المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأولفتوح العرب في إفريقية - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ١

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الكتاب الأولفتوح العرب في إفريقية والأندلس وغاليس وعصر الولاة في الأندلس

- ‌الفصل الأولفتوح العرب في إفريقية

- ‌الفصل الثانيإسبانيا قبل الفتح الإسلامي

- ‌الفصل الثالثفتح أسبانيا

- ‌الفصل الرابعإسبانيا بعد الفتح الإسلامي

- ‌الفصل الخامسغاليس بين العرب والفرنج

- ‌الفصل السادسبلاط الشهداء

- ‌الفصل السابعالأندلس بين المد والجزر

- ‌الفصل الثامِنُالحرب الأهلية

- ‌الفصل التاسعخاتمة عصر الولاة

- ‌الكتابُ الثانيالدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْالقسم الأول عَصْرُ الإمارة من عبْد الرحمن الداخل إلى عبْد الرحمن بن الحَكم

- ‌الفصل الأولمصرع الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية

- ‌الفصل الثانيبعث الدولة الأموية في الأندلس

- ‌الفصل الثالثولاية عبد الرحمن الداخل

- ‌الفصل الرابعموقعة رونسفال أو باب شزروا

- ‌الفصل الخامسولاية عبد الرحمن الداخل

- ‌الفصل السادسخلال عبد الرحمن ومآثره

- ‌الفصل السابعالمملكة النصرانية الشمالية

- ‌الفصل الثامنهشام بن عبد الرحمن والحكم بن هشام

- ‌الفصل السادسعبد الرحمن بن الحكم

- ‌الكتابُ الثانيالدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْالقسم الثاني عَصْرُ الإمَارَة من محمد بن عبد الرحمن إلى عبد الله بن محمد وعَهْد الفتنة الكبْرى

- ‌الفصل الأوّلولاية محمد بن عبد الرحمن بن الحكم

- ‌الفصل الثانيولاية المنذر بن محمد بن عبد الرحمن

- ‌الفصل الثالثولاية عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن

- ‌الفصل الرابعولاية عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن

- ‌الفصل الخامسالمملكة الإسبانية النصرانية

- ‌الكتاب الثانيالدّوْلة الأموَّية في الأندَلسْالقسم الثالث عبد الرحمن الناصر وقيام الخلافة الأموية بالأندلس

- ‌الفصل الأولولاية عبد الرحمن الناصر

- ‌الفصل الثانيخلال الناصر ومآثره

- ‌الفصل الثالثغزوات المسلمين

- ‌الكتاب الثانيالدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْالقسم الرابع رَبيع الخلافة الأندَلسِيّة

- ‌الفصل الأوّلالحكم المستنصر بالله

- ‌الفصل الثانيهشام المؤيد بالله

- ‌الكِتابُ الثالِثالدّولة العامِريّة

- ‌الفصل الأوّلالحاجب المنصور

- ‌الفصل الثانيخلال المنصور ومآثره

- ‌الفصل الثالثالممالك النصرانية الإسبانية

- ‌الفصل الرابععبد الملك المظفر بالله

- ‌الكتابُ الرابعسُقوطُ الخلافة الأندلسيّة ودوْلة بَني حمّود

- ‌الفصل الأوّلالخلافة في معترك الفتنة والفوضى

- ‌الفصل الثانيدولة بني حمُّود

- ‌الكتابُ الخامسالنظم الإداريّة والحركة الفكريّة في عصْري الإمارة والخلافة

- ‌الفصل الأولنظم الحكم

- ‌الفصل الثانيالحركة الفكرية الأندلسية

- ‌ثبت المراجع

الفصل: ‌الفصل الأولفتوح العرب في إفريقية

‌الفصل الأول

فتوح العرب في إفريقية

الصراع بين الدولتين الإسلامية والرومانية. اتجاه الفتوح الإسلامية نحو الغرب. غزو برقة. جرجير حاكم إفريقية الروماني. موقعة سبيطلة وهزيمة الروم. فتح سبيطلة عقد الصلح. إفريقية وقت الفتح الإسلامي. أحوالها في ظل الحكم الروماني. انتقالها إلى الدولة الشرقية. فتحها على يد الوندال. كلمة بربر مدلولها. إستعادة الدولة الشرقية لإفريقية. ضعفها وانحلالها. وقف الفتوح العربية واستئنافها على يد الدولة الأموية. موقعة حصن الأجم. إفتتاح سوسة وحصن جالولاء. ولاية عقبة بن نافع الفهرى لإفريقية. افتتاحه لأقطار المغرب. بناؤه لمديئة القيروان. ولاية أبي المهاجر الأنصاري. ولاية عقبة الثانية. مسيره ثانية إلى المغرب. ثورة البربر وقيام كسيلة بن لمزم. هزيمته المسلمين واستيلاؤه على القيروان. ولاية زهير البلوى. زحفه على القيروان. مقتل كسيلة وافتتاح القيروان. هجوم الروم من البحر على برقة. هزيمة العرب ومقتل زهير. مسير حسان بن النعمان إلى إفريقية. غزو العرب لقرطاجنة واستيلاؤهم عليها. فقدهم إياها ثم استردادهم لها. ثورة البربر وقيام الكاهنة. القتال بين العرب والبربر. هزيمة العرب ارتدادهم إلى برقة. عود حسان إلى غزو المغرب. انصراف البربر عن الكاهنة وهزيمتها. تنظيم حكومة إفريقية وتجديد القيروان. عزل حسان وولاية موسى بن نصير. نشأة موسى وحياته الأولى. الخلاف على تاريخ توليته لإفريقية. عود البربر إلى الثورة. هزيمتهم وسحق ثورتهم. فتح موسى لطنجة. ولاية طارق بن زياد لها. إنشاء موسى للأسطول. غزو العرب لجزائر البليار وصقلية وسردانية.

