المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأولالحكم المستنصر بالله - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ١

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الكتاب الأولفتوح العرب في إفريقية والأندلس وغاليس وعصر الولاة في الأندلس

- ‌الفصل الأولفتوح العرب في إفريقية

- ‌الفصل الثانيإسبانيا قبل الفتح الإسلامي

- ‌الفصل الثالثفتح أسبانيا

- ‌الفصل الرابعإسبانيا بعد الفتح الإسلامي

- ‌الفصل الخامسغاليس بين العرب والفرنج

- ‌الفصل السادسبلاط الشهداء

- ‌الفصل السابعالأندلس بين المد والجزر

- ‌الفصل الثامِنُالحرب الأهلية

- ‌الفصل التاسعخاتمة عصر الولاة

- ‌الكتابُ الثانيالدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْالقسم الأول عَصْرُ الإمارة من عبْد الرحمن الداخل إلى عبْد الرحمن بن الحَكم

- ‌الفصل الأولمصرع الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية

- ‌الفصل الثانيبعث الدولة الأموية في الأندلس

- ‌الفصل الثالثولاية عبد الرحمن الداخل

- ‌الفصل الرابعموقعة رونسفال أو باب شزروا

- ‌الفصل الخامسولاية عبد الرحمن الداخل

- ‌الفصل السادسخلال عبد الرحمن ومآثره

- ‌الفصل السابعالمملكة النصرانية الشمالية

- ‌الفصل الثامنهشام بن عبد الرحمن والحكم بن هشام

- ‌الفصل السادسعبد الرحمن بن الحكم

- ‌الكتابُ الثانيالدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْالقسم الثاني عَصْرُ الإمَارَة من محمد بن عبد الرحمن إلى عبد الله بن محمد وعَهْد الفتنة الكبْرى

- ‌الفصل الأوّلولاية محمد بن عبد الرحمن بن الحكم

- ‌الفصل الثانيولاية المنذر بن محمد بن عبد الرحمن

- ‌الفصل الثالثولاية عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن

- ‌الفصل الرابعولاية عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن

- ‌الفصل الخامسالمملكة الإسبانية النصرانية

- ‌الكتاب الثانيالدّوْلة الأموَّية في الأندَلسْالقسم الثالث عبد الرحمن الناصر وقيام الخلافة الأموية بالأندلس

- ‌الفصل الأولولاية عبد الرحمن الناصر

- ‌الفصل الثانيخلال الناصر ومآثره

- ‌الفصل الثالثغزوات المسلمين

- ‌الكتاب الثانيالدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْالقسم الرابع رَبيع الخلافة الأندَلسِيّة

- ‌الفصل الأوّلالحكم المستنصر بالله

- ‌الفصل الثانيهشام المؤيد بالله

- ‌الكِتابُ الثالِثالدّولة العامِريّة

- ‌الفصل الأوّلالحاجب المنصور

- ‌الفصل الثانيخلال المنصور ومآثره

- ‌الفصل الثالثالممالك النصرانية الإسبانية

- ‌الفصل الرابععبد الملك المظفر بالله

- ‌الكتابُ الرابعسُقوطُ الخلافة الأندلسيّة ودوْلة بَني حمّود

- ‌الفصل الأوّلالخلافة في معترك الفتنة والفوضى

- ‌الفصل الثانيدولة بني حمُّود

- ‌الكتابُ الخامسالنظم الإداريّة والحركة الفكريّة في عصْري الإمارة والخلافة

- ‌الفصل الأولنظم الحكم

- ‌الفصل الثانيالحركة الفكرية الأندلسية

- ‌ثبت المراجع

الفصل: ‌الفصل الأولالحكم المستنصر بالله

‌الفصل الأوّل

الحكم المستنصر بالله

خلافة الحكم المستنصر. تنظيم البيعة له. عنايته بتوسيع المسجد الجامع. تحرك أمير قشتالة. وفود أردونيو الرابع على الحكم. وصف لحفل استقباله. سفارة سانشو. وفاة أردونيو. تحالف الملوك النصارى. خروج الحكم إلى الغزو. استيلاء المسلمين على شنت إشتيبن. إفتتاح قلهرة. استرداد حصن غرماج. عناية الحكم بتعزيز الأسطول. ظهور النورمان في المياه الغربية. مقاومة المسلمين وارتداد النورمان. عود النورمان إلى المياه الغربية ثم انسحابهم. قرطبة تغدو مركز التوجيه في شبه الجزيرة. وفود الملوك النصارى وسفاراتهم على قرطبة. حوادث المغرب. انحلال دولة الأدارسة. أميرهم الحسن بن كنون. طاعته للناصر والحكم. مسير بلكين نائب المعز الفاطمي إلى قتال زناتة. ولاء زناتة لبني أمية. غزو بلكين لأراضيهم. هزيمة زناتة. نكث الحسن بن كنون. الحكم يرسل جيوشه إلى المغرب. هزيمة الحسن وفراره. عوده إلى القتال. هزيمة جند الأندلس. الحسن يطلب الصلح. الحكم يرسل كبير قواده غالباً في جيش ضخم. غالب يطارد الحسن ويرغمه على التسليم. التجاء الحسن إلى قرطبة. وصف لموكب القائد غالب. وصف لصفات الحسن. مغادرته قرطبة إلى مصر. اعتداء صاحب قشتالة على الأراضي الإسلامية. نكبة جعفر ويحيى ابني علي بن حمدون. اصطناع الحكم للبربر. مولد ولي العهد هشام. الحكم العالم. شغفه باقتناء الكتب. المكتبة الأموية الكبرى ودور الحكم في إنشائها. ذيوع الشغف باقتناء الكتب. جامعة قرطبة. تشجيع الحكم للعلماء. تقدير النقد الحديث لهذه النزعة العلمية. المكتبات العامة بالأندلس. أخذ البيعة لولي العهد الطفل. تعليق ابن حيان على ذلك. وفاة الحكم. ورعه وخلاله. الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي. هديته إلى الحكم. القائد غالب الناصري. الحكم الشاعر. أبهة بلاط قرطبة في عهد الحكم. تكوين المجتمع الأندلسي في هذا العصر. الأرستقراطية الأندلسية. المولدون. طبقة الرقيق. النصارى المعاهدون. اليهود. نفوذهم وازدهارهم العلمي.

طويت بوفاة عبد الرحمن الناصر، ألمع صفحة في تاريخ اسبانيا المسلمة، وتاريخ الخلافة الأندلسية. استقرت الخلافة الأندلسية في عهد الناصر، على أسس ثابتة، وسحقت ثورة المولدين والعرب، بعد أن كادت تقضي على ملك بني أمية، وعلى صرح الدولة الأندلسية كلها، ورد النصارى الإسبان إلى عقر دارهم، فسكنوا وجلين منتظرين، وتمتعت الأندلس بعهد من السلم والاستقرار والرخاء، لم تعرفه من قبل، ووصلت رقعة الوطن الأندلسي إلى أعظم ما وصلت إليه، إذا استثنينا عهد الفتح الأول. وهكذا كان عصر الناصر بالنسبة للأندلس، ذروة عصورها، قوة وعظمة ومجداً.

ص: 482

وخلف الناصر أكبر ولده الحكم المستنصر بالله بعهد منه، وكان الناصر قد آثره منذ حداثته على سائر إخوته وولاه عهده (1). وقيل إنه أخذ له بيعة العهد وهو طفل لم يجاوز الثامنة. وبويع الحكم في اليوم التالي لوفاة أبيه، في الثالث من رمضان سنة 350 هـ (16 أكتوبر 961 م)، وكان الحكم يومئذ في نحو الثامنة والأربعين من عمره، إذ كان مولده حسبما تقدم بقرطبة في 24 من جمادى الأولى وقيل في غرة رجب سنة 302 هـ (915 م)(2)، وأمه أم ولد تدعى مرجان.

وأخذت البيعة للخليفة الجديد في قصر الزهراء. وجلس الحكم على سرير الملك في البهو الأوسط الذهبي، واجتمع إخوته، وسائر الوزراء ورجال الدولة، وأكابر الفتيان الصقالبة، ومن دونهم من رجال الخاص، وأهل الخدمة، وأكابر الجند، انتظموا جميعاً وفق مراتبهم في المجلسين الشرقي والغربي، وفي مختلف الأروقة، وانتظم الحرس وفرسان الحشم وطبقات الجند، فيما وراء باب السُّدة، صفوفاً متصلة حتى باب المدينة. ولما تمت البيعة، أذن للناس في الانصراف، إلا الإخوة والوزراء ورجال الخاصة، فإنهم لبثوا بالقصر، حتى احتمل جسد الخليفة الذاهب (الناصر) إلى قصر قرطبة ليدفن هنالك في مقبرة القصر (3).

ولم يكن الحكم حين ولايته، محدثاً في شئون الملك، بل لقد مارسها في حياة أبيه، وكثيراً ما ندبه أبوه لمباشرة المهام والشئون الخطيرة، فكان عند جلوسه أميراً مكتمل النضج والخبرة.

واستهل الحكم عهده بالنظر في توسيع المسجد الجامع، وأصدر بذلك مرسومه في اليوم التالي لجلوسه. وكان المسجد الجامع قد ضاقت جنباته بجموع المصلين، فقرر توسيعه من الناحية الشرقية على طول الجامع من الجنوب إلى الشمال حتى صحنه. وبلغت الزيادة نحو مساحة الجامع، فتضاعف بذلك حجمه. وابتنى الحكم محرابه الثالث، واستغرق بناؤه أربعة أعوام، وعملت له قبة فخمة زخرفت

(1) البيان المغرب ج 2 ص 244؛ وأعمال الأعلام لابن الخطيب (المطبوع ببيروت سنة 1956) ص 41.

(2)

الإحاطة في أخبار غرناطة لابن الخطيب (القاهرة سنة 1956) ج 1 ص 487، والحلة السيراء لابن الأبار ص 102. وراجع ص 378 من هذا الكتاب.

(3)

نفح الطيب ج 1 ص 181.

ص: 483

بالفسيفساء البديعة. وأرسل قيصر قسطنطينية رومانوس الثاني إلى الحكم منها قدراً كبيراً، كما أرسل إليه أستاذاً خبيراً بأعمال الفسيفساء. وأنشأ الحكم أيضاً مقصورة جديدة لها قبة على الطراز البيزنطي. وابتنى إلى جانب المسجد داراً للصدقة، وأخرى للوعاظ وعمال المسجد. وتشغل زيادة الحكم في الجامع اليوم قسمه الأوسط، الواقع بين الجناح القديم، الذي أنشأه عبد الرحمن الداخل وزاد فيه عبد الرحمن الأوسط - والجناح الذي أنشأه الحاجب المنصور، وهو يشغل نحو ثلث المسجد من الناحية الشرقية (1).

ولم يمض سوى قليل، حتى بدت من الأمراء النصارى نزعة إلى العدوان.

وكان الناصر قبيل وفاته قد عاون سانشو الأول (شانجُه) ملك ليون ابن أردونيو الثالث بالمال والجند على استرداد عرشه، وفر ابن عمه ومنافسه أردونيو الرابع مهزوماً إلى برغش (سنة 960 م)، واشترط الخليفة ثمناً لهذا العون، أن يهدم النصارى بعض حصون الحدود، وأن يسلموا عدداً آخر منها إلى المسلمين. فلما توفي الناصر بعد ذلك بقليل، نكث سانشو بالعهد، وأبى تنفيذ ما وعد. ومن جهة أخرى فقد ظهر عامل جديد في عدوان النصارى. وذلك أن قشتالة، وقد كانت يومئذ ولاية من ولايات ليون، كانت تنزع إلى الاستقلال، وكان زعيمها الكونت (القومس) فرنان كونثالث (2) رجلا مقداماً يلتف حوله مواطنوه، فثار على سانشو، وأعلن استقلال قشتالة، ونصب نفسه أميراً عليها، وأخذ يغير على أراضي المسلمين المجاورة، وهي مما يلي غرب الثغر الأعلى، وشمال الثغر الأوسط، وانضم إليه كثير من النصارى المتعصبين. فنما بذلك جيشه واشتد بأسه. وكان الكونت يطمح إلى توسيع أملاكه، ويعتمد على مناعة قلاعه الواقعة على الحدود.

وقد أغضى الحكم في البداية عن هذا العدوان مؤثراً الاعتصام بالسلم، ولكنه لما رأى تمادي النصارى في بغيهم، أخذ في التأهب للحرب، وأنفذ الكتب إلى سائر الولاة والقواد، بوجوب الأهبة والاستعداد للجهاد في سبيل الله.

وكان أردونيو الرابع الملك المخلوع، قد لجأ إلى الحكم ليعاونه على استرداد

(1) البيان المغرب ج 2 ص 249، وأعمال الأعلام ص 48.

