الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث
الممالك النصرانية الإسبانية
خلال القرن العاشر الميلادي
نهوض اسبانيا النصرانية في عهد الفتنة الأندلسية. وفاة أردونيو الثاني. الحرب الأهلية في ليون. استقرار راميرو في الملك. ولاية قشتالة. جهادها في سبيل الاستقلال. الكونت فرنان كونثالث. ثورته ضد راميرو الثاني. هزيمته وأسره. ثورة قشتالة. الإفراج عن الكونت. طاعته لملك ليون. استمراره في العمل لاستقلال قشتالة. وفاة راميرو. الحرب الأهلية بين ولديه أردونيو وسانشو. معاونة فرنان كونثالث لسانشو. انتصار أردونيو وفوزه بالملك. يعقد الصلح مع الناصر. وفاته وجلوس سانشو. موقف فرنان كونثالث. اضطراب الأحوال في ليون. فرار سانشو وجلوس أردونيو الرابع. التجاء سانشو وجدته طوطة إلى الناصر. سانشو يسترد العرش بمعونة الناصر. نكثه لعهوده. فرنان كونثالث يعلن استقلال قشتالة. التجاء أردونيو إلى الحكم. اتحاد الأمراء النصارى. غزو الحكم لقشتالة ونافار. اضطرارهما لعقد الصلح. بداية الكفاح بين قشتالة والمملكة الإسلامية. الحكم يأذن بنقل رفات القديس بلايو. الثورة في جليقية. مصرع سانشو وجلوس ولده راميرو. وفاة فرنان كونثالث وصفاته. وفود الأمراء النصارى وسفاراتهم على قرطبة. عدوان النصارى على أراضي المسلمين وردهم. النزاع بين راميرو وبرمودو على العرش. تدخل المنصور في ذلك. غزو المنصور لشنت ياقب. برمودو يلتمس الصلح. وفاته وجلوس ولده ألفونسو. ملكة نافار. غرسية سانشيز وأمه طوطة. ولده سانشو غرسية. غزو المنصور لنافار. وفاة سانشو وجلوس ولده غرسية سانشيز. ولده سانشو الكبير. عناصر المجتمع في اسبانيا النصرانية. طبقة الأشراف والفرسان والملاك والزراع الأحرار. طبقة الأرقاء. رقيق الضياع. التنظيم السياسي للمملكة النصرانية. السلطة المركزية. الأشراف. القضاء واشتراك الأشراف في مزاولته. رجال الدين وسلطانهم الإقطاعي. مقارنة بين هذا النظام ونظام المملكة الإسلامية.
لما بلغت الثورات والفتن الداخلية بالأندلس، ذروتها في النصف الأخير، من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، فيما اصطلح على تسميته بالفتنة الكبرى، وبددت قوى الأندلس ومواردها في ذلك الصراع الداخلي المدمر، أخذت اسبانيا النصرانية، وقد أمنت شر الغزوات الإسلامية طوال هذه الفترة، تتنفس الصعداء، فاشتد ساعدها، ونمت مواردها، وتوطدت حكوماتها.
ولم تأت فاتحة القرن العاشر الميلادي، حتى كانت مملكة ليون، التي خلفت مملكة جليقية، وبسطت سلطانها على ولاية قشتالة، في أواسط اسبانيا الشمالية، قد
بلغت مستوى من القوة والبأس، يتيح لها أن تخوض مع المملكة الإسلامية صراعاً عنيفاً.
وقد رأينا كيف بلغ هذا الصراع ذروته في عهد الناصر، وكيف أنه بالرغم مما حققه الناصر من إخماد الفتنة، وإحياء قوة الأندلس، استطاع النصارى بقيادة ملكهم أردونيو الثاني، أن يحرزوا على المسلمين نصرهم الخطير، في موقعة شنت إشتيبن في سنة 917 م.
وكانت موقعة شنت إشتيبن، وما تلاها من تكرر غزو النصارى للأراضي الإسلامية، نذيراً خطيراً لحكومة قرطبة. ولكن وفاة أردونيو الثاني في سنة 925 م وضع حداً مؤقتاً لتلك الفورة القومية، التي جاشت بها اسبانيا النصرانية. ذلك أن أخاه وخلفه فرويلا، لم يحكم سوى عام واحد، ثم توفي، فاضطرم النزاع على العرش بين سانشو وألفونسو ولدى أردونيو، وانتهى بأن فاز ألفونسو بالعرش بمعاونة صهره وحميه سانشو ملك نافار. ولكن سانشو لم ييأس، فجمع جيشاً جديداً، وتوج نفسه ملكاً في شنت ياقب في أقاصي جليقية، ثم زحف على ليون فحاصرها واستولى عليها، وارتقى العرش مكان أخيه. فعاد ملك نافار إلى مؤازرة ألفونسو ومعاونته، حتى استطاع أن يهزم أخاه، وأن يستولى على مدينة ليون مرة أخرى. بيد أن أخاه سانشو لبث محتفظاً بجليقية؛ مصراً على دعواه في الملك.
واستمرت الحرب الأهلية بين النصارى أعواماً، وانتهى طورها الأول، حينما توفي سانشو ابن أردونيو في سنة 929 م، واستقر الملك لأخيه ألفونسو الرابع دون منازع. ثم بدأ طورها الثاني في سنة 931 م، ففي تلك سنة توفيت زوجة ألفونسو، فحزن لفقدها أيما حزن، وغلب عليه اليأس والزهد، فتنازل عن العرش لأخيه راميرو ثاني ملوك ليون بهذا الإسم، ولجأ إلى دير ساهاجون واعتنق الرهبانية، ولكنه عافها بعد قليل، فترك عزلة الدير، ونادى بنفسه ملكاً في حصن شنت منكش Simancas، وكان عمله في نظر الرهبان عاراً كبيراً، فأثاروا عليه دعاية شديدة، حتى اضطر أن يعود إلى الرهبانية. وقد كان ألفونسو في الواقع " أميراً أصلح لقلنسوة الراهب منه لتاج الملك، وأشد شغفاً بالمقدس منه بميدان الحرب "، ولكنه ما لبث أن انتهز فرصة مسير أخيه راميرو إلى نجدة
ثوار طليطلة، فغادر الدير، وزحف في بعض أنصاره على مدينةْ ليون واستولى عليها، فعاد راميرو مسرعاً، وحاصر أخاه في ليون واستولى عليها بدوره. ثم أراد أن يضع حداً لمساعي ألفونسو ومحاولته فسمل عينيه، وسمل كذلك أعين أبناء عمه الثلاثة، وهم أولاد فرويلا الذين اشتركوا في الثورة عليه.