كان الصراع الذي نشب بين الدولة الإسلامية الناشئة، وبين الدولة الرومانية الشرقية، يضطرم حيثما تبسط الدولة الشرقية سلطانها. وكانت بسائط الشام مهاد المعارك الأولى بين الدولتين، وكانت أول قطر غنمته الخلافة من أراضي الدولة الرومانية؛ ثم افتتح العرب مصر بعد الشام، وهي أيضا ولاية رومانية، وكان افتتاحها في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، على يد عمرو بن العاص، وذلك في المحرم سنة عشرين من الهجرة (ديسمبر سنة 640 م). ولما كانت مصر تتصل من الغرب بأملاك أخرى للدولة الرومانية هي الولايات الإفريقية، فقد كان من الطبيعي أن يتخذ العرب مصر قاعدة لافتتاح إفريقية، توطيداً لسلطانهم في مصر

ص: 14

والشام، وإتماما لسلسلة الفتوحات الغربية. غير أن تقدمهم نحو الغرب كان محفوفاً بمشاق وصعاب لم يألفوها في فتوحهم الأولى، فقضوا زهاء نصف قرن في معارك عنيفة مع الروم (الرومان) والبربر، وأصيبوا إلى جانب انتصاراتهم، بأكثر من هزيمة شديدة، وواجهوا عدة ثورات محلية عنيفة، وانهار سلطانهم الفتي غير مرة، قبل أن يستقر نهائيا في إفريقية.

وبدأ العرب فتوحهم في إفريقية عقب افتتاحهم لمصر مباشرة. ففي سنة اثنتين وعشرين من الهجرة، أعني بعد افتتاح مصر بنحو عامين، سار عمرو ابن العاص غرباً إلى برقة، فافتتحها وصالح أهلها على الجزية، ثم افتتح طرابلس (أو إطرابلس) بعد أن حاصرها شهراً ولجأ سكانها إلى سفنهم في البحر، ولكنه تركها بعد اغتنام ما فيها (1). وفي خلافة عثمان توغل العرب في قفار إفريقية. وفي سنة سبع وعشرين (647 م)(2) سار عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي خلف عمراً في ولاية مصر إلى إفريقية في نحو عشرين ألف مقاتل (3)، وسارت معه حامية برقة بقيادة عقبة بن نافع، وكان عمرو قد ولاه على تلك الأنحاء (4). وقصد الغزاة بادئ بدء إلى طرابلس وهي يومئذ أغنى وأمنع ثغور إفريقية (5).

(1) فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم (طبعة لجنة ذكرى جب) ص 121، وأبو الفداء (مصر) ج 1 ص 164، وابن الأثير (مصر) ج 3 ص 10.

(2)

هذه هي رواية ابن عبد الحكم (ص 187) وهي أقدم رواية. ويوافقه البلاذري، وهو معاصر له تقريبا، ولكنه يضيف إلى ذلك أن هناك رواية بوقوع هذه الغزوة سنة 28هـ، وثالثة بوقوعها سنة 29 (فتوح البلدان - مصر - ص 226). ويضع الطبري تاريخ هذه الغزوة في سنة 27هـ متفقا مع ابن عبد الحكم والبلاذري (مصر ج 5 ص 48 و49). ولكن ابن الأثير يضع ْتاريخها في سنة 26 هـ (ج 3 ص 33).

(3)

فتوح مصر ص 184.

(4)

فتوح البلدان ص 224.

(5)

يطلق العرب اسم إفريقية على الأقطار الواقعة شمال هذه القارة دون مصر. وذكر ياقوت في معجمه أن حد إفريقية من برقة شرقا إلى طنجة الخضراء غرباً، وعرضها من البحر إلى الرمال التي في أول السودان (معجم البلدان في مقال إفريقية). وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول، إفريقية ويمتد من حدود مصر الغربية إلى شرق الجزائر، والثاني المغرب الأدنى ويشمل قطر الجزائر تقريبا، والثالث المغرب الأقصى ممتدا من غرب الجزائر إلى المحيط، ويشمل إقليم مراكش وطنجة. وكانت كلمة إفريقية تطلق أيضا في العصور الوسطى بمعنى أخص على إقليم تونس وما يليه.

