المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأولولاية محمد بن عبد الرحمن بن الحكم - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ١

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الكتاب الأولفتوح العرب في إفريقية والأندلس وغاليس وعصر الولاة في الأندلس

- ‌الفصل الأولفتوح العرب في إفريقية

- ‌الفصل الثانيإسبانيا قبل الفتح الإسلامي

- ‌الفصل الثالثفتح أسبانيا

- ‌الفصل الرابعإسبانيا بعد الفتح الإسلامي

- ‌الفصل الخامسغاليس بين العرب والفرنج

- ‌الفصل السادسبلاط الشهداء

- ‌الفصل السابعالأندلس بين المد والجزر

- ‌الفصل الثامِنُالحرب الأهلية

- ‌الفصل التاسعخاتمة عصر الولاة

- ‌الكتابُ الثانيالدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْالقسم الأول عَصْرُ الإمارة من عبْد الرحمن الداخل إلى عبْد الرحمن بن الحَكم

- ‌الفصل الأولمصرع الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية

- ‌الفصل الثانيبعث الدولة الأموية في الأندلس

- ‌الفصل الثالثولاية عبد الرحمن الداخل

- ‌الفصل الرابعموقعة رونسفال أو باب شزروا

- ‌الفصل الخامسولاية عبد الرحمن الداخل

- ‌الفصل السادسخلال عبد الرحمن ومآثره

- ‌الفصل السابعالمملكة النصرانية الشمالية

- ‌الفصل الثامنهشام بن عبد الرحمن والحكم بن هشام

- ‌الفصل السادسعبد الرحمن بن الحكم

- ‌الكتابُ الثانيالدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْالقسم الثاني عَصْرُ الإمَارَة من محمد بن عبد الرحمن إلى عبد الله بن محمد وعَهْد الفتنة الكبْرى

- ‌الفصل الأوّلولاية محمد بن عبد الرحمن بن الحكم

- ‌الفصل الثانيولاية المنذر بن محمد بن عبد الرحمن

- ‌الفصل الثالثولاية عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن

- ‌الفصل الرابعولاية عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن

- ‌الفصل الخامسالمملكة الإسبانية النصرانية

- ‌الكتاب الثانيالدّوْلة الأموَّية في الأندَلسْالقسم الثالث عبد الرحمن الناصر وقيام الخلافة الأموية بالأندلس

- ‌الفصل الأولولاية عبد الرحمن الناصر

- ‌الفصل الثانيخلال الناصر ومآثره

- ‌الفصل الثالثغزوات المسلمين

- ‌الكتاب الثانيالدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْالقسم الرابع رَبيع الخلافة الأندَلسِيّة

- ‌الفصل الأوّلالحكم المستنصر بالله

- ‌الفصل الثانيهشام المؤيد بالله

- ‌الكِتابُ الثالِثالدّولة العامِريّة

- ‌الفصل الأوّلالحاجب المنصور

- ‌الفصل الثانيخلال المنصور ومآثره

- ‌الفصل الثالثالممالك النصرانية الإسبانية

- ‌الفصل الرابععبد الملك المظفر بالله

- ‌الكتابُ الرابعسُقوطُ الخلافة الأندلسيّة ودوْلة بَني حمّود

- ‌الفصل الأوّلالخلافة في معترك الفتنة والفوضى

- ‌الفصل الثانيدولة بني حمُّود

- ‌الكتابُ الخامسالنظم الإداريّة والحركة الفكريّة في عصْري الإمارة والخلافة

- ‌الفصل الأولنظم الحكم

- ‌الفصل الثانيالحركة الفكرية الأندلسية

- ‌ثبت المراجع

الفصل: ‌الفصل الأولولاية محمد بن عبد الرحمن بن الحكم

‌الفصل الأوّل

ولاية محمد بن عبد الرحمن بن الحكم

وطوالع الثورة الأولى

محمد بن عبد الرحمن. ظروف توليته والتمهيد لها. الثورة في طليطلة. مسير محمد إلى طليطلة. استعانة الثوار بملكي ليون ونافار. موقعة وادي سليط. تحريضات النصارى المتعصبين. غزوة ألبة والقلاع. عود إلى محاربة طليطلة وإخضاعها. غزوة النورمانيين. عيثهم في جنوبي الجزيرة. ارتدادهم من طريق الشمال. غزو المسلمين لنافار وألبة والقلاع. موسى بن موسى وسيادته في الثغر الأعلى. الحرب بينه وبين أردونيو. مصرع موسى. ولده لب ومحالفته للنصارى. أخوته الثلاثة. غزو المسلمين لألبة والقلاع. هزيمة المسلمين. عود إلى غزو ألبة. هزيمة النصارى. الثورة في ماردة وإخمادها. احتماء بني قسي بملك النصارى. الثورة في قواعد الثغر الأعلى. استيلاء بني قسي على تطيلة وسرقسطة. مسير محمد الثغر الأعلى. استيلاؤه على تطيلة. غزوه لنافار. زحف المنذر إلى سرقسطة. غزوه لنافار ثانية. عوده إلى غزو الثغر الأعلى. افتتاح المنذر لحصن روطة. استيلاؤه على لاردة. خضوع سرقسطة. الخلاف بين بني قسي. خروج محمد بن لب في سرقسطة وتحالفه مع النصارى. سير المنذر إلى سرقسطة واستيلاؤه عليها. الهدنة بين المسلمين والنصارى. عود ابن مروان إلى الثورة في ماردة. سير محمد لقتاله. تحالف ابن مروان مع ملك ليون. هزيمة جيش الأندلس وأسر قائده. عيث ابن مروان بنواحي الغرب. التجاؤه إلى ملك ليون. زحف المنذر على بطليوس وإحراقها. الثورة في شنت برية وبنو ذو النون. ظهور ابن حفصون في جبل ببشتر. بواعث الفتنة في كورة ريه. غزو ابن حفصون لكورة ريه. محاربة ابن حفصون وأسره. فراره واستئنافه الثورة. سير المنذر لقتاله. محاصرة الحامة. وفاة محمد بن عبد الرحمن وعود المنذر إلى قرطبة. خلال محمد. عنايته بالجيش والأسطول والمنشئات الدفاعية. نظام البلاط في عهده. حجابه ووزراؤه. أعماله الإنشائية. المسجد الجامع ومنية الرصافة. شخصه وخلاله. أدبه وبلاغته. عطفه على العلماء والأدباء. حمايته لبقي بن مخلد. نفوذ الفقهاء في عهده. تسامحه نحو النصارى.

ترك عبد الرحمن بن عبد الحكم، مملكة زاهرة موطدة الأركان، تنعم بالاستقرار والهدوء. ولكن هذا الاستقرار الظاهر، كان يحجب كثيراً من التيارات الخفية، ْالتي تهدد أمن المملكة وسلامتها. ذلك أن الهزات العنيفة التي توالت على الأندلس في عهد عبد الرحمن، تركت آثارها العميقة في هذا الصرح الباذخ.

وكانت الثورات المحلية المتعاقبة، وغزوات النورمانيين، ودسائس النصارى المتعصبين، كلها تنذر بأن الاستقرار المؤقت الذي تنعم به المملكة، لم يكن سوى

ص: 288

هدنة خادعة، حققتها سياسة قوية حازمة. وكانت عناصر الإضطراب والغدر تجثم هنالك في صدور المنافقين والطامعين، وتنذر حكومة قرطبة وعرش بني أمية بأعظم الأخطار.

تولي محمد بن عبد الرحمن الملك عقب وفاة أبيه، في الرابع من ربيع الآخر سنة 238هـ (24 سبتمبر سنة 852 م)، ودخل القصر وأبوه مسجى على سريره، فاقتعد لفوره سرير الملك، وأخذ له البيعة الحاجب عيسى بن شُهيد. وكان يومئذ قد جاوز الثلاثين بقليل. وكان مولده في شهر ذى القعدة سنة 207هـ (إبريل سنة 823 م). وأمه أم ولد تدعى بهير (1). وكانت ظروف ولايته ممهدة من قبل، وكان والده عبد الرحمن قد استخلفه بقصر الإمارة، حينما اعتزم أن ينيبه عنه في سنة 226هـ، وهو يومئذ فتى في العشرين من عمره، ثم ولاه ثغر سرقسطة، فضبطه وأحسن إدارته، وصحب والده إلى بنبلونة في غزوته المظفرة سنة 228هـ، وقاد ميمنة الجيش، وأثنى عليه والده في كتاب الفتح، فاشتهر اسمه بين الناس، ثم ندبه أبوه بعد ذلك لمقابلة رسل ملك الفرنج قارله (كارل) بن ببين القادمين إليه. وأخيراً كلفه بالركوب إلى البلاط بصفة منتظمة، ليرفع إليه الكتب الواردة بعد تلخيصها بمعرفته، وقد تم هذا الإجراء بتوصية الحاجب عيسى بن شهيد ونصحه، وذلك لتمكين أمر محمد ومكانته، وتوهين ما كان يحاوله نصر الخصي الأثير لدى الأمير، وحليف حظيته طروب المتغلبة عليه، من ترشيح ولدها عبد الله لولاية العهد، وتمكين أمره.

ولم يكن ذلك دون اختيار وتثبت. ذلك أن عبد الرحمن، كان حسبما يحدثنا عيسى الرازي " قد كشف عن مذاهب ولده، ولداً ولداً، وعجم أخلاقهم اختباراً، فوجد محمداً راجحاً لهم بخلاله ". فاختاره ليخلفه من بعده، وأوعز إلى وزرائه وأكابر دولته، بأنه صاحب ولاية عهده، والمفوض إليه الأمر من بعده، وكلفهم جميعاً، ومعهم القاضي وأهل الشورى، بالركوب إليه وغشيان مجلسه أيام الجمع في المسجد الجامع، وأبدى على الجملة بما لا يدع مجالا لأى شك، بإيثاره على جميع ولده، وتفرده دونهم بخلافته في ملكه.

ْوفضلا عن ذلك كله، فقد كانت لمحمد عيون من الصقالبة بالقصر يطالعونه

(1) البيان المغرب ج 2 ص 96.

ص: 289

بالأخبار في وقتها. فما توفي والده، وافاه في مساء نفس اليوم رسول من قبل حبيب الخصي، يستدعيه إلى القصر بسرعة، فبادر إلى القصر متنكراً وقد أخفي سلاحه تحت ثيابه، خوفاً من دسائس أخيه ومنافسه عبد الله، لتمكن نفوذ أمه داخل القصر. وكان الصقالبة قد كتموا موت الأمير، وأغلقوا أبواب القصر، وثارت بينهم مناقشات عنيفة حول ولاية العرش، وانتهى الأمر بتفضيل محمد وتقرير استدعائه. وخرج محمد من غرفة أبيه المسجي إلى مجلس البيعة، واستدعى إخوته التسعة والأربعين، وعمومته، وأهل بيته، وعظماء المملكة. وأخذت له البيعة دون خلاف (يوم الجمعة الرابع من ربيع الأول 238 هـ)، ثم أخذت له بيعة الكافة في المسجد الجامع أياماً متوالية (1).

أوردنا هذه التفاصيل لنقف على نوع الإجراءات التي كانت تتخذ لتقرير ولاية العهد، في إمارة قرطبة الأموية، ثم لنقف على الدور الذي أخذ يضطلع به الفتيان الصقالبة منذ الآن فصاعداً في مسألة خلافة العرش، وهو دور كان له أثره الحاسم في كثير من المواطن.