ويعلق النقد الإسباني الحديث على تلك القسوة بقوله: " وإنه ليروعنا ذكرى العقوبة التي أنزلها راميرو الثاني بأخيه ألفونسو، وبأبناء عمه الثلاثة، وإنه لن يكفي مر القرون ليمحو ذكرى عقوبة سمل العينين التي ورثت عن التشريع القوطي، قبل أن نراها تطبق بكثرة من جانب ملوكنا نحو ذوي قرباهم "(1).
وهكذا استقر الملك لراميرو بعد صراع عائلي عنيف. وكان راميرو الثاني أو رذمير كما تسميه الرواية الإسلامية، ملكاً شجاعاً مقداماً، نذر نفسه للكفاح ضد المسلمين، ومقارعتهم بكل الوسائل، فتارة يغير على الأراضي الإسلامية، وتارة يحرض الثوار على حكومة قرطبة، أو يسير إلى إنجادهم بالفعل، كما حدث حينما سار لمعاونة طليطلة على مقاومة الناصر (930 م)، وتارة يشتبك مع المسلمين في معارك طاحنة. وقد سبق أن فصلنا أدوار ذلك الصراع العنيف، الذي اضطرم بين راميرو وبين الناصر، والذي بلغ ذروته في موقعة الخندق المشئومة، التي دارت فيها الدائرة على المسلمين، تحت أسوار مدينة سمورة في سنة 327 هـ (939 م).
1 -
نشأة مملكة قشتالة
لم يكن اضطراب الأمور في مملكة ليون، قاصراً على قسمها الغربي في جليقية، حيث كان الزعماء (الكونتات) الجلالقة، يثورون على العرش من آن لآخر، بغية توطيد سلطانهم المحلي، بل كان يشمل أيضاً قسمها الشرقي، في منطقة قشتالة، التي كانت تسمى يومئذ " بردوليا " ثم سميت فيما بعد " قشتالة Castilla "(2) ، وذلك لكثرة الحصون التي كانت تقام بها. وكانت هذه المنطقة، التي استحالت فيما بعد إلى مملكة قشتالة، تمتد شرقاً حتى هضاب نافار، ومن
(1) M. Lafuente: Historia General de Espana (Barcelona 1889) T. II.p. 360.
(2)
كلمة Castillo الإسبانية معناها الحصن. وقد كانت تسمى في الجغرافية العربية القلاع قبل أن تنتظم إلى مملكة قشتالة. وتسمى بالإضافة إلى ولاية " ألبة " Alava " ألبة والقلاع ".
ولاية ريوخا جنوباً، حتى الأراضي التي سميت فيما بعد أراجون وسوبرابي، وكان سكانها الأصليون من البشكنس وأهل ألبة. وكان ملوك الجلالقة أو ملوك أوبييدو قد غزوها وأضافوها إلى أملاكهم، وكانت عاصمتها يومئذ مدينة برغش. وأبدى زعماء قشتالة منذ البداية، مقاومة عنيفة للملوك الجلالقة، وبذلوا جهدهم للمحافظة على استقلالهم المحلي، وثاروا بالفعل في عهد أردونيو الثاني في أوائل القرن العاشر. فحاربهم أردونيو وأخضعهم، وقبض على كثير منهم وأعدمهم، واضطر الباقون إلى الالتزام بطاعته، وكانوا يتمتعون بسلطات محدودة تحت سلطان زعيم محلي، مقره في " برغش ". وهو يخضع بدوره لملك ليون.
ولكن هذا النظام المهين، لم يرق لكونتات قشتالة، فلبثوا يتحينون الفرص للثورة، وتحقيق استقلالهم المنشود.
وعرضت هذه الفرصة، وألفت قشتالة بطل ثورتها التحريرية، في شخص زعيمها الكونت فرنان كونثالث (وفي الرواية الإسلامية فرّان غنصالس)، الذي غدت حياته مستقى للملاحم الشعرية، والقصص الإسباني في العصور الوسطى، فحشد الكونت أنصاره وقواته، وأعلن الحرب على راميرو الثاني ملك ليون، وولد أردونيو؛ وكان راميرو يومئذ في أوج قوته، بعد انتصاره على المسلمين في موقعة الخندق، فلم يلق مشقة في هزيمة الكونت وسحق قواته، وأسر فرنان كونثالث، وزجه راميرو إلى ظلام السجن في مدينة ليون، وعين لحكم قشتالة آسور فرناندز كونت مونزون، ثم عين بعد ذلك لحكمها ولده سانشو، وأمره أن يعامل القشتاليين بالرفق والحسنى؛ ولكن ذلك لم يخمد جذوة الوطنية القشتالية. ولبث القشتاليون مخلصين لأميرهم المأسور، واستمروا في الثورة والقتال، وزحفت جموعهم بالفعل على ليون، فخشى راميرو العاقبة، وأطلق سراح فرنان كونثالث، ولكن بشروط فادحة، هي أن يقسم يمين الطاعة لملك ليون، وأن يتنازل عن كل أملاكه، وأن يزوج ابنته أوراكا لأردونيو ولد راميرو الأكبر. وقبل فرنان كونثالث هذه الشروط مرغماً. وظل أهل قشتالة على بغضهم لملك ليون، وولائهم لأميرهم. وفقد راميرو بذلك عون الزعماء القشتاليين ومساهماتهم المخلصة في الدفاع عن البلاد، واستطاع المسلمون خلال ذلك الإغارة مراراً على أراضي ليون والعيث فيها، وقام الناصر بتجديد مدينة سالم، ثغر
الحدود بين أراضي قشتالة والأراضي الإسلامية، وتحصينها (سنة 946 م).
واضطر راميرو أن يلتزم خطة الدفاع، إزاء الغزوات الإسلامية المتوالية.
وكان فرنان كونثالث، يعمل أثناء ذلك، على توطيد مركزه، وضم كونتيات قشتالة كلها تحت لوائه، ليجعل منها وحدة سياسية، أو بالحرى إمارة مستقلة، يغدو عرشها من بعده وراثياً في أسرته. وقد استطاع غير بعيد أن يحقق هذه الغاية (1).