ص: 15

ولكن الروم تقدموا إلى لقاء المسلمين في مائة وعشرين ألف مقاتل (1) بقيادة جريجوريوس أو جرجير حاكم إفريقية الروماني (2). وتختلف الرواية الإسلامية في أمر جرجير هذا، ويقول البعض إنه كان من الفرنج وليس من الروم، وإنه كان ملك الفرنجة في إفريقية ما بين طرابلس وطنجة، وإن سبيطله كانت دار ملكه. والحقيقة أن إفريقية كانت في ذلك الحين ولاية رومانية، تخضع لقيصر (إمبراطور) قسطنطينية، وكان جرجير أو جريجوريوس حاكمها من قبل الإمبراطور. على أن حاكم إفريقية الروماني، كان يتمتع وقتئذ بكثير من الإستقلال، نظراً لضعف السلطة المركزية في عاصمة الدولة الشرقية. وهكذا كان شأن جرجير، فقد كان حاكما بأمره في ولايته. ولما علم العرب بتحرك جرجير، تركوا حصار طرابلس وساروا إلى لقاء الروم، ونشبت بين الجيشين مدى أيام معارك شديدة في ظاهر سبيطلة (سوفيتولا) بالقرب من أطلال قرطاجنة القديمة، وهي عاصمة إفريقية يومئذ، فهزم الروم هزيمة شديدة، وقتل قائدهم جريجوريوس، وأسرت إبنته (28 هـ - 648 م)(3). ثم حاصر عبد الله سبيطلة، وافتتحها وخربها، وبث جيوشه في تلك الأنحاء حتى قفصة. ثم عقد الصلح مع أهلها على أن يؤدوا الجزية. وقضى في تلك الغزوات خمسة عشر شهرا، ولكنه لم ينشئ في البلاد المفتوحة حكومة جديدة. ولم يتخذ بها قاعدة إسلامية. ثم عاد إلى مصر بعد أن أنشأ حامية في برقة وأخرى في زويلة (4).

ويجب قبل أن نمضي في الكلام على افتتاح إفريقية أن نذكر كلمة عما كانت عليه أحوالها وظروفها وقت الفتح الإسلامي. كانت إفريقية منذ زوال قرطاجَنّة القديمة، في أوائل القرن الثاني قبل الميلاد إلى أوائل القرن الخامس بعده، ولاية رومانية تخضع لسلطة رومة أولا، ثم بعد سقوطها لسلطة قسطنطينية أو الدولة

(1) أبن الأثير ج 3 ص 34 - Li،.Gibbon: Roman Empire، Ch

(2)

ابن خلدون - كتاب العبر - ج 6 ص 107.

(3)

روى ابن عبد الحكم أن ابنة جريجوريوس وقعت بعد أسرها في نصيب رجل من الأنصار، ولكنها انتحرت أثناء الطريق (فتح مصر ص 185).

(4)

ابن عبد الحكم ص 183.

ص: 16

الرومانية الشرقية؛ ولما غزت القبائل الجرمانية رومة واستولت على معظم أقطار الدولة الرومانية الغربية، نفذ الوندال إلى غاليا أو غاليس (جنوبي فرنسا) ثم إلى اسبانيا، واستقر الوندال حيناً في جنوبي اسبانيا في ولايات الأندلس، التي سميت يومئذ باسمهم " فانداليتا " Vandalita أو فاندلوسيا Vandalusia أى بلد الوندال (1).

وكان البربر أو سكان إفريقية، قبل الفتح الروماني، يدينون بالوثنية، ولكن رومة استطاعت منذ أوائل القرن الرابع، أن تفرض النصرانية على معظم القبائل. ويقول لنا ابن خلدون من جهة أخرى، إن القبائل البربرية كانت وقت الفتح الإسلامي تدين باليهودية، وإنهم تلقوها منذ أقدم العصور عن بني إسرائيل عند استفحال ملكهم لقرب الشام وسلطانه منهم، وكان من هؤلاء قبائل جبل أوراس وملكتهم الكاهنة (2). وكان الفتح الروماني شديد الوطأة على القبائل المغلوبة، وكانت النظم الإدارية والمالية التي فرضتها عليهم رومة غاية في التعسف والشطط، مع ما يقترن بها من اقتضاء الضرائب والمغارم الفادحة، فكان البربر يتوقون إلى التخلص من نيرها، وقد نزعوا فعلا إلى الثورة في عهد الإمبراطور تيودوسيوس في أواخر القرن الرابع، ونادوا بأحد زعمائهم ملكاً عليهم، ولكن الثورة أخفقت وأخمدت. ولما انتقلت إفريقية إلى سلطان قسطنطينية بعد سقوط رومة، كانت قد اضمحلت ثروتها، واضطربت نظمها، ومزقتها الخلافات الدينية، وضعف سلطان الدولة عليها، وكثر الخوارج من الحكام والزعماء المحليين. وفي أوائل القرن الخامس، عبر الوندال البحر من اسبانيا إلى إفريقية، بقيادة ملكهم جنسريك، وافتتحوها في سنة 429 م، وعاونهم البربر (3) حباً في التخلص من ْنير رومة. ولكن الوندال عاثوا في إفريقية أيما عيث، وخربوا المدن والمنشآت

(1) سوف نفصل في حاشية لاحقة أصول هذه التسمية وفقا لمختلف الروايات.

(2)

ابن خلدون ج 6 ص 107.

