الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل التاسع
خاتمة عصر الولاة
ْأصل يوسف الفهري. عبد الرحمن بن حبيب واستيلاؤه على إفريقية. استئثار يوسف بالسلطة. تحرك اليمنية. خروج أبي الخطار وابن حريث. التقاء المضرية واليمنية في شقندة. هزيمة اليمنية ومقتل زعمائها. استقرار الأمر ليوسف والصميل. ولاية الصميل لسرقسطة. إصلاحات يوسف الإدارية والمالية. تقسيم اسبانيا الجديد. إصلاحه للجيش. إرساله جيشا إلى الشمال. ثورة البشكنس والقوط. استيلاء الفرنج على المواقع الإسلامية في سبتمانيا. اضطراب أمر الخلافة في المشرق. سخط الزعماء على يوسف والصميل. عبد الرحمن اللخمي فارس الأندلس. محاولته الخروج ومصرعه. الثورة في إشبيلية وسحقها. ثورة عروة بن الوليد في باجة. استيلاؤه على إشبيلية. هزيمته ومصرعه. ثورة المضرية واليمنية بقيادة عامر العبدري. فراره إلى الشمال وتحالفه مع الحباب الزهري وتميم الفهري. محاصرة الثوار الصميل في سرقسطة. هزيمة الصميل واستيلاء الثوار على سرقسطة. إدعاء عامر لولاية الأندلس. ولاية الصميل لطليطلة. مسير يوسف إلى سرقسطة واستيلاؤه عليها. أسر زعماء الثورة ومصرعهم. اجتماع يوسف والصميل في طليطلة الإخطار بمقدم عبد الرحمن الأموي. مسيره إلى قرطبة. ببين ملك الفرنج وأنزيموند أمير القوط يحاصران أربونة. القتال بين ببين وأمير أكوتين. مصرع أنزيموند. خيانة النصارى في أربونة. سقوطها في يد الفرنج. انتهاء سيادة الإسلام فيما وراء البرنيه. نصارى الشمال. امتناعهم بهضاب جليقية. إغارتهم على الأراضي الإسلامية. نمو المملكة النصرانية.
ويجب أن نقف قليلا عند شخصية يوسف بن عبد الرحمن الفهري هذا، الذي اختارته " الجماعة " واليا للأندلس، واستقل بولايتها زهاء عشرة أعوام، وكان آخر هذا الثبت من أمرائها، وعلى يده انتقلت إلى عهد جديد، ودولة جديدة. فمعظم الروايات على أنه ولد عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري فاتح إفريقية. ويؤيد هذا القول من مؤرخي الأندلس ابن القوطية، وابن حزم، والرازي، وابن الفرضي. ولكن ابن حيان يرتاب في هذه النسبة ويقول لنا إنه لم يقف على ما يؤيد بنوة يوسف لعبد الرحمن بن حبيب، أو صلته بهذا الفرع (1). بيد أن اتفاق معظم مؤرخي الأندلس، ولا سيما المتقدمين منهم
(1) نقل ابن الأبار في الحلة السيراء أقوال ابن القوطية وابن حيان وابن حزم في هذه النقطة - الحلة السيراء ص 53 و54 - وراجع أقوال ابن الفرضي والرازي في نفح الطيب ج 2 =
على صحة هذه النسبة يجعلها في نظرنا أقوى وأرجح. وإذن فيوسف بن عبد الرحمن خاتمة ولاة الأندلس هو ولد عبد الرحمن بن حبيب، الذي تتبعنا أخباره فيما تقدم خلال الحروب الأهلية، التي اضطرمت منذ قدوم بَلْج القشيري إلى شبه الجزيرة. وقد أسلفنا أنه فر إلى تونس اتقاء لنقمة أبي الخطار، وهنالك لبث يرقب الحوادث مدى حين، فلما جاءت الأخبار إلى إفريقية بمقتل الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك (في جمادى الآخرة سنة 126)، رأى عبد الرحمن الفرصة سانحة للعمل، فدعا أنصاره وحشد جموعه لقتال حنظلة بن صفوان والى إفريقية، وزحف على القيروان، وخشى حنظلة عاقبة الفتنة، فانسحب مع أصحابه إلى الشام دون قتال، ودخل عبد الرحمن القيروان (سنة 127 هـ) وأعلن ولايته لإفريقية، وأيدته المضرية، وبعث إلى الثغور عمالا من أقاربه وأنصاره. ولم يختر يزيد بن