2 -
مملكة ليون
وفي أوائل سنة 950 م توفي راميرو الثاني ملك ليون، فنشبت الحرب الأهلية مرة أخرى بسبب وراثة العرش. وذلك أن راميرو ترك ولدين أولهم أردونيو، وهو ولد زوجه الأولى تاراسيا، وسانشو وهو ولد زوجه الثانية أوراكا أخت غرسية ملك نافار. فادعى أردونيو أنه أحق بالعرش باعتباره أكبر الأخوين، ولكن سانشو نازعه في ذلك، معتمداً على عون أخواله النافاريين، وجدته طوطة ملكة نافار، وكذلك على عون الكونت فرنان كونثالث وأهل قشتالة. وكان الكونت غير ميال إلى معاونة أردونيو، بالرغم من كونه زوج ابنته، إذ كان قد أرغم على تلك المصاهرة كما تقدم، وقد آثر أن يقف إلى جانب سانشو، إذ وعده بأن يرد إليه أملاكه، وأن يحقق أمانيه في الاستقلال، ومن ثم فقد كان من الطبيعي أن يعمل على إضعاف مملكة ليون لكي يدعم بذلك استقلاله. وهكذا نشبت الحرب بين أردونيو وبين جيش متحد من قوات سانشو، ونافار، وقشتالة. ولكن أردونيو هزم أعداءه، وأخضع سائر الخارجين عليه واستقر في العرش، ورأى انتقاماً لخيانة فرنان كونثالث أن يطلق زوجه الملكة ابنة الكونت، وبذلك كفرت هذه الأميرة عن خصومة أبيها لمملكة ليون.
وانتهز المسلمون فرصة الحرب الأهلية، فتوالت غزواتهم لأراضي ليون؛ ومن جهة أخرى فقد كان أشراف ليون في تمرد مستمر على ملكهم؛ وخشى أردونيو العاقبة، فبعث سفيراً إلى قرطبة في أوائل سنة 955 م يطلب عقد الصلح مع الناصر، فأجابه الناصر إلى طلبه، وبعث إليه سفيره محمد بن الحسين، فعقد معه
(1) R.M.Pidal: La Espana del Cid p. 70 ; Altamira: Historia de Espana، Vol. I. p. 244-245
معاهدة صلح، تعهد فيها أردونيو بأن يصلح بعض القلاع الواقعة على الحدود، وأن يهدم البعض الآخر. ثم توفي أردونيو بعد ذلك بقليل، وخلفه أخوه سانشو في الملك؛ وكان أول ما عمل أن رفض تنفيذ المعاهدة التي عقدها أخوه مع الناصر، فاضطر الناصر إلى إعلان الحرب، وبعث حاكم طليطلة أحمد بن يعلى في الجيش إلى ليون، فغزاها، وتوغل في أراضيها، واضطر سانشو أن يعقد الصلح، وأن يقر ما سبق أن تعهد به أخوه. وبذلك استقرت علائق السلم بين الفريقين.
ومن جهة أخرى فإن فرنان كونثالث لم يتحول عن سياسة العداء نحو ليون؛ وقد كان قبل أن يرث سانشو العرش، يؤازره ويناصره ضد أخيه أردونيو، فلما تولى أردونيو عرش ليون، انقلب إلى خصومته وفقاً لسياسته المأثورة ضد ليون، وكان يبغى في الوقت نفسه أن تعود ابنته أوراكا مطلقة أردونيو الثالث إلى العرش، بعد أن تزوجت من ابن عمه الأمير أردونيو، وقد عاونه القدر غير بعيد على تحقيق بغيته.
ذلك أن الأحوال ما لبثت أن ساءت في مملكة ليون، فقد ثار الأشراف بسانشو ونزعوه عن العرش، واحتجوا لخلعه بهزيمته أمام المسلمين في بعض المعارك التي خاضها، وبأن بدانته الفائقة تمنعه من ركوب الخيل، ومن تولى الإدارة، ففر سانشو إلى بنبلونة، إلى جانب جدته طوطة ملكة نافار، وقام الأشراف في ليون وقشتالة، باختيار ملك جديد هو أردونيو الرابع، وهو ابن ألفونسو الرابع، عم المك المخلوع وصهر الكونت فرنان كونثالث، وكان أحدباً دميماً سيىء الخلال، حتى لقب بالردىء El Malo. ولجأ سانشوا إلى عون الناصر، فأرسل إليه طبيباً يهودياً من قرطبة، يتولى علاجه من بدانته؛ وفي سنة 958 م (347 هـ) قصدت طوطة إلى قرطبة، ومعها ولدها الفتى غرسية سانشيز، الذي كانت تحكم نافار باسمه، وسانشو ملك ليون المخلوع، فاستقبلهم الناصر استقبالا حافلا، وعقد السلم مع طوطة، وأقر ولدها ملكاً على نافار، ووعد سانشو بالعون على استرداد عرشه، وذلك مقابل تعهده، أن يسلم للمسلمين، بعض الحصون الواقعة على الحدود، وأن يهدم البعض الآخر؛ ثم أمده الناصر بالمال والجند، فغزا ليون، وغزا النافاريون في الوقت نفسه ولاية قشتالة من ناحية الشرق وانتهت هذه الحرب الأهلية الجديدة، بانتصار سانشو وجلوسه على العرش مرة أخرى، وفر أردونيو إلى برغش.
ولكن سانشو نكث بعهده للمسلمين، وأبى تنفيذ ما تعهد به، ثم ثوفي الناصر بعد ذلك بقليل، ولزمت ليون ونافار السكينة حيناً. ولكن فرنان كونثالث اتجه وجهة أخرى. وكان قد انتهز فرصة الحرب الأهلية، وأعلن استقلال قشتالة، ونصب نفسه أميراً مستقلا عليها، وأخذ يسعى لتوسيع أملاكه بالإغارة على الأراضي الإسلامية. وكان يرى في نزول ميدان الكفاح ضد المسلمين، وسيلة لتدعيم هيبته في نفوس النصارى المتعصبين، فأخذ يغير على الأراضي الإسلامية مرة بعد أخرى.
وكان فرنان كونثالث، على قول المؤرخ الإسباني " ذا عبقرية تمازجها الغطرسة، وروح تمازجها العجرفة، معتداً بنفسه، وعالماً بما يمكن أن يجنيه من قلبه وساعده، محباً للاستقلال، تملؤه فكرة تحرير بلاده قشتالة من نير ليون، وأن يقيم لها سيادة خاصة "(1).