(3)

يطلق العرب كلمة " البربر " على سكان " إفريقية " أعني من برقة إلى المحيط، وأصل التسمية مجهول. ولكن المحقق أنها كانت موجودة قبل الفتح الإسلامي بعصور بعيدة. وترجعها الرواية اللاتينية إلى أقدم العصور. فكان يطلقها اليونانيون القدماء على الأمم ذات اللغات واللهجات المعقدة بوجه عام وحيثما وجدت، وعلى الأمم الغريبة عن لغة اليونانيين وحضارتهم. وكان يطلقها الرومان على شعوب الإمبراطورية خلا إيطاليا وولاياتها، ثم انتهوا إلى تحديد معنى الكلمة بإطلاقها على القبائل=

ص: 17

الرومانية، واستقروا سادة في البلاد المفتوحة مدى قرن، عانى البربر فيه أمر ضروب العسف والطغيان. وفي سنة 534 م بعث يوستنيان، إمبراطور (قيصر) الدولة الشرقية قائده الشهير بليزاريوس إلى إفريقية على رأس جيش ضخم فافتتحها وحطم سلطان الوندال وأجلاهم عنها؛ ومن ذلك الحين عادت إفريقية إلى سلطان الدولة الشرقية، وظلت كذلك حتى الفتح الإسلامى.

وكانت إفريقية يومئذ في حال يرثى لها من الانحلال والتفكك، يسود الاضطراب نظمها وإدارتها، وتمزقها الأهواء والمطامع والفتن؛ وكانت عصور من الطغيان والجور والمصادرة قد عصفت بمواردها، ولكن الثروات كانت مع ذلك تتكدس في بعض الثغور والمدن؛ وكانت الدولة الشرقية قلما تعني بإصلاح هذه الأقطار أو إعداد وسائل الدفاع عنها، وإنما كانت ترى فيها قبل كل شىء مورداً للكسب على نحو ما قدمنا، فكان البربر على استعداد للتخلص من هذا النير المرهق، ومعاونة الفاتحين الجدد.

ولكن العرب شغلوا حيناً عن متابعة الفتح حينما عصفت ريح التفرق بالخلافة الإسلامية، ونشب الخلاف بين علي بن أبي طالب، الذي ولى الخلافة على أثر مقتل عثمان، في مستهل سنة 35هـ (655 م)، وبين خصمه ومنافسه القوي معاوية بن أبي سفيان والى الشام، واضطرمت ثورة الخوارج التي كادت أن تزعزع أسس الدولة الإسلامية الناشئة، وشغلت الجزيرة العربية بضعة أعوام، بتلك الحوادث والفتن الداخلية. وكان مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في رمضان سنة 40هـ خاتمة هذا النضال المؤلم، فآلت الخلافة إلى معاوية، وقامت الدولة الأموية في الشام لتفتتح في تاريخ الإسلام عصراً جديداً.

وكانت الدولة الأموية، تتشح إلى جانب ثوبها الخلافي، بأثواب الملك

= المتوحشة أو المعادية خارج الإمبراطورية بأسرها. ثم حرفها العرب عند الفتح من اللاتينية وأطلقوها على الأمم والقبائل التي تسكن إفريقية (خلا مصر) راجع ( Gibbon. ibid، Chap.Li (note) ويقول ابن خلدون في أصل هذه التسمية، إن أحد ملوك التبابعة العرب لما غزا المغرب وإفريقية، ورأى هذا الجيل من الأعاجم، وسمع رطانتهم تعجب من ذلك وقال ما أكثر بربرتكم فسموا بالبربر. والبربرة بلسان العرب هي اختلاط الأصوات غير المفهومة، ومنه يقال بربر الأسد إذا زأر بأصوات غير مفهومة (كتاب العبر ج 6 ص 89).

ص: 18

الإمبراطوري، وهكذا قدر لها أن تكون منشئة الإمبراطورية الإسلامية الكبرى. وما كادت تستقر الأمور الداخلية، حتى نشطت سياسة الفتح مرة أخرى. وكانت الخلافة في نفس الوقت الذي تسير فيه جيوشها نحو الشمال وتقترب من عاصمة الدولة الشرقية، تتجه ببصرها نحو الغرب، حيث كانت فتوحها في إفريقية ما تزال بحاجة إلى التوسع والتوطد. وهكذا وجه معاوية عنايته إلى إتمام فتح إفريقية. وكان الروم قد عادوا إلى الأرض المفتوحة عقب انسحاب العرب، فعاد إلها الجور والإرهاق، وأثقل كاهل البربر بما فرض عليهم من الأعباء والمغارم الجديدة، فاتصل زعماؤهم بالعرب واستحثوهم إلى العود واستئناف الفتح. ففي سنة 45هـ (665 م) سار معاوية بن حُديج التجيبي (1) إلى إفريقية وهزم الروم عند حصن الأجم، وتفرق الغزاة في مختلف الأنحاء، فسار عبد الله ابن الزبير إلى سوسة وافتتحها، وافتتح عبد الله بن مروان حصن جالولاء، وافتتحت عدة أخرى من البلاد والحصون.

وفي سنة خمسين (670 م)(2) قام العرب بأعظم فتح في إفريقية بقيادة عقبة ابن نافع الفهري. وكان عقبة جندياً عظيماً، خبيراً بتلك الأنحاء والمسالك، وكان يتولى قيادة حامية برقة منذ فتحها، فاختاره الخليفة (معاوية) لولاية إفريقية، وبعث إليه بعشرة آلاف مقاتل ليتم فتحها. فجاز عقبة وهاد برقة، وتوغل غربا حتى المغرب الأقصى، وافتتح جميع العواصم والثغور الإفريقية تباعاً، وهزم جيوش الروم والبربر في مواقع عديدة، وتوغل في مفاوز المغرب الأقصى، ثم