وكان محمداً أميراً ذكياً فطناً بالأمور (2)، تولى والأفق الذي ظلل عصر أبيه العظيم مازال يحتفظ بلمعانه، وملوك اسبانيا النصرانية يحسبون حسابه، ويشعرون بأنه خلف كفء لأبيه، وملوك العدوة القريبين من الأندلس يخطبون وده، وملك الفرنج يسعى إلى عقد السلم معه.

وأقر محمد حاجب أبيه عيسى بن شهيد، ومعظم الوزراء الذين كانوا يتولون خدمة أبيه على خططهم ومراتبهم؛ وصنع نظاماً جديداً للوزارة، تتميز فيه الخطط الرفيعة على غيرها، ويمتاز فيه الوزراء بنوع من التعظيم والتجلة، وقدم الوزراء من أهل الشام على غيرهم من الأندلسيين والبربر، وأعلاهم في الجلوس على أرائكهم ببيت الوزارة. وكان بنفسه يشرف على أعمال الوزارة والكتاب، ويدقق في أعمالهم وتصرفاتهم وحساباتهم (3). ولما توفي عيسى بن شهيد، خلفه في الحجابة عيسى بن الحسن بن أبي عبدَة، وكان بالرغم من رثاثة هيئته وزيراً قوياً،

(1) ابن حيان عن أحمد بن محمد الرازي، وعيسى بن أحمد الرازي، ومعاوية بن هشام الشبينسي؛ مخطوط القرويين اللوحات 215 إلى 220 ب.

(2)

ابن الأثير ج 7 ص 141.

(3)

ابن حيان عن أحمد الرازي؛ مخطوط القرويين لوحة 223.

ص: 290

وافر الفطنة والذكاء، صائب الرأي والتقدير. وكان هاشم بن عبد العزيز من بين وزراء الأمير محمد، أشدهم خصومة ومنافسة للحاجب ابن أبي عبدة، وكان في نفس الوقت أحب وزراء الأمير إليه، وأكثرهم حظوة لديه، فلم يلبث أن غلب نفوذه على سائر الوزراء. ويقول لنا ابن عبد البر إن هذه الحظوة التي استأثر بها الوزير هاشم لدى الأمير محمد، كان لها أثر سيىء في تصرفات الأمير، وأنه أي هاشم قد أفسد عليه أمره، " فشرّهه، وصلفه، وحمله على غير المنهج من محمود طرقه، وعدل عن اختيار ثقات العمال، من الشيوخ والكهول أولي النهي والأصول، إلى الأحداث من أولي الشر والخيانة ودناءة الأصول. فلم يلبث الأمر أن فسد بذلك إلى أبعد حال .. فنجمت الفتنة بأكثر البلاد، وكثر في الأرض الفساد في المملكة "(1).

وفي أقوال ابن عبد البر عن هذا التحول في سياسة الأمير محمد وفي أساليب حكمه مبالغة، ينقضها ما أورده صاحب البيان المغرب وغيره عن صفاته (2). وعلى أى حال فسوف نرى أى دور خطير يلعبه الوزير هاشم بن عبد العزيز، الذي تولى الحجابة فيما بعد، في ميدان الحرب والسياسة في عهد الأمير محمد.

وقد شاء القدر أن يكون عهد محمد بداية عصر من أخطر عصور التاريخ الأندلسي، وأشدهم خطراً على ملك بني أمية، وعلى دولة الإسلام في الأندلس.

ذلك أنه ما كاد يتبوأ العرش، حتى بدأت طلائع تلك الثورة الجارفة، التي قدر له أن يضطلع بكفاحها طوال حكمه، الذي امتد خمسة وثلاثين عاماً، والذي يصفه ابن حيان بقوله:" والمشوب آخره بالتنكيد، المنصرم عن فرقة الجماعة، ونجوم النفاق بكل جهة ".

ففي منتصف ربيع الثاني سنة 238 هـ، يعنى لأيام قلائل فقط من وفاة عبد الرحمن، وولايه محمد، تحرك أهل طليطلة التي ما فتئت تفيض بعوامل الثورة.

وكان بها عندئذ سعيد بن الأمير محمد، والعامل عليها حارث بن بزيع. وكان جماعة من المارقين وأهل الشر، قد اجتمعوا في الهضبة القريبة من المدينة المسماة " جبل الأخوين " بزعامة مسوقة بن مطرّف، وهو أحد الزعماء الخوارج الذين فروا من قرطبة، فلما وقفوا على وفاة الأمير عبد الرحمن، كاتبوا أهل طليطلة وحرضوهم على الوثوب بسعيد ومن معه. فاضطرمت الثورة داخل المدينة،

(1) نقله ابن حيان، مخطوط القرويين اللوحة 222 أ.

(2)

راجع البيان المغرب ج 2 ص 111.

ص: 291

وساعدهم ابن مطرف بحشوده من الخارج، وانتهى الأمر بهزيمة جند الأمير، واستطاع سعيد أن يغادر المدينة، ولكن الثوار أسروا عاملها حارثاً، ورفضوا إطلاق سراحه حتى أطلقت حكومة قرطبة رهائنهم المعتقلة هناك (1). وفي صيف العام التالي (سنة 239 هـ - 853 م) بعث الأمير محمد أخاه الحكم في جند الصائفة إلى قلعة رباح، وكانت قد أقفرت وخربت وغادرها معظم أهلها، عقب مهاجمة أهل طليطلة الخوارج لها، وقتلهم كثيراً من أهلها، فاحتلتها جند الأمير، وقامت بإصلاح أسوارها، واستدعى أهلها الفارون وأمنوا؛ وفعل الحكم مثل ذلك بحصن شندلة، الواقع على النهر المسمى بهذا الإسم Jandula، وهو من أفرع الوادي الكبير؛ وجالت جند الأمير في تلك المنطقة تطهيراً من الثوار، وخرجت منها حملة سارت جنوباً، فلقيتها عصابات الخوارج من أهل طليطلة في فحص أندوجر، ووقعت بين الفريقين معركة عنيفة هزم فيها جند الأمير، وردوا بخسارة فادحة (شوال سنة 239 هـ). وعلى أثر ذلك خشي أهل مدينة جيّان القريبة على أنفسهم من عيث الخوارج، فغادرها كثير منهم إلى الجبال، وابتنى الأمير محمد لهذا السبب حصن " أندة " على مقربة جيان، وضم إليه العرب المقيمين على الطاعة، وسمى المكان لذلك " أندة العرب "(2).

وعندئذ شعر محمد بما يهدد العاصمة من الأخطار، وأراد أن يلقي على ثوار طليطلة، درساً عميق الأثر، فسار إليها في المحرم سنة 240هـ (يونيه 854 م) على رأس قوة كبيرة. وكانت أول حملة يقودها بنفسه بعد تبوئه الملك. وكان عماد الثورة في طليطلة جمع كبير من المولدين والنصارى، الذين تحركهم روايات المتعصبين، عن الاضطهاد الذي يلقاه إخوانهم في قرطبة، وكانوا يتطلعون دائماً إلى عون ملك النصارى، فلما استشعروا عزم محمد على قتالهم، بادروا بالاستعانة بأردونيو (أردن) ملك ليون، وكذلك بملك نافار، وأمدهم أردونيو بقوة على رأسها الكونت غاتون (3). وكان تدخل النصارى على هذا النحو لتأييد الثورة ضد حكومة قرطبة، عاملا في إذكاء حماسة المسلمين، فهرعت جموع كبيرة إلى جيش الأمير، ومنهم كثير من الفرسان الأشراف وذوي الحسب، وسار محمد صوب

(1) ابن حيان عن الرازي في مخطوط القرويين لوحة 259 أ.

(2)

مخطوط القرويين لوحة 259 ب.

(3)

ابن خلدون ج 4 ص 130، والبيان المغرب ج 2 ص 97. ويقول صاحب البيان إن الكونت غاتون هو أخ لملك ليون.

ص: 292

طليطلة في بعض قواته، وترك بقية جيشه الكثيف مستتراً بالتلال التي تظلل وادي سليط، وهو الوادي الذي يخترقه النهر المسمى بهذا الإسم Guazalete، وهو أحد أفرع التاجُه الجنوبية، فلما رأى أهل طليطلة قلة الجيش المحاصر، خرجوا لقتاله ومعهم حلفاؤهم النصارى وهم على ثقة من الظفر، فارتد محمد بجنوده نحو وادي سليط متظاهراً بالهزيمة، وعندئذ برزت قوات الأندلس من مكامنها، وأطبقت على الثوار وحلفائهم النصارى، وكانت موقعة هائلة مزقت فيها جموع الطليطليين والإسبان في ساعات قلائل من الصباح إلى الضحى، وقتل منهم مقتلة عظيمة تقدرها الرواية الإسلامية بأحد عشر ألفاً، وقيل بل عشرين ألفاً، وأسر منهم كذلك عدد جم، بينهم كثير من القساوسة وقد أعدموا على الفور، ورصت رؤوس القتلى، وأذن فوقها لصلاة الظهر. وكان نصراً عظيماً. وفي هذه الموقعة يقول شاعر العصر عباس بن فرناس:

ومؤتلف الأصوات مختلف الزحف

لهوم الفلا عبل القبائل ملتف

إذا أومضت فيه الصوارم خلتها

بروقاً تراءى في الغمام وتستخفى

كأن ذرى الأعلام في ميلانها

قراقير في يم عجزن عن القذف

بكى جبلا وادي سليط فأعولا

على النفر العبدان والعصبة الغلف

يقول ابن يوليس لموسى وقد ونى

أرى الموت قدامي وتحتي ومن خلفي

قتلنا لهم ألفاً وألفاً ومثلها

وألفاً وألفاً بعد ألف إلى ألف

سوى من طواه النهر في مستلجِّه

فأغرق فيه أو تهدهد من جرف

لقد نعمت فيه غزاة نسورنا

وسمعت الدقات قصفاً على قصف (1)

على أن الفتنة في طليطلة لم تهدأ ولم تخمد، فقد استمر تحريض النصارى المتعصبين فيها على أشده، وأضحت المدينة الثائرة موئلا لطائفة من القسس المتعصبين مثل أولوخيو وصحبه، يبثون دعايتهم المضطرمة في طليطلة وما جاورها من الأنحاء، ويصورون مصير النصارى في ظل الحكم الإسلامي بأشنع الصور، ويدعون إلى التحرر من الاضطهاد الديني والاجتماعي، وكان صدى هذه

(1) ينقل لنا ابن حيان عن موسى الرازي تفاصيل هذه الموقعة - مخطوط القرويين لوحة 260 أوب و261 أ. وراجع البيان المغرب ج 2 ص 97 و114. وكذلك: Dozy.Histoire، V.I.p. 355

ص: 293

الدعوة يتردد قوياً في العاصمة الأندلسية، ويبث القسس تحريضهم ودعايتهم المسمومة، مثلما كانوا يفعلون أيام عبد الرحمن بن الحكم (1). وكان محمد يرقب هذه الفتنة حذراً من عواقبها، وعواقب تمرد المدينة الثائرة، ومن ثم فقد لبث متأهباً لمقارعتها، وشحن قلعة رباح وطلبيرة على مقربة منها بالجند والعدد.