الوليد، الذي ولى الخلافة عقب مقتل أبيه، والياً لإفريقية نزولا على حكم الواقع. فلما خلفه مروان بن محمد بعد ذلك بأشهر، كاتبه عبد الرحمن وهاداه وأظهر له الطاعة فأقره على ولايته (1). ولبث عبد الرحمن مستقلا بحكم إفريقية أكثر من عشرة أعوام، وفي عهده وقعت بإفريقية ثورات وقلائل كثيرة، فأخمدها جميعاً وغزا صقلية وسردانية. ولما دالت دولة بني أمية أعلن الطاعة لبنى العباس، ودعا لهم بإفريقية. ولكنه لم يلبث أن قتل غيلة في شهر ذي الحجة سنة 138 (755 م). وأما ابنه يوسف فقد فر منه مغضباً لأمور نقمها عليه، ودخل الأندلس يبحث وراء طالعه في حوادثها، وكان مثل أبيه فارساً هماماً وخطيباً مفوهاً (2). فلم يلبث أن ظهر بين أنجاد المضرية وسادتهم، ولازم الصميل وصادقه حتى عظم نفوذه، وانتهي بأن ظفر بإمارة الأندلس في ربيع الثاني سنة 129، وهو يومئذ في السابعة والخمسين من عمره.
وكانت مصاير الخلافة الأموية تهتز يومئذ في يد القدر، وقد شغلت بما يواجهها من خطر الفناء الداهم عن حوادث الأندلس، فلم تحاول تدخلا أو اعتراضا على ما يحدث في ذلك القطر النائي، ولم يكن يوسف بحاجة إلى مصادقة أو مراجعة.
= ص 61. ويقر ابن عذاري هذه النسبة أيضا (البيان المغرب ج 3 ص 107) وكذلك صاحب أخبار مجموعة (ص 21).
(1)
البلاذري في فتوح البلدان ص 233.
(2)
نفح الطيب (عن الرازي) ج 2 ص 61، وابن الأبار في الحلة السيراء ص 55.
وكان المتفق عليه بين اليمنية والمضرية أن يتعاقبا في الولاية فيمكث يوسف عاما فقط ثم يُرد الأمر إلى اليمنية (1). ولكن المضرية وعلى رأسهم الصميل مرجع الزعامة والأمر يومئذ، لم يفكروا بلا ريب في تمكين اليمنية من الرياسة بأى الصور، وكذلك لا ريب في أن يوسف بن عبد الرحمن لم يفكر بعد أن ظفر بالإمارة أن ينزل عنها طائعاً مختاراً، بل بادر منذ البداية إلى استخلاص جميع السلطات لنفسه، فنزع ولاية ريُّه من يحيى بن حريث الجذامي أحد الزعماء اليمنية، وكان ينافسه ويعارض إمارته، فأقطع ريه ثمناً لموافقته. فلما نزعت منه ريه ثار قومه من اليمنية والتفوا حوله. وهنا أيضا ظهر أبو الخطار الأمير المعزول على مسرح الحوادث، وكان يقيم كما تقدمنا في باجة، بغرب الأندلس. فلما علم بتولية يوسف وخروج ابن حريث، تحرك للعمل، وفاوضه ابن حريث ولكنهما لم يتفقا، إذ أصر كل منهما على ترشيح نفسه للإمارة، بيد أنهما اجتمعا على قتال يوسف ابن عبد الرحمن، وحشد كل منهما جموعه من الفريق الذي يؤازره، وزحفا على قرطبة. وحشد يوسف والصميل جموع المضرية، وبالغ كل فريق في الأهبة، والتقيا أخيرا في شقندة بالقرب من قرطبة (سنة 130 هـ - 747 م) ونشبت بينهما موقعة هائلة تبالغ في روعتها الرواية الأندلسية، إذ تقول لنا:" إنه لم يك بالمشرق ولا بالمغرب، حرب أصدق منها جلاداً ولا أصبر رجالا، طال صبر بعضهم على بعض إلى أن فنى السلاح، وتحاذبوا بالشعور، وتلاطموا بالأيدي، وكلّ بعضهم عن بعض "(2). واستمر القتال حيناً سجالا بين الفريقين، ثم داهمت المضرية ذات يوم جموع اليمنية على غرة، فأوقعت بها، وأسر أبو الخطار واِبن حريث وكثير من أصحابهما، وقتلوا جميعاً بأمر الصميل، وجردت اليمنية من زعمائها، واستقر الأمر ليوسف، ولكنه كان يخشى الصميل، لأنه كان بنفوذه وكثرة عصبته، يقبض على ناصية الموقف، فرأى أن يبعده عن قرطبة، وأقطعه ولاية سرقسطة وأعمالها، فسار الصميل إلى سرقسطة واستقل يوسف بالأمر.