(2)

ويسميه ابن خلدون " فردلند القومس "(ج 4 ص 144) وفي مكان آخر فرلند بن غند شلب (ج 4 ص 180) وورد اسمه في أعمال الأعلام " فران غنصالص " وهو أكثر مطابقة للاسم القشتالي (ص 375).

ص: 484

عرشه. وتفيض الرواية الإسلامية في وصف مقدمه على قرطبة، ومثوله بين يدي الخليفة، فتقول لنا إن أردونيو وفد على قرطبة في عشرين رجلا من وجوه أصحابه، ومعهم غالب الناصري مولى الحكم وصاحب مدينة سالم، وذلك في آخر صفر سنة 351 هـ (30 مارس 962 م). وتلقاهم الوزير هشام المصحفي في قوات كثيفة من الجند. فلما دخلوا قصر قرطبة، ووصل أردونيو إلى ما بين باب السُّدة وباب الجنان، سأل عن مكان مدفن الناصر، فأشير إليه في الروضة بداخل القصر، فسار إليه وخلع قلنسوته وانحنى أمامه خاشعاً. وأنزل أردونيو وصحبه في دار الناعورة الفخمة، وبولغ في إكرامهم. وبعد يومين استدعاهم الحكم إلى قصر الزهراء، وقد حشدت قوات عظيمة من الجند، وبولغ في الاحتفال بالزينات، وإظهار الأسلحة والعُدَد. وجلس الحكم فوق سرير الملك في المجلس الشرقي، ومن حوله الإخوة والوزراء والأكابر، وجىء بأردونيو وأصحابه، ومعهم جماعة من وجوه نصارى الأندلس. فدخلوا بين الصفوف الفخمة المزركشة وقد بهروا بما رأوا، وجازوا أبواب القصر المتعاقبة، وأجلسوا برهة في بهو الانتظار، ثم استدعوا للمثول بين يدي الخليفة، فسار أردونيو ومن ورائه أصحابه، فلما وصل إلى المجلس الخلافي كشف رأسه وخلع برنسه. ولما دنا من سرير الحكم سجد أمامه ثم قبل يده. ثم ارتد راجعاً إلى كرسي من الديباج المثقل بالذهب.

وتولى الترجمة بين أردونيو والخليفة، وليد بن خيزون قاضي الذمة بقرطبة، وأعرب الحكم عن سروره وترحيبه بمقدم أردونيو، ووعده برعايته. وبسط أردونيو قضيته، وشكا مما أنزله به خصمه سانشو، مع أن الشعب كان قد آثره باختياره، ولكن خصمه لجأ إلى الخليفة الراحل واستجار به، فأغاثه ونصره عليه، ومع ذلك فقد قصر في الوفاء بعهوده، وأنه يضع نفسه وبلاده وشعبه، تحت رعاية الخليفة، وأنه يتعهد بمحالفة الإسلام، ومقاطعة صهره فردلند القومس أمير قشتالة، ويقدم ولده غرسيه رهينة بصدق وفائه (1). وهنا وعده الخليفة بعونه ونصرته في تمليكه ما كان له. وانصرف أردونيو بعد الشكر والتحية، وخرج من المجلس، وقد بهره وأذهله ما رأى من آيات الفخامة والسلطان. وقدم إليه الحاجب جعفر الهدايا التي أمر بها الخليفة له ولأصحابه. وألقى الخطباء والشعراء

(1) ابن خلدون ج 4 ص 145.

ص: 485

خطبهم وقصائدهم، منوهين بروعة هذا اليوم المشهود. فمن ذلك قول عبد الملك ابن سعيد المرادي من قصيدة:

ملك الخليفة آية الإقبال

وسعوده موصولة بنوال

والمسلمون بعزة وبرفعة

والمشركون بذلة وسفال

ألقت بأيديها الأعاجم نحوه ..

. متوقعين لصولة الرئبال

هذا أميرهم أتاه آخذاً

منه أواصر ذمة وحبال

متواضعاً لجلاله متخشعاً

متبرعاً لما يرع بقتال (1)

فلما نمى إلى سانشو ما وعد به الخليفة خصمه ومنافسه، خشى عاقبة هذا المسعى، فبعث إلى الحكم وفداً من الأكابر والأحبار، يعرض عليه أن يعترف بطاعته، وأن يقوم بتنفيذ ما تعهد به للناصر من تسليم بعض الحصون الواقعة على الحدود وهدم البعض الآخر (2). ولكن أردونيو ما لبث أن توفي، وعاد سانشو إلى نكثه بعد أن أمن شر منافسه. وهنا شعر الأمراء النصارى بخطورة أهبة المسلمين العسكرية، وأدركوا أن لا بد لهم من الاتحاد جميعاً، لكي يستطيعوا مواجهتهم. وهكذا عقد التحالف بين سانشو ملك ليون، وخصمه الكونت فرنان أمير قشتالة، وغرسية سانشيز ملك نافار، وكونت برشلونة، وتأهب الجميع لمدافعة المسلمين.

وفي صيف سنة 352 هـ (963 م) خرج الحكم إلى الغزو، معلناً الجهاد، واجتمعت إليه الجيوش في طليطلة، فسار مخترقاً جبال وادي الرملة إلى أراضي قشتالة، وأشرف على قلعة شنت إشتيبن المنيعة (3) فحاصرها المسلمون، واستولوا عليها. وعبثاً حاول الكونت فرنان كونثالث، أن يقف في سبيل المسلمين، واجتاح المسلمون أراضيه، ومزقوا قواته، حتى أذعن إلى طلب الصلح، ولكنه نكث عهده، فهاجمه المسلمون كرة أخرى، واستولوا على بلدة أنتيسة الحصينة (4).

(1) أورد لنا المقري (عن ابن حيان) عن هذه الزيارة تفاصيل مسهبة (راجع نفع الطيب ج 1 ص 181 - 184). ولخصها ابن خلدون (ج 4 ص 145). وكذلك البيان المغرب ج 2 ص 251.

(2)

ابن خلدون ج 4 ص 145.

(3)

البيان المغرب ج 2 ص 251.

(4)

ابن خلدون ج 4 ص 144. وأنتيسة هي Atienza.

ص: 486

وأرسل الحكم جيشاً آخر بقيادة يحيى بن محمد التجيبي حاكم سرقسطة في اتجاه نافار. وكان ملكها غرسية سانشيز، قد أغار على الأراضي الإسلامية ناكثاً لعهده، وهرع حليفه سانشو ملك ليون في قواته لإنجاده، ونشبت بين الفريقين موقعة هزم فيها النصارى وامتنعوا بالجبال. وفي نفس الوقت سار القائد غالب مولى الحكم في جيش قوي إلى مدينة قلهرّة، من قواعد نافار الغربية، فافتتحها، وحصنها وشحنها بالرجال والعدة، وكان فتحاً عظيماً. وسار حاكم مدينة وشقة في قواته شمالا نحو أراضي نافار مما يلي جبال البرنيه، واستولى على حصن يبه (1) واجتاح تلك المنطقة، وغنم ما فيها من السلاح والأقوات والماشية (2). واستغرقت هذه الفتوح والغزوات العظيمة، الصائفة في سنتي 352 و353 هـ (963 - 964).

ويروي لنا ابن خلدون قصة غزوة إسلامية أخرى في أراضي قشتالة - فيقول لنا إن غالباً سار إلى بلاد ألبة، ومعه يحيى بن محمد التجيبي، وقاسم بن مطرف بن ذى النون، فاستولى على حصن غرماج Gormaz. ويضع ابن خلدون تاريخ هذه الغزوة في سنة 354 هـ (965 م). وتقع قاعدة " غرماج " الحصينة على نهر دويرة على مقربة من شنت إشتيبن. وكان الناصر قد انتزعها من النصارى في سنة 940 م. والظاهر أن القشتاليين بقيادة فرنان كونثالث، كانوا قد استولوا عليها فيما استولوا عليه من قواعد الحدود، قبل أن يخرج الحكم إلى الغزو، فاستردها المسلمون في صائفة سنة 353 هـ، أو في الصائفة التالية، وقاموا بتحصينها لمدافعة القشتاليين في هذه المنطقة (3).

وتشير الرواية الإسلامية فوق ذلك إلى غزوات ناجحة أخرى، قام بها المسلمون في أراضي قشتالة في سنتي 355 و356 هـ، بيد أنها لا تقدم إلينا شيئاً عن تفاصيل تلك الغزوات (4).

وفي سنة 353 هـ وقعت بالعاصمة الخلافية مجاعة عظيمة، فبذل الحكم للفقراء والمعوزين في سائر أرباض قرطبة والزهراء، من النفقة ما يكفل أقواتهم ويسد عوزهم.

(1) وبالإسبانية Yerba.

(2)

ابن خلدون ج 4 ص 145.

(3)

ابن خلدون ج 4 ص 145.

(4)

راجع البيان المغرب ج 2 ص 255.

ص: 487

وكانت حوادث المغرب الأقصى (وسوف نتحدث عنها بعد)، وما يتهدد الأندلس من جراء مشاريع الفاطميين وأشياعهم في تلك المنطقة، مما يشغل حكومة قرطبة، ويحفزها دائماً إلى اليقظة والتأهب، وكان من أثر ذلك أن قصد الحكم في شهر رجب سنة 353 إلى ثغر ألمرية (سبتمبر سنة 964) في جماعة كبيرة من الرؤساء والقادة، ليشرف بنفسه على أعمال التحصين الجارية فيها، وليتخذ ما يجب لتجديد الأسطول وتعزيزه. وكانت ألمرية أعظم قواعد الأسطول الأندلسي، وكانت سفنه الراسية بها يومئذ تبلغ ثلاثمائة قطعة (1).

بيد أنه لم يمض قليل، حتى جاء الخطر يتهدد الأندلس من ناحية أخرى. ففي أواخر سنة 355 هـ (2)(أواخر سنة 967 م) ظهرت سفن النورمان أو المجوس في مياه الشاطىء الغربي قبالة ولاية الغرب.

وكان النورمان قد ظهروا في مياه الأندلس لأول مرة في سنة 229 هـ (843 م) أيام عبد الرحمن بن الحكم، وبدأت حكومة قرطبة تعني بشأن الأسطول ومضاعفة أهبتها البحرية من ذلك الحين. وكان أولئك الغزاة النورمان في هذه المرة من أهل دانماركة المجوس، ويقودهم رتشارد الأول دوق نورماندي، وحفيد زعيمهم الكبير رولو. وكانت عدة أسطولهم ثمانية وعشرين مركباً. ونزل الغزاة على مقربة من بلدة قصر أبي دانس (3)، وعاثوا في تلك النطقة، ثم زحفوا شمالا إلى بسائط أشبونة الغنية اليانعة، وعاثوا فيها تخريباً ونهباً، واجتمع المسلمون في تلك المنطقة لقتالهم. ونشبت بينهم وبين الغزاة موقعة دامية قتل فيها كثير من الفريقين.

وفي تلك الأثناء خرج أسطول إشبيلية من نهر الوادي الكبير بقيادة أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس، وسار على عجل إلى شاطىء البرتغال الجنوبي، وكان الغزاة قد انحدروا عندئذ جنوباً ثم شرقاً بمحاذاة الشاطىء، ووقع اللقاء بين سفنهم وبين سفن المسلمين عند مصب نهر شِلْب. فحطم المسلمون عدة من سفن الغزاة، وأنقذوا من كان بها من أسرى المسلمين، وقتل كثير من النورمان، وارتدوا منهزمين عن تلك المياه، بيد أن سفنهم لبثت تجوس خلال المياه الغربية، والمسلمون لهم بالمرصاد أينما ظهروا. وأمر الحكم زيادة في التحوط أن تحشد بعض

(1) البيان المغرب ج 2 ص 252، والإحاطة (1956) ج 1 ص 486.

(2)

ويذكر ابن خلدون أنها كانت سنة 354 هـ (ج 4 ص 145).

(3)

وهي بالإفرنجية Alcacer do Sal، وهي ثغر برتغالي صغير يقع جنوب شرقي اشبونة.

ص: 488

سفن الأسطول الصغرى في نهر الوادي الكبير تجاه قرطبة، وترتيبها على هيئة مراكب النورمان (1)، وذلك خشية أن يتسرب الغزاة بطريق النهر إلى العاصمة، كما فعلوا حينما هاجموا إشبيلية في غزوتهم الأولى.

ولم تمض بضعة أعوام على ذلك، حتى عادت مراكب النورمان تجوس خلال المياه الغربية (360 هـ - 971 م) مرة أخرى، وتهدد شواطىء ولاية الغرب الغنية.

ويقدم إلينا ابن حيان عن هذه الغزوة الثانية للنورمان لشواطىء الأندلس بعض تفاصيل ملخصها أن الحكم عهد إلى أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس بتسيير الأسطول من ألمرية وإشبيلية، واجتماع قوى الأندلس البحرية كلها لمواجهة الغزاة، كما عهد إلى الوزير القائد غالب بن عبد الرحمن بأن يشرف على القوات البرية والبحرية التي أعدت لمدافعة أولئك الغزاة، وأمر صاحب الخيل والحشم زياد بن أفلح بإخراج السلاح والعدة، وحشد قوة مختارة من الجند.