وقد رأينا فيما تقدم، كيف لجأ أردونيو الرابع ملك ليون المخلوع إلى الحكم، وكيف استقبله الخليفة بقصر الزهراء في حفل مشهود، ووعده بأن يعاونه على استرداد عرشه، لقاء عهود قطعها على نفسه، وكيف خشى سانشو عاقبة هذا المسعى، فبعث إلى الحكم يعرض عليه أن يعترف بطاعته، وأن ينفذ ما تعهد به للناصر، وكيف عاد بعد ذلك إلى نكثه السابق حينما توفي خصمه أردونيو.
وعندئذ لم يجد الحكم بداً من الحرب، ولم يجد الأمراء النصارى بداً من الاتحاد. وقد فصلنا فيما تقدم كيف اجتاحت الجيوش الإسلامية، أراضي قشتالة، ومزقت جيوش أميرها فرنان كونثالث، في موقعة شنت إشتيبن، وأرغمته هو وحليفه سانشو ملك ليون على طلب الصلح، وكيف اجتاحت غربي نافار عقاباً لأميرها غرسية سانشيز على نكثه، وإغارته على أراضي المسلمين، وكيف توالت غزوات المسلمين لأراضي قشتالة، ما بين سنتي 963، و 967 م.
وهنا نقف قليلا أمام تلك الحقيقة التاريخية الهامة، وهي أننا نجد قشتالة إحدى ولايات مملكة ليون القديمة، تحارب المسلمين لأول مرة كإمارة مستقلة.
ومن ذلك التاريخ تحتل قشتالة مكانتها في تاريخ الكفاح، بين اسبانيا النصرانية
(1) Modesto Lafuente: ibid ; T. II. p. 361.
خريطة:
الممالك الإسبانية النصرانية في أواخر القرن العاشر عهد الحكم المستنصر والمنصور.
واسبانيا المسلمة، وتغدو بالرغم من نشأتها المتواضعة شيئاً فشيئاً، أعظم الممالك النصرانية رقعة، وأوفرها قوة ومنعة، وأشدها مراساً في محاربة المسلمين، وانهاك قوى المملكة الإسلامية.
واستمر سانشو حيناً يحكم في ظروف صعبة من جراء ثورات الزعماء والأشراف الخارجين عليه، وكان بعد أن عقد الصلح مع الحكم، قد أرسل إليه تحقيقاً لرغبة زوجه تريسا، وأخته الراهبة إلبيرة، سفارة يطلب إليه الإذن بنقل رفات القديس بلايو إلى ليون. وكان نصارى قرطبة قد عنوا بنقل رفات هذا القديس من الوادي الكبير، فأجاب الخليفة سؤله، ونقلت الرفات في العام التالي في حفل فخم، وأودعت ليون بكنيسة خاصة أقامها الملك، وسماها دير سان بلايو. ولم يحضر سانشو هذا الحفل لانشغاله بمقاومة الخوارج عليه. وكان من أشد خصومه والمحرضين عليه الحبر سسناندو أسقف شنت ياقب؛ وكان هذا الأسقف قد حصن مدينته وقصره الأسقفي، بحجة حمايتها وحماية مزار القديس ياقب من غارات النورمان، ولكنه أعلن العصيان، وعبثاً حاول سانشو استرضاءه، بيد أنه اضطر أخيراً أن يفتح مدينته للملك حينما رأى فشل الزعماء الخارجين في مقاومته.
وكان بين الزعماء الخارجين عليه من الأشراف وأشدهم مراساً، الكونت جوندسالفو (غندشلب) سانشيز حاكم جليقية، وكان قد استطاع أن يوطد استقلاله في المنطقة الواقعة بين نهري منيو ودويرة، وأن يبسط حكمه على لاميجو وبازو وقلمرية، الواقعة فيما وراء دويرة شمالي ولاية البرتغال، فسار سانشو لقتاله، ولكنه حينما عبر نهر منيو بقواته، ألفى رسل الزعيم الثائر يعرضون عليه التسليم والطاعة، مع رجاء واحد فقط هو أن يأذن الملك بمقابلة الكونت، فقبل سانشو. وكان الكونت قد دبر مشروعاً دنيئاً لاغتياله. فدعاه إلى مأدبة أقامها وقدم إليه فاكهة مسمومة تناولها سانشو دون أن يخامره الريب، وسرعان ما شعر بدبيب الموت يسري إلى أحشائه، فحمل في الحال إلى ليون وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، ودفن بها تحقيقاً لرغبته، وكان ذلك في سنة 966 م (1).
وهكذا توفي سانشو ملك ليون مسموماً، بعد أن حكم اثنتي عشرة سنة، فخلفه ولده راميرو الثالث، طفلا في الخامسة من عمره تحت وصاية عمته الراهبة
(1) Modesto Lafuente ; ibid، T. II. p. 341-342.
إلبيرة. ولكن معظم الأشراف أبوا الاعتراف بسلطانه. ونشبت في ليون طائفة من الثورات المحلية، ولاسيما في ولايات جليقية، وحاول كثير من الزعماء الأقوياء الانفصال عن العرش، وتوطيد سلطانهم المحلي. وكان مثل فرنان كونثالث في الاستقلال بولاية قشتالة، أقوى مشجع لهم، ولبثت أخطر حركة من ذلك النوع، هي ثورة جوندسالفو سانشيز (قاتل مليكه) حيث استمر على استقلاله يحكم المنطقة الواقعة بين نهري منيو ودويرة، وحكم القواعد الثلاثة الهامة لاميجو وبازو وقلمرية، الواقعة فيما وراء نهر دويرة.
وفي خلال ذلك، توفي الكونت فرنان كونثالث أمير قشتالة في سنة 970 م وخلفه في الإمارة ولده غرسية فرناندز، كما توفي غرسية سانشيز ملك نافار وخلفه ولده سانشو غرسية الثاني.