(1) وذكر بعض المؤرخين أن معاوية بن حديج كان في ذلك الحين واليا على إفريقية (ابن الأثير ج 3 ص 184)، وذكر البلاذري أنه ولي بعد ذلك على مصر سنة 50هـ، وأنه هو الذي بعث عقبة بن نافع إلى إفريقية (ص 327)، وذكر الطبري أن معاوية بن حديج ولي مصر وعزله معاوية عنها سنة 50هـ (ج 6 ص 134). ويضع ابن الأثير تاريخ ولاية ابن حديج لمصر في سنة 47هـ. على أن صاحب النجوم الزاهرة الذي عنى عناية خاصة بتعداد ولاة مصر يقول: إن حاكم مصر من سنة 45 - 48هـ هو عقبة بن عامر الجهني (النجوم الزاهرة ج 1 ص 130)، وإن الذي وليها بعده هو مسلمة بن مخلد الأنصاري، واستمر في ولايتها حتى سنة 62هـ، وفي ولايته وقع فتح إفريقية الكبير.

(2)

هذه هي الرواية الراجحة، ولكن ابن عبد الحكم يضع تاريخ هذه الغزوة في سنة 46هـ.

ص: 19

أنشأ مدينة القَيرُوان لتكون عاصمة للولاية الإسلامية الجديدة، وحصنا للدفاع عنها، وقاعدة لرد الروم والبربر.

ولم يمض قليل على قيام عقبة بذلك الفتح الكبير، حتى عزله والي مصر مسلمة بن مخلد الذي جمع له معاوية بين حكم مصر والمغرب (1)، وولى مكانه على إفريقية أبا المهاجر الأنصاري، فلبث في ولايتها عدة أعوام لم تقع فيها حوادث تذكر. ثم عزل أبو المهاجر وأعيد عقبة سنة 62هـ في بدء خلافة يزيد بن معاوية. وكانت البلاد المفتوحة ما تزال تضطرم بعوامل الخروج والثورة. وكان الروم والبربر كلاهما يترقب الفرص، ولكن عقبة شغل عن توطيد الدولة الفتية بفتوحات جديدة، وعاد فاخترق المغرب إلى أقصاه، ووصل إلى ساحل المحيط هذه المرة. وهنا تقول الرواية العربية، إن عقبة لما انتهي إلى المحيط دفع فرسه إلى الماء حتى بلغ نحره، ثم قال:" اللهم إني أشهدك أن لا مجاز، ولو وجدت مجازا لجزت "(2).

ففي ذلك الحين ثار البربر بقيادة زعيم لهم يدعى كسيلة بن لمزم (3) كان قد اعتنق الإسلام وحالف العرب ثم تغير عليهم، وانضمت إليه جموع كثيرة من الروم والبربر، وانتهز فرصة تفرق المسلمين في مختلف الأنحاء، وانقض بجموعه على جيش عقبة، ووقعت بين الفريقين معارك شديدة هزم فيها المسلمون، وقتل عقبة وجماعة من القادة (سنة 62هـ) وزحف كسيلة على القيروان واستولى عليها، وارتد حاكمها زهير بن قيس البلوي بقواته القليلة إلى برقة، وكادت بذلك تذهب دولة العرب في إفريقية.

ولما تولى الخلافة عبد الملك بن مروان (سنة 65 هـ) اعتزم أن يعمل لاستعادة إفريقية، فولى عليها زهير بن قيس البلوي، وكان منذ سقوط القيروان يتولى الدفاع عن برقة، وأمده بجيش ضخم، فزحف زهير على القيروان سنة 69 هـ (688 م) والتقى على مقربة منها بجيش كسيلة، فهزم البربر بعد معركة شديدة

(1) ويضع ابن عبد الحكم تاريخ هذا العزل في سنة 51 هـ، ويقول الطبري إنه وقع في سنة 50 هـ (ج 6 ص 134).

(2)

ابن عبد الحكم ص 199، وابن الأثير ج 4 ص 42.

(3)

هذه هي تسمية ابن عبد الحكم (ص 200) وابن خلدون (ج 6 ص 108) ولكن ابن الأثير يسميه كسيلة ابن كمرم.

ص: 20

قتل فيها كسيلة وكثير من أصحابه، ودخل زهير القيروان وترك فيها حامية للدفاع عنها، وفرق جنده لإخضاع الثوار في مختلف الأنحاء. ولكن الروم انتهزوا فرصة توغل المسلمين غربا، وأمدهم قيصر قسطنطينية (1) بأسطول من صقلية، فنزلوا في قرطاجَنة ثم زحفوا. على برقة في جموع عظيمة، وعلم زهير بتلك المفاجأة، فارتد للدفاع عن برقة، ونشبت بين الفريقين معركة هائلة هزم فيها المسلمون، وقتل زهير ومعظم ضباطه، وذهب المغرب من قبضة المسلمين مرة أخرى.