وسير الأمير محمد كذلك الصوائف والحملات الغازية إلى الثغر الأعلى. ففي سنة 239 هـ (853 م) سير جيشاً بقيادة موسى بن موسى بن قسيّ والي تطيلة إلى ألبة والقلاع. وكان موسى أيام الأمير عبد الرحمن، من زعماء الثورة في الشمال، وتحالف مع النصارى حسبما تقدم، وقاتله عبد الرحمن حتى تمكن من إخضاعه. ولكنه عاد في أواخر عهده إلى سابق مكانته من زعامة الثغر الأعلى، واستطاع أن يوطد استقلاله في تطيلة وما جاورها، مع التظاهر في نفس الوقت بالولاء لحكومة قرطبة، اتقاء لخصومتها. فسار إلى ألبة والقلاع وعاث فيها، وهزم النصارى في عدة مواقع، وافتتح بعض الحصون، ثم عاد بعد ذلك فاتجه صوب ثغر برشلونة، وانتزع بعض حصونه من أيدي النصارى، وتضع بعض الروايات تاريخ هذه الغزوة في سنة 242 هـ (856 م). بيد أنه يبدو من أقوال الرازي أنها وقعت قبل سنة 241 هـ (2).

وفي صيف سنة 241هـ (855 م) سار محمد بنفسه إلى ألبة والقلاع، وقد كتب إلى موسى بن موسى وأهل الثغور بالاحتشاد والسير في حملته، فعاث في بسائط ألبة والقلاع، وافتتح كثيراً من حصون النصارى. وفي العام التالي بعث موسى بن موسى إلى أحواز برشلونة، فغزاها وخرب برشلونة وافتتح بعض حصونها، وأسر بعض أمرائها (3).

بيد أن اهتمام الأمير لبث في الوقت نفسه بالأخص موجهاً إلى طليطلة، فبعث ولده المنذر إلى المدينة الثائرة في قوة كبيرة فحاصرتها وعاثت في أحوازها (242هـ)، ولم يجرأ الثوار هذه المرة على مغادرة مدينتهم. ولكنهم خرجوا في العام التالي إلى طلبيرة لمقاتلة الحامية الأندلسية بها، فخرج إليهم قائدها مسعود بن عبد الله،

(1) يفيض دوزي في شرح أدوار هذه الفتنة الدينية وأعمال دعاتها: Dozy: Hist;V.I.p. 356-362

(2)

مخطوط القرويين لوحة 261 ب.

(3)

البيان المغرب ج 2 ص 98.

ص: 294

وأوقع بهم وقتل منهم عدة مئات أرسلت رؤوسهم إلى قرطبة. وسارت جند الصائفة في الوقت نفسه إلى طليطلة، فنازلتها وعاثت في أحوازها، وانتسفت زروعها وأقواتها.

ورأى الأمير محمد أن يتابع معاقبة أهل طليطلة. فخرج إليهم بنفسه في صيف سنة 244 هـ (858 م)، وحاصر المدينة الثائرة، وتأهب أهلها لقتاله بالرغم مما أصابهم من نقص في القوى، وشح في الأقوات، واعتمدوا على حصانة مدينتهم. ولجأ محمد إلى الحيلة فهدم مهندسوه قواعد القنطرة الكبيرة مع تركها قائمة ثم انسحب بجنوده، وهنا خرج أهل طليطلة لقتاله، فلما احتشدوا على القنطرة سقطت بهم في نهر التاجه وغرق منهم عدد جم (1). ولم يترك محمد هذه المرة وسيلة رائعة إلا استعملها لسحق المدينة الثائرة، فخرب حصونها ومعالمها، وأوقع بأهلها قتلاً وتشريداً، حتى اضطروا إلى طلب الأمان والصلح، وأذعنوا للخضوع والطاعة، وهم يعتزمون النكث في قرارة أنفسهم متى سنحت الفرص (245 هـ - 859 م).

وهكذا لبثت طليطلة عصراً تضني حكومة قرطبة بتمردها وثوراتها المتوالية؛ وكانت حاضرة القوط القديمة تشعر دائماً بقوتها ومنعتها الطبيعية، وكانت فوق ذلك مثوى التيارات النصرانية الخطرة حسبما بينا، تنساب إليها من نصارى الشمال، ومن النصارى المعاهدين بقرطبة، ومن أهلها أنفسهم. والواقع أن طليطلة كانت بوعورة موقعها علي المنحدر الصخري الممتد نحو نهر التاجه، وإحاطة النهر بهذا المنحدر الوعر، ثم بحصونها القوية، وأسوارها العالية الضخمة، من أمنع مدن العصور الوسطى. وما تزال إلى اليوم حين نتأملها ونتجول فيها، تذكرنا بموقعها الصعب، وطرقها الصخرية الوعرة، وبقية أسوارها وحصونها المنيعة، بما كان لها من سابق الحصانة والقوة فيما خلا من العصور.

وهكذا أخمدت ثورة المولدين والنصارى المعاهدين في طليطلة إلى حين؛ وتأهب محمد في الوقت نفسه لقمع شغب النصاري المتعصبين في قرطبة وغيرها،

(1) يقدم إلينا ابن حيان عن هدم القنطرة قصة أخرى، فيقول إن جنود محمد حاولوا هدم القنطرة تحت أنظار أهل المدينة، وأنهم سخروا من هذه المحاولة، وأيقنوا بعقمها. ثم خرجوا للقتال، واحتشد الكثير منهم فوق القنطرة، فانهارت تحت أقدامهم وهوت بمن فوقها إلى النهر، وهدمت صخورها عليهم من كل ناحية (مخطوط القرويين لوحة 262 أ).

ص: 295

وإخماد نزعتهم الثورية الخطيرة. وحوكم القس أولوخيو الذي أشرنا من قبل إلى دعايته وتحريضه أيام عبد الرحمن، وكان ما يزال معقد الدسائس الدينية، وقضى بإعدامه كما قضى بإعدام صاحبته ومعاونته الفتاة ليوكريسيا (مارس سنة 859 م). ورأى النصارى فتنتهم تنهار وركنوا إلى السكينة، وخبت جذوة تعصبهم، التي لبثت أعواماً طويلة تضطرم في قرطبة، ولم يبق من حماستهم سوى الذكرى (1).

ولم يكد ينتهي الأمير محمد من إخضاع طليطلة، حتى دهم الأندلس خطر النورمانيين مرة أخرى. ففي نفس هذا العام (245 هـ - 859 م) انحدر النورمانيون (وهم الأردمانيون أو المجوس كما تسميهم الرواية الإسلامية) في سفنهم نحو شواطىء جليقية، وعاثوا في شاطىء اسبانيا الغربي. وتقدر الرواية الإسلامية أسطول النورمان في هذه المرة باثنين وستين مركباً؛ وطاردتهم السفن الأندلسية، وكانت دائماً على قدم الأهبة تجوس خلال المياه الغربية بصفة مستمرة استعداداً لرد أولئك الغزاة الخطرين، مذ فاجأوا الأندلس بغاراتهم المخربة أيام عبد الرحمن. ووصلت بعض سفن النورمانيين جنوباً حتى تجاه مدينة باجة، وهنالك استطاعت السفن الأندلسية أن تقضي على طلائع الغزاة، وأن تنتزع سفينتين من سفنهم المحملة بالغنائم والسبي، بيد أنهم انقضوا على الشواطىء الجنوبية، ووصلوا إلى مصب نهر الوادي الكبير، ثم انحدروا جنوباً حتى مياه الجزيرة الخضراء.

وفي تلك الأثناء كانت القوات الأندلسية قد سارت إلى الغرب بقيادة الحاجب عيسى بن أبي الحسن بن أبي عبدة، وهرع الناس إلى جيش الأمير من كل صوب، وتقدم الأسطول بقيادة أميرى البحر حشحاش وابن شكوح، وقد عبىء أحسن تعبئة، وجهز بالأنفاط وفرق الرماة الكثيفة، ورد الغزاة أولا عن إشبيلية بعد عدة معارك برية وبحرية. ثم نشبت بين الفريقين بعد ذلك معركة بحرية شديدة تجاه شاطىء شذونة، وغنم المسلمون في البداية مركبين آخرين، ولكن السفن النورمانية تكاثرت على جناح الأسطول الذي يقوده حشحاش، وغلبت عليه، وقتل أمير البحر المسلم فوق سفينته، تم انحدر النورمانيون صوب الجزيرة الخضراء واقتحموها، وأحرقوا مسجدها الجامع، وعاثوا فيها سفكاً ونهباً، وسارت

(1) Dozy: Hist، V.I.p. 361-362

ص: 296

بعض سفنهم إلى شواطىء العدوة (عدوة المغرب) وعاثت فيها، ثم نزلوا بشاطىء الأندلس الجنوبي، وسارت سفنهم قبالتهم على ساحل تدمير حتى أوريولة، فدخلوها، وعاثوا في تلك الأنحاء نهباً وسبياً، واشتبكوا مع القوات الأندلسية في عدة معارك برية وبحرية عنيفة، حطمت فيها بعض سفنهم، وقتل كثير من المسلمين، واستمر عيث النورمانيين على هذا النحو أشهراً حتى خبت فورتهم، وفقدوا كثيراً من سفنهم. فارتدوا نحو الشمال على طول شواطىء اسبانيا الشرقية، ونفذت منهم قوة خلال نهر إبره إلى نافار، واقتحموا عاصمتها بنبلونة وأسروا ملكها غرسية، ولم يطلقوه إلا لقاء فدية كبيرة، وأغارت قوات أخرى منهم على الجزائر الشرقية وشواطىء بروفانس حيث عبروا مصب الرون، وخربوا آرل ونيمة وفالانس.

وهكذا لم تكن الغزوة النورمانية في هذه المرة مفاجأة مثلما كانت الغزوة الأولى، ولم يكن عيث الغزاة على نفس النطاق الواسع. وهذا ما يسجله لنا ابن حيان في ختام حديثه عنها، إذ يقول:" فلم يكن لهم في هذه الكرّة الإنبساط في البحر، والإضرار بأهل السواحل ما جرت به عادتهم، ولم يجدوا في السواحل مطمعاً لشدة ضبطها، ولاقوا مع ذلك من البحر هولا عطبت له من مراكبهم أربعة عشر مركباً بناحية البحيرة من الجزيرة، فنكبوا عن حائط الأندلس، واعتلوا إلى جهة الفرنجة، فلم يلقوا ظفراً، وأسرعوا الانصراف إلى بلدتهم بالخيبة، فلم تكن لهم بعد بالأندلس إلى اليوم عودة "(1).

وفي العام التالي أعني سنة 246 هـ (860 م) بعث محمد حملة إلى الولايات الشمالية بقيادة حاكم طرطوشة. ويقول لنا ابن حيان إن الأمير محمد هو الذي غزا بالصائفة بنفسه في تلك السنة. وكان غرسية ملك نافار، قد تحالف عقب انطلاقه من أسر النورمان مع أردونيو ملك ليون، وأغارت قواتهما المتحالفة على الأراضي الإسلامية. وعلى أى حال فقد زحفت القوات الأندلسية على نافار، ولم تكن قد

(1) تختلف الرواية الإسلامية في تاريخ هذه الغزوة النورمانية الثانية لشواطىء الأندلس، فيضعه الرازي في سنة 245 هـ (859 م). ويتابعه في ذلك ابن الأثير وابن عذارى. ويضعها هشام ابن معاوية الشبينسي في سنة 247 هـ (861 م)، وقد أخذنا بالرواية الأولى لأنها أرجح وأكثر اتفاقاً مع سير الحوادث. راجع في تفاصيل الغزوة، ابن حيان في مخطوط القرويين (لوحة 263 أوب و264 أ، والعذري في " الأوراق المنثورة من ترصيع الأخبار " ص 118 و119، وابن الأثير ج 7 ص 28، والبيان المغرب ج 2 ص 99.

