذَا سحر إِنَّا آمنا بربنا ثمَّ خَرجُوا بأجمعهم ساجدين فَاغْتَمَّ فِرْعَوْن لذَلِك وَقَالَ للسحرة (آمنتم لَهُ قبل أَن آذن لكم إِنَّه لكبيركم الَّذِي علمكُم السحر فَسَوف تعلمُونَ) فَأمر بِقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف وَأمر بصلبهم أَجْمَعِينَ (قصَّة الصرح) ثمَّ أقبل فِرْعَوْن على هامان وَقَالَ لَهُ (ابْن لي صرحاً - يَعْنِي قصراً مشيداً - لعَلي ابلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه موس وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا) يَعْنِي فِي رسَالَته فَجمع هامان خمسين ألف بِنَاء وصانع وَأخذ فِي ذَلِك وَلم يزَالُوا حَتَّى
بنوا الصرح وارتفع فِي الْهَوَاء ارتفاعاً لم يبلغهُ أحد من بني آدم قَالَ وَاشْتَدَّ ذَلِك على هَارُون ومُوسَى لِأَن بني إِسْرَائِيل كَانُوا معذبين فِي بنائِهِ فَلَمَّا فرغوا من بنائِهِ وارتفاعه ارْتقى فِرْعَوْن فَوْقه وَأخذ سَهْما وَرمى بِهِ نَحْو السَّمَاء فَرد إِلَيْهِ وَهُوَ ملطخ بِالدَّمِ فَقَالَ الْكَلْب قد قتلت إِلَه مُوسَى فَأمر الله عز وجل جِبْرِيل إِن يهدم الصرح فَجعل عاليه سافله وَمَات كل من كَانَ فِيهِ من الفعلة مِمَّن كَانَ على دين فِرْعَوْن (قصَّة الْآيَات التسع) ثمَّ إِن الله تَعَالَى حبس عَن قوم فِرْعَوْن الْمَطَر فأجدبت الأَرْض عَلَيْهِم وَمَاتَتْ الْمَوَاشِي وَخرب الصرح وجاءهم الطوفان فدام عَلَيْهِم ثَمَانِيَة أَيَّام بلياليها وَبعث الله عَلَيْهِم الْجَرَاد فَأكل جَمِيع مَا عِنْدهم ثمَّ بعث الله الْقمل حَتَّى أكل جَمِيع مَا على وَجه الأَرْض وَوَقع فِي ثِيَابهمْ فقرضها وقرض أَيْديهم ثمَّ أرسل الله عَلَيْهِم الضفادع فَكَانَت عَلَيْهِم أَشد من الْكل لِأَنَّهَا كَانَت تقتحم فِي طعامهم وَفِي دُورهمْ وَفِي ثِيَابهمْ ثمَّ أوحى الله تَعَالَى إِلَى مُوسَى (إِن أضْرب بعصاك الْبَحْر) فَصَارَ دَمًا عبيطاً من وقته فَاشْتَدَّ بهم الْعَطش وَكَانَ الفرعوني والإسرائيلي يعمدان إِلَى مَوضِع وَاحِد يستقيان فَإِذا أَخذ الإسرائيلي يكون مَاء وَإِذا أَخذ الفرعوني يكون دَمًا فدام ذَلِك عَلَيْهِم ثَمَانِيَة أَيَّام حَتَّى أجهدهم الْعَطش وَكَانَ بَين كل آيَة أَرْبَعُونَ يَوْمًا فَهَذِهِ الْآيَات التسع (قصَّة المسخ وَقتل آسِيَة) ثمَّ دَعَا عَلَيْهِم مُوسَى وَأمن على دُعَائِهِ هَارُون فمسخ الله سبحانه وتعالى كثيرا مِنْهُم حَتَّى أصبح الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان حِجَارَة ثمَّ إِن آسِيَة أظهرت الْإِنْكَار على فِرْعَوْن وواجهته بقبح القَوْل فَقَتلهَا لعنة الله عَلَيْهِ ثمَّ بعث الله الظلمَة على أهل مصر ثَلَاثَة أَيَّام فَلم يعرفوا اللَّيْل من النَّهَار