بيد أنه لم تقع فيما يبدو، أية معارك هامة بين المسلمين والغزاة، ولم يحدثنا ابن حيان عن وقوع مثل هذه المعارك. والظاهر أنهم ارتدوا من تلقاء أنفسهم لما رأوا من تفوق قوى المسلمين (2).

وفي خلال ذلك كانت قرطبة تغدو شيئاً فشيئاً، مركز التوجيه في شبه الجزيرة الإسبانية كلها، وتغدو كعبة لملوك اسبانيا النصرانية، يفدون إليها تباعاً، يقدمون إليها عهود الطاعة، ويلتمسون منها الصداقة والعون. وقد بدأ تقاطر هذه الوفود والسفارات من سنة 355 هـ (966 م) واستمر عدة أعوام. ويجدر بنا قبل التحدث عنها، أن نشير إلى ما وقع من تغييرات في الإمارات والممالك النصرانية. فقد توفي سانشو ملك ليون مسموماً في سنة 966 م. وخلفه ولده الطفل راميرو الثالث، تحت وصاية عمته الراهبة إلبيرة، وكان من أثر ذلك أن وقع التفكك في مملكة ليون، وأعلن عدة من الزعماء المحليين استقلالهم. وتوفي الكونت

(1) البيان المغرب ج 2 ص 255.

(2)

البيان المغرب ج 2 ص 257. وابن حيان في المقتبس - مخطوط أكاديمية التاريخ بمدريد (مجموعة كوديرا) المنشور بتحقيق الأستاذ عبد الرحمن على الحجي (بيروت 1965) ص 23 - 26 وبه بيانات وتفاصيل هامة عن حوادث الأعوام الخمسة من سنة 360 إلى سنة 364 هـ.

وسوف نرجع إليه بكثرة فيما يتعلق بأحداث هذه الأعوام وأحوالها.

ص: 489

فرنان كونثالث أمير قشتالة في سنة 970 م، وخلفه ولده غرسيه فرناندز. وتولى عرش نافار سانشو غرسية الثاني، بعد وفاة أبيه غرسية سانشيز.

وكان أول الوافدين على قرطبة من أمراء النصارى أمير جليقية، وأمير أشتوريش، (الأسترياس). ثم وفدت رسل سانشو غرسية ملك نافار، وهم جماعة من القوامس والأساقفة يسألون الصلح، فأجابهم الحكم إلى ما طلبوا.

ووفدت في شعبان سنة 360 هـ (يونيه 971 م) سفارة من أمير برشلونة الكونت بوريل ابن شونير Saunier على رأسها مبعوثه القومس بون فلي لتجديد المودة والصداقة، ومعهم ثلاثون أسيراً من المسلمين الذين كانوا محجوزين بالإمارة، تقرباً من الخليفة. فاستقبلهم الحكم بالمجلس الشرقي من قصر الزهراء مرتين، الأولى في الرابع من رمضان سنة 360 هـ، والثانية في الثاني من شوال، واستمع إلى رسالتهم بالقبول والرضى، وصرفهم بجزيل الصلات وفاخر الكسي (1). وفي السادس من ذي الحجة سنة 360 هـ (أكتوبر 971 م) وفدت الراهبة إلبيرة عمة ملك ليون راميرو الثالث والوصية عليه - ويسميها ابن حيان حلويرة وأحياناً حلورية (2) -، فقوبلت في قرطبة بمظاهر الترحاب والتكريم، واحتفل الحكم باستقبالها بقصر الزهراء في يوم مشهود، وعقد السلم لملك ليون تحقيقاً لرغبتها، وأغدق عليها الهدايا والصلات " وحملت على بغلة فارهة بسرج ولجام مثلقين بالذهب وملحفة ديباج "(3). ومما هو جدير بالذكر أنه قام بالترجمة يومئذ بين الخليفة الحكم، وبين سفراء أولئك الأمراء والملوك النصارى، قاضي النصارى وأسقفهم بقرطبة، عيسى بن منصور، وقومس أهل الذمة، معاوية بن لب، ومطران إشبيلية عبيد الله بن قاسم. وكانت لغة النصارى

(1) ابن حيان في المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ السالفة الذكر ص 21 و32.

(2)

راجع ابن حيان في المقتبس - القطعة السالفة الذكر ص 63 و146 و235 و241.

ويلاحظ أن ابن حيان لم يتحدث عن قدومها بنفسها إلى قرطبة وإنما يتحدث عن قدوم رسل من قبلها. بيد أننا أخذنا هنا برواية ابن خلدون بالرغم من كونها تنصرف إلى اسم سيده نصرانية أخرى. والرواية الإسبانية تؤيد هذا التفضيل.

(3)

ابن خلدون ج 4 ص 146. وراجع المقتبس لابن حيان (قطعة أكاديمية التاريخ السالفة الذكر) ص 64.

ص: 490

الإسبان يومئذ هي اللغة الرومانية (الرومانشي) Romance أو" اللاتينية "، وهي التي تطورت فيما بعد إلى اللغة القشتالية (1).

ووفدت سفارات أخرى من غرسية فرناندز أمير قشتالة، وفرنان لينيز كونت شلمنقة وغيرهما. وفي سنة 973 م (362 هـ) وفدت سفارة جديدة من سانشو غرسية ملك نافار، ومن الراهبة إلبيرة الوصية على ملك ليون. وكان جل هذه الزيارات والسفارات من أمراء اسبانيا النصرانية، يقصد إلى عقد السلم والمودة مع خليفة الأندلس، وأحياناً إلى تقديم الطاعة وطلب العون.

هذا وقد وردت إلى الخليفة رسالة ودية من يوحنا زيمسكي (الدمستق) قيصر قسطنطينية على يد رسوله قسطنطين الملقي، وذلك في جمادى الأولى سنة 361 هـ (972 م)(2)، ورسالة أخرى في أواخر سنة 363 هـ (974 م) من إمبراطور ألمانيا أوتو الثاني الذي خلف أباه أوتو الأول، وفيها يجدد علائق المودة التي كانت بين أبيه وبين الناصر. ووردت في نفس العام سفارة جديدة من الكونت بوريل أمير برشلونة يطلب تجديد المودة والصداقة.

ويعلق العلامة المؤرخ الأستاذ بيدال على ذلك بقوله: " وصلت الخلافة الأندلسية في ذلك العصر إلى أوج روعتها، وبسطت سيادتها السلمية على سائر اسبانيا، وكفلت بذلك السكينة العامة ".

وفي هذا العام، سنة 361 هـ، في الخامس والعشرين من جمادى الأولى، أمر الخليفة الحكم صاحب مدينة الزهراء، محمد بن أفلح، بمطاردة الشعراء الهجائيين والقبض عليهم، صوناً لأعراض الناس من لاذع ألسنتهم ومقذع هجائهم وكان منهم عيسى بن قرلمان الملقب بالزبراكة، ومؤنس الكاتب، وأحمد بن الأسعد، ويوسف بن هارون البطليوسي وغيرهم. فظفر صاحب المدينة بمعظمهم وأودعهم السجن، واختفى البطليوسي حيناً، ولكنه لما شعر بوطأة المطاردة،

(1) R.M.Pidal: Origenes del Espanol p. 421

(2)

راجع المقتبس قطعة أكاديمية التاريخ ص 71 و72. وكان يوحنا زيمسكي. وهو كبير الجيش البيزنطي قد ائتمر بعمه القيصر نيقفور الثاني مع زوجه الحسناء ثيوفانو وانتهى بقتله وذلك في العاشر من ديسمبر سنة 969 م، واعتلى العرش في الحال مكانه، وحكم حتى وفاته في العاشر من يناير سنة 979 م.

ص: 491

قدم نفسه لصاحب المدينة، فزج إلى السجن. ورفع أمره إلى الخليفة، فرق لمحنتهم. أمر بالإفراج عنهم، فأطلق سراحهم في أواخر شعبان من هذه السنة (1) وفي هذا الإجراء ما يشهد برفيع خلال الحكم. ورقة شعوره، وموفور احتشامه.

* * *

وفي ذلك الحين حدثت بعدوة المغرب، في الضفة الأخرى من البحر، حوادث هامة، شغلت الحكم، وكدرت صفو السلام السائد في مملكته. وقد سبق أن أشرنا إلى غزو الناصر لدين الله لثغر سبتة، وعبور جيوشه إلى المغرب لمقاومة جهود الفاطميين في السيطرة عليه، ومحاربة الأدارسة أمراء المغرب وحلفاء الفاطميين، ومطاردتهم. حتى أذعنوا في النهاية إلى طلب الصلح، والاعتراف بطاعة الناصر (سنة 332 هـ - 943 م). وقيام الدعوة المروانية بالمغرب منذ ذلك الحين.

وكانت دولة الأدارسة، قد تقلصت في ذلك الحين، عن معظم أنحاء المغرب الجنوبية والوسطى، وارتدت إلى منطقة الريف الشمالية، ما بين غربي بحر الزقاق والمحيط، وجعلت قاعدتها بعد انقراض أمرهم في فاس، في قلعة حجر النسر المنيعة، الواقعة في جنوبي تطوان. ولم تكن مع ذلك دولة مستقلة بمعنى الكلمة، إذ كانت تنضوي تحت لواء المتغلب على المغرب، سواء من العبيديين (الفاطميين) أصحاب إفريقية. أو الأمويين أصحاب الأندلس. وكان أمير الأدارسة في أواخر عهد الناصر، الحسن بن كنّون (أو قنون)، وهو القاسم بن محمد ابن القاسم بن إدريس، الذي قدر أن تنقضي على يده دولة الأدارسة بالمغرب، وكان قد بايع العبيديين، ودعا لهم حينما تغلب جوهر الصقلي على المغرب، ناكثاً بذلك عهده للناصر. فلما انصرف جوهر إلى إفريقية في أواخر سنة 349 هـ (960 م) عاد الحسن إلى طاعته لبني أمية. ولما توفي الناصر أعلن الحسن طاعته لولده الحكم المستنصر. ولم يكن ذلك سوى مصانعة ورياء، إذ كان الأدارسة يبغضون بني أمية، ويترقبون فرص الخروج عليهم، ولم تكن طاعتهم لهم إلا خوفاً من بطشهم، لوقوع مملكتهم في شمال العدوة على مقربة من الأندلس.

(1) راجع المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ المشار إليها - ص 73 - 75.

ص: 492

وفي أوائل سنة 361 هـ (971 م) سار بُلكّين بن زيري بن مناد الصنهاجي، قائد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، من إفريقية غازياً إلى المغرب، ليعيد هنالك سلطان الشيعة، ولينتقم من قبيلة زناته، لمقتل أبيه زيري بن مناد. وكان زيري عامل الخليفة المعز وقائده على المغرب، وكانت زناتة من القبائل المغربية القوية المخالفة للشيعة، والمنضوية تحت لواء الأمويين. وكان من أشد خصوم الشيعة أيضاً، جعفر ويحيى ابنا علي بن حمدون المعروف بالأندلسي (1)، وكان الأندلسي هذا قد استقر في "المسيلة" في المغرب الأوسط، وبسط حكمه على تلك الناحية، وخلفه ولده جعفر في إقطاعه، ولكنه خشي سطوة الشيعة، وسطوة عاملهم زيري، ففر وأخوه يحيى مع الأهل والمال إلى المغرب الأقصى، ولجأ إلى بني خزر أمراء زناتة الأقوياء، وألد خصوم الشيعة وصنهاجة. وكان رسل الحكم يروجون الدعوة في زناتة وحلفائهم لمحاربة الشيعة، ويمدونهم بالمال لحشد الرجال والعدة، فاجتمعت قوات بني خزر وجعفر ويحيى على قتال زيري، ودارت بينهما الحرب في وادي ملوية عند مشارف المغرب الأقصى، وانهزم الشيعة، وقتل زيري ومعظم رجاله بعد معركة طاحنة واحتوى الزناتيون على معسكره، وانهار بذلك سلطان الشيعة في المغرب، وكان ذلك في العاشر من رمضان سنة 360 هـ (يوليه 971 م). واحتز الظافرون رأس زيري ورؤوس عدة من أكابر صحبه. وحملها جعفر ويحيى وأصحابهما إلى الأندلس، وقدموها إلى الحكم، فحظوا لديه وغمرهم بعطفه وصلاته (2).