ص: 297

أفاقت بعد من ضربة النورمانيين، وغزت بنبلونة وخربت حصونها. ولم تقو جموع غرسية على رد المسلمين، واستمر المسلمون بضعة أسابيع يخربون بسائط نافار وينتسفون قراها وحصونها، وكان من بين الأسرى فرتون ولد غرسية، فأخذ إلى قرطبة حيث اعتقل زهاء عشرين عاماً (1).

وفي صيف سنة 247 هـ (861 م) سارت حملة أندلسية أخرى إلى ألبة والقلاع. وكان موسى بن موسى قد طلب إلى محمد أن يكون طريق الحملات الغازية عن غير منطقته، نظراً لما يتجشمه في مقارعة النصارى من جهد، وما يصيب أراضيه من الدمار، فأجابه الأمير إلى طلبه، وسارت الحملة من طريق آخر، وعاثت في أراضي النصارى.

وكان موسى بن موسى بن قسيّ يومئذ، قد بسط نفوذه على بسائط قواعد الثغر الأعلى، وأصبح سيداً لتطيلة ووشقة وسرقسطة وأحوازها. وكان هذا الزعيم القوي الذي يرجع حسبما أسلفنا إلى أصل نصراني، وله مصاهرة وقرابة مع الأمراء النصارى، ينتهز كل فرصة لتدعيم استقلاله، وكان يتشح بلقب الإمارة، ولم يكن يدين لحكومة قرطبة إلا بنوع من الولاء الإسمي. وكانت علائقه مع أردونيو ملك ليون جاره من الغرب، تتردد بين الخصومة والتحالف وفقاً للظروف. وكان أردونيو ينظر إلى اتساع ولايته من ناحية الغرب بعين القلق، وموسى من جانبه يحرص على تحصين قواعده وحدوده؛ ففي سنة 248 هـ (862 م) سار موسى في قواته إلى الغرب لتحصين قواعده الغربية ومعه صهره غرسية أمير نافار، وحاول أردونيو من جانبه أن يحبط هذه الحركة، فهاجم بعض الحصون التابعة لموسى وفي مقدمتها حصن " البلدة " الواقع على نهر إبره على مقربة من قلهرّة، ونشبت بين الفريقين معركة جرح فيها موسى جراحاً خطيرة، وهزمت قواته وقتل منها عدد كيير من المسلمين والنصارى، وقتل صهره غرسية، وهدم أردونيو حصن البلدة وغيره من الحصون التي تحمي أراضي ابن قسي، ولم يمض سوى قليل حتى توفي موسى نفسه متأثراً بجراحه، وكانت وفاته نذيراً بتطور الحوادث في الثغر الأعلى.

وذلك أن موسى بن موسى كان بالرغم من استقلاله عن حكومة قرطبة،

(1) راجع البيان المغرب ج 2 ص 99 و100، ومخطوط القرويين اللوحة 263 أ.

ص: 298

يقف بقواعده وقواته في الشمال الشرقي، سداً منيعاً في وجه النصارى. فلما توفي أعلن ولده لب خضوعه لأردونيو ملك ليون، وتحالف معه ضد المسلمين، وزحف على وادي الحجارة يبغي الاستيلاء عليها، فرده عنها حاكمها ابن سالم. وأصابته خلال المعركة جراح توفي منها وهو في طريق العودة إلى تطيلة، وحل أخوته الثلاثة إسماعيل ومطرِّف وفرُتون مكان أبيهم في حكم القواعد الشمالية. وهنا رأت حكومة قرطبة أن تضاعف أهباتها لرد النصارى عن الولايات الشمالية. ففي صيف سنة 248 هـ (863 م) سار عبد الرحمن ابن الأمير محمد على رأس حملة كبيرة إلى ألبة والقلاع، ومعه القائد عبد الملك بن العباس القرشي، فجاس خلالها وخرب بسائطها. واشتبك النصارى بقيادة ملكهم أردونيو مع المسلمين في معركة عنيفة، وهزموا على أثرها هزيمة شديدة، وقتل عدة من قوادهم (1). ولم يمض عامان حتى سير محمد ولده عبد الرحمن مرة أخرى، إلى غزو ألبة والقلاع (251هـ - 865 م). ويقول لنا ابن حيان إن الذي كان على رأس هذه الغزوة هو المنذر بن عبد الرحمن، وكانت قيادة الجيش للحاجب عيسى بن الحسن بن أبى عبدة. وعلى أى حال فقد سار المسلمون بحذاء نهر إبره، واستولوا على معظم حصون أكابر النبلاء والسادة في تلك المنطقة. وحاول أردونيو كعادته أن يعترض سبيل المسلمين عند العودة، وقد كمن لهم في موضع يسمى "بفج المركور" على مقربة من نهر إبره، أفرغ جهده في تحصينه، فنشبت بينه وبين المسلمين على ضفاف النهر معركة شديدة، كانت الدائرة فيها على النصارى، فقتل وأسر منهم عدد كيير وغرق الكثير منهم في النهر، ومزقوا كل ممزق (2). وفي العام التالي سارت حملة أخرى إلى الشمال بقيادة الحكم بن محمد، فعاث في أرض النصارى، واستولى على بعض الحصون. وكانت هذه الغزوات المتوالية قد هدت من قوى النصارى، ومزقت شملهم وخربت بلادهم، فركنوا إلى السكينة، وتوفي ملكهم أردونيو في الوقت نفسه (866 م) فخلفه ولده ألفونسو الثالث الذي لقب فيما بعد بألفونسو الكبير.

- 2 -

كان حرياً، بعد أن هدأت ثائرة النصارى في الشمال، أن تتمتع حكومة قرطبة

(1) ابن حيان في مخطوط القرويين لوحة 265 أ.

(2)

البيان المغرب ج 2 ص 102. ومخطوط القرويين لوحة 265 ب.

ص: 299

بفترة من السلام والدعة. ولكن الخطر كان يجثم في ناحية أخرى. ذلك أن عوامل الانتقاض والثورة كانت تجتمع من جديد في شمال غربي الأندلس، في المناطق الجبلية التي ألفت الثورة واتخذتها شعاراً لها. ولم تكن حكومة قرطبة بغافلة عن هذه النذر. وكانت ماردة وبها عدد من زعماء المولدين المتمردين، في مقدمة القواعد التي يشك في ولائها وطاعتها. ففي سنة 254 هـ (868 م) خرج الأمير محمد على رأس جنده من قرطبة، متظاهراً بالسير إلى طليطلة، ولكنه عرج في منتصف الطريق فجأة على طريق ماردة، ودهمها قبل أن تستعد للقائه، فتحصن بها أهلها. ثم اقتحمها محمد، ووقع بين الفريقين قتال عنيف انتهى بسحق الثوار وإذعان المدينة، وطلب الزعماء الثائرون الأمان وفي مقدمتهم عبد الرحمن بن مروان الجليقي، وابن شاكر، ومكحول، وغيرهم، وهم من أكابر الفرسان والسادة، فنقلهم الأمير بأموالهم وأهلهم إلى قرطبة، وولى على ماردة سعيداً بن عباس القرشي، وهدم حصونها وأسوارها (1).

وكانت الحوادث تتطور في الثغر الأعلى في نفس الوقت تطوراً خطيراً. وكان الأمير محمد قد استطاع عقب وفاة موسى بن موسى أن يسترد سلطانه في تلك الأنحاء، وأن ينتزع القواعد الشمالية من أبنائه، ويعين لها حكاماً من قبله. وكان بنو موسى أو بنو قسي، نسبة إلى جدهم الأعلى الكونت قسي القوطي، يرجعون كما أسلفنا إلى أصل نصراني، وكانت هذه الأسرة المتمردة الشديدة المراس، كباقي الأسر القوية المولدة، تبغض حكومة قرطبة، وتميل إلى مناوأتها والتحالف ضدها مع النصارى، وكان بنو قسي أصهاراً لملك نافار النصراني، حيث كان غرسية زوجاً لابنة موسى المسماة " أوْرِية " Oria، فلما توفي موسى وانتزعت حكومة قرطبة قواعده من يد بنيه، لجأ هؤلاء حيناً إلى حماية ملك ليون، حتى تسنح لهم فرصة العمل ومعاودة الجهاد. على أن حكومة قرطبة لم تلق في حكامها الذين اختارتهم للقواعد الشمالية ما كانت تؤمل من ولاء وإخلاص. ففي سنة 255 هـ (869 م) ثار سليمان بن عبدوس في مدينة سُرية وهي من أعمال سرقسطة، فسار إليه الحكم بن الأمير محمد، وحاصر سرية وهدم أسوارها بالمجانيق، وأرغم الثائر على الخضوع والطاعة، وبعث به إلى قرطبة. وفي العام التالي (256هـ)

(1) ابن الأثير ج 7 ص 62، والبيان المغرب ج 2 ص 103، ومخطوط القرويين لوحة 268 أ.

ص: 300

ثار عمروس بن عمر بن عمروس أحد زعماء الثغر، وغدر بموسى بن غلند عامل وشقة وانتزعها منه. وعمروس هذا هو حفيد عمروس بن يوسف بطل واقعة الحفرة بطليطلة، وقد كان بنو عمروس مثل بني قسي مولدين من أصل نصراني، لا يشعرون بأي ولاء حقيقي لحكومة قرطبة. فسير عامل الثغر عبد الوهاب بن أحمد بن مغيث الجند لمقاتلة الثائر، فلما انتهت إلى وشقة فر عنها عمروس، وأسر بها حفيده لب بن زكريا بن عمروس، وقتل وعلق رأسه على سور المدينة. وفي سنة 257 هـ (871 م) أرسل محمد حملة جديدة إلى الثغر الأعلى بقيادة عبد الغافر بن عبد العزيز، فطارد فلول عمروس، وقبض على ولده زكريا وأبنائه وجماعة من أهله، وقتلهم على باب مدينة سرقسطة، وقفل إلى قرطبة ورؤوسهم مرفوعة بين يديه (1)، ولاح أن الثورة قد أخمدت في الشمال ولكن الواقع أن الثورة عادت لتضطرم في الشمال بأقصى شدتها. ذلك أن القوات الأندلسية ما كادت تعود إلى قرطبة حتى ظهر بنو قسي في الميدان مرة أخرى، وزحف مطرف وأخوه إسماعيل ابنا موسى بن موسى على تطيلة، فانتزعاها من حاكمها عبد الوهاب بن مغيث، كما انتزعا سرقسطة من ولده محمد ابن عبد الوهاب؛ وملك مطرف تطيلة في صفرسنة 258 هـ (871 م)، وملك اسماعيل سرقسطة في ربيع الأول من نفس العام. وهنا عول محمد على أن يخرج إلى الثوار بنفسه. فسار في العام التالي على رأس جيشه (259 هـ - 872 م) وعرج في طريقه على طليطلة، حيث عقد لأهلها الأمان وأخذ الرهائن. ثم سار إلى الثغر الأعلى، وزحف تواً على تطيلة واستولى عليها. وقبض فيها على مطرف ابن موسى وأبنائه. وفي رواية أخرى أن مطرفاً كان قد ملك وشقة إلى جانب تطيلة واستقر بها، وأن عمروساً صاحب وشقه السابق استطاع أن يؤلب أهلها على مطرف، وانتهى بأن انتزعها منه، وقبض عليه وعلى ولده وزوجته وهي بنت غرسية ملك نافار وتزوجها. فلما قدم الأمير في جيشه سارع عمروس بإعلان طاعته، والتمس الأمان، فأجابه الأمير إلى ما طلب، وأقره على ولاية وشقة وأعمالها، وتسلم منه مطرِّفاً وأولاده (2). واتجه الأمير بعد ذلك إلى نافار فخرب

(1) البيان المغرب ج 2 ص 103، ومخطوط القرويين لوحة 269 أ.