ويعلق المؤرخ لافونتي على عمل فرنان كونثالث مؤسس استقلال قشتالة وسياسته بقوله: " إن جميع الوسائل التي تذرع بها الكونت لتحقيق غايته لا تبدو مستحسنة في نظرنا، فإن معاملته لملوك ليون راميرو الثاني، وأردونيو الثالث، وسانشو الأول، وأردونيو الردىء، وكذلك معاملته لغرسية ملك نافار، حليفاً وخصماً بالتوالي لهؤلاء وهؤلاء، وساعياً في تولية وعزل هؤلاء وهؤلاء، ومقسماً للولاء وناقضاً له، ولقد كانت مقتضيات السياسة وملابساتها في صالحه، وإن كان ذلك لا يطابق حكم الأخلاق الصارم. بيد أننا نلاحظ أنه من مفاخر الكونت أنه لم يحالف المسلمين قط، ولم يتهادن قط مع أعداء وطنه أو دينه. أما عن بدء عهد استقلال قشتالة، فيمكن أن نضعه في منتصف القرن العاشر (الميلادي)، وهو الوقت الذي رأينا فيه الكونت يعمل لحسابه دون خضوع لملوك ليون "(1).
وأدركت الممالك النصرانية يومئذ، وفي مقدمتها مملكة ليون، التي شغلت بحوادثها الداخلية، أنه لا مجال للعدوان على أراضي المسلمين، ولزمت السكينة حيناً.
واتجه الملوك والأمراء النصارى إلى تحسين علائقهم مع بلاط قرطبة، فتوالت زياراتهم وسفاراتهم على الحكم، يسألون الصلح والمهادنة. وكان من الوافدين بأنفسهم على قرطبة أمير جلِّيقية، والراهبة إلبيرة الوصية على عرش ليون. وقد فصلنا من قبل قصة هذه الزيارات والسفارات في موضعها.
(1) Modesto Lafuente: ibid.، T. II. p. 861
ولما توفي الحكم المستنصر، وشغل المسلمون بعض الوقت بشئونهم الداخلية، اعتقد النصارى أن الفرصة قد عرضت مرة أخرى لغزو أراضي المسلمين، فأغار القشتاليون على الأراضي الإسلامية، وتوغلوا فيها جنوباً وعاثوا فيها؛ وهنا نهض محمد بن أبي عامر لرد عدوانهم، فغزا أراضي قشتالة في أوائل سنة 977 م (366 هـ) ثم غزاها ثانية، واقتحم مدينة شلمنقة في العام التالي.
وبدأت بذلك سلسلة الغزوات الشهيرة المتوالية، التي شهرها المنصور بن أبي عامر، على الممالك الإسبانية النصرانية، واستغرقت طيلة حياته، والتي فصلنا أخبارها فيما تقدم.
ونستطيع أن نشير هنا فيما يتعلق بمملكة ليون، إلى ما وقع من إقدام راميرو الثالث ملك ليون، على معاونة القائد غالب الناصري ببعض قواته، في حربه مع المنصور، فلما سار المنصور بعد ذلك لمحاربة راميرو ومعاقبته على هذا التحدي، استغاث راميرو بغرسية فرناندز أمير قشتالة، وسانشو غرسية ملك نافار، فسار المنصور، لمقاتلة القوات النصرانية المتحدة، وهزمها في موقعة شنت منكش في سنة 981 م (371 هـ).
وعلى أثر ذلك، رأى أشراف ليون، أن راميرو لم يعد صالحاً لحكم المملكة، فقرروا خلعه، وتولية ابن عمه برمودو ملكاً عليهم (982 م). ولكن راميرو لم يذعن لهذا القرار، فجمع أنصاره واستعد للحرب، واضطرمت بين برمودو وراميرو حرب أهلية، انتهت بهزيمة راميرو، وفراره إلى مدينة أسترقة، وامتناعه بها. وحاول راميرو بعد ذلك، أن يلجأ إلى المنصور، وأن يستمد عونه لاسترداد عرشه. ولكنه توفي بعد ذلك بقليل، وتخلص برمودو بذلك من منافسته.
بيد أن برمودو، لم يشعر مع ذلك بالطمأنينة. فقد لبث فريق كبير من الأشراف على معارضتهم لحكمه، ولبث النضال الداخلي مؤذناً بالخطر. وعندئذ قرر برمودو أن يلجأ إلى المنصور، فالتمس منه التأييد والعون، على أن يعترف بطاعته، فأجابه المنصور إلى طلبه، وبعث إليه بقوة من جنده، حلت بمدينة ليون عاصمة المملكة، وبذلك أصبحت ليون مملكة تابعة تؤدي الجزية، ولكن برمودو حينما شعر بتوطد مركزه، واشتداد ساعده، قرر أن يتخلص
من نير المنصور، فهاجم الحامية الإسلامية، واستخلص مدينة ليون من يدها، فنهض المنصور لمحاربته، وسار إلى مدينة ليون فاقتحمها وخربها، ومزق قوى النصارى، ثم استمر يغزو أراضي ليون تباعاً، ويوقع الهزائم المتوالية ببرمودو، حتى اضطر برمودو إلى طلب الصلح، والعودة إلى الاعتراف بالطاعة (995 م)، وقد رأينا كيف سار المنصور بعد ذلك، إلى غزو مدينة شنت ياقب عاصمة إسبانيا النصرانية الروحية (997 م)، وكيف انضم إليه في تلك الغزوة معظم أشراف جليقية. وعندئذ لم ير برمودو مناصاً في النهاية، من العود إلى التماس الصلح، والاعتراف بالطاعة، ونبذ كل مقاومة. فأجابه المنصور إلى طلبه.
وعاش برمودو بعد ذلك عامين آخرين، قضاهما في إصلاح الكنائس والأديار والقلاع، التي هدمت خلال الحرب. ثم توفي سنة 999 م، فخلفه ولده ألفونسو الخامس طفلا. وقام بالوصاية عليه الكونت مننديث كونثالث أحد أشراف المملكة (1).
3 -
مملكة نافار
أشرنا فيما تقدم إلى نشأة مملكة نافار المستقلة، في أواخر القرن التاسع الميلادي، وكيف تولى عرشها سانشو غرسية (الأول)، عقب اعتزال أخيه فرتون الملك في سنة 905 م. وقد عمل سانشو على توسيع أطراف مملكته الصغيرة، واستطاع أن يدفع حدودها جنوباً حتى ناجرة، وخاض مع المسلمين حروباً عديدة، أيام الأمير عبد الله، وفي أوائل عهد الناصر. وقد غزا الناصر نافار سنة 920 م، ثم بعد ذلك في صائفة 924 م، ودخل عاصمتها بنبلونة وخربها، وسحق قوى نافار، وقضى على كل مقاومة من جانبها وكل نزعة للعدوان.