(1) ذكر ابن حيان نقلا عن محمد بن يوسف بن عبد الله الوراق أن جعفراً وأخاه هما من أصل أندلسي، وهما ابنا على بن حمدون بن سملك بن سعيد بن إبراهيم. وكان منزلهم بالأندلس بكورة إلبيرة على مقربة من قلعة يحصب. وانتقل جدهما حمدون إلى إفريقية وتزوج من كتامة، ثم سافر إلى الحج، وتعرف هناك بأبي عبد الله الشيعي ودخل في مذهبه. ولما ظهر الشيعي بإفريقية واحتوى على ملك بني الأغلب حظى لديه، وحظى أبناؤه لدى الخلفاء الفاطميين، واستقروا مدى حين حكاماً للمسيلة. ثم اتهم زعيمهم جعفر بالإتصال ببني خزر، وتوعده الخليفة المعز بشر النكال ففر وأخوه في الأهل والمال إلى بني خزر أمراء زناته (راجع المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ - ص 33 - 36).

(2)

يقدم إلينا ابن حيان تفاصيل ضافية عن استقبال جعفر وأخيه يحيى حين مقدمهما إلى الأندلس برؤوس زيري وأصحابه، ودخولهما قرطبة في ركب ضخم برفقة صاحب السكة والمواريث وقاضي إشبيلية محمد بن أبي عامر، ثم استقبال الخليفة لهما ومن معهما من أعيان بني خزر، وذلك بالمجلس القبلي من قصر الزهراء، في حفل فخم رتبت فيه صفوف الجند وأهل الخدمة بأثوابهم =

ص: 493

وكان لهذه النكبة التي حلت بجيش الشيعة وصنهاجة، وقع عميق في الخلافة الفاطمية. فأمر الخليفة المعز قائده يوسف بن زيري بن مناد، المسمى بُلُكّين (بلقين) أن يسير في الجيوش إلى المغرب حسبما تقدم. فسار بلكلين، وهو ينزل ضرباته المتوالية بأتباع زنانة حيثما وجدوا في طريقه، وكانت منهم جموع غفيرة في المغرب الأوسط في بجاية، والمسيلة، وبسكرة، وتاهرت وغيرها، فمزقهم شر ممزق. ووصل بلكين في قواته، إلى المغرب الأقصى، في ربيع الثاني سنة 361 هـ، واستعد بنو خزر وسائر أمراء زناتة للقائه، ووقعت الحرب بين الفريقين، فهزمت زناتة شر هزيمة، وانتحر أميرها محمد بن الخير بن خزر وذلك بأن اتكأ على سيفه فذبح نفسه، حتى لا يقع في يد عدوه، ومزق بلكين زناتة كل ممزق، وهدم مدينة البصرة، وبسط سلطانه على معظم أنحاء المغرب، وقطع دعوة الأمويين، وحقق انتقامه لمقتل أبيه كاملا (1).

وسارع الحسن بن كنون، القلَّب مع كل تطور جديد، إلى بيعة بلكين، والانضواء تحت لوائه، أو بعبارة أخرى، تحت لواء سادته الشيعة ولكن بلكين لم يمكث طويلا بالمغرب. إذ سرعان ما استدعاه سيده المعز - وكان يتخذ يومئذ أهبته للسفر إلى مصر، مقر ملكه الجديد - فارتد عائداً بقواته إلى إفريقية.

ووقف الحكم على تطور الحوادث بالمغرب، فأزعجه ذلك وأهمه، وبادر

= الزاهية، وقد رفعت رؤوس القتلى وعددها مائة وفي مقدمتها رأس زيري على القنوات. وكان دخولهم على الخليفة، في أواخر ذي القعدة سنة 360 هـ. واستقبلهم الخليفة بالبشر والرضى، وامتدح موقفهم وانصرافهم عن حزب الشيعة إلى مؤازرة حزبه. وعلى أثر انتهاء المقابلة، انزلوا في الدور التي خصصت لهم بقرطبة، ورتب الخليفة لكل من جعفر وأخيه يحيى نفقة شهرية قدرها ألف دينار، ورتب لمرافقيهم من بني خزر، كل ما يكفيه من النفقة والطعام. يقول ابن حيان بعد أن أورد لنا هذه التفاصيل الشائقة بإسهاب لا مزيد عليه:" فكان يوم جعفر بن علي ومن ورد معه من أحد الأيام العقم بقرطبة، في اكتمال حسنه وجلالة قدره، خلد حديثه زمناً في أهلها، قاضياً من عجب الجلالة، وكل شىء فإلى انقضاء، إلا إله الأرض والسماء، تعالى جده "(المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 44 - 53 وص 57).

(1)

راجع مجموعة " نبذ تاريخية في أخبار البربر في القرون الوسطى " المنتخبه من كتاب " مفاخر البربر " لمؤلف مجهول، والمنشور بعناية الأستاذ ليفي بروفنسال (الرباط سنة 1934) ص 6 - 8، ويرجع الكاتب هذه الموقعة إلى سنة 360 هـ. وراجع أيضاً المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 36 و38.

ص: 494

بإعداد جيش ضخم، حسن الأهبة، لغزو المغرب، ومقاتلة الحسن بن كنون، تحت إمرة قائده محمد بن القاسم بن طملس، كما أمر قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس بحشد الأسطول. وعبر محمد بن القاسم في قواته من الجزيرة الخضراء إلى سبتة، في شوال سنة 361 هـ (يوليه 972 م)، وكان الحسن بن كنون عندئذ في طنجة، فخرج في جموع البربر لقتال جيش الحكم، فوقعت عليه الهزيمة وقتل كثير من أصحابه، وفر هارباً تاركاً أمواله وعتاده بطنجة، واستسلم أهل طنجة إلى محمد بن القاسم، وأعلنوا طاعتهم للحكم؛ ودخل محمد طنجة واحتلها، وبعث إلى الحكم بفتحها. ثم طارد فلول الحسن بن كنون جنوباً حتى ثغر أصيلا، ودخلها.

وفي تلك الأثناء كان الحسن قد جمع فلوله، وأعاد تنظيم قواته، وسار إلى لقاء جيش الحكم مرة أخرى، فالتقى الجمعان في مكان يعرف بفحص مهران؛ وهنا حالف الحسن حسن الطالع، فدارت الدائرة على جند الأندلس، وقتل منهم عدة كبيرة فرساناً ومشاة، وفي مقدمتهم قائدهم محمد بن القاسم، وبلغ القتلى من الفرسان وفق تقدير الرازي خمسمائة ومن الرجالة ألفاً، وكان ذلك في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة 362 هـ، وفرت فلول الأندلسيين إلى سبتة فامتنعوا بها، وبعثوا إلى الحكم يطلبون الإنجاد والغوث (1).

وأراد الحسن في نفس الوقت أن يستغل نصره بطلب الصلح، وتقديم الطاعة وتبادل الرهائن، وبعث أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس بذلك إلى الحكم، فكتب الحكم إليه ومن معه من القادة يوصيهم بالاستمرار في مجاهدة الملحد، ومجاهدة من معه، حى يفتح الله عز وجل فيه وفيهم. وكان مما قاله في كتابه:" أن أفضل ما احتمل عليه، وعمل به، استشعار الحزم، وادراع التحفظ، واستنصاح الاتهام، وإذكاء العيون، وبث الجواسيس، والاستكثار منهم، ومن حملة الأخبار حتى لا يخفي لحسن - أهلكه الله - حركة، ولا يتوارى له مذهب ".

ومما كتبه الحكم إلى عبد الرحمن بن يوسف بن أرمطيل قائد ثغر أصيلا،

(1) راجع مجموعة " نُبذ تاريخية في أخبار البربر " التي سبق ذكرها ص 8. وابن حيان في المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 96.

ص: 495

رداً على ما أبداه الحسن من رغبة في الإنابة والصلح: " وكيف يذهب الآن هذا المذهب وهو في طغيانه مستمر، وفي دينه مستبصر، ولكم في كل أيامه محارب، هذا هو الضلال، والمحال عين المحال، وسبب الخبال، وقد رأى أمير المؤمنين تأمين جميع الناس لديه غيره، وغير من أصر إصراره، وتمادى تماديه، إلى أن يحكم الله عليه، ويفتح فيه "(1).

وبادر الحكم في نفس الوقت، بحشد جيش جديد، ندب لقيادته مولاه ووزيره وكبير قواده غالباً بن عبد الرحمن " البعيد الصيت المعروف بالشهامة ". وأمده عدا الجند الكثيف، والعتاد الضخم، بأموال جليلة لاستمالة القبائل، وأمره أن يشتد في قتال الأدارسة، وأن يستأصل شأفتهم، وأن يطهر المغرب من كل القوى المناوئة لبني أمية. وقال له؛ " سر يا غالب مسير من لا إذن له في الرجوع إلا حياً منصوراً، أو ميتاً معذوراً، وابسط يدك في الإنفاق، فان أردت نظمت للطريق بيننا قنطار مال "(2). فخرج غالب في قواته الجرارة من قرطبة، وعبر البحر من الجزيرة الخضراء إلى قصر مصمودة (أو القصر الصغير) وذلك في الحادي عشر من رمضان سنة 362 هـ. وعلم الحسن بمقدمه، وعظيم أهبته، فغادر مدينة البصرة، الواقعة في الجنوب حيث كان يقيم، ولجأ بأهله وأمواله وذخائره إلى قلعة حجر النسر، الواقعة شمالها. ثم جمع قواته وخرج لقتال جيش الحكم، ونشب القتال بين الفريقين أياماً، وبث غالب في رؤساء البربر من غمارة وغيرهم من جند الحسن، الأموال والهدايا، فانفصلوا عنه، واضطر الحسن أن يمتنع بمن بقى معه في قلعة حجر النسر، فطارده غالب وضرب الحصار حول القلعة. وفي أوائل شوال بعث الحكم ثقته محمد بن أبي عامر إلى العدوة بأحمال من المال والحلي والخلع لتوزيعها على أكابر البربر الذين يمكن استمالتهم إلى جانب الخلافة. وأصدر الحكم في نفس الوقت مرسومه بتعيين ابن أبي عامر

(1) ابن حيان - قطعة أكاديمية التاريخ ص 97 و98.

(2)

ابن خلدون ج 6 ص 218، وكذلك " نبذ تاريخية في تاريخ البربر " ص 9. وقد وردت هذه العبارة بصورة أخرى في كتاب نقله إلينا ابن حيان، وأرسله الحكم إلى غالب وهو بالعدوة ردا على كتاب منه، وجاء في خاتمته هذه العبارة: " فاستقبل نظرك استقبال من استشعر مذهب أمير المؤمنين ووطن فيه على أن لا مرجع إلا بما يحب أو يموت فيعذر ". راجع المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 131.

ص: 496

قاضياً لقضاة العدوة، إلى ما يتقلده من خطتى الشرطة الوسطى والعليا والمواريث وقضاء إشبيلية (1). ووصلت إلى غالب من الأندلس بعد ذلك أمداد جديدة، بقيادة الوزير يحيى بن محمد التجيبي وإخوته، يوسف ومحمد وهاشم وهذيل، ومعه جملة من المال (المحرم سنة 363 هـ) ونزل يحيى وجنده بطنجة، وانضموا إلى قوات القائد الأعلى غالب. وشدد غالب الحصار على الحسن، وقطع سائر علائقه وموارده، وبث قواته في سائر الأنحاء لمطاردة الأدارسة، واستئصال شأفتهم. ونشبت بين جند الحكم وبينهم معارك عديدة، قتل فيها الكثير منهم.

وفي صفر سنة 363 هـ استولى غالب على مدينة البصرة، وسلمها إليه أهلها، بعد أن قتلوا نائبها الحسنى. وكان ضمن حاشية غالب الشاعر محمد بن حسين التميمي المعروف بالطبني، بعثه إليه الحكم تحقيقاً لرغبته لكي يساعده بنظمه على اكتساب ولاء المنشقين على الحسن (2). وفي تلك الأثناء، كان الحسن قد أجهده الحصار، وأشرف على الهلاك، ومن معه من أهله ورجاله، فاضطر في النهاية إلى طلب الأمان والتسليم، وأعلن طاعته للحكم (جمادى الآخرة سنة 363 هـ)، ودخل غالب قلعة حجر النسر، ودعى في مسجدها للحكم. ووصلت هذه الأنباء السارة إلى الحكم، وأعلنها الحكم في جامع قرطبة، بعد ذلك بأيام قلائل.

وتتبع غالب سائر من بقي من الأدارسة ببلاد الريف حتى استأصل شأفتهم، وقضى على دولتهم. وسار إلى مدينة فاس ودخلها، وعين لها حاكماً من قبله، وتم بذلك إخضاع المغرب للدعوة الأموية.

وكان قد وصل من العدوة قبل هزيمة الحسن، عدد كبير من القبائل والبطون البربرية الخارجة عليه، الجانحة إلى طاعة الحكم. وكان بين هؤلاء عدد كبير من فرسان قبائل كتامة يبلغون زهاء ثلاثة آلاف وخمسمائة فارس، ورئيسهم أبو العيش بن أيوب، وقد عقد له الحكم على قومه، وأصدر له بذلك سجلا من إنشاء صاحب المواريث جعفر بن عثمان، يبين فيه واجباته وسلطاته ولا سيما في شئون الجباية، وأصدر الحكم سجلات مماثلة لزعماء القبائل والبطون البربرية الأخرى، وقد ذكرها لنا ابن حيان، وذكر أسماء زعمائها (3).