(2)

هذه هي رواية عيسى بن أحمد الرازي، نقلها إلينا ابن حيان في مخطوط القرويين لوحة 270 ب.

ص: 301

بسائطها، ثم عاد إلى قرطبة وأمر بقتل الثائر مطرف وبنيه الثلاثة: ورفعت رؤوسهم على باب القصر. وفي العام التالي (260 هـ) سير محمد إلى الشمال مع ولده المنذر جيشاً بقيادة هاشم بن عبد العزيز. فزحف المنذر إلى سرقسطة وعاث في نواحيها، وانتسف أشجارها وزروعها، وجعلها قاعاً صفصفاً، ولكنه لم يستطع انتزاعها من يد المتغلب عليها اسماعيل بن موسى. وكان أخوه فُرتون قد حل في تطيلة مكان أخيه مطرف، وتحالف الثائران مع ألفونسو الثالث ملك ليون، فسار المنذر إلى وشقة، ثم إلى بنبلونة عاصمة نافار، وعاث في تلك الأنحاء، ولكن جهوده لم تسفر عن أية نتائج مستقرة (1).

وشغلت حوادث الشمال وثورة بني موسى حكومة قرطبة أعواماً طويلة. ففي سنة 264 هـ (878 م) سار المنذر مرة أخرى إلى الثغر الأعلى، وعاث في بسائط سرقسطة وتطيلة، ولكنه لم يظفر بالاستيلاء عليهما. ثم زحف على بنبلونة، فخرب بسائطها، وأتلف زرعها، وقتل كثيراً من أهلها. وفي العام التالي (265 هـ)، عاد المنذر إلى غزو الثغر الأعلى، وحاصر مدينة سرقسطة وسائر بلاد بني قسيّ، وعاث فيها إتلافاً وتخريباً. ومع ذلك فقد لبث الشمال بعيداً عن سلطان قرطبة بضعة أعوام أخرى. وكانت جنبات الأندلس الأخرى تضطرم في الوقت نفسه بسلسلة من الثورات المدمرة حسبما نفصل بعد، ولكن حكومة قرطبة كانت تعلق على قواعد الثغر الأعلى أهمية خاصة، لوقوعها على حدود الممالك النصرانية. ففي سنة 268 هـ (882 م) سير الأمير محمد ولده المنذر إلى الشمال على رأس جيش ضخم، ومعه القائد هاشم بن عبد العزيز. وكان المنذر قائداً مجرباً ذا شجاعة وبأس، وكان يعتزم هذه المرة أن يسحق الثورة وزعماءها في الشمال. فزحف تواً على سرقسطة، ولما لم ينجح في اقتحامها، تحول إلى الحصون الواقعة حولها فخربها واستولى عليها، وافتتح حصن روطة أمنع حصونها وأسر به عبد الواحد الروطي " أشجع أهل عصره "(2) ثم استولى على لاردة وما حولها من الأنحاء، وانضم إليه محمد بن لب بن موسى، وكان ساخطاً على عميه لاستئثارهما دونه بالسلطان. ولما رأى إسماعيل بن موسى صاحب سرقسطة

(1) مخطوط القرويين لوحة 272 أ.

(2)

ابن الأثير ج 7 ص 122، والبيان المغرب ج 2 ص 107. وفي رواية أخرى أن هاشم بن عبد العزيز اشترى حصن روطة من صاحبه عبد الواحد ولم يفتتحه (العذري في كتاب " ترصيع الأخبار " ص 35).

ص: 302

عبث المقاومة، أعلن خضوعه وطاعته للأمير وقدم رهائنه. وزحف المنذر بعد ذلك على ألبة واخترقها إلى قشتالة (القلاع)، وتأهب النصارى للقائه بقيادة ملكهم ألفونسو الثالث. ولكن جرت مفاوضة بين الفريقين انتهت بعقد الهدنة، وعاد المنذر إلى قرطبة ظافراً.

وما كاد المنذر يرتد إلى قرطبة، حتى نشب الخلاف بن إسماعيل بن موسى وابن أخيه محمد بن لب، وكان إسماعيل يحقد عليه لتحالفه مع المنذر. وانتهى القتال بينهما إلى انتصار محمد بن لب، واستيلائه على سرقسطة، وأسره لعمه إسماعيل. وحكم محمد سرقسطة باسم الأمير محمد. ولكن الأمير أراد أن ينتزع ولايتها منه، فسخط عليه وأعلن خروجه عن طاعته، وتحالف مع ألفونسو الثالث ملك ليون. فبادر الأمير محمد بإرسال قواته مرة أخرى بقيادة ولده المنذر وهاشم بن عبد العزيز، إلى الثغر الأعلى (270هـ - 883 م). فسار المنذر إلى سرقسطة واستولى عليها بعد قتال عنيف، وأخرج منها محمد بن لب. وفي رواية أخرى أن محمداً بن لب سلم سرقسطة صلحاً وفقاً لاتفاق تم بينه وبين المنذر نظير قدر كبير من المال (1). وكان من ضباط جيش الأمير في تلك الغزوة عمر بن حفصون الزعيم الخارج الذي سيجىء ذكره فيما بعد. ثم اخترق المنذر ألبة لمقاتلة النصارى حلفاء الثائر. ولكن المفاوضات انتهت بعقد الهدنة بين الفريقين. وأرسل ألفونسو الثالث سفيراً إلى قرطبة هو القس دولثديو ليضع قواعد الصلح مع أمير الأندلس، فنجح السفير في مهمته وعاد إلى أوبييدو عاصمة ليون، ومعه رفات القس أولوخيو وصاحبته ليوكريسيا، وهما اللذان أعدما بقرطبة قبل ذلك بنحو عشرين عاماً، ونظمهما النصارى في سلك القديسين.

ولنترك الآن حوادث الثغر الأعلى لحظة لنستعرض ما حدث خلال هذه الأعوام المليئة بالفتنة في أنحاء الأندلس الأخرى. ففي ماردة وبطليوس عادت الثورة إلى الاضطرام. وذلك أن عبد الرحمن بن مروان الملقب بالجليقي - لانتمائه

(1) نقل إلينا هذه الرواية العذري في كتابه " ترصيع الأخبار " وفيها أن محمداً بن لب تقاضى نظير تسليمه سرقسطة خمسة عشر ألف دينار. وكان ذلك في سنة 261 هـ (الأوراق المنثورة من الكتاب المذكور ص 35). هذا وقد أورد لنا العذري تفاصيل كثيرة عن موسى بن موسى بن قسي وأولاده وأحفاده، وثوراتهم، وما خاضوه من الوقائع المختلفة في الثغر الأعلى زهاء نصف قرن (الأوراق المذكورة ص 29 - 40).

ص: 303

إلى أسرة من المولدين أصلها من ولاية جليقية في شمال البرتغال - استطاع أن يفر من قرطبة مع نفر من صحبه. وكان بنو الجليقي قد استقروا بماردة منذ أمد طويل، وتولى أبوه مروان بن يونس الجليقي حكم ماردة أيام الأمير عبد الرحمن، ولما اضطرمت الثورة بماردة قتله أهلها (سنة 213 هـ). وكان ولده عبد الرحمن طموحاً لا يشعر بالولاء نحو حكومة قرطبة، فانتظم في سلك الخوارج، واشترك في الثورة ضد الأمير محمد. فلما أخمدت الثورة وتم إخضاع ماردة في سنة 254 هـ (868 م) قبض الأمير على عبد الرحمن الجليقي ونقله مع باقي الزعماء الثائرين إلى قرطبة حسبما تقدم. وكان فرار الجليقي من قرطبة في أوائل سنة 261 هـ (875 م) على أثر مشادة وقعت بينه وبين القائد هاشم بن عبد العزيز كبير الوزراء أهانه خلالها وصفعه؛ فغادر قرطبة خفية مع جمع من أنصاره، واستولى على قلعة ألانية (أو قلعة الحنش)(1) في جنوبي ماردة وتحصن بها، واستولى زميله في الخروج والعصيان مكحول ابن عمر على قلعة جلّمانية (2) القريبة منها. واجتمع إليهما جمع غفير من المارقين والمتمردين، واشتد عيثهما في سائر الأنحاء المجاورة. وعندئذ سار الأمير لقتال الثائرين في قوة كبيرة. فلما علما بمقدمه استغاثا بزميلهما القديم سعدون بن عامر المعروف بالسرنباقي، وهو أيضاً من زعماء الثوار المولدين، وكان يعيش في كنف ألفونسو الثالث ملك ليون في مدينة برتقال جنوبي جليقية، فسار إليهما في قوة من صحبه، وانضم إلى قوات ابن مكحول. فضرب الأمير الحصار حول القلاع الثائرة، وقطع عنها الماء، واشتد في ذلك، وجنده ترهق المحصورين كلما طلبوا الحصول على الماء والمؤن خارج الأسوار. فلما ضاقوا بالحصار ذرعاً، اضطر عبد الرحمن الجليقي أن يستجير بعبد الله ولد الأمير، وأن يوسطه في الشفاعة والإذعان إلى طلب الأمان. وكان عبد الله لين العريكة محباً للسلم، فتوسط لدى والده الأمير، وألح حتى أسعفه بما طلب، ووافق على منح الأمان للثائر، على أن ينزل له عن قلعة الحنش، وينصرف وقومه إلى بطليوس، وكانت يومئذ خالية مجردة من الحصون فينزلون بها، ويقومون بتعميرها. فقدم ابن مروان رهائنه وهم ولده محمد وثلاثون من أكابر قومه، وسار إلى بطليوس وصحبه، ونزلها وأخذ في تعميرها

(1) هي بالإسبانية Alange.

(2)

هي بالإسبانية Jurumena، وهي تقع على مقربة من غربي بطليوس.

ص: 304

وماكاد الأمير يرتد أدراجه إلى قرطبة، حتى حشد ابن مروان أنصاره من كل ناحية ومعظمهم من أهل الشر والمولدين الناقمين، وأخذ في تحصين بطليوس، وإعدادها للدفاع والمقاومة، وبعث جواسيسه إلى قرطبة، يتعرفون أخبار الأمير ويترصدون حركاته، ويبعثون بها إليه تباعاً. ثم عقد حلفاً مع ألفونسو الثالث ملك ليون. وكان يدعو أنصاره إلى مذهب ديني جديد هو خليط من تعاليم الإسلام والنصرانية. واستمر على هذا النحو زهاء عام آخر، وهو يغير على الأنحاء المجاورة ويرهق أهلها، ويستلب أموالهم ومتاعهم.