ونشط يوسف إلى ضبط النظام، وإصلاح الشئون في ظروف صعبة. وكانت السلطة المركزية قد اضمحلت، وهبت ريح الفتنة من كل صوب.
(1) ابن الأثير ج 5 ص 183.
(2)
المقري عن ابن حيان ج 2 ص 61.
واستقل كثير من العمال بالنواحي، وتحرك النصارى في الولايات الشمالية، وعصف القحط فوق ذلك بالأندلس سنة 133هـ (750 م)، واستطال زهاء عامين، فأجدبت السهول والوديان، وأمحلت الزراعة، وفتك الجوع بالمدن والقرى، وهبطت عندئذ على شواطىء الأندلس عصابات بحرية ناهبة كثيرة من أمم الشمال، وعاثت في الشواطىء والثغور والمدن القريبة (1). ولكن يوسف أبدى في مغالبة هذه الصعاب والمحن همة فائقة، فطاف بالأقاليم وعزل الحكام العابثين، وقمع المظالم والفوضى ما استطاع، وأصلح الطرق الحربية، لتكون ممهدة لحملاته حيثما اضطر إلى الحرب، وعدل نظام الضرائب فاقتضى ثلث الدخل من كل ولاية، ولكنه أمر بمراجعة السجلات القديمة، واستبعاد الأموات منها، وكانت الضرائب ما تزال تجبى طبقاً للإحصاء القديم، فكان في ذلك إرهاق للسكان، لأن عددهم تناقص منذ الفتح، فقرر يوسف أن تجبى الضرائب عن الأحياء فقط، وأسقطها عمن توفوا، واكتسب بذلك عطف كثير من النصارى (2). وأعاد يوسف أيضاً تنظيم الأقاليم الإداري، فقسم اسبانيا إلى خمس ولايات كما كانت أيام القوط، وكما قسمت عند الفتح مع تعديل في حدودها، فأصبحت كما يأتي: ولاية الأندلس وهي ولاية " باطقة " Baetica القديمة، وتقع بين نهر وادي يانة والبحر الأبيض المتوسط، وأشهر قواعدها قرطبة، وقرمونة، وإستجة، وإشبيلية، وشَذُونة، ولَبْلَة، ومالقة، وإلبيرة، وجيان. وولاية طليطلة، وهي ولاية قرطاجنة القديمة، وتمتد من جبال قرطبة في شمال شرقي ولاية الأندلس حتى نهر دويره (الدورو)، وجبال وادي الحجارة شمالا، أشهر قواعدها طُلَيطلة، ومرسية، ولوَرقَة، وأوريولة، وشاطبة، ودانية، ولَقنت، وبلنسية، وشَقُوبية، ووادي الحجارة، وقُونْقَة. وولاية ماردة وهي ولاية اوجدانيا أو جلِّيقية القديمة، وتمتد فيما وراء نهر وادي يانة شرقاً حتى المحيط، وأشهر قواعدها ماردة، وباجة، وأُشبُونة، وأستُرقه، وسمُّورة، وشلمنقة. وولاية سَرَقُسطة، وهي ولاية كانتبريا القديمة، وتمتد من منابع نهر التَّاجُه شرقاً، على ضفتي نهر إيبرو حتى
(1) إيزودور الباجي. راجع: Aschbach: ibid،V.I.p. 102. وكذا البيان المغرب ج 2 ص 38.