(1) ابن حيان - قطعة أكاديمية التاريخ ص 123.

(2)

ابن حيان في المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 109.

(3)

ابن حيان في المقتبس قطعة أكاديمية التاريخ ص 110 - 115.

ص: 497

وفي أواخر ذي الحجة سنة 363 هـ، عبر القائد الأعلى غالب البحر إلى الجزيرة الخضراء، تاركاً شئون العدوة للقائد يحيى بن محمد بن هاشم التجيبي تحقيقاً لرغبة الحكم؛ وكان في ركب القائد الأعلى المظفر، الحسن بن كنون وسائر أهله وشيعته من زعماء الأدارسة ومعهم الأهل والولد. وصدر قبيل ذلك في قرطبة، عن أمر الخليفة الحكم، كتاب طويل من إنشاء الوزير جعفر ابن عثمان قرىء على سائر منابر الأندلس، وفيه ينوه بما من الله على خليفته من كفالة أمر المسلمين، وقمع عدوان النصارى بالأندلس، ثم مطاردة الشيعة أهل البدع بالعدوة، وما منحه الله من النصر على المخالفين " حتى استوثقت الطاعة في جميع بلاد المغرب وقامت الدعوة بمنابر قواعده "(1). وأشرف غالب في ركبه الحافل على قرطبة في أوائل المحرم سنة 364 هـ، وأنزل الأشراف الحسنيون المرافقون له في الدور التي أعدت لهم بقرطبة وأرباضها. وخرج الجند من مدينة الزهراء في صبيحة يوم الخميس الخامس من محرم لتلقي القائد المظفر، والمسير بين يديه، وعلى رأسهم عدة من الفتيان ورؤساء الخدمة، ودخل غالب قرطبة في عسكره، وفي ركبه الأشراف الأدارسة، ونزل بفحص الناعورة؛ ويصف لنا ابن حيان في تفصيل شاف موكب القائد غالب، وركبه المظفر الفخم، ومن كان يحف به أو يتبعه من الفرسان المدرعين وأهل الخدمة والصقالبة، والعبيد الرماة وغيرهم من أصحاب الطبول والقرون والبنود والرايات. ودخل غالب في موكبه الفخم مدينة الزهراء من باب السُّدة، ونفذ إلى القصر، وأنزل الأدارسة الذين معه في المجالس القبلية بدار الجند. وكان الخليفة الحكم قد جلس لاستقباله في المجلس الشرقي المشرف على الرياض، وقد حف به الإخوة، وجلس من بعدهم الوزراء والحجاب وأصحاب الشرطة والمدينة والقضاة وسائر أهل الخدمة، كل في مكانه المعهود. واستقبل الخليفة زعماء الأدارسة، وشيخهم حنون بن أحمد بن عيسى، وشكر طاعتهم، وعفا عن الحسن، ووعدهم بالإحسان، وأجزل لهم الأرزاق والصلات (2). وعين من حاشيتهم في ديوانه، سبعمائة من أنجادهم. واستمر الحسن وذووه على ذلك زهاء عامين. ثم وقعت

(1) راجع الكتاب المذكور في المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 178 - 182.

(2)

ابن حيان في المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 194 - 200.

ص: 498

النفرة بينه وبين الحكم لأسباب منها، " سوء خلق الحسن ولجاجته ". قال المؤرخ:" وكان الحسن بن قنون هذا جاهلا متهوراً فظاً، شديد الجرأة، قاسي القلب ". ولم ينس الحكم ما كان من قسوته وفظاعته نحو جنده أيام الحرب بينهما، حيث كان الحسن يلقي بالأسرى من جند الأندلس من أعلى قلعته الشامخة فيصلون إلى الأرض إرباً (1). وهكذا ثقل وجوده وذووه في قرطبة. ومن جهة أخرى فقد كان الحاجب جعفر بن عثمان المُصْحفي يتوجس شراً من وجود الحسن وصحبه، ويستثقل نفقاتهم، وينصح بإخراجهم من الأندلس. فرأى الحكم أن يقصيهم من مملكته، وأن يتخلص من نفقاتهم الباهظة، وأن يبعث بهم إلى المشرق. وهكذا أخرج الحسن وعشيرته من قرطبة، وركبوا البحر من ألمرية إلى تونس سنة 365 هـ (975 م)، ثم ساروا إلى مصر، حيث نزلوا في كنف خليفتها الفاطمي العزيز بالله، فأكرم وفادتهم، ووعدهم بنصرة قضيتهم. واستقر الحسن بمصر بضعة أعوام، حتى سنة 373 هـ، وعندئذ بعثه العزيز بعهد منه، إلى بلكين بن زيري بن مناد بالقيروان، يطلب إليه إمداده وعونه، على تنفيذ مشاريعه، إلى أن كان من أمره ما سيجىء (2).

وكان غرسية فرناندز، ولد فرنان كنثالث، صاحب قشتالة وألبة، قد خلف أباه في الحكم، منذ وفاته في سنة 970 م. وكان مثله يتبع سياسة النفاق والمصانعة، في إظهار رغبته في السلم، ثم يقوم في الوقت نفسه بالإغارة على الأراضي الإسلامية، كلما سنحت الفرص. فلما شغل الحكم بحوادث المغرب، وعبرت الجيوش الأندلسية وقوادها الأكابر، إلى العدوة، بعث غرسية قواته، فأغارت على أراضي المسلمين، واقتحمت حصن دسة الواقع شمال شرقي مدينة سالم، والذي يتوسط أراضي بني عمريل بن تيملت الثغري. ووقع هذا الاعتداء في شهر ذي الحجة سنة 363 هـ (صيف سنة 974 م)، وأحرق النصارى الزروع واستاقوا الماشية. فخرج في أثرهم زروال ومضاء، ولدا عمريل، واليا هذه

(1)" نبذ تاريخية في أخبار البربر " ص 10 و 14.

(2)

راجع في سرد هذه الحوادث المغربية: البيان المغرب ج 2 ص 261 - 265، وابن خلدون ج 6 ص 216 - 219، والاستقصاء ج 1 ص 86 - 88. و" نبذ تاريخية في أخبار البربر " ص 6 - 12.

ص: 499

المنطقة، في أصحابهما، واستنقذوا الماشية، وقتلوا عدداً من النصارى؛ ولكن النصارى تكاثروا عليهم بعد ذلك، ووقعت بين الفريقين معركة قتل فيها زروال.

ومن الغريب أن غرسية فرناندز، كان قبل هذا الاعتداء بقليل، قد بعث رسله إلى قرطبة، في طلب السلم والمهادنة، فأجابهم الحكم إلى ما طلبوا؛ وما كادوا ينصرفون من قرطبة، حتى جاءت الأنباء بما حدث من اعتداء القشتاليين، فبعث الحكم لفوره أفلح صاحب الخيل، في سرية من وجوه الجند، للقبض على السفراء القشتاليين، فهرعت في أثرهم واستطاعت أن تظفر بهم، وأعيدوا إلى قرطبة حيث زجوا إلى السجن.

ووفد على الحكم في العام التالي، أبناء عمريل الخمسة بعد وفاة أبيهم، وشهد القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن، بحزمهم وحسن طاعتهم، وأوصى بتقليدهم عمل والدهم، فقسمت بينهم الأراضي والحصون، على رضا منهم، وغمرهم الحكم بالخلع والصلات (1).

وكان من الأحداث البارزة في أواخر سنة 363 هـ، ما وقع من نكبة جعفر ويحيى ابني على بن حمدون الأندلسي. وكانا قد استقرا في قرطبة، في كنف الحكم وتحت سابغ رعايته. وكان الحكم قد ابتاع منهما عبيدهما الذين استعفوا من خدمتهما، ودفع الثمن إليهما، وتم فصل العبيد عنهما، وضمهم الحكم إلى جنده لما كانوا يتصفون به من الشجاعة والبأس، وكان لذلك فيما يبدو أثر سيىء في نفسيهما، فقيل إنهما تكلما في حق الخليفة بما لا يحمد، وجاهرا بامتداح خلفاء الشيعة، سادتهم الأوائل، ونمى ذلك إلى الحكم، فأمر في الحال بالقبض عليهما، وزجا مكبولين إلى سجن الزهراء. وكان ذلك في شوال سنة 363 هـ، ولبثا في المطبق بضعة أشهر، حتى عاد الخليفة فعفا عنهما، وأمر بإطلاق سراحهما، وذلك في رجب من العام التالي، فأقرا بالذنب وطلبا الإنابة والصفح، فأسعفهما الخليفة بما طلبا، وغمرهما بصلاته (2).

(1) راجع ابن حيان في " المقتبس " قطعة مكتبة أكاديمية التاريخ (ص 73 و188 و189). وراجع بحثاً في ذلك الموضوع للعلامة كوديرا عنوانه:

Embajodores de Castilla encarcelados en Cordoba de los ultimos anos

de Alhakam II (B.R.A.H.Tom. XIV، 1889))

(2)

ابن حيان في المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 171 - 174.

ص: 500

وعمد الحكم في نفس الوقت إلى اصطناع البربر وفرسانهم، لما لقيه منهم في حربه ضد الحسنيين الأدارسة، من المجالدة ووفرة البأس والشجاعة، فأكرم وفادتهم، وألحقهم بجنده، وأجزل لهم العطاء. وكان في مقدمة هؤلاء بنو برزال الذين أبلوا من قبل في محاربة زيرى بن مناد الصنهاجى، وكانوا قد عبروا إلى الأندلس، وأغضى الحكم عن انحيازهم إلى مبادئ الخوارج الإباضية. وهكذا اجتمعت للحكم من عبيد جعفر ويحيى ومن داخلهم من أحرار البربر الوافدين، قوة عسكرية بربرية تضم نحو سبعمائة فارس من خيرة الشجعان (1).

وفي شهر جمادى الآخرة سنة 364 هـ أصدر الحكم أوامره بإسقاط سدس المغرم (الضرائب) الواجب أداؤه على سائر الرعايا عن هذه السنة، وأنفذ بذلك مرسومه إلى سائر القواد والعمال بمختلف الكور، وقرر أن يكون هذا السدس شائعاً في الناس يستوي في معرفته العالم منهم والجاهل، وذلك ترفيهاً لهم وتحقيقاً لمصالحهم (2).

وفي شهر رجب من هذه السنة، بعث الحكم، نظراً لما بدا من تحركات النصارى في مختلف الأنحاء، عدداً من أكابر رجال المملكة إلى كور الأندلس لحث أهلها على ارتباط الخيل، والاستعداد لمؤازرة جيش الصائفة، وكان ممن بعث من رجالاته صاحب الشرطة العليا، يحيى بن عبيد الله بن يحيى، بعثه إلى كور الجوف، وبعث قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس إلى كور الشرق، وبعث أحمد بن محمد بن سعد الجعفري إلى الغرب، نحو شنترين وما إليها، وبعث آخرين لنفس الغرض (3).

وفي أوائل شعبان سنة 364 هـ (ابريل 975 م) هاجم جيش مشترك من الجلالقة والقشتاليين والبشكنس، حصن غرماج الواقع على نهر دويرة على مقربة

(1) ابن حيان - قطعة أكاديمية التاريخ ص 191 و192.

(2)

المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 208. وقد أورد لنا ابن حيان نص هذا المرسوم كاملا (ص 207 و208) وفيه يقرر الحكم أنه أصدر مرسومه المذكور " لما تظاهرت آلاء الله تعالى عليه، وحسن بلائه عنده " وأنه " رأى أن يجدد له الشكر " ويمتري منه المزيد بإسقاط سدس جميع مغرم الحشود الواجب تقاضيها منهم لسنة أربع وستين وثلاثمائة، تخفيفاً عن رعيته وإحساناً إلى أهل مملكته.

(3)

المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 216.

ص: 501

من مدينة سالم، ونشب وبينه وبين حاميته الإسلامية قتال عنيف. وشجع النصارى على انتهاك السلم المعقود بينهم وبين الخليفة، اعتقادهم بأن قوى الأندلس كلها ما تزال مشغولة بحروب العدوة. وانقلب النصارى إزاء بسالة الحامية الإسلامية إلى محاصرة الحصن، ووافتهم أمداد أخرى جاءت لتشد أزرهم.