فلما اشتد عيثه، وضج المسلمون في تلك الأنحاء من شره وعدوانه، وجاهر هو من جانبه بالعصيان وخلع الطاعة، اعتزم الأمير محمد أن يعاقبه ويقمع شره بطريقة حاسمة، فجهز إليه حملة كبيرة برياسة ولده المنذر، وجعل قيادتها لوزيره الأثير هاشم بن عبد العزيز. وسارت هذه الحملة صوب بطليوس في شهر شعبان سنة 262 هـ (876 م)، فلما علم ابن مروان بمقدم جند الأمير، وشعر بصعوبة الدفاع عن بطليوس لاتساعها، غادرها مع قواته، وانضم إليه كثير من المولدين من الأنحاء المجاورة ممن خشوا بطش قوات الأمير بهم، ونزل بحصن كركى أو كركو القريب وامتنع به، وبعث إلى سعدون السرنباقي في طلب النجدة. وسار المنذر وهاشم إلى بطليوس، فألفياها خالية، فسارا في أثره، واحتل هاشم حصن منت سلود (منت شلوط) الواقع جنوبي بطليوس خوفاً من أن يحتله الثوار، وضرب المنذر الحصار حول حصن كركى. وفي تلك الأثناء قدم سعدون السرنباقي في صحبه، ومعه قوة كبيرة من النصارى أمده بها ملك ليون، واشتبك في طريقه بمدينة قُلُمرية بحاميتها، وهم قوم من البربر من بني دانس من مصمودة، وفتك بهم، وكانوا على الطاعة، فبعثوا إلى هاشم بن عبد العزيز يستغيثون به. ووقف هاشم من طلائعه على مقدم سعدون وقواته، وما فعله بأهل قلمرية، فخرج إلى لقائه متحمساً تواقاً إلى الانتقام، وكان سعدون قائداً مجرباً وافر الجرأة، وكانت لديه فرق مختارة من الفرسان والرماة، فرتب معظم قواته وراء التلال، وتقدم للقاء قوات هاشم، واعتقد هاشم أنه يستطيع سحق الثوار بأيسر أمر، والتقى الفريقان في مخاضة النهر جنوبي بطليوس، وفاجأت خيل سعدون قوات الأندلس وأرهقتها، وكثر فيها القتل، وتقدم هاشم بن عبد العزيز إلى المعمعة،

ص: 305

بعيداً عن مركز قيادته، فأصابته جراح، وأحاطت به فرسان العدو، وكادت تجهز عليه، لولا أن عرفه بعضهم، فقبض عليه، وحمله معه سعدون أسيراً إلى حصن منت سلود، وكانت قوات الأمير قد غادرته. وكانت هزيمة قوات الأندلس، وأسر قائدهم على هذا النحو، في الثاني عشر من شهر شوال سنة 262 هـ (يونيه سنة 876 م). ولما علم المنذر بن محمد بما وقع لجنده من الهزيمة وأسر هاشم، وكان مقيماً على حصار الجليقي، شدد في الحصار أياماً أخر، ثم انصرف قافلا ببقية الجند إلى قرطبة. وسار الجليقي وسعدون ومعهما أسيرهما القائد هاشم غرباً، وهما يعيثان فساداً في الأرض. وحصل الجليقي أولا على هاشم، وكان يؤمل أن يتخذه أداة للمساومة مع الأمير، ولكن سعدون استرده منه فيما بعد، خوفاً من غضب سيده وحاميه ملك ليون، وتوجه به سعدون بالفعل إلى ألفونسو الثالث، فتسلمه وحصل في يده، واستمر أسيراً لديه بمدينة أوبييدو زهاء عامين، حتى تم الإفراج عنه لقاء فدية كبيرة بلغت مائة وخمسين ألف دينار (1).

واستمر ابن مروان أعواماً وهو يسيطر على منطقة بطليوس، ويعيث في أنحائها فساداً، ويخرج منها للإغارة على ناحية الغرب حتى أشبونة، وجنوباً حتى باجة وأطراف أكشونبة، ثم أن بعض أصحابه اختلفوا معه، وغادروه إلى بلدهم ماردة بعد أن حصلوا على أمان من الأمير. ولما شعر بقلة جمعه، وخشى مطاردة الأمير وانتقامه، عول على أن يحذو حذو صاحبه سعدون في الالتجاء إلى ملك جليقية، فقبل الملك النصراني ملتمسه، وأنزله مع صحبه في حصن بطرسة بوادي دويره على مقربة من ليون، ولبث في كنفه أعواماً. ثم دب الخلاف بينهما بسبب غارة قام بها ملك جليقية في منطقة بطليوس ومعه ابن مروان، وفيها بالغ الملك النصراني في قتل المسلمين، ومعظمهم من أصحاب ابن مروان ورعاياه السابقين (سنة 266هـ - 879 م). فغادره ابن مروان مغضباً، وعاد إلى منطقة بطليوس، ليستأنف غاراته وعيثه في أراضي النواحي المجاورة. وفي سنة 271 هـ (885 م) سير إليه الأمير محمد ولده المنذر في قوة كبيرة، فزحف على بطليوس، ففر منها

(1) لخصنا ما تقدم من رواية عيسى بن أحمد الرازي المسهبة التي نقلها إلينا ابن حيان؛ وقد وردت في مخطوط القرويين في اللوحات 267 أوب و273 أوب و274 أوب و276 ب و277 أحتى 280 أ. وراجع البيان المغرب ج 2 ص 104 و105.

ص: 306

ابن مروان وتحصن بجبل " أشيروغيره "(1) فأحرق المنذر بطليوس ودمر حصونها. وفي العام التالي سارت حملة أخرى بقيادة الوزير هاشم إلى " أشيروغيره " لقتال ابن مروان، فحاصره حينا ثم ارتد عنه دون إخضاعه. ولما أعيا الأمير أمره، انتهى أخيراً إلى قبول شروطه في الاستقلال بحكم بطليوس وما جاورها، والإعفاء من المغارم والفروض (2).

ووقعت في ذلك الحين ثورات محلية أخرى، فخرج في شنت برية (3) مظفر ابن موسى بن ذى النون وزحف على طليطلة، فلقيه جندها فهزمهم، وقوى أمره في تلك الجهة، وأضاف إلى شنتبرية ما حولها من البلاد والحصون.

ويرجع ظهور بني ذى النون، وهم سادة مملكة طليطلة أيام الطوائف، إلى ذلك العهد. وخلاصة ما تقدمه إلينا الرواية في ذلك، هو أن جدهم ذا النون (أو زنون) بن سليمان الهواري، كان زعيماً لشنت برية من أعمال قونقة، ومر به الأمير محمد في بعض غزواته إلى الثغر، وقد مرض له خصي من أكابر فتيانه، فتركه عند ذى النون حتى يحدث الله فيه أمره. فاعتنى به ذوالنون حتى برئ من علته، وصحبه بنفسه إلى الأمير بقرطبة، فكافأه الأمير بأن أقره على ناحيته. واستقام ذو النون على الطاعة حتى توفي، وخلفه ولده موسى، فنبذ الطاعة، وانتظم في سلك الخوارج؛ ولما توفي سار ولده مظفر على خطته، وأضحى بنو ذو النون من زعماء الفتنة في الثغر الأوسط (4). وخرج أسد بن الحرث بجهة رندة (5) وأخذ ضرام الفتنة ينساب إلى كل ناحية، ونشط النصارى في الشمال، يتربصون لإذكاء الفتنة، وانتهاز الفرصة السانحة للإغارة على الأراضي الإسلامية.

وانبعثت من هذا الضرام شرارة في الجبال الجنوبية، قدر لها أن تستفحل بسرعة، وأن تغدو أخطر ما يهدد سلام الأندلس وعرش بني أمية. ففي جبل بُبَشتر (6)، فيما بين رندة ومالقه، ظهر عمر بن حفصون أعظم ثوار الأندلس،

(1) واسمه بالإسبانية Esparragosa. وهو يقع بين نهر وادي يانة وجبال المعدن.

(2)

البيان المغرب ج 2 ص 105 و106 و108. وراجع Dozy: Hist ; V.II.p. 8-11

(3)

وهي بالإسبانية Santaver وهي تقع جنوب شرقي وادي الحجارة. وهي غير شنتمرية الشرق.

(4)

مخطوط القرويين لوحة 272 ب.

(5)

ابن خلدون ج 4 ص 131.

(6)

وبالإسبانية Bobastro.

ص: 307

وأشدهم مراساً، وأخطرهم جانباً. وكانت سلسلة الجبال الواقعة بين رندة ومالقة مأوى الأشقياء والعصاة. وكان عمر سليل أسرة من المولدين ترجع إلى أصل نصراني قوطي. وقد سجلت لنا الرواية الأندلسية نسبته، فجده عند الفتح هو ألفونسو القس، وجده الرابع جعفر هو أول من اعتنق الإسلام من أسرته (1). ونشأ بيتهم في تاكرنَّا من أعمال رندة. وكان والده حفصون ذا مال ووجاهة. ونشأ ولده عمر فاسداً سيىء السيرة، عنيفاً يعتدي على النفس والمال، ولم يلبث أن هجر أسرته وأطلق العنان لأهوائه وغيه، والتف حوله جماعة من أهل الفساد والبغي، فألف منهم عصابة معتدية ناهبة، ونزل بمكان منيع بجبل بُبَشتر الواقع شمال شرقي جبال رندة، وكان ذلك في سنة 267 هـ (880 م). وقد وصف لنا ابن حيان مؤرخ الأندلس ابن حفصون عند ذكر الخوارج في تلك العبارة الجامعة:" إمامهم وقدوتهم عمر بن حفصون، أعلاهم ذكراً في الباطل، وأضخمهم بصيرة في الخلاف، وأشدهم سلطاناً، وأعظمهم كيداً، وأبعدهم قوة "(2).

ويشرح لنا الرازي البواعث الأولى لهذه الفتنة التي اضطرمت في كورة ريُّه والجزيرة، فيقول لنا إن السبب في تحريكها يرجع إلى عنف يحيى بن عبد الله ابن يحيى عامل الأمير محمد في كورة ريه، في مطالبته لأهلها ببقايا عشور تأخرت عليهم، واشتطاطه في ذلك وإرهاقهم، فامتنعوا عليه واعتصموا بجبالهم، وتأهبوا للدفاع عن أنفسهم، فحشد يحيى بن عبد الله قواته لقتالهم، واستدعى أخاه أحمد ابن عبد الله عامل كورة الجزيرة بقواته لمعاونته في حربهم، ونشبت بين قوات الأمير وبين الخوارج معارك عنيفة قتل فيها كثير من الفريقين، وكان ذلك في سنة 265 هـ (878 م). وفي العام التالي سار بالصائفة إلى كورة ريه عبد الله ابن الأمير محمد، وعلى قيادة الجيش الحاجب هاشم بن عبد العزيز، وكان قد أطلق سراحه من الأسر، وعاد إلى سابق مكانته لدى الأمير محمد، واستأنف القيادة لأول مرة، فاشتد في مطاردة الخوارج، ومزق جموعهم، وأنشأ عدة

(1) قال ابن خلدون عن ابن حيان إنه عمر ابن حفصون بن عمر بن جعفر بن دميان بن فرغلوش ابن أدفونش القس (ج 4 ص 134). وزاد عليها صاحب البيان المغرب اسما آخر (ج 2 ص 108).

(2)

ابن حيان في المقتبس، وهو السفر الثالث المطبوع بعناية المستشرق الأب ملشيور أنتونيا (باريس 1937) ص 9.

ص: 308

من الحصون لمدافعتهم، ولكن الفتنة لم تقمع، وظلت سحب الخروج والعصيان قائمة، وعمت الفوضى كورة ريه بأسرها.