(2)
Conde: ibid،V.I.p Aschbach،quot.Isidorus،ibid.V.I.p. 101
جبال البرنيه وبلاد البشكنس، وأشهر قواعدها سرقسطة، وطركونة، وجيرندة، وبرشلونة، وأرقلة، ولاردة، وطُرطُوشة، ووشقة. ثم ولاية أربونة وهي ولاية الثغر، وتقع شمال شرقي جبال البرنيه حتى البحر، وتشمل مصب نهر الرون، وأشهر قواعدها أربونة، ونيمة، وقَرْقشونة، وأجدة، وبزييه، وماجلونة (1).
وعنى يوسف بتنظيم الجيش وإصلاحه أشد عناية، وحشد قوات جديدة ليستطيع قمع الثورة في الداخل وحماية الحدود الشمالية، وسير إلى الشمال جيشا بقيادة ولده محمد أبي الأسود، وسليمان بن شهاب، والحصين العقيلي. وكان النصارى قد انتهزوا فرصة الاضطراب الداخلي، وأغاروا على الأراضي الشمالية، واستولوا على كثير من القلاع والحصون، ووصلوا في تقدمهم حتى ضفاف نهر دويره (الدورو). وثار البشكنس والقوط فيما وراء البرنيه واستدعى أميرهم الكونت آنزيموند، ملك الفرنج ببين الملقب " بالقصير " لمحاربة المسلمين، وكان آنزيموند هذا من نبلاء القوط، فانتهز فرصة اضطراب الحوادث في اسبانيا، واستولى على قواعد سبتمانيا المسلمة، وهي نيمة وأجدة وماجلونة وبزييه وما حولها، وأنشأ منها مملكة صغيرة، والتف حوله السكان النصارى، واستطاع بمؤازرة الزعماء المحليين، أن يقضى على سلطان المسلمين في تلك الأنحاء. ولكنه رأى أنه لايستطيع الاحتفاظ بمملكته الصغيرة، والعرب على مقربة منه في أربونة أقوياء يخشى بأسهم، وكذلك توجس شراً من جاره أمير أكوتين، إذ كان يطمح إلى ضم هذه الأراضي إلى أملاكه، فلم خيراً من الانضواء تحت لواء ملك الفرنج ببين، واستدعائه لمعاونته (2).
وكان ببين قد خلف أباه كارل مارتل كحافظ للقصر الفرنجي، ولكنه لم يلبث أن قبض على مليكه شلدريك الثالث آخر الملوك الميروفنجية، وزج به إلى ظلام الدير، وانتزع العرش لنفسه (751 م). فلما استدعاه آنزيموند، استجاب لدعوته، ورحب بتلك الفرصة ليتم ما بدأه أبوه من إجلاء المسلمين عن غاليس، وغزا لانجدوك، وهاجم المواقع الإسلامية مع حليفه آنزيموند، وفتك بالمسلمين في تلك الأنحاء (753 م). وقاومته الحاميات الإسلامية أشد مقاومة، ولكنها لم تثبت طويلا لعزلتها، وحرمانها من كل معاونة ومدد، واستولى الفرنج على تلك
(1) سبق أن أشرنا إلى تقسيم اسبانيا الإدارى الذي أورده البكري، راجع الهامش في ص 70
(2)
Dom Vissette: ibid، V.I.p. 872
القواعد والمعاقل كلها خلا أربونة، فإنها لبثت بيد المسلمين أعواماً أخرى. ولم يستطع الجيش الذي سيره يوسف إلى الشمال، أن يحقق الغاية المنشودة، بل رد بخسارة فادحة وقتل قائده سليمان بن شهاب، ونجا الحصين العقيلي وفرسانه بصعوبة (1). وترك الشمال لمصيره، واستغرقت الثورات والحروب الداخلية اهتمام يوسف وكل نشاطه وموارده.