ولما توفي سانشو في سنة 916 م، خلفه ولده غرسية سانشيز طفلا، وحكم أولا تحت وصاية عمه خمينو غرسيس، ثم بعد ذلك تحت وصاية أمه الملكة طوطة، التي لبثت تحكم باسمه طويلا، حتى بعد أن بلغ سن الفتوة والنضج. وكانت نافار خلال ذلك ترتبط برباط المصاهرة، مع المملكتين النصرانيتين الأخريين. فقد كان أردونيو الثالث ملك ليون متزوجا من أوراكا إبنة الملكة طوطة وأخت غرسية. وكان فرنان كونثالث كونت قشتالة متزوجاً من إبنة أخرى لطوطة هي
(1) ابن خلدون، ج 4 ص 181؛ وكذلك Altamira: ibid، Vol. I. p. 246.
سانشا، وكانت طوطة تحتل بذلك مقاماً ملحوظاً في الممالك الثلاث. ولما توفي راميرو الثاني ملك ليون في سنة 950 م، واضطرمت الحرب الأهلية حول وراثة العرش بين ولديه أردونيو وسانشو، وقفت نافار إلى جانب سانشو، ولد الملكة أوراكا النافارية، ثم وقفت بعد ذلك إلى جانبه مرة أخرى، بعد أن تولى العرش عقب وفاة أخيه، وقام أشراف ليون بخلعه، ولجأت الملكة طوطة في معاونته إلى الناصر حسبما تقدم.
ثم اضطربت العلائق بين نافار وبين جارتها قشتالة، ونشبت الحرب بينهما، فهزم الكونت فرنان كونثالث أمير قشتالة، وأسر في موقعة نشبت بين الفريقين على مقربة من ناجرة، واعتقل في نافار مدة طويلة ضعفت فيها شوكة قشتالة ولزمت السكينة حيناً.
ولما توفي الناصر، وتولى مكانه ولده الحكم المستنصر، طالب ملك ليون بتسليم الحصون التي تعهد بتسليمها إلى أبيه، وطالب ملك نافار بأن يسلمه أسيره فرنان كونثالث أمير قشتالة، فرفض الملكان مطالب الحكم، وأطلق غرسية أسيره فرنان كونثالث، فهرع إلى برغش عاصمته، وقبض على صهره أردونيو الرابع، وأرسله مخفوراً إلى الحدود الإسلامية، وهنالك التجأ إلى القائد غالب حاكم الثغر، ثم سار معه إلى الحكم مستجيراً به، واستقبله الحكم كما تقدم في احتفال مشهود.
واستطال حكم غرسية سانشيز حتى سنة 970 م، واستمرت أمه الملكة العجوز طوطة، محتفظة بإشرافها عليه، ومشاركتها الفعلية في الحكم، حتى وفاتها في سنة 960 م.
ولما توفي غرسية سانشيز، خلفه في عرش نافار ولده سانشو غرسية الثاني. وكانت مملكة نافار قد اتسعت رقعتها عندئذ، وأصبحت تشمل عدا ولاية نافار الأصلية، ولايات كانتبريا، وسوبرابي، ورباجورسا، ونمت مواردها وقواها حتى أن سانشو لم يحجم عن الإغارة على الأراضي الإسلامية، ورد المنصور على هذه الجرأة، فغزا نافار، وتوغل فيها حتى اقتحم عاصمتها بنبلونة، وذلك في سنة 987 م.
وخلف سانشو في الحكم ولده غرسية سانشيز الثالث، فلم يدم حكمه سوى
خمسة أعوام، وفي عهده غزا المنصور نافار مرة أخرى (999 م). ثم توفي غرسية في العام التالي، فخلفه ولده سانشو الثالث الملقب بالكبير.
4 -
عناصر المجتمع في اسبانيا النصرانية
سبق أن تحدثنا فيما تقدم عن عناصر المجتمع في اسبانيا المسلمة، ويجدر بنا أن نتحدث هنا عن عناصر المجتمع في اسبانيا النصرانية.
لم يكن في اسبانيا النصرانية بعد الفتح الإسلامي، ما يمكن أن يسمى بالحياة القومية العامة. وكانت كل ولاية أو مملكة، تعيش وفق ظروفها ونظمها الخاصة، وكان هذا التباين ذاته، يقوم في الداخل، ويتفاقم أحياناً بما يحدث إلى جانبه من خلافات أخرى، تصيب النظم والحياة الإجتماعية.
وقد بقي تكوين المجتمع النصراني الإسباني عقب الفتح، على ما كان عليه أيام القوط، فكان يتكون من عنصرين رئيسيين، هما الأحرار، والعبيد؛ وكان الأحرار وهم الذين يستطيعون التصرف في أشخاصهم، والتنقل بحرية من مكان إلى آخر، ينقسمون بدورهم إلى أشراف وعامة.
وكانت طبقة الأشراف، تتكون أولا من الحكام ومن خاصة الملك، وتتوقف في تكوينها على الملك، يمنحها الألقاب والأراضي والوظائف. ويلحق بهذه الطائفة كبار الملاك، الذين يحصلون على أملاكهم سواء بالميراث أو الهبة. وكان للأشراف امتيازات كثيرة، سواء بالنسبة لأشخاصهم أو أملاكهم، فكانوا داخل أراضيهم سادة بكل معنى الكلمة، لهم مطلق الحرية والتصرف، بل كان لهم أن يتركوا خدمة الملك، وأن ينتقلوا إلى مملكة أخرى، إذا غضبوا منه لسبب من الأسباب. وكان من جراء ذلك، أن كثيراً من الأشراف النصارى، كانوا ينتقلون إلى الأراضي الإسلامية، وينضوون تحت لواء الأمراء والخلفاء، ويحاربون معهم ضد مواطنيهم وأبناء دينهم.
وكان هؤلاء الأشراف يعفون من الضرائب، خلافاً لما كان عليه الأمراء في عهد القوط، وكانوا ملزمين فقط بمساعدة الملك وقت الحرب، فينتظمون مع أتباعهم في الجيش المحارب على نفقة الملك.