وكان وقع هذا الخطب شديداً في حكومة دمشق، وكانت تشغل يومئذ بمحاربة ابن الزبير وصحبه الخوارج عليها، فمضت أعوام أخرى قبل أن تتمكن من العناية بشئون إفريقية، فلما انتهت الثورة وقتل ابن الزبير، وجه عبد الملك عنايته إلى استعادة إفريقية، فولى عليها حسان بن النعمان الغساني سنة 73 هـ (2)(692 م) وسيره إليها في جيش ضخم كان أعظم قوة سيرتها الخلافة إلى إفريقية، فاخترق حسان برقة وقصد قرطاجَنة عاصمة إفريقية الرومانية، وكانت لا تزال في يد الروم ولم يغزها المسلمون بعد لحصانتها واتصالها بالبحر، وقربها من صقلية حيث كانت ترسل إليها الأمداد بسرعة، فحاصرها بشدة ثم اقتحمها واستولى عليها، ولكن الإمبراطور سير إليها جيشا بقيادة حاكمها يوحنا، يعاونه أسطول من صقلية، وقوة من القوط أرسلها ملك اسبانيا القوطي الذي أزعجه اقتراب العرب من بلاده، فانسحب العرب وارتدوا إلى القيروان، حتى إذا جاءتهم الأمداد أعادوا الكرة على قرطاجنة، وهزموا الروم والقوط هزيمة شديدة، ففروا إلى سفنهم، وخربت قرطاجنة وهدمت حصونها القوية. ثم سار حسان غربا وهزم الروم والبربر في عدة مواقع، واستعاد الإسلام سلطانه فيما بين برقة والمحيط (3).

وعاد حسان إلى القيروان لينظم جيشه. وكان البربر والقبائل الجبلية قد

(1) كان إمبراطور قسطنطينية في ذلك الحين يوستنيان الثاني، 685 - 695 م.

(2)

ابن عبد الحكم ص 200؛ ولكن ابن الأثير يضع تاريخ توليته في سنة 74هـ.

(3)

ابن الأثير ج 4 ص 143، ومعجم ياقوت تحت كلمة قرطاجنة، وكذلك: Gibbon، ibid، Chap. L.

1

ص: 21

اجتمعوا منذ مقتل زعيمهم كسيلة، في مفاوز المغرب الأقصى، تحت لواء امرأة من قبيلة جراوة يعتقدون فيها السحر والكهانة وتعرف بالكاهنة (1)، وكانت تقيم ملكها في جبل أوراس. فسار حسان لقتالها وخرجت اليه بجموعها، فالتقيا عند نهر نيني، ونشبت بينهما موقعة هائلة هزم فيها العرب هزيمة شديدة، وقتل منهم جمع كبير، وارتد حسان إلى برقة. وسارت الكاهنة شرقا حتى قابس واستولت على كثير من البلاد والحصون، وبسطت سلطانها على معظم إفريقية مدى خمسة أعوام. ولبث حسان في برقة حتى أمده عبد الملك بالجند، فزحف على المغرب ثانية سنة 79هـ (698 م)، ولم تر الكاهنة وسيلة لوقفه إلا أن تحول البلاد إلى خراب بلقع، فهدمت جميع المدن والحصون، وأحرقت جميع القرى والضياع الواقعة في طريق المسلمين، ولكن ذلك لم يثن حسانا عن عزمه، فتابع سيره حتى أقاصي المغرب في وهاد ومفاوز صعبة. وكان البربر قد سئموا نير الكاهنة وعسفها، فهرع الكثير منهم إلى حسان يطلبون حمايته، وتفرقت جموع الكاهنة، وأدركها المسلمون بجبل أوراس فمزقت جموعها وقتلت. واستأمن البربر على الإسلام والطاعة، وأن يمدوا المسلمن باثنى عشر ألف مقاتل. وولى حسان جبل أوراس ابنَ الكاهنة بعد أن استوثق من طاعته، ثم عاد إلى القيروان بعد أن محق كل مقاومة وقضى على كل نزعة إلى الخروج والثورة (2).

ولبث حسان بن النعمان بإفريقية حينا، ينظم شؤونها العسكرية والإدارية

والمالية، وينشئ الدواوين ويرتب الخراج والجزية، ويوطد سلطان الحكم الجديد

في الثغور والنواحى. ثم جدد مدينة القيروان وأنشأ بها المسجد الجامع (3)، ولبث

(1) ويسميها ابن خلدون دهيا بنت ماتية بن تيفان (ج 6 ص 109) ويسميها بعض المؤرخين الأوربيين داميا؛ راجع Aschbach: Geschicchte der Omaijaden in Spanien. B. 1.21

(2)

ابن الأثير ج 4 ص 144، وابن خلدون ج 6 ص 109. وفي روايته من حيث التاريخ شيء من التناقض، فهو يؤرخ غزوة حسان الأولى وفتح قرطاجنة بسنة 79هـ ثم يؤرخ حرب الكاهنة المرة الثانية بعد أن يذكر أنها لبثت تحكم افريقية خمسة أعوام بسنة 74هـ - ولعل هذا تحريف في النقل أو الطبع، إذ يقتضي أن يكون هذا التاريخ طبقا لرواية ابن خلدون هو سنة 84هـ. ولكن ابن عبد الحكم وهو أقدم رواية وثيقة يؤرخ غزوة حسان الأولى بسنة 73هـ ويؤرخها ابن الأثير بسنة 74هـ - وينقض رواية ابن عبد الحكم عن مقتل الكاهنة تاريخ هذه الواقعة (ص 201).

(3)

ابن خلدون ج 6 ص 110، وابن عبد الحكم ص 201.

ص: 22

في منصبه حتى توفي عبد الملك بن مروان سنة 86هـ (705 م) فخلفه ابنه الوليد بعهد منه، وولى عمه عبد الله بن مروان على مصر، فعزل حسانا عن ولاية إفريقية، واختار لولايتها موسى بن نصير اللخمي، وكانت إفريقية تابعة لمصر في شؤون الحكم والولاية كما بينا. وكانت ولاية موسى بن نصير لإفريقية سنة 89هـ (708 م).