وما كاد الحكم يقف على هذه الأنباء حتى بعث كبير قواده غالباً بن عبد الرحمن في قوة مختارة غادرت قرطبة على عجل. وبعث الحكم في أثرها أحمال المال للإنفاق على الصائفة. واستمر حصار النصارى لغرماج حتى شوال من تلك السنة. وجاءت للنصارى أمداد جديدة من جند ليون، سيرتها الراهبة إلبيرة الوصية على ملك ليون، ناكثة بذلك عهدها في التهادن والسلم. وفي منتصف شوال، هاجم النصارى الحصن، وهم في أكثر من ستين ألفاً، محاولين اقتحامه، ونشبت بينهم وبين الحامية الإسلامية معركة طاحنة انتهت بهزيمة النصارى وتبديد شملهم، فبادرت صفوفهم بالارتداد عن الحصن بعد أن فقدوا كثيراً من جندهم وعتادهم، وطاردهم المسلمون، فقتلوا منهم جموعاً أخرى، وأحرزوا غنائم جمة. وبعث المسلمون إلى الوزير غالب، وهو مقترب منهم لنصرتهم، بنبأ هذا الظفر، فأنفذه من فوره إلى الخليفة، وسار إلى الحصن ونزل به، ثم خرج في قواته، فعاث حيناً في أراضي قشتالة، وانتسف الزروع، وخرب القرى، وتقدمت قوة بعث بها غرسية فرنانديز صاحب قشتالة لمدافعة المسلمين، فهزمت وردت إلى أعقابها (1).

* * *

تولى الحكم المستنصر الملك، حسبما أسلفنا، وهو كهل في الثامنة والأربعين من عمره، ولم يكن إلى ذلك الحين قد أنجب ولداً، وكان ذلك مما يثير قلقه وجزعه، إذ كان يتوق أن يكون له وريث في الملك. ومن ثم فقد سر أيما سرور حينما ولدت له حظيته " جعفر " أو صبح النافارية، ولداً سماه عبد الرحمن (سنة 351 هـ - 962 م)، وكان مولده حادثاً خطيراً، نوهت به الشعراء والأدباء.

ولكن هذا الولد توفي طفلا، فحزن الحكم لفقده أيما حزن. على أن القدر لم يلبث

(1) المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 218 و219 و234 - 237.

ص: 502

أن حباه مرة أخرى، إذ ولدت "جعفر" ولداً آخر سماه أبوه هشاماً وكنيته أبو الوليد، فكان ولي عهده الملقب بالؤيد. " فعظم استبشاره به وسروره بموهبة الله فيه "(1). وحضر الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي وقت البشارة بولادته، وأنشد هذه الأبيات:

أطلع البدر في سحابه

وأطرف السيف من قرابه

وجاءنا وارث المعالي

ليثبت الملك في نصابه

بشرنا سيد البرايا

بنعمة الله في كتابه

وكان مولد هشام المؤيد سنة 354 هـ (965 م)، وكان مؤدبه مذ بلغ الثامنة من عمره الفقيه أحمد بن محمد بن يوسف القسطلي، وقد أمر الحكم بأن تعد لتعليمه الدار المعروفة بدار الملك بقصر الزهراء، وأن تزود بجميع ما يحتاج إليه لذلك. وكان قعود هشام مع مؤدبه في المجلس الشرقي منها في رمضان سنة 361 هـ، وندب الحكم وصيفه الفتى ذكاء ناظراً للأمير متكفلا بشئونه (2). وفي أواخر سنة 363 هـ ندب الخليفة العلامة النحوي أبا بكر الزبيدي الإشبيلي ليقوم بتدريس العربية وعلومها لولي العهد. وفي العام التالي ندب الفقيه المحدث يحيى بن عبد الله ابن يحيى ليقوم بإسماعه الحديث. وكان يومئذ عمدة المحدثين بقرطبة (3). وسنرى أي دور عظيم تلعبه فيما بعد، أم هشام جعفر أو صبح النافارية، على مسرح الحوادث.

وأما عن شخص الحكم، فقد كان حسبما تصفه الرواية، أبيض مشرباً بحمرة، أعين، أقنى، جهير الصوت، قصير الساقين، ضخم الجسم، غليظ العنق، عظيم السواعد، أفقم (4).

* * *

يمتاز عصر الحكم المستنصر بظاهرة، من ألمع الظواهر في تاريخ الدولة

(1) البيان المغرب ج 2 ص 252 و253، وأعمال الأعلام لابن الخطيب ص 43.

(2)

ابن حيان في المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 76 و77.

(3)

المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 133 و216.

(4)

البيان المغرب ج 2 ص 249. والأعين هو ذو العينين السوداوين النجلاوين، والأقنى ذو الأنف المرتفع الأعلى والمحدودب الوسط، والأفقم أي الأعرج.

ص: 503

الأندلسية، هي ازدهار العلوم والآداب أعظم ازدهار، وإنشاء المكتبة الأموية العظيمة، التي كانت بضخامتها، وتنوع محتوياتها، من أعظم مكتبات العصور الوسطى.

ويرجع ذلك قبل كل شىء إلى شخصية الحكم نفسه، وإلى صفاته العلمية الممتازة، التي نوه بها أكثر من مؤرخ أندلسي، وإلى شغفه العظيم بجمع الكتب، وهو شغف كان له أكبر الأثر في ملىء خزائن الأندلس بنفائس الكتب، من كل فن ومن كل قطر، من أقطار العالم الإسلامي.

وقد أشاد ابن حيان مؤرخ الأندلس - وقد عاش قريباً من عصر الحكم - بصفات الحكم العلمية، وتقدمه في العلوم الشرعية، وعنايته بتحقيق الأنساب وتأليف قبائل العرب، واستدعاء رواة الحديث من جميع الآفاق، وإيثار مجالس العلماء، وشغفه بجمع الكتب بصورة لم يسمع بها (1). ويشاطره معاصره الفيلسوف ابن حزم، هذا الإعجاب بصفات الحكم العلمية، ويذكر لنا في أكثر من موضع من مؤلفه الجامع في الأنساب، أنه ينقل من خط الحكم (2). ويجمل ابن الخطيب هذه الصفات في قوله:" وكان رحمه الله (أى الحكم) عالماً فقيهاً بالمذاهب، إماماً في معرفة الأنساب، حافظاً للتاريخ، جماعاً للكتب، مميزاً للرجال من كل عالم وجيل، وفي كل مصر وأوان، تجرد لذلك، وتهمم به، فكان حجة وقدوة، وأصلا يوقف عنده "(3).

وقد انتهت إلينا تفاصيل مدهشة عن الدور العظيم الذي قام به الحكم في إنشاء المكتبة الأموية الكبرى. وكانت هذه النزعة الأموية، إلى تشجيع العلوم والآداب وجمع الكتب، قد بدت منذ عصر عبد الرحمن الداخل. وفي عهد الأمير محمد ابن عبد الرحمن كانت المكتبة الأموية بالقصر، أعظم مكتبات قرطبة. وكان عبد الرحمن الناصر يشغف بجمع نفائس الكتب من سائر الآفاق، حتى أن قيصر

(1) الحلة السيراء، نقلا عن ابن حيان ص 101 و102.

(2)

جمهرة أنساب العرب لابن حزم (القاهرة) ص 281 و282 و292 و374 و375 و384، 398. وقد وضع الحكم بالفعل كتاباً في " أنساب الطالبيين والعلويين القادمين إلى المغرب " (نفح الطيب ج 2 ص 79).

(3)

أعمال الأعلام ص 41.

ص: 504

قسطنطينية حينما أرسل إليه سفارته الشهيرة، حرص على أن يهديه كتابين من ذخائر الأقدمين هما كتاب ديسقوريدس عن الأعشاب الطبية وتاريخ أورسيوس.

ولما توفي الناصر، عنى ولده الحكم بجمع مكتبات القصر وتنظيمها، لتكون بداية طيبة للمكتبة الأموية العظيمة، التي أنفق بقية عمره في جمعها وتنسيقها (1).

ويقول لنا ابن حيان في دهشة وإعجاب إنه " لم يسمع في الإسلام بخليفة، بلغ مبلغ الحكم في اقتناء الكتب والدواوين، وإيثارها والتهمم بها. أفاد على العلم، ونوه بأهله، ورغب الناس في طلبه، ووصلت عطاياه وصلاته إلى فقهاء الأمصار النائية". وكان الحكم يبعث إلى أكابر العلماء المسلمين من كل قطر، بالصلات الجزيلة، للحصول على النسخ الأولى من مؤلفاتهم. ومن ذلك أنه بعث إلى أبي الفرج الأصفهاني ألف دينار من الذهب العين، ليحصل منه على نسخة من كتابه "الأغاني". فأرسل إليه منه نسخة حسنة منقحة، قبل أن يحصل عليه أحد في العراق أو ينسخه أحد منهم، وأرسل إليه أبو الفرج أيضاً - وهو ممن ينتمون إلى المروانية بني أمية - كتاباً ألفه في أنساب قومه بني أمية، يشيد فيه بمجدهم ومآثرهم، فجدد له الحكم الصلة الجزيلة (2). وفعل الحكم مثل ذلك مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي، إذ بعث إليه بمبلغ جليل ليحصل على النسخة الأولى من شرحه لمختصر ابن عبد الحكم. وأسبغ الحكم رعايته على اللغوي الكبير أبى علي القالي، الذي وفد من العراق على أبيه الناصر، وقربه إليه، وألف كتبه تحت كنفه، وأورث أهل الأندلس علمه (3). وأهدى إليه أبو عبد الله الخشني بعض كتبه ومنها كتاب "القضاة" أو "قضاة قرطبة"(4)، وأهدى إليه مطرف ابن عيسى الغساني، كتابه المسمى بالمعارف في " أخبار كورة إلبيرة "، كما أهدى إليه كثير من علماء العصر مؤلفاتهم، تيمناً برعايته للعلم والعلماء. وكان للحكم طائفة من مهرة الوراقين بسائر البلاد، ولاسيما في بغداد والقاهرة ودمشق، ينقبون له عن الكتب، ويحصلون منها على النفيس والنادر، كما كانت له في بلاطه طائفة

(1) J.Ribera: Disertaciones y Opusculos (Madrid 1928) p. 191 & 192

(2)

الحلة السيراء - عن ابن حيان ص 102.

(3)

ابن خلدون ج 4 ص 146.

(4)

راجع كتاب قضاة قرطبة للخشني (المقدمة).

ص: 505

أخرى، من البارعين في نسخ الكتب، وتحقيقها، وتجليدها، وتصنيفها. وبذل في هذا السبيل من الجهود والأموال ما لم يسمع به، واجتمع لديه من نفائس الكتب في مختلف العلوم، ما لم يجتمع لأحد قبله. ولما ضاقت أبهاء القصر الخليفي، عن استيعاب العدد العظيم، من الكتب الواردة إليها باستمرار، أنشأ الحكم على مقربة من القصر صرحاً عظيماً خاصاً بالمكتبة، افتن المهندسون في ترتيبه وتنسيقه، وإنارة أبهائه. قال ابن حزم " ملأ الأندلس بجميع كتب العلوم " وذكر لنا أن تليداً الفتى - وكان على خزانة العلوم بقصر بني أمية بالأندلس - أخبره أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة، ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط (1).

وعهد الحكم بإدارة المكتبة الأموية العظيمة إلى أخيه عبد العزيز. وعهد

بالإشراف على جامعة قرطبة وأساتذتها إلى أخيه المنذر. وكان يقضي معظم أوقاته بمدينة الزهراء، في أبهائها المنيفة وظلالها الهادئة، معتكفاً على القراءة والدرس برفقة صفيه محمد بن يوسف الحجاري، الذي كتب له تاريخ الأندلس والمغرب، وتواريخ أخرى لبعض المدن. وكان من أصفيائه في تلك المجالس أيضاً، الفتى سابور الفارسي، الذي قدم بدعوته إلى قرطبة، واختاره ليكون وصيفاً خاصاً له، وكان من أعلم أهل عصره (2).

ولم يكن هذا الشغف بجمع الكتب، في عصر الحكم، قاصراً على الأمير، فقد عنى كثير من كبراء العصر وعلمائه، بانشاء مكتبات خاصة زاخرة بنفائس الكتب. وشغف النساء المثقفات كذلك بجمع الكتب، وإنشاء المكتبات، ومن أشهر هؤلاء عائشة بنت أحمد بن قادم، وكانت من أبرع نساء عصرها، علماً وأدباً وشعراً، وكانت خزانة كتبها من أغنى وأقيم المكتبات الخاصة. وكانت سوق الكتب في قرطبة، من أشهر الأسواق وأحفلها بالحركة. بل لقد سرى هذا الشغف باقتناء الكتب إلى النصارى واليهود أنفسهم، وكان الكثير منهم يجيدون اللغة العربية، ويتذوقون ثمرات التفكير العربي من أدب وشعر وفلسفة وغيرها.

وكان من أشهر هؤلاء الطبيب اليهودي حسداي، طبيب الحكم الخاص، وفي

(1) جمهرة أنساب العرب ص 92. ونقلها ابن الأبار في الحلة السيراء ص 103.

(2)

Modesto Lafuente: Historia General de Espana ; T. III، p. 337.

ص: 506

ظله وتحت رعايته كتب يهود قرطبة باللغة العربية، وألفوا بها مختلف الكتب، وكان من أشهر المكتبات الأندلسية الخاصة فيما بعد، مكتبة يوسف بن إسماعيل ابن نغرالة اليهودي، وزير باديس أمير غرناطة (1).