وكان يلحق بهذه الطبقة من الأشراف، بعض طوائف أخرى أقل أهمية من الناحية الاجتماعية، مثل الفرسان والمحاربين، وهم الأشخاص الذين يستطيعون
أن يقتنوا لأنفسهم خيلا وسلاحاً، ليشتركوا في الحرب، ثم يمنحون نظير هذا الاشتراك بعض الإمتيازات. وقد نمت هذه الطبقة فيما بعد. وكذلك كان ينتمي إلى الأشراف، وينضوي تحت حمايتهم، بعض الطوائف الميسورة، مثل صغار الملاك، وأصحاب الصناعات. ولم تكن هذه الحماية تقف عند الأشخاص أو الأسر المعينة فقط، ولكنها كانت تشمل أحياناً بعض القرى والضياع، فينضوي أهل القرية أو الضيعة، تحت حماية الشريف بشروط معينة، وكان هؤلاء يقدمون جزءاً من أملاكهم إلى السيد المتولي حمايتهم، ويؤدون إليه إتاوات معينة، وأعطية ْشخصية. بيد أنهم كانوا في حل من تركه إذا قصر في حمايتهم، والانضواء تحت حماية سيد آخر.
ويلحق أخيراً بهذه الطبقة الشعبية الزراع الأحرار، وهم الأشخاص الأحرار الذين لا يملكون أرضاً، ولكن يتلقون من الملاك أرضاً لزرعها. وكذلك الأحرار الذين كانوا من قبل رقيقاً، ثم وفقوا إلى تحقيق حرياتهم، وكان هؤلاء عليهم أن يؤدوا إلى السيد أو المالك ضرائب وإتاوات عينية فادحة، بيد أنه كان في وسعهم أن يتركوه متى شاءوا.
إلى جانب هذه الطبقات الحرة من المجتمع النصراني، كانت توجد الطبقة المستعبدة أو طبقة الأرقاء، وقد بقيت أحوالها على ما كانت عليه أيام القوط تقريباً. وكانت تتكون من عناصر عدة، فمنهم عبيد الدولة، وعبيد الملك، وعبيد الكنيسة والأديار (عبيد رجال الدين)، ثم عبيد الأفراد وعبيد الأرض الملحقين بها. وكان عبيد الأفراد على الأغلب من أسرى الحرب، ومنهم الأسرى المسلمون.
وقد استمرت هذه الطوائف من الرقيق، قائمة حتى القرن الثاني عشر، ثم اندمجت بعد ذلك في طائفة واحدة من الأرقاء، هم رقيق الضياع.
وكان رقيق الضياع يعتبرون من مرافق الأرض، وينتقلون معها بانتقال الملكية. وكانوا يزرعون الأرض على نفقتهم، ويؤدون إلى السيد، سواء أكان هو الملك، أو الأشراف أو الكنيسة، جزءاً من المحصول، وإتاوات أخرى، ويقدمون إلى جانب ذلك خدمات شخصية كثيرة، مثل القيام بحرث أرض السيد، أو ضم محاصيله وعصر نبيذه وزيته، أو المعاونة في بناء داره، وتنحصر حقوقهم في التمتع بالسكن، والعيش في الضيعة. وكان بيع الضيعة يغدو في معظم
الأحيان بالنسبة لهم محنة أليمة، إذ يفرق أحياناً بين الرجل وزوجه، أو بينه وبين أولاده.
وكانت هذه الطبقة من الأرقاء تتكون من أبناء العبيد، ومن المحكوم عليهم بالرق، في قضية مدنية أو جنائية، ومن أسرى الحرب، وقد كانوا أسوأ طوائف الرقيق حظاً.
وكان تحرير الرقيق، يقع إما بالعتق أو بالفرار أو الثورة. على أن ثورات العبيد كانت قليلة، وكان الأغلب أن يظفر العبيد بحرياتهم، في أعقاب الثورات التي يشتركون فيها. أما العتق فكان يجري وفقاً لتعاليم الكنيسة. على أن هذه الطائفة من المتحررين، لم تكن تتمتع بكامل حقوق الطوائف الحرة الأخرى، فكان السيد محتفظ لنفسه أحياناً قبل المعتوقين ببعض الخدمات أو الإتاوات.
وقد استمرت الطبقة الوسطى، تنمو على كر الزمن، بزيادة عدد المعتوقين أو الأحرار الأصائل، حتى إذا كان القرن العاشر، كانت هذه الطبقة، تكون الجزء الأعظم من السكان، وتتمتع بظروف وأحوال أفضل بكثير مما كانت عليه من قبل (1).
5 -
تنظيم السلطات السياسية
أما من حيث التنظيم الأساسي، وتوزيع السلطات السياسية، في الممالك الإسبانية النصرانية، فقد كانت هذه السلطات موزعة، بين ثلاث جهات رئيسية، هي الملك، والأشراف، ورجال الدين.
وقد كان المفروض أن تكون السلطة الملكية، هي أعلى السلطات وأشملها، وقد كانت كذلك من الوجهة النظرية. فقد كان الملك، هو رئيس الدولة الأعلى، وله الولاية على كل فرد تضمه أرض المملكة. وكان الملك مصدر التشريع، ومنه وباسمه تصدر القوانين العامة، وكذا كان له حق الموافقة على القوانين المحلية، التي يصدرها الأشراف بالنسبة للمنتمين إليهم، وله أن يدعو رعاياه إلى الحرب، وأن يرغمهم على الخدمة فيها، وأن يصدر السِّكة، وأن يباشر العدالة. وهو الذي يعين الأساقفة ويقيلهم، ويؤسس الكنائس والأديار، وهو الذي يقود الجيش، وعلى الجملة فهو الذي يتولى سائر الوظائف السياسية والعسكرية والدينية والمدنية.
(1) Altamira: ibid ; Vol. I. p. 287-293.
على أن هذه السلطات لم تكن متساوية في جميع الأحوال والعصور، وقد تعدلت بمضي الزمن، وانتقصت أطرافها، أحياناً بطريق التنازل من جانب الملوك، وبخاصة لأن الملك لم يكن يزاول هذه السلطات بطريق مباشر.
وكان الأشراف يتمتعون داخل أملاكهم، بقدر كبير من الاستقلال، ويبسطون حكمهم على طائفة كبيرة من الأراضي والقرى والضياع والحصون، وكان السيد يعيش في حصنه، وهو يقع عادة في موقع إستراتيجي حصين، ويحيط به عدد من المساكن المحصنة، ويخضع لسلطته سائر سكان المنطقة، بعضهم كعبيد، والبعض الآخر من المشمولين بحمايته. وكان يجني منهم الضرائب، والإتاوات العينية، ويدعوهم للخدمة العسكرية متى دعاه الملك إلى الحرب، ويباشر القضاء بينهم، وله أن يوقع عليهم بعض الأحكام الجنائية التي تتصل بالقانون العام. وعلى الجملة فقد كان للشريف على سكان منطقته، السيادة المطلقة، وهو الذي يوزع بينهم مختلف المناصب والأعمال.