ذلك أن الأحقاد والمنافسات القديمة التي هدأت حيناً بتولية يوسف، عادت فاضطرمت حين استأثر يوسف وحليفه الصميل بكل سلطة وولاية، وكان المفهوم أن ولاية يوسف لإمارة الأندلس إنما هي حل مؤقت لحالة طارئة حتى يأتي الأمير الشرعي الذي يختاره الخليفة، ولكن الخلافة الأموية لقيت مصرعها غير بعيد (132هـ - 750م)، وتفاقم الاضطراب الذي سرى إلى شئون إفريقية والأندلس قبل ذلك بأعوام، وأصبح تراث الخلافة الأموية نهباً مباحاً لكل طامع ومتغلب.
وكان بالأندلس عدة من الزعماء النابهين ذوى الجاه والعصبية، ينقمون من يوسف والصميل استئثارهما بالسلطة، ويرى كل منهم أنه أولى بها وأجدر، وكان يوسف يعمل من جهة أخرى لتوطيد سلطانه في ذلك القطر البعيد، الذي رفعه القدر إلى ولايته ورياسته، والذي يضارع بضخامته وأهميته ملكاً عظيماً. وكان أقوى أولئك الخصوم والزعماء المنافسين ليوسف، عبد الرحمن بن علقمة اللخمي حاكم ثغر أربونة الملقب " بفارس الأندلس " تنويهاً بفائق شجاعته (2). وكان قد اشترك في الحرب الأهلية قبل ذلك بأعوام حسبما قدمنا. ثم ارتد بجنده إلى أربونة، واستعصم بها يرقب الحوادث والفرص. فلما تولى يوسف إمارة الأندلس، واضطربت شئون الشمال، أخذ يدبر العدة لعبور البرنيه ومحاربة يوسف، ولكن لم يلبث أن اغتاله بعض أصحابه وحملوا رأسه إلى يوسف، وتمت هذه الخيانة بوحي يوسف وتحريضه على الأرجح، وانهارت تلك المحاولة في مهدها (3). وخرج على يوسف في إشبيلية يوسف بن عمرو بن يزيد الأزرق، وكثر جمعه وقوى أمره، فزحف إليه يوسف وقاتله حتى هزمه وقتله. وخرج عليه في باجة عروة بن الوليد
(1) ابن الأبار في الحلة السيراء ص 58. وكذا Conde: ibid، V.I.p 127 و Aschbach:ibid،V.I.p. 102 ويضع صاحب أخبار مجموعة تاريخ هذه الحملة بعد ذلك بنحو عامين ص 76 و77.
(2)
ابن القوطية ص 43.
(3)
المقري عن ابن حيان ج 2 ص 62، والبيان المغرب ج 2 ص 39.