وإلى جانب هذا الشغف بالكتب والثقافة العالية، كان التعليم العام في عهد الحكم يجوز نهضة عظيمة، وكان أبناء الشعب جميعاً يعرفون القراءة والكتابة، هذا بينما كان أرفع الناس مكانة في أوربا - خلا رجال الدين - لا يعرفون.

وأسس الحكم عدداً كبيراً من المدارس يتعلم فيها الفقراء مجاناً. أما جامعة قرطبة، فقد كانت يومئذ من أشهر جامعات العالم، وكان مركزها في المسجد الجامع، وتدرس في حلقاتها مختلف العلوم، وكان يدرس الحديث أبو بكر ابن معاوية القرشي، ويملي أبو علي القالي ضيف الأندلس دروسه عن العرب قبل الإسلام، وعن لغتهم وشعرهم وأمثالهم، وكان ابن القوطية يدرس النحو، وكان يدرس باقي العلوم أساتذة من أعلام العصر، وكان الطلبة يعدون بالآلاف (2).

وكان الحكم يسبغ رعايته على سائر العلماء من مختلف الملل والنحل، مسلمين كانوا أو غير مسلمين. ومن شواهد هذه الرعاية أن الأسقف العالم ريثموندو الإلبيري، المسمى باسمه العربي، ربيع بن زيد، كان أثيراً لديه متمتعاً برعايته، لتبحره في علم الفلك، والعلوم الفلسفية، وهي من الدراسات التي كان يعني بها الحكم. وكان هذا الحبر القرطبي عالماً مبرزاً، متمكناً من الآداب العربية واللاتينية، وكان الناصر والد الحكم يقدر علمه ومواهبه، ويحبوه بعطفه ورعايته بالرغم من نصرانيته، وكان يشغل مكانة هامة في القصر (3).

يقول العلامة دوزي: " وعلى العموم فإن إغداق الحكم على العلماء الإسبان والأجانب لم يعرف حداً، وقد كانوا يهرعون إلى بلاطه. وكان المليك يشجعهم ويوليهم رعايته، حتى الفلاسفة استطاعوا في ظله أن ينصرفوا إلى بحوثهم دون

(1) كتاب الصلة لابن بشكوال (القاهرة) ج 2 ص 654، وكذلك J.Ribera: ibid.، p. 199-202

(2)

Dozy: Histoire des Musulmans d'Espagne، Vol.II، p. 184 & 185

(3)

F.J.Simonet: Historia de los Mozarabes de Espana (Madrid 1897) ، p. 607 & 612.

ص: 507

خوف من أن يقتلهم الأتقياء الورعون " (1).

ويبدي النقد الحديث تقديره وإعجابه بتلك النزعة العلمية التي امتاز بها الحكم، والتي سادت كل عصره. فمثلا يقول لنا المؤرخ الإسباني موديستو لافونتي: " كانت دولة الحكم الثاني دولة الآداب والحضارة، كما كانت دولة أبيه دولة العظمة والبهاء. وإن الرواية العربية لتحبو الحكم بكثير من جميل الذكر. فهل نغضى نحن عن تسجيل إعجابنا بما لهذا الأموي المستنير من الصفات الباهرة، لأنه كان مسلماً ولم يكن نصرانياً؟ إن ذلك يعني أننا ننكر فضائل أمثال أوغسطوس وتراجان وأدريان وماركوس أوريليوس، لأن أولئك القياصرة العظام لم يكونوا نصارى. إن السلم الذي وطده أكتافيوس في اسبانيا الرومانية، قد وطده الحكم في اسبانيا العربية؛ وقد قدم الحكم، كما قدم أكتافيوس من قبل، الأدلة على أن الرغبة في السلم، لم تكن لأنه لا يعرف الحرب ولا النصر، ولكن لأنه كان يؤثر إلهام القريض، ويؤثر الكتب على خزائن السلاح، وإكليل الجامعات الحقيقي على إكليل الحروب الدموي.

لقد أعيد عصر أوغسطوس في اسبانيا بعد ألف عام في صورة جديدة، وقد تحول بلاط قرطبة إلى نوع من الأكاديمية العظيمة، وأغدق على ثمرات العبقرية فيض الإغداق والكرم الرائع، ونستطيع أن نقدر مدى التضحيات العظيمة، ومدى الصبر، والمثابرة، والنفقات التي أمكن أن يتحقق بها إنشاء تلك المجموعة المدهشة، من أربعمائة ألف إلى ستمائة ألف مخطوط، هي محتويات مكتبة قصر بني مروان ".

ثم يشير موديستو لافونتي بعد ذلك إلى أن هذا المستودع الزاخر من ثمرات العقل، وتلك الحضارة التي وصل إليها العرب في عصر الحكم، كانت قد وضعت بذورها من قبل، وتعاقب أمراء بني أمية منذ عبد الرحمن الداخل في تعهدها بالغرس والنماء، وقد كانوا جميعاً من أهل العلم والأدب، ومن حماة العلوم والآداب. ثم يختتم تعليقه على عصر الحكم بقوله:

" لقد جاء هذا الخليفة الشهير الذي يعشق الآداب في عهد سعيد من السلم، ولما كانت بذور التمدن موجودة من قبل، فقد تفتحت في ظل رعايته، وازدهر

(1) Dozy: Histoire des Musulmans d'Espagne ; Vol.II، p. 189

ص: 508

الغرس ازدهاراً عظيماً، حتى أنه بعد الحرث الكثير، والمطر الغزير، بدت شمس وضاءة رائعة منعشة " (1).

وقد اختلف في تقدير محتويات المكتبة الأموية العظيمة، التي أنشأها الحكم المستنصر، فقدرها بعض المؤرخين بأربعمائة ألف مجلد، وقدرها البعض الآخر بستمائة ألف (2). وكانت توجد في قواعد الأندلس الأخرى، عدا مكتبة قرطبة العظيمة زهاء سبعين مكتبة أخرى (3). وهذا وحده يكفي للدلالة على مدى التقدم العظيم، الذي بلغته الحركة الفكرية والأدبية في الأندلس، في هذا العصر الزاهر. ولبثت المكتبة الأموية العظيمة قائمة بقصر قرطبة، حتى وقعت الفتنة الكبرى في سنة 400 هـ، وحاصر البربر قرطبة، فأخرجت معظم الكتب من خزائنها خلال الحصار، وبيعت بأمر الفتى واضح مولى المنصور بن أبي عامر، ثم نهب ما تبقى منها عند اقتحام البربر لقرطبة، حسبما نذكر بعد (4).

* * *

وشعر الحكم في أواخر عهده، بأعراض الضعف والمرض تدب إليه، فانتقل من قصر الزهراء وفقاً لنصح أطبائه، لغلبة برد الجبل عليه، وقضى حيناً في منية ناصح، ومنية الناعورة، ثم انتقل إلى قصر قرطبة. وعقد العزم على تأمين ولاية العهد لولده الطفل هشام. وتم ذلك في شهر جمادى الثانية سنة 365 هـ (5 فبراير سنة 976 م) حيث جلس الحكم بقصر قرطبة، وأعلن عزمه في تقليد ولده عهد الخلافة من بعده، وأخذت البيعة بالفعل من الحاضرين، وأخرجت كتبها لسائر الخاصة والعامة. وتولى أخذها على الناس وفق مراتبهم، محمد بن أبي عامر، وهو يومئذ صاحب الشرطة والمواريث، وكان من قبل كافلا لهشام، وميسور الفتى الكاتب مولى صبح، ثم دعى لهشام في الخطبة بالأندلس والمغرب، ونقش اسمه في السكة.

(1) Modesto Lafuente: Historia General de Espana (Barcelona 1889) ، Tom. II ; p. 364-367

(2)

نفح الطيب ج 1 ص 184.

(3)

Prescott: Ferdinand and Isabella of Spain، p. 187.

(4)

ابن خلدون ج 4 ص 146.

ص: 509

وينعى ابن حيان على الحكم هذه السياسة في اختيار ولده الطفل لولاية العهد، فيقول إنه أي الحكم على ما وصف من رجاحة " كان ممن استهواهم حب الولد، وأفرط فيه، وخالف الحزم في توريثه الملك بعده، في سن الصبا دون مشيخة الأخوة، وفتيان العشيرة، ومن يكمل للإمامة بلا محاباة، فرط هوى، ووهلة انتقدها الناس على الحكم، وعدوها الحانية على دولته. وقد كان يعيبها على ولد العباس قبله، فأتاها هو مختاراً ولا مرد لأمر الله ".

وأصيب الحكم بعد ذلك بقليل، بشلل أقعده عن الخروج والحركة، ويقول لنا ابن حيان إن الحكم كان يعاني من هذه " العلة الفالجية " ولا يكاد يستفيق منها (1) فلزم فراشه، وتولى تدبير الشئون خلال مرضه، وزيره جعفر بن عثمان المصحفي. ثم توفي بعد ذلك بأشهر قلائل، في اليوم الثاني من صفر سنة 366 هـ (30 سبتمبر سنة 976 م)(2).

* * *

وكان الحكم المستنصر من خيرة أمراء بني أمية خلقاً وعلماً وعدلا. وتنوه الرواية الإسلامية في غير موطن بجميل خلاله وصفاته. فيقول لنا ابن الأبار: " وكان حسن السيرة، فاضلا عادلا، مشغوفاً بالعلوم "(3). ويقول لنا ابن الخطيب: " وإليه انتهت الأبهة والجلالة، والعلم والأصالة، والآثار الباقية، والحسنات الراقية "(4). وكان الحكم من ذوي الورع والتقوى، تشهد بذلك عنايته الفائقة بأمر المسجد الجامع، وتوسعته وإنشاء منبره الجديد، وتزويده بالماء بطريقة هندسية بديعة، وما بذله في سبيل ذلك من النفقات الطائلة، ويشهد بذلك أيضاً تشدده في محاربة الخمر وإراقتها (5). وكان محباً للعدل معيناً بإقامته، شديداً في محاسبة الطغاة من العمال والحكام، يؤيد ذلك ما رواه صاحب

(1) المقتبس - قطعة مكتبة أكاديمية التاريخ ص 211.

(2)

تضع معظم الروايات وفاة الحكم في هذا التاريخ (الحلة السيراء ص 101، ونفح الطيب ج 1 ص 185، وابن الخطيب عن ابن حيان، في أعمال الأعلام ص56). ولكن صاحب البيان المغرب ينفرد بالقول بأن وفاته كانت في الثالث من رمضان سنة 366 هـ.

(3)

الحلة السيراء ص 101.

(4)

أعمال الأعلام ص 49.

(5)

الحلة السيراء ص 103.

ص: 510

البيان المغرب من أنه أرسل غير مرة إلى الحكام الظلمة، يحذرهم من سطوته، وإلى القواد والعمال، يحذرهم من سفك الدم بلا موجب (1).

وكان من أعمال الحكم الإنشائية أيضاً إصلاح قنطرة قرطبة العظيمة على نهر الوادي الكبير، وتقوية دعائمها التي وهنت بمضي الزمن (سنة 361 هـ)، وإشرافه على ذلك بنفسه (2).

وكان الحكم عارفاً بأقدار الرجال، مميزاً للنابهين منهم، وقد جمع في حكومته وبلاطه جمهرة من أعاظم رجال العصر وألمعهم. وكان في مقدمة هؤلاء، كبيرهم وزعيمهم الحاجب جعفر بن عثمان بن نصر المصحفي. وكان جعفر ينتمي إلى بطن من بطون البربر من بلنسية، وتولى أبوه عثمان أيام الناصر تأديب ولده الحكم، وهكذا نشأت بين الحكم وبين ولد أستاذه ومؤدبه جعفر مودة عميقة، فلما أسندت إليه ولاية العهد، قدم جعفر في الأعمال واستخدمه في الكتابة، ثم ولاه الناصر بعد ذلك حكم جزيرة ميورقة. ولما ولي الحكم الخلافة استوزره وأمضاه على كتابة الخاصة، وضم إليه بعد ذلك ولاية الشرطة، ثم تولى بعد ذلك منصب الحجابة أى رياسة الوزارة، خلفاً للحاجب جعفر بن عبد الرحمن الصقلبي، وأصبح أول رجل في الدولة، واجتمعت إليه سائر السلطات، ولما رزق الحكم بولده هشام اختار جعفر كافلا له، واستمر جعفر هو القائم بدولة الحكم حتى وفاته. وكان المصحفي من أساطين الكتابة والشعر وله شعر حسن، أورد لنا منه ابن الأبار مختارات رقيقة مشرقة تدل على تمكنه (3).