في هذا الأفق المضطرم ظهر ابن حفصون؛ وكانت حوادث ريه مقدمة هذه الفتنة الهائلة التي تزعمها في جنوبي الأندلس، والتي يصفها الرازي بأنها " طمت على جميع فتن الأندلس، بعمومها وامتداد أيامها، ودفع أهل الشرور منهم نحوها "(1). وأخذ ابن حفصون ينتهز كل فرصة للإغارة على أطراف إقليم ريه ويوسعها تخريباً وسبياً ونهباً، ثم يعتصم بأوكاره في جبل ببشتر، فلما اشتد عيثه وعدوانه، سار إليه عامل ريه، عامر بن عامر في بعض قواته، فهزمه ابن حفصون وقوي بذلك أمره، وهرع إلى لوائه كثير من أهل الشر والعصاة. وعزل الأمير عامل ريه المهزوم، وبعث إليها بعامل جديد هو عبد العزيز بن عباس، فسار إلى قتال ابن حفصون للمرة الثانية، فامتنع الثائر بقلاعه، ووقعت الهدنة بين الفريقين (2). وعندئذ سير محمد وزيره هاشم بن عبد العزيز إلى كورة ريه في قوة كبيرة، فشدد الحصار على ابن حفصون، وجد في أثر العصاة والخوارج، وأسر الكثير منهم، وما زال حتى أرغم ابن حفصون على التسليم مع سائر عصابته، وحملهم جميعاً إلى قرطبة. فعفا محمد عن الثائر وضمه إلى جيشه، لما آنسه من براعته وقوة مراسه. ولما سار المنذر إلى الثغر الأعلى سنة 270 هـ (883 م) لقتال محمد بن لب، كان ابن حفصون من ضباط جيشه. بيد أنه لم يكن راضيا كل الرضى عن منصبه، وكانت نفسه الوثابة تنزع دائما إلى الخروج والعمل الحر، فلم يلبث أن فر من جيش الأمير مع نفر من صحبه، ولم يلبث أن عاد إلى معاقله في ببشتر، واستأنف ثورته، ومن حوله جمع كبير من الخوارج والبغاة (884 م).

ولبث ابن حفصون مدى عامين يعيث في هذه المنطقة فساداً، ويبث من حوله الذعر والروع. وفي صيف سنة 273 هـ (886 م)، خرج المنذر إلى كورة ريه لقتال ابن حفصون، وبدأ الزحف على مدينة الحامّة في شمال شرقي مالقة، وفيها الثائر ابن حمدون حليف ابن حفصون، فسارع ابن حفصون إلى إنجاد حليفه، واجتمع الثائران بمدينة الحامة لمقاتلة جند الأمير، فحاصر المنذر الحامة مدى

(1) ابن حيان عن عيسى بن أحمد الرازي. مخطوط القرويين لوحة 283 أوب.

(2)

البيان المغرب ج 2 ص 107.

ص: 309

شهرين، ولما أشرفت مؤن المدينة المحصورة على النفاد، خرج ابن حفصون وحليفه في جندهما، واشتبكا مع جند الأمير في معركة عنيفة، هزم فيها الثوار وجرح ابن حفصون، وارتد مع أصحابه ثانية إلى الحامة واستعصم بها. وبينما المنذر مقيم على حصار الحامة، إذ جاءته الأنباء من قرطبة بوفاة أبيه الأمير محمد.

وكانت وفاته في 29 صفر سنة 273 هـ (أوائل أغسطس سنة 886 م) فارتد لفوره إلى قرطبة، تاركاً الحامّة لمصيرها، وتنفس ابن حفصون الصعداء، وانتهز الفرصة السانحة للإغارة على معظم الحصون الواقعة في تلك المنطقة، ولم يمض سوى قليل حتى استطاع أن يبسط سلطانه على ريُّه ورندة وإستجّة وغيرها.

- 3 -

كان الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم من خيرة أمراء بني أمية وأوفرهم ذكاء وفطنة (1). وقال الرازي: " ولمحمد في سلطانه الآثار الجميلة، والآيات الجزيلة، والفتوح العظيمة، والعناية بمصالح المسلمين، والتهمم بثغورهم، والضبط لأطرافهم، والتوجيه لمصالحهم "(2)، وكان يرجو محمد أن يجري على سنن أبيه من الإصلاح والإنشاء، ولكن الحوادث سارت على غير ما يشتهي، وسرت الفتنة إلى سائر أنحاء الأندلس، واضطر أن ينفق حكمه الطويل في غزوات متعاقبة وكفاح مستمر. وكان عليه أن يصون عرش بني أمية، وأن يحمي سلطان الدولة الإسلامية في الأندلس من الانهيار. وكانت مهمة شاقة، ولكنه أبدى في الاضطلاع بها جلداً وبراعة، فكانت الصوائف لغزو أرض النصارى، والحملات التأديبية لقمع الثوار، تتوالى دون كلل، وذلك بالرغم مما كانت تنتهي إليه في معظم الأحيان من النتائج السلبية. وكان الأمير محمد يعشق الجهاد والكفاح، ويقود الجيش بنفسه كلما سنحت الفرص. وكان ولده المنذر ساعده الأيمن في تلك المهمة الخطيرة.

واهتم محمد بأمر الجيش والأسطول، وكان اهتمامه بتقوية الجيش ضرورة، أملتها الظروف العصيبة التي كانت تجوزها المملكة يومئذ. وتلقى الأرقام التي يقدمها إلينا ابن حيان نقلا عن معاوية بن هشام، عن عدد الفرسان الذين يحشدون في مختلف الكور والمدن لغزوات الصوائف، ضوءاً على مدى قوة الجيش الأندلسي

(1) ابن الأثير ج 7 ص 141.

(2)

مخطوط القرويين لوحة 222 أ.

ص: 310

يومئذ، وقد كانت هذه الأرقام، تفرض على النواحي، ويؤخذون بها غير منتقصين لها، إلا لعذر قاهر أو لجدب بين. ومن ذلك كورة إلبيرة (غرناطة) ألفان وتسعمائة، وجيان ألفان ومئتان، وقبرة ألف وثمانمائة، وباغة تسعمائة، وتاكرنا ميتان وتسعة وستون، والجزيرة مايتان وتسعون، وإستجة ألف ومايتان، وقرمونة مائة وخمسة وثمانون، وشذونة ستة آلاف وسبعمائة وتسعون، وريُّه ألفان وستمائة وسبعة، وشريش ثلاثمائة واثنان وأربعون، وفحص البلوط اربعمائة، ومورور ألف وأربعمائة وثلاثة، وتدمير مايتان

أما قرطبة العاصمة فكانت تترك لاجتهادها وهمتها، ويحشد أبناؤها بطريق التطوع خلافاً لأهل النواحي الأخرى. وكانت هذه الفرق تسمى بفرق الفرسان المستنفرين ويجرى "استنفارهم" أوقات الصوائف، أو كلما بدرت من العدو حركة اعتداء على أهل الثغور.

فاذا ذكرنا أن هذه الأرقام تتعلق بنواحي الأندلس فقط، وإذا ذكرنا بعد ذلك حشود المشاة المستنفرة والمتطوعة، استطعنا أن نقدر ضخامة الجيوش التي كانت الدولة الأندلسية تستطيع تعبئتها يومئذ (1). وأما الأسطول فقد عمل محمد، على إنشائه، لحماية الشواطىء الغربية ولغزو مملكة جليقية من ناحية البحر. وفي سنة 866 م (252 هـ) سارت السفن الأندلسية بالفعل إلى شواطىء جليقية بقيادة أمير البحر عبد الحميد بن مغيث، ووصلت إلى مصب نهر منهو. ولكنه لم يوفق إلى تحقيق بغيته، إذ عصفت الرياح بالسفن فتفرقت وغرق معظمها في المياه الغربية (2).

وعنى محمد كذلك بتحصين أطراف الثغور، وأقام عدة من المحلات والقلاع الدفاعية، المنيعة فابتنى حصن شنت إشتيبن لحماية مدينة سالم، وابتنى حصن طلمنكة وحصن مجريط بمنطقة وادي الحجارة، للدفاع عن طليطلة، وكان شديد الإستخبار عن الثغور، والبحث في مصالحها.

وبالرغم مما كان يقتضيه الجهاد المتواصل من النفقات الضخمة، فقد كان الأمير محمد يبذل وسعه لتخفيف الضرائب عن كاهل شعبه، وقد رفع عن أهل قرطبة ضريبة " الحشود "، واكتفى بدعوتهم إلى التطوع والجهاد في سبيل الله،

(1) مخطوط القرويين لوحة 254 ب. وراجع البيان المغرب ج 2 ص 111.

(2)

البيان المغرب ج 2 ص 106، و Aschbach: Geschichte der Omajaden in Spanien ; B.I.s. 203.

ص: 311

فأقبلوا على تعضيده وتأييده (1). وأما عن العشور فقد أبدى محمد تشدداً في اقتضائها وقد نصح له وزيره عبد الرحمن بن غانم صاحب المدينة، بأن يسقط العشور متى عدمت الغلات، لأن العشور إنما تفرض على الغلات إذا وهبها الله، فإذا لم يزرع بذر ولم يستغل زرع وجب إسقاطها، فلم يستمع إليه محمد في البداية وعزله، وعين مكانه حمدون بن بسيل، وكان فظاً ظلوماً، فاشتط في تحصيل العشور، حتى ضج الناس بالدعاء عليه، ووصل صريخهم إلى الأمير، وتوالت في نفس الوقت أعوام الجدب والقحط، فاضطر الأمير أن يسقط عن الناس جملا من العشور، حتى يتنفس مخنقهم، ويستطيعوا مواجهة أعباء الحياة، ومواصلة نشاطهم العمراني، وأعلن الناس عندئذ بشكره ومدحه الشعراء (2). وكان الأمير محمد بارعاً في الشئون المالية، دقيقاً في مراجعة الدخل والخرج، وقد ساعده ذلك على ضبط شئون الخزانة العامة (3). وفي عهده أصيبت الأندلس بالقحط مرتين، الأولى بين سنتي 251 و255 هـ، والثانية في سنة 260 هـ، وكان قحطاً شديداً استمر بضعة أعوام، وكثر بسببه الغلاء والموت. ولكن الأندلس استطاعت أن تصمد للمحنة، وأن تتغلب عليها.

وفي عهده سار بلاط قرطبة على سنن الاعتدال، ومجانبة البذخ الذي ساد في أيام أبيه عبد الرحمن، وضعف نفوذ الجواري والصقالبة في القصر، ومع ذلك فقد استمر النظام الإداري الذي كان قائماً في عهد عبد الرحمن بتفاصيله تحت إشراف الأمير وتولي زمام الأمور نفس الرجال الذين تولوها من قبل، واجتمعت السلطات في أيدي أسرتي بني شُهيد وبني أبي عَبْدة، أعظم الأسر القرطبية يومئذ، وتولى الحجابة لمحمد في البداية عيسى بن شهيد حاجب أبيه من قبل. وقد أشرنا من قبل إلى هذا الوزير النابه غير مرة. ثم خلفه في الحجابة عيسى بن الحسن ابن أبي عبدة، فكان من أرجح الوزراء عقلا وإصابة، وكان طوال خدمته هدفا لمنافسة هاشم بن عبد العزيز ودسائسه، وقد خلفه هاشم بالفعل في الحجابة، ولبث يضطلع بها أعواماً طويلة حتى وفاة الأمير محمد، وكان هاشم بن عبد العزيز ينتمي إلى أسرة من المولدين، وكان من أعظم رجالات الحرب والسياسة في

(1) البيان المغرب ج 2 ص 111 و112، وأخبار مجموعة ص 141 و142.