المعروف بالذمي لتحالفه مع أهل الذمة، والتف حوله النصارى فضلا عن أنصاره من العرب والبربر، وسار إلى إشبيلية فاستولى عليها، واتسع نطاق الثورة في تلك الأنحاء، فوجه إليه يوسف جيشاً لقتاله فهزمه عروة، فسار إليه يوسف بنفسه، ووقعت بينهما معارك شديدة انتهت بهزيمة عروة وأسره، ثم بقتله مع نفر من أصحابه. بيد أن ثورة أخطر وأوسع نطاقا كانت تدبر عندئذ في الشمال لخلع يوسف والصميل وسحق سلطانهما. وكان روح هذه الثورة ومدبرها زعيم مضري شديد البأس والجاه، هو عامر بن عمرو بن وهب العبدري، وكان عامر عريق الحسب والعصبية، وافر الجاه والأتباع، يتزعم مضر ويقودها خلال الحوادث، وكان صديقاً ليوسف الفهري قبل ظفره بالإمارة، يتولى مثله قيادة الجيش، فلما وُلِّى يوسف نزعها منه، وكان كباقي الزعماء ينقم من يوسف والصميل استئثارهما بالسلطة واستبدادهما بالشئون. فلما اضطرمت الأندلس بالفتن واتسع نطاق الثورة، أخذ يدبر وسائل الخروج على يوسف، وكان يبسط نفوذه على الجزيرة الخضراء، ثم انتقل إلى قرطبة يرقب الحوادث، وكاتب الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور، وعرض عليه أن يدعو له بالأندلس، وأن يحكمها باسمه، إذا بعث إليه بمرسوم إمارتها. وكان يتودد فوق ذلك إلى اليمانية، وينعى على يوسف والصميل إسرافهما في سفك دمائهم يوم شَقُندة، فالتفت حوله اليمنية والمضرية. ولم يكن يوسف يجهل حركاته وتدابيره، فلما هم بمطاردته والقبض عليه، فر إلى الشمال في كثير من أتباعه. وكان ثمة زعيمان قرشيان آخران هما الحباب بن رواحة الزهري من بني كلاب، وتميم بن معبد الفهري، قد رفعا لواء الثورة في ولاية سرقسطة، فتفاهم معهما عامر وتحالف، واجتمع إليه جيش كبير من اليمنية والمضرية والبربر، وزحف عامر والحباب الزهري على سرقسطة، حيث كان الصميل، وضيقا عليه الحصار. فاستغاث الصميل بحليفه يوسف. ولكن يوسف لم يستطع أو لم يُرد إنجاده بغية القضاء على سلطانه (1). فاضطر الصميل أن يلقى خصومه في أنصاره وأتباعه القلائل. ونشبت بين الفريقين مدى أشهر معارك عديدة، انتهت بهزيمة الصميل وانسحابه من سرقسطة في فل أنصاره، فدخلها عامر وحليفه، واستوليا عليها (سنة 136 هـ - 753 م). وعمت الثورة كورة
(1) البيان المغرب ج 2 ص 38 و43.
سرقسطة وما إليها، ودعا عامر لنفسه بولاية الأندلس، بمرسوم زعم أنه تلقاه من أبي جعفر المنصور، وخرج الشمال كله عن قبضة يوسف الفهري.
أما الصميل فارتد إلى طليطلة التي أسند إليه يوسف ولايتها بدلا من سرقسطة، وكان يوسف قد أنهكت قواه واستنفدت موارده تلك الحروب والثورات المتوالية، فاضطر أن يلزم السكينة حيناً. وبسط عامر سلطانه زهاء عامين، على كورة سرقسطة. وفي أواخر سنة 137هـ (754 م) سار يوسف إلى سرقسطة في جيش كبير، وحاصرها بشدة حتى ضاق أهلها بالحصار ذرعاً، ورأوا أن يتقوا مصائب الحصار، بتسليم عامر وابنه وهب والحباب الزهري إلى يوسف، فحملهم يوسف معه في الأصفاد، وارتد صوب طليطلة، ثم أمر بهم فقتلوا أثناء الطريق، وتخلص يوسف بذلك من آخر الزعماء الخوارج عليه (1). ولكنه لم يقدر أن خطراً آخر سيأتيه من خارج الجزيرة، وينذر جميع مشاريعه وتدابيره بالانهيار. ذلك أنه ما كاد يجتمع بصديقه وحليفه الصميل في ظاهر طليطلة، حتى أقبل عليه رسول من قرطبة يحمل كتاباً من ولده عبد الرحمن، خلاصته أن فتى من بني أمية يدعى عبد الرحمن بن معاوية قد نزل بساحل الأندلس في ثغر المُنكّب Almunecar، واجتمع إليه أشياع بني أمية في كورة إلبيرة (غرناطة)، وانتشرت دعوته في جنوب الأندلس بسرعة. وذاع الخبر في جيش يوسف فأحدث فيه ذعراً واضطراباً، وتفرق كثير من جنده. وقيل إن نبأ مقدم الأمير الأموي انتهى إلى يوسف أثناء سيره إلى الشمال ليقاتل نصارى جلّيقية، وبعد أن سحق الثوار في سرقسطة (2). وعلى أى حال فقد بادر يوسف والصميل فيمن بقى من الأشياع والجند بالسير إلى قرطبة، ليدبرا الخطط لرد هذا الخطر الجديد، وكان ذلك في أواسط سنة 138هـ (أواخر سنة 755 م).