وأما القضاء قِبل الأشراف أنفسهم، فقد كان يزاوله بالنسبة للسيد، أشراف من طبقته، ولا يزاوله قضاة الملك، لأنهم لم يكونوا من الأشراف. وكان للشريف أن يشهر الحرب على زملائه الأشراف، إذا أصابه منهم حيف أو إهانة، وله أن يترك خدمة الملك دون أن يخسر شيئاً من أملاكه، بل كان له أن يشهر الثورة ضد الملك. ولم يكن يحد من هذه السلطة، التي يمنحها الملك إياه سوى أمرين، الأول الخيانة، وفي هذه الحالة يجرد الشريف من أملاكه وامتيازاته، والثاني متى ضمت لأملاكه أراض جديدة، فإنه لا يستطيع أن يبسط عليها سلطته وامتيازاته إلا بموافقة الملك.
وكان الأشراف يشاركون في مزاولة القضاء مشاركة فعلية، فقد كانوا يؤلفون جزءاً من المحاكم العادية، ويشتركون في تشكيل المحاكم الملكية كلما اجتمعت، ويحتلون كذلك بعض المناصب الإدارية الهامة. وكان لهذه المساهمة الخطيرة، أثرها في إذكاء شهوتهم إلى الاستئثار بالسلطة، وتوطيد استقلالهم المحلي، وكثيراً ما كانوا يلجأون إلى الثورة، لفرض إرادتهم على العرش، أو يتدخلون في وراثة العرش بالقوة القاهرة.
ومع ذلك فقد كان الملوك، يعمدون إلى الإغضاء في أحيان كثيرة، ولو كان
في ذلك إضرار بالسلطة الملكية. ذلك أن ضعف الملوكية، وضرورات الحرب، ثم الحاجة إلى معاونة الأشراف أيام الحرب الأهلية حول وراثة العرش، كانت ترغم الملوك على التسامح، بل وأحياناً على زيادة المنح والامتيازات للأشراف، وذلك حرصاً على استتباب الأمن والسكينة، إذ كان الأشراف في تلك العصور قوة يخشى بأسها.
وقد كانت طائفة الأشراف هذه، بالرغم من مركزها الاجتماعي الممتاز، تنطوي على عيوب ومثالب كثيرة، فقد كانت تجنح إلى استغلال الرعايا، وانتزاع ما في أيديهم، بل وقد كانت ترتكب الجرائم جهاراً، فتعمد إلى نهب التجار والمسافرين، وكان الأشراف يقتتلون فيما بينهم للفوز بثمار أمثال هذه الجرائم. وقد استمر هذا النظام الإجرامي الجائر عصوراً، بالرغم من تدخل الملك. والأساقفة، لحفظ الأمن في كثير من الأحيان.
وإلى جانب الأشراف، كان رجال الدين من الأساقفة والرهبان ومن إليهم، يتمتعون كذلك في أراضيهم بسلطان مستقل. وكان للكنائس والأديار أراض شاسعة خاصة، ترجع إلى الهبات والنذور وغيرها، وفيها تزاول السلطة بطريق مطلق، وفقاً لروح هذا العصر الإقطاعي. وكان لها أيضاً كثير من العبيد والزراع تتمتع قبلهم كالأشراف، بالحق في تحصيل الجباية والمحاصيل وغيرها. وكان الملوك في أحيان كثيرة يهبون بدافع الورع والحماسة الدينية، إلى الكنائس والأديار، رقاعاً شاسعة من الأرض، فتبسط سلطانها على سكان المنطقة، وتحصل منهم الإتاوات، وتزاول بينهم القضاء. وكانت الكنائس والأديار، تدفع هذه السلطات أحياناً إلى حدود مرهقة، اجتناباً لافتئات الأشراف المجاورين. وكان رجال الدين، على مثل الأشراف، يلبون دعوة الملك إلى الحرب هم ورجالهم، ويحشدون الصفوف من بين رعاياهم من الأحرار والزراع والأرقاء، أو يعهدون بذلك إلى رئيس من غير رجال الدين. والخلاصة أن الأساقفة والرهبان كانوا كالأشراف، سادة بكل معاني الكلمة، وكانوا يمتازون في ذلك على الأشراف، بأن كان الملك يصدر الوثائق والمراسيم المكتوبة بامتيازاتهم، وكان يتبع الكنيسة أحياناً مناطق كثيفة من السكان، كما كان الشأن في شنت ياقب، حيث قامت حول الكنيسة مدينة عظيمة، صارت تابعة لها هي وما حولها من الأراضي الشاسعة.
وكانت سلطة الأسقف تتخذ في أحيان كثيرة صورة مطلقة في المدينة وفي الحقل، يزاولها على يد كونتات وموظفين وغيرهم. وكان له جيشه أو جنده الخاص، يحمون أراضيه من الأجانب أو الأشراف المغيرين (1).
ونلاحظ أن هذا التنظيم السياسي، الذي تطبعه روح إقطاعية عميقة، والذي ينطوي على توزيع السلطة بين مختلف الطوائف والعصبيات، بصورة تجعل دولا عديدة داخل الدولة، يتنافى في جملته وتفاصيله مع التنظيم السياسي للدولة الأندلسية الإسلامية. فقد رأينا فيما تقدم، كيف كان العرش يحرص منذ البداية على سلامة السلطة المركزية، وكيف بذل أمراء بني أمية، منذ عبد الرحمن الداخل جهودهم، لإخماد النزعة القبلية، وتحطيم رياستها؛ ثم جاء الناصر فحطم العصبية العربية، وقضى على رياسة القبائل العربية بصورة نهائية، واستخلص السلطة كلها للعرش، ولم يكن العرش يتسامح بعد ذلك، مع أية رياسة محلية تنزع إلى الاستقلال، إلا ما كان بالنسبة لبعض الثغور النائية، مثل طليطلة وسرقسطة، وذلك لأسباب عملية واستراتيجية.
(1) R Altamira: ibid، Vol. I. p. 293-299