وكان من أشهر أعمال المصحفي في بداية عهد الحكم أن قدم إليه هديته الباذخة، التي حاول أن يبز فيها هدية الوزير ابن شهيد إلى الناصر. وقد أورد لنا ابن حيان في المقتبس وصفاً لمحتويات هذه الهدية الشهيرة وهي: مائة مملوك من الفرنج ناشئة على خيول صافنة كاملو العدة والسلاح، وثلاثمائة وعشرون درعاً مختلفة الأجناس، وثلثمائة خوذة كذلك، ومائة بيضة هندية، وخمسون خوذة

(1) البيان المغرب ج 2 ص 255، 256.

(2)

ابن حيان في المقتبس - قطعة مكتبة أكاديمية التاريخ السابق الإشارة إليها ص 64 و65.

(3)

راجع ترجمة جعفر المصحفي ومختارات من شعره، في " الحلة السيراء " ص 141 - 147.

ص: 511

حبشية من حبشيات الإفرنجة، وثلثمائة حربة إفرنجية، ومائة ترس سلطانية، وعشرة جواشن مذهبة، وخمسة وعشرون قرناً مذهبة من قرون الجاموس (1). وكانت هدية المصحفي للحكم، من أشهر الحوادث الاجتماعية في هذا العصر.

وكان من أكابر دولة الحكم أيضاً، القائد غالب بن عبد الرحمن الناصري صاحب مدينة سالم، وكان مولى لأبيه الناصر. وكان غالب، فضلا عن كونه من نصحاء الحكم، ومستشاريه المقربين، من أعظم قادة الأندلس ورجالاتها في هذا العصر، وكان الحكم، عرفاناً منه بقدر هذا القائد المظفر، قد أسند إليه القيادة العليا، وأصدر مرسومه بذلك إليه في سنة 361 هـ، وذلك " لغنائه وجميل مقامه ".

ثم عاد على أثر انتصاره في موقعة حصن غرماج في سنة 364 هـ، فقلده سيفين مذهبين من ذخائر سيوفه، وسماه " ذا السيفين "(2) وكان منهم أيضاً الوزير يحيى بن محمد التجيبي، والقائد سعيد بن الحكم الجعفري، وكلاهما من أعظم الوزراء والقادة، وقد برز كلاهما في غزوات الصوائف، وحوادث المغرب الأقصى.

وكان من كتاب الحكم عيسى بن فطيس، ومن قضاته منذر بن سعيد البلوطي كبير القضاة في عهد أبيه الناصر، ثم أبو بكر محمد بن السليم.

وكان الحكم، بالرغم مما كان يسود الممالك الإسبانية النصرانية في عهده من جنوح إلى المهادنة والسلم، يرقب حركاتها وتصرفاتها بعناية، وقد رتب لذلك بعض عماله المهرة المخلصين المعروفين بصدق الخدمة، وفي مقدمتهم ابن أبي عمروس العريف، وصاحبه سعيد، للسفارة بينه وبين ملوك جليقية، ولقاء قواميسها، والتردد عليهم " للتعرف على أخبارهم، والتجسس لأنبائهم " وحمل الكتب إليهم في كل وقت، وصرفها عنهم، وهو ما يفصح عن بعض الوسائل التي كان يلجأ إليها بلاط قرطبة للإحاطة بأخبار الممالك النصرانية ونياتها (3).

وكان الحكم شاعراً مطبوعاً ينظم القريض الرقيق، ومما ينسب إليه قوله:

إلى الله أشكو من شمائل مسرف

عليّ ظلوم لا يدين بما دنت

(1) ابن خلدون في كتاب العبر ج 4 ص 144.

(2)

راجع المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 69 و220.

(3)

المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 76.

ص: 512

نأت عنه داري فاستزاد صدوده

وإني على وجدي القديم كما كنت

ولو كنت أدري أن شوقي بالغ

من الوجد ما بلغته لم أكن بنت

وقوله:

عجبت وقد ودعتها كيف لم أمت

وكيف انثنت بعد الوداع يدي معي

فيا مقلتي العبرا عليها اسكبي دماً

ويا كبدي الحرّا عليها تقطعي

* * *

ونلاحظ أخيراً أن بلاط قرطبة، كان في أيام الحكم المستنصر، يبدو في بهي أثوابه الملوكية والخلافية، وكان جلوس الحكم في أيام الأعياد أو لاستقبال الوافدين والسفراء من أيام قرطبة المشهودة. وقد أفاض ابن حيان في وصف هذه الأيام والحفلات الباذخة. ويبدو مما كتبه أن الخليفة الحكم، كان يؤثر الجلوس في هذه الأيام بالمجلس الشرقي من قصر الزهراء، ويجلس عن يمينه ويساره إخوته بترتيب السن؛ ثم يليهم في ترتيب الجلوس، الوزراء، يجلسون بعد فرجتين، إلى اليمين وإلى اليسار، ويلي ذلك صاحب المدينة بقرطبة، ويجلس إلى اليمين، وإلى جانبه صاحب المدينة بالزهراء، ثم يجلس من بعدهم صاحب الحشم، فصاحب الخيل، فأصحاب الشرطة العليا والوسطى، وسائر طبقات أهل الخدمة وفق مراتبهم، وقاضي الجماعة، والحكام وأصحاب الشرطة الصغرى، وأسباط الخلافة، وجلة قريش، ثم وجوه الموالي، ثم قضاة الكور والفقهاء المشاورون والعدول، وأعيان قرطبة. ويصطف الجند في أثوابهم الزاهية، منذ مداخل القصر حتى الممر المفضي إلى مجلس الخليفة، وقد أورد لنا ابن حيان وصف هذا النظام في مختلف المناسبات الرسمية، مما يدل على أنه هو نظام البروتوكول (المراسيم) الثابت الذي كان يتبعه بلاط قرطبة في هذا العهد عند جلوس الخليفة للمناسبات الرسمية الكبرى (1).

ويجب أن نلاحظ من ذلك الوقت التطور العظيم، الذي حدث في تكوين المجتمع الأندلسي. فقبل عهد الناصر كانت الرياسة والأرستقراطية، تنحصر في القبائل العربية. وكان البربر يحتلون مقاماً أدنى. وكانت المعارك يضطرم لظاها

(1) ابن حيان في المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 29 و49 و50 و57 و81 و94 و194 و195.

ص: 513

باستمرار بين السلطة المركزية أعني بين الإماوة وبين العصبية العربية، التي تحاول دائماً أن تقيم رياستها في الثغور والمدن على أساس الاستقلال المحلي. وقد استمرت هذه المعارك عصوراً، منذ عبد الرحمن الداخل، حتى جاء الناصر، فشدد في مطاردة العصبية العربية وتحطيمها، وآثر أن يعهد بالرياسة والسلطات المحلية إلى طوائف الصقالبة حسبما شرحنا ذلك من قبل. وفي عهد الحكم المستنصر كانت الأرستقراطية العربية، قد اضمحلت، وغاض نفوذها، واختفت كقوة سياسية واجتماعية تخشاها السلطة المركزية، وإن كانت بقيت كطبقة من الطبقات، وحلت محلها أرستقراطية من نوع جديد، قوامها القادة والرؤساء العسكريون، من الموالي والصقالبة، فكانت بذلك أرستقراطية سيف، وليست أرستقراطية قبيل أو عصبية، وبلغ الفتيان الصقالبة أيام الحكم، ذروة القوة والنفوذ والثراء، مثلما كانوا أيام أبيه الناصر. ويكفي أن نذكر هنا دليلا على ضخامة ثراء هؤلاء القوم، أن أحدهم وهو الفتى الكبير درّي الخازن، قام بإهداء مولاه الخليفة الحكم، منيته الغراء بوادي الرمان من ضواحي قرطبة، وكان قد أنشأها مغني ومتنزهاً، وأفاض عليها أروع صنوف البذخ والبهاء، وجعلها برياضها ومنشآتها جنة حقة. وقد قبل الحكم هدية فتاه، وقام بزيارة هذه المنية مع ولي عهده هشام وحاشيته، وأنفق فيها يوم استجمام ومسرة. وقد أجمع الخليفة ومرافقوه على أنهم " لم يشاهدوا في المتنزهات السلطانية أكمل ولا أعذب ولا أعم من صنيع درّي هذا "(1). هذا وأما الطبقة الوسطى فقد انحصرت في التجار ورجال الصناعة وغيرهم ممن استطاعوا أن يحرزوا بالتجارة والفنون في مختلف القواعد ثروات عظيمة. ويأتي بعد الطبقة الوسطى، طبقات الشعب الكادحة، وكانت على نحو ما يحدث في كل زمان ومكان، تبغض الطوائف الميسورة، وتنقم عليها نعماء العيش.

وكانت ثمة طبقة أخرى، ذات مميزات خاصة، هي طبقة المولدين أو بعبارة أخرى مسلمو الإسبان، وكانت تحتل مكانها بين الطبقات المتوسطة والميسورة.

وكان بينها الكثيرون ممن أحرزوا الجاه والنفوذ والثراء. بيد أن المولدين بالرغم من إسلامهم، كانوا يعتبرون أقل مكانة من المسلمين الأصليين. وكان المعروف

(1) ابن حيان في المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ ص 107.

ص: 514

من أصولهم دائماً، أنهم كانوا على الأغلب عبيداً أو مسترقين من القوط، دخلوا في الإسلام اجتناء للحرية. وقد زاد عدد المولدين زيادة كبيرة، منذ عهد عبد الرحمن ابن الحكم، حيث دخل كثير من النصارى المعاهدين في الإسلام، حينما اشتدت وطأة حكومة قرطبة عليهم، أيام الفتن التي حاولوا إثارتها لإشاعة الإضطراب والفوضى، حسبما فصلنا ذلك في موضعه. وبذلك ازداد عدد المولدين زيادة كبيرة، منذ أوائل القرن التاسع الميلادي، وغدوا في ظل الخلافة أيام الناصر وولده الحكم، يمثلون أقلية كبيرة بين الأمة الأندلسية.

وأما الطبقة المسترقة أو طبقة العبيد، فكانت في تلك العصور تتألف من العمال العبيد، الذين يلحقون في الغالب بالضياع. وكان هذا النظام موجوداً منذ أيام القوط، ولكنه طبق أيام المسلمين، بصورة أفضل بكثير مما كان عليه، ومنح هؤلاء العمال حقوقاً إجتماعية وإنسانية، رفعت عنهم كثيراً من صور العبودية القديمة، التي كانت تعطي للسيد عليهم حق الحياة والموت، والبيع والشراء.

ويلحق بغير الأحرار أيضاً طبقة الصقالبة والخصيان. بيد أن هذه الطبقة كانت تحتل مكانة ملحوظة في المجتمع، وكان لها في الحكومة والقصر، أيما نفوذ، وقد ظهر منها زعماء وقادة وصلوا إلى مراكز عظيمة، وكان لهم فيما بعد شأن يذكر، في تطور الحوادث التي أعقبت انهيار الخلافة الأندلسية.

وإلى جانب هذه الطبقات المختلفة، التي تتألف منها الأمة الأندلسية، كانت توجد دائماً طبقة النصارى المعاهدين، الذين يعيشون في ظل الحكم الإسلامي، وكانت تجتمع في القواعد الأندلسية في أقليات كبيرة. وكانت تحتل في العاصمة، وفي بعض المدن الأخرى مكانة خاصة، ويشغل كثير من أفرادها مراكز هامة في الحكومة والجيش، وقد تحدثنا من قبل عن بعض أحوال هذه الطبقة وظروفها. ويجب أخيراً ألا ننسى الأقلية اليهودية. فقد عومل اليهود منذ الفتح بمنتهى الرفق والرعاية، وازدهرت أعمالهم التجارية والصناعية، في ظل ذلك التسامح الإسلامي المأثور، ووصلوا في قرطبة في ظل الخلافة، إلى ذروة النفوذ والرخاء. وفي أيام الناصر تولى أحدهم، وهو العلامة حسداي بن شبروت، الإشراف على الخزانة العامة، وكان قبل ذلك قد حظى برعاية الناصر بخدماته الدبلوماسية، وترجمته لكتاب ديسقوريدس عن الأعشاب الطبية، من اليونانية إلى العربية،

ص: 515

وهو الكتاب الذي أهدى قيصر منه نسخة إلى الناصر. وفي ظل هذه الرعاية، وفد كثير من العلماء والأدباء اليهود إلى قرطبة، أيام الناصر وولده الحكم، وقامت في ظل نشاطهم مدرسة قرطبة التلمودية، ومؤسسها الرابي موسى بن حنوش، وازدهرت في ظلها البحوث التلمودية، وغدت مركز الرياسة والتوجيه لهذه البحوث. واستمرت الخلافة الأموية، ومن بعدها حكومات الطوائف على رعاية الأقلية اليهودية وتشجيعها، وكان يهود قرطبة يرتدون الزي العربي، ويتخلقون بالتقاليد والعادات العربية، ويمتازون بثرائهم ومظاهرهم الفخمة (1).

(1) راجع: R. Altamira: Historia de Espana y de la Civilizacion Espanola، Vol. I،p. 250-254

ص: 516