(2)

ابن حيان - مخطوط القرويين لوحة 230 أو255.

(3)

البيان المغرب ج 2 ص 110.

ص: 312

عصره، وقد تولى القيادة الفعلية لكثير من الغزوات والحملات حسبما فصلنا، وكان من قبل من وزراء الأمير عبد الرحمن، فلما صار الأمر إلى ولده محمد، غدا من بين وزرائه أكثرهم حظوة لديه، وغدا من خاصة جلسائه وندمائه، وكان هاشم فوق ذلك أديباً متمكناً وكاتباً بليغاً، وشاعراً مطبوعاً، يقرب الأدباء والشعراء، بيد أنه كان حاد الطبع قليل التحفظ، لا يحسن اصطناع الرجال، حتى أنه لما نكب في غزوة الجليقي وحمل أسيراً إلى ملك ليون (سنة 262هـ) لم يجد كثيراً من المدافعين عنه في محنته، وسخط عليه الأمير محمد، وأنحى عليه باللوم، وكان يقول " هذا أمر جناه علينا فألحق بنا غضاضة، واستزاد برأيه فضيع وصاتنا، ولم يحكم تدبير ما صيرنا في يده من أمرنا ". ولم يدافع عن هاشم، ويستدر عطف الأمير عليه سوى صديقه الوليد بن غانم صاحب المدينة أعني حاكم قرطبة، وقد أقنع الأمير بأن يولي وزيره المنكوب عطفه، وأن يستخدم ولده مكانه، حتى يتم إطلاق سراحه. وقد لبث هاشم بن عبد العزيز أسيراً في أوبييدو عاصمة ليون زهاء عامين، حتى تم افتداؤه وإطلاق سراحه لقاء فدية ضخمة حسبما أشرنا إلى ذلك من قبل (1).

وكان من وزراء الأمير محمد، أمية بن عيسى بن شهيد، وكان من أجل وزرائه وآثرهم لديه، وأخصهم بخدمته، والوليد بن غانم المتقدم الذكر، وكانا يتعاقبان في منصب ولاية المدينة، وهو من أهم مناصب الدولة يومئذ، لما يتطلبه من الحزم وقوة الشكيمة، والنزاهة في نفس الوقت. ومنهم تمام بن عامر الثقفي الشاعر الأديب، وكان مؤرخاً راوية كتب أرجوزة طويلة في فتح الأندلس، وقد اشتهر ببراعته في لعبة الشطرنج، وكانت من أسباب حظوته لدى الأمير، وتمكن منزلته لديه، وقد ذاعت في أيامه ذيوعاً عظيماً. ومنهم كذلك سليمان ابن وانسوس، وهو من أشرف البيوتات البربرية، وكان جده رئيساً مطاعاً بماردة، وقد ثار فيها أيام الحكم بن هشام، وكان أديباً وافر الوجاهة، وقد تولى خطة السوق وهو اسم ولاية الحسبة يومئذ. وكان من الوزراء الكتاب عبد الملك بن عبد الله بن أمية، وكان كاتباً بليغاً (2).

(1) ابن حيان في مخطوط القرويين لوحة 228 أوب و230 أو235 ب.

(2)

مخطوط القرويين لوحة 230 ب و232 أو233 ب و235 أ.

ص: 313

وكانت تربط الأمير محمد بأمراء المغرب المعاصرين ولا سيما بنو رستم أمراء تاهرت، وبنو مدرار أمراء سجلماسة وغيرهما، علائق مودة وصداقة متينة العرى. فكانوا يستمدون منه العون والنصح في شئونهم، وكان هو من جانبه شديد الاهتمام بأخبارهم وأحوالهم، وتتردد إليهم رسله وكتبه في البحث عن أخبار بنى العباس بدار مملكتهم، وأخبار ولاتهم وعمالهم بالشام وإفريقية. وكان شارل الأصلع ملك فرنسا (إفرنجة) يقدر خلاله ويتودد إليه، وربما تبادلا المراسلة والهدايا (1)؛ والظاهر أن ملك فرنسا كان يؤثر سياسة السلم مع حكومة قرطبة خشية أن يتكرر غزو المسلمين لسبتمانيا. وكانت تربطه في الوقت نفسه علائق مودة ببني قسي سادة الثغر الأعلى، الذين ظهروا بمغامراتهم فيما وراء جبال البرنيه.

وعلى الرغم من أن وقت الأمير محمد لم يتسع كثيراً للأعمال الإنشائية، لما زخر به من الفتن والغزوات المتوالية، فقد قام منها بطائفة حسنة. وكان في مقدمتها منشآته بالمسجد الجامع، فقد عنى أولا بإتمام الزيادة التي بدأها أبوه عبد الرحمن في وسطه وأقام فيها المقصورة، وكان أول من اتخذها هنالك من الخلفاء، وأصلح جناحه القديم الذي أنشأه عبد الرحمن الداخل، وجدده وأعاده إلى رونقه القديم. ولما تمت هذه الزيادات والإصلاحات ركب الأمير إلى الجامع وزاره في موكب فخم، وأشادت بعمله الشعراء. وأصلح محمد جامع إستجّة وجامع شذونة، ومساجد عديدة أخرى في مختلف الأنحاء، وأنشأ زيادات كثيرة بالقصر وملحقاته امتازت بالجمال والإناقة. وعنى بتجديد منية الرُّصافة التي أنشأها جده الأعلى عبد الرحمن الداخل، وجدد حدائقها ومتنزهاتها، وزودها بالأشجار والغراس النادرة، وجعلها منتدى نزهه وأسماره. وفي ذلك يقول عباس بن فرناس من قصيدة:

كان قصور الأرض بعد تمامه

بنواً لذري أخفى شخوصاً من الدر

وتنتشر الأبصار منها إلى مدى التنزه بالأطيار والوحش والزهر

فأعجب من أفنانها الغرر التي

يقيل بهن البرد في وعوة الحر

هم بأخفى سرها غير كاتم صداها فأخفى السر بها من الجهر

كأن الذي يخفي الحديث بنجوها

على أخفض الأصوات يشدو على وتر

(1) البيان المغرب ج 2 ص 111. ويسمى ملك فرنسا هنا خطأ بفردلند.

ص: 314

وأنشأ محمد له كذلك منية خاصة في مكان ضيعته المسماة " كنتش " الواقعة جنوب غربي قرطبة، عرفت " بمنية كنتش " وعنى بتجميلها، وجعلها كذلك موطنا لنزهه ومسراته. وهي التي يقول فيها ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد:

ألما على قصر الخليفة فانظرا

إلى منية شيدت لأزهرا

هي الزهرة البيضاء في الأرض ألبست لها الزهرة الحمراء في الجو مغفرا (1) وكان الأمير محمد ربع القوام، أبيض مشرباً بحمرة، أوقص (2)، يخضب بالحناء. وكان كثير الأناة والحلم، عطوفاً في أخوته وآل بيته، وقد عنى منذ ولايته بشئون الأكابر من أخوته، فأعدّ لهم الدور الفخمة خارج القصر، ووهبهم الضياع المغلة، وأجرى عليهم الأرزاق الواسعة، واستعمل من يصلح منهم للأعمال البعيدة. وكان فوق رجاحة عقله، أديباً، يشغف بالبيان، بليغاً في كتبه، محسناً في توقيعه. بيد أنه لم يكن شاعراً مثل أبيه وجده. وكان مكرماً لأعلام الناس، وذوي العلم والحجى منهم، يرفع مجالسهم، ويكثر من رعايتهم، ويستشعر مع ذلك الحذر من منافستهم وتحاسدهم، ويأبى الإصغاء لسعاياتهم.

وكان يجمع حوله صفوة من الشعراء والعلماء (3) مثل عباس بن فرناس، ومؤمن ابن سعيد، وابن عبد ربه، وهم من أقطاب الشعر في عصره، ومن العلماء عبد الله ابن حبيب أعظم علماء الأندلس في عصره، وقد توفي في صدر ولايته، وبقىّ بن مخلد وعيسى بن دينار، ومحمد بن عمر بن لبابة، ومحمد بن عبد السلام الخشني، وغيرهم. وقد اشتهر في عصره بالأخص الفقيه الورع العلامة بقيّ بن مخلد، وكان فقيهاً حر الذهن، واسع الأفق، نشأ في قرطبة، ورحل إلى إفريقية والمشرق، ودرس دراسة مستفيضة. ولما عاد إلى الأندلس، حقد عليه فريق من فقهائها، لغزارة علمه، وتفوقه عليهم، ولاسيما في أساليب الحديث والرواية، وحاولوا اتهامه بالزندقة، والإيقاع به لدى الأمير، فاستجار بقى بالحاجب هاشم بن عبد العزيز، وكتب إلى الأمير يناشده الله في دمه، ليرى رأيه فيه بعد سماع حجته، فأسعفه هاشم وشرح للأمير قضيته، وعقد له الأمير مجلساً لمناجزته خصومه فتناظروا بين يديه، ودحض بقىّ تهم خصومه بقوة، وألزمهم الحجة، واستبان

(1) مخطوط القرويين في اللوحات 243 - 247. وراجع أيضا البيان المغرب ج 2 ص 100.

(2)

أعني قصير العنق.

(3)

أخبار مجموعة ص 145.

ص: 315

الأمير فضله وتفوقه، وأسبغ عليه حمايته ورعايته، وأعلى منزلته. ولبث بقى عمدة العلماء والفقهاء والمحدثين بالأندلس حتى توفي في سنة 276 هـ، في عهد الأمير عبد الله بن محمد (1).

وكان للفقهاء في عصر الأمير محمد نفوذ كبير في بلاط قرطبة، وفي صوغ سياستها نحو النصارى. وكان محمد ينحو نحو أبيه عبد الرحمن في سياسة التسامح نحو النصارى، وكان من أثر ذلك أن أقر الأسقف جومث قومس أهل الذمة على ولايته كما كان في عهد أبيه، وذلك بالرغم من اعتراض الفقهاء وسخطهم؛ وبالرغم مما كان ينقل إليه من نعى المشارقة على بني أمية استخدام النصارى في بلاطهم وتوليتهم أسمى المناصب (2).

وترك محمد من الولد ثلاثة وثلاثين من البنين وإحدى وعشرين من البنات (3).

(1) مخطوط القرويين اللوحة 243 ب، و253 ب. وراجع ترجمة بقي بن مخلد في ابن الفرضي، تاريخ العلماء والرواة بالأندلس، رقم 283؛ وكذلك البيان المغرب ج 2 ص 112 و113.

(2)

أشار ابن القوطية إلى ذلك في رواية أوردها عن حديث جرى بين القائد ابن أبي عبدة وبين محمد بن الكوثر أحد كتاب الأندلس، وصف فيه ابن الكوثر " أنه من عجائب الزمان أن يكون صاحب قلم بني أمية الأعلى وكاتبها العظيم قومس نصراني ". وكتب إليه " أن من أعجب العجب أن يبلغ خلايف بني العباس بالمشرق أن بني أمية اضطروا في كتابتهم العظمى وقلمهم الأعلى أن يولوا قومساً النصراني ابن انتنيان ابن يليانه النصرانية "(واسمه بالإسبانية جومث بن أنتونيو ابن خوليان) - راجع افتتاح الأندلس ص 82 و83.

(3)

البيان المغرب ج 2 ص 96.

ص: 316