وفي أثناء هذه الفتن والقلاقل المتواصلة، استولى الفرنج كما قدمنا على جميع القواعد والأراضي الإسلامية في سبتمانيا ولانجدوك، وهي التي تكون ولاية الثغر أو رباط الثغر، ولم يبق منها بيد المسلمين سوى أربونة. وكانت
(1) راجع في تفصيل هذه الحوادث، ابن الأبار في الحلة السيراء ص 52؛ وابن الأثير ج 5 ص 140 و184؛ والبيان المغرب ج 2 ص 43 و44؛ وكذا في Dozy: Hist: V.I.p. 184 & 185
(2)
ابن القوطية ص 20؛ ونفح الطيب ج 1 ص 154.
أمنع قلاع المسلمين فيما وراء جبال البرنيه، وقد استطاعت أن ترد غزوات الفرنج أيام كارل مارتل. فلما فقدت أربونة بطلها المدافع عنها أعني عبد الرحمن اللخمي فارس الأندلس، وسقطت أراضي الثغر كلها في يد النصارى، زحف ببين ملك الفرنج ومعه حليفه الكونت آنزيموند القوطي أمير سبتمانيا على أربونة، وطوقها بقوات كثيفة وضرب حولها الحصار الصارم (سنة 755 م). وكانت أربونة في غاية المنعة والحصانة، فاعتزم المسلمون الدفاع عنها لآخر نسمة، واضطر ببين خلال الحصار أيضاً، أن يرتد عنها بقسم من جيشه لمحاربة أمير أكوتين حفيد الدوق أودو، ورده عن الأراضي الفرنجية، وترك آنزيموند لمتابعة الحصار. ولكن آنزيموند قتل أثناء ذلك غيلة تحت أسوار أربونة، فعاد ببين لاستئناف الحصار وهاجم المدينة المحصورة مراراً، ولكن المسلمين استطاعوا أن يقاوموا الفرنج، ْوأن يردوا كل هجماتهم مدى أربعة أعوام، رغم عزلتهم وانقطاع صلتهم بالأندلس، وعدم تلقيهم أى مدد من أولى الأمر في قرطبة، لاشتغالهم بالحرب الأهلية. وكان اتصال المدينة بالبحر يسهل على المسلمين تلقى بعض المؤن، وتحمل ويلات الحصار. فلما رأى ببين أنه لا يستطيع أخذ المدينة بالحرب لجأ إلى الخديعة والخيانة، وتفاهم مع أهلها القوط، وقطع لهم عهوداً مؤكدة أنهم إذا عاونوه على أخذها، فإنه يترك لهم حرية التمتع بقوانينهم، ويمنحهم حقوقاً ومزايا كثيرة، فعمل القوط على إضرام الثورة داخل المدينة، ثم انقضوا ذات يوم على حراسها المسلمين وقتلوهم وفتحوا أبوابها، فدخلها الفرنج وفتكوا بسكانها المسلمين أيما فتك، وخربوا مساجدها ومعاهدها ودورها وذلك في سنة 759 م (142هـ)(1). وسقطت بذلك آخر المعاقل الإسلامية في غاليس في يد النصارى، وانهارت سيادة الإسلام فيما وراء جبال البرنيه، بعد أن استمرت هنالك زهاء نصف قرن، وعادت قوى النصرانية، فاحتشدت وراء تلك الآكام تتربص بالإسلام في الأندلس، بينما كانت قوى الإسلام داخل شبه الجزيرة يمزق بعضها بعضا.
وحذا نصارى الشمال حذو الفرنج في الاستفادة من تمزق الإسلام بالأندلس، ونريد بنصارى الشمال تلك البقية الباقية من القوط الذين ارتدوا أمام الفتح الإسلامي
(1) Dom Vissette: ibid، V.I.p. 827