ويجب قبل أن نمضي في الكلام عن حوادث إفريقية، أن نقول كلمة عن الرجل الذي قدر أن يجوز الإسلام على يديه لأول مرة إلى القارة الأوربية، وأن يكتب فيها صفحة من أمجد صفحاته. كان موسى بن نصير من أعظم الزعماء والقادة الذين وجهتهم الخلافة إلى الغرب. ومع أن الرواية الإسلامية تتبع حياته بإفاضة منذ ولايته لحكم إفريقية، فإنها لا تقدم إلينا عن نشأته وحياته الأولى تفاصيل شافية، شأنها نحو كثير من زعماء الإسلام في القرن الأول من الهجرة. بيد أننا نعرف مع ذلك أنه من التابعين، وأنه ولد سنة 19هـ في خلافة أمير المؤمنين عمر، في قرية من قرى الجزيرة، أو بوادي القرى في شمالي الحجاز على قول آخر. وأما عن نسبته، فتقول الرواية إنه ينتسب إلى بكر بن وائل، وان أباه نصيرا كان ممن سباهم خالد بن الوليد في موقعة عين التمر (سنة 12هـ)(1). وقيل إنه ينتسب بطريق الولاء إلى بني لخم، وان أباه نصيراً كان على حرس معاوية بن أبي سفيان. ثم كان وصيفا لعبد العزيز بن مروان فأعتقه (2).

وأما عن حياة موسى الأولى فلا تذكر الرواية سوى القليل. وكل ما نعرفه منها أنه تقلب في بعض المناصب الحربية والإدارية الهامة، قبل أن يعهد إليه بحكم إفريقية، وأنه قاد بعض الحملات البحرية في عصر معاوية بن أبي سفيان، وغزا قبرص وغيرها من الجزر القريبة (3). وفي بعض الروايات أن عبد الملك بن مروان حينما ولى أخاه بشرا على البصرة في سنة 73هـ، وكيان يتولى قيادة الجند

(1) الطبري ج 4 ص 22، و" أخبار مجموعة في فتح الأندلس " ص 3، وأبو المحاسن في النجوم الزاهرة (مصر) ج 1 ص 235.

(2)

ابن خلكان ج 2 ص 176، وابن الأثير ج 4 ص 209، والبلاذري في فتوح البلدان ص 232.

(3)

النجوم الزاهرة ج 1 ص 225.

ص: 23

بمصر، ندب موسى بن نصير لمعاونته، وكان يومئذ بمصر في خدمة أميرها عبد العزيز بن مروان صديقه وحاميه، وأن موسى لبث وزيراً ومستشارا لبشر أيام ولايته للبصرة. فلما وُليّ الحجاج حكم العراق في سنة 75 هـ، اتهم موسى باختلاس أموال البصرة، ولم ينقذه من بطش الحجاج سوى تدخل عبد العزيز ابن مروان، وكان قد وفد يومئذ على الشام بأموال مصر، وهرع إليه موسى مستجيرا به. ثم عاد موسى إلى مصر مع عبد العزيز بن مروان، ولبث بها يتبوأ لديه أسمى مراتب النفوذ والثقة حتى عين حاكما لإفريقية (1).

وتختلف الرواية في تاريخ ولاية موسى بن نصير لإفريقية اختلافا بينا، فالبعض يقول إنها كانت في سنة 78 أو 79 هـ في عهد عبد الملك، ويقول البعض الآخر إنها كانت في سنة 86 أو سنة 89 هـ في عهد ابنه الوليد (2)؛ ونحن نؤثر الأخذ بالقول الثاني لأنه أكثر اتفاقاً مع سير الحوادث في إفريقية، ولأن معظم الروايات تجمع على أن حسان بن النعمان والى إفريقية لبث على ولايتها حتى وفاة عبد الملك، وقد توفي عبد الملك في شوال سنة 86 هـ. وكان عبد العزيز بن مروان أمير مصر قد توفي قبل ذلك سنة 85 هـ، وندب عبد الملك ولده عبد الله أميرا

(1) وردت هذه التفاصيل في كتاب " الإمامة والسياسة " المنسوب لابن قتيبة. ومع أن هذه النسبة يحيط بها كثير من الشك، فإن الكتاب يتضمن كثيرا من الأخبار والتفاصيل المفيدة عن رجالات الإسلام في عصر الخلفاء الراشدين والدولة الأموية (راجع الكتاب المشار إليه - طبع مصر - ج 2 ص 60 وما بعدها). وقد اعتبره المستشرق الإسباني جاينجوس Gayangos قديما وصحيحا، وإن كان يشك في نسبته لابن قتيبة لعدة أسباب وجيهة؛ وانتفع به المستشرق الألمانى فايل Weil، والمستشرق الإيطالى أماري Amari. ويرى دوزي أن الكتاب غير قديم وغير صحيح، وأنه يحتوي على أخطاء تاريخية وروايات خيالية غير معقولة، وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون ابن قتيبة صاحب هذا التصنيف الضعيف؛ ويرى المستشرق هاماكر ويوافقه دوزي أن هذا الكتاب وأمثاله من الكتب التاريخية الحماسية (مثل الكتب التي نسبت للواقدى)، قد ألفت أيام الحروب الصليبية لبث الحماس في نفوس المسلمين، وتذكيرهم بأمجاد أسلافهم وبطولاتهم الخارقة. راجع دوزي:

Recherches sur l'Histoiret Littérature de l'Espagne au moyen àge; V.i.p.21

(2)

يقول بالرواية الأولى ابن عبد الحكم (ص 203)، ويتبعه صاحب كتاب الإمامة والسياسة (ج 2 ص 62)، وابن الأبار في الحلة السيراء (ليدن ص 70)، والحميدي في جذوة المقتبس (مصر ص 317)، والنجوم الزاهرة (ج 1 ص 188)، ويقول بالثانية ابن الأثير (ج 4 ص 144 و206)، وابن خلكان (ج 2 ص 176). وابن عذارى في البيان المغرب (ج 1 ص 23).

ص: 24

على مصر، فدخلها في جمادى الآخرة سنة 86 هـ قبيل وفاة أبيه بأشهر قلائل. وعزل عبد الله، حسان بن النعمان عن ولاية إفريقية، واختار لولايتها موسى بن نصير. وكانت ولاية موسى لإفريقية على أرجح الأقوال في سنة 89 هـ (708 م).

وكان موسى بن نصير قد اخترق مفاوز إفريقية من قبل، وسيره عبد العزيز ابن مروان في سنة 84 هـ إلى برقة، فافتتح درنة وسبى من أهلها جموعاً غفيرة. وكان البربر لا يزالون على اضطرابهم وتمردهم، يتحينون الفرصة للثورة كلما سنحت. فما كاد موسى يلي الحكم حتى نزعوا إلى الثورة شأنهم عند كل تغيير في الحكم، ولكنهم أخطأوا تقدير عزم الحاكم الجديد وصرامته. وسرعان ما سحقت الثورة في كل ناحية، ومزق موسى جموع الثوار بيد من حديد، ودوخ هوارة وزَتانة وكتامة وصِنهاجة وغيرها من القبائل البربرية القوية، ثم سار إلى طنجة وهي آخر معقل اعتصم به الثوار، ولم يكن غزاها العرب بعد، فافتتحها، وولى عليها جندياً عظيما هو طارق بن زياد الليثى، وأثخن في مفاوز المغرب الأقصى، وطهرها من العصاة والمتآمرين، وأحرز في تلك الغزوات من الغنائم والسبي ما لا يحصى، واستمال إليه وجوه القبائل، وحشد في جيشه آلافا من البربر المسالمين، واهتم بنشر الإسلام بين البربر اهتماماً عظيماً، فأقبلوا على اعتناقه وذاع بينهم ذيوعاً كبيراً، وهبت ريح من الأمن والسكينة على البلاد المفتوحة.

وكان الروم (الرومان) بعد أن أخفقوا في الحرب البرية، ويئسوا من استرداد إفريقية، قد لجأوا إلى غزو الثغور ونهبها، فابتنى موسى داراً عظيمة للصناعة (بناء السفن) على مقربة من أطلال قرطاجنة، وأنشأ أسطولا ضخماً لحماية الثغور. وكان العرب قد بدأوا غزواتهم البحرية الأولى في تلك المياه قبل ذلك بعدة أعوام، وسير موسى ابنه عبد الله في السفن إلى الجزر القريبة فغزا جزائر البليار (الجزائر الشرقية) وكانت يومئذ من أملاك ملك اسبانيا القوطى، وافتتح مَيُورقة ومِنُورقة (710 م) ولكنه لم يكن فتحاً مستقراً (1). وسارت

(1) تعرف هذه الغزوة بغزوة الأشراف لكثرة من اشترك فيها من أكابر المسلمين. وورد في كتاب " الإمامة والسياسة " أن هذه الغزوة التي قادها عبد الله بن موسى كانت خاصة بصقلية لا بميورقة (ج 2 ص 73).

ص: 25

حملات بحرية أخرى إلى صقلية وسردانية وعاثت في ثغورها، وعادت مثقلة بالسبى والغنائم. وهكذا بسط العرب سلطانهم على شمالي إفريقية كله في البر والبحر، ولم يبق من ثغوره بيد النصارى بعد افتتاح طنجة سوى ثغر سبتة (1) الواقع في نهاية البحر الأبيض المتوسط شرقي طنجة، وكانت يومئذ من أملاك اسبانيا، ويحكمها زعيم من القوط أو الفرنج يدعى الكونت يوليان. وكانت سبتة قد استطاعت لمنعتها الطبيعية ويقظة حاكمها، أن ترد هجمات العرب، رغم مجاورتهم لها من الجنوب والغرب، وكان موسى يتوق إلى افتتاح هذا المعقل الحصين. على أن مشاريعه في الفتح لم تكن تقف عند سبتة بل كانت تجاوزها إلى ما وراء ذلك البحر الشاسع، الذي عرف العرب كثيراً عن شواطئه الشرقية والجنوبية، ولكنهم لم يعرفوا بعد شيئاً أو لم يعرفوا سوى القليل عن شواطئه الشمالية والغربية: أجل، كان موسى يتوق إلى افتتاح ما وراء ذلك البحر من الممالك والأمم المجهولة.

(1) ومقابلها الإفرنجي هو Ceuta

ص: 26