المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فَرْعٌ الِاعْتِبَارُ فِي انْفِصَالِ الْجَنِينِ وَتَأْبِيرِ الثِّمَارِ بِحَالِ الرُّجُوعِ دُونَ الْحَجْرِ؛ - روضة الطالبين وعمدة المفتين - جـ ٤

[النووي]

فهرس الكتاب

- ‌كِتَابُ السَّلَمِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌بَابُ الْقَرْضِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الرَّهْنِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ التَّفْلِيسِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْحَجْرِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الصُّلْحِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْحَوَالَةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الضَّمَانِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الشَّرِكَةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْوَكَالَةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْإِقْرَارِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْعَارِيَّةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

الفصل: فَرْعٌ الِاعْتِبَارُ فِي انْفِصَالِ الْجَنِينِ وَتَأْبِيرِ الثِّمَارِ بِحَالِ الرُّجُوعِ دُونَ الْحَجْرِ؛

فَرْعٌ

الِاعْتِبَارُ فِي انْفِصَالِ الْجَنِينِ وَتَأْبِيرِ الثِّمَارِ بِحَالِ الرُّجُوعِ دُونَ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُفْلِسِ بَاقٍ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ الْبَائِعُ.

‌فَصْلٌ

مَتَى رَجَعَ الْبَائِعُ فِي الشَّجَرِ وَبَقِيَتِ الثِّمَارُ لِلْمُفْلِسِ، فَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهَا، بَلْ عَلَيْهِ إِبْقَاؤُهَا إِلَى الْجِدَادِ، وَكَذَا لَوْ رَجَعَ فِي الْأَرْضِ وَهِيَ مَزْرُوعَةٌ بِزَرْعِ الْمُفْلِسِ، يُتْرَكُ إِلَى الْحَصَادِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى أَرْضًا مَزْرُوعَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ تَكْلِيفُ الْبَائِعِ قَلْعَهُ. ثُمَّ إِذَا أُبْقِيَ الزَّرْعُ، فَلَا أُجْرَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَحُكِيَ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ مِمَّا لَوْ بَنَى أَوْ غَرَسَ، فَإِنَّ لِلْبَائِعِ الْإِبْقَاءَ بِأُجْرَةٍ، ثُمَّ الْكَلَامُ فِي طَلَبِ الْغُرَمَاءِ وَالْمُفْلِسِ الْقَطْعَ أَوِ الْجِدَادَ وَالْحَصَادَ عَلَى مَا سَبَقَ.

فَرْعٌ

مَتَى ثَبَتَ الرُّجُوعُ فِي الثِّمَارِ بِالتَّصْرِيحِ بِبَيْعِهَا مَعَ الشَّجَرِ، أَوْ قُلْنَا بِهِ فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، فَتَلِفَتِ الثِّمَارُ بِجَائِحَةٍ، أَوْ أَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، ثُمَّ فُلِّسَ، أَخَذَ الْبَائِعُ الشَّجَرَ بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ، وَضَارَبَ بِحِصَّةِ الثَّمَرِ، فَتُقَوَّمُ الشَّجَرُ وَعَلَيْهَا الثَّمَرُ، فَيُقَالُ مَثَلًا: قِيمَتُهَا مِائَةٌ، وَتُقَوَّمُ وَحْدَهَا فَيُقَالُ: تِسْعُونَ، فَيُضَارَبُ بِعُشْرِ الثَّمَنِ. فَإِنْ حَصَلَ فِي قِيمَتِهَا انْخِفَاضٌ أَوِ ارْتِفَاعٌ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الثِّمَارِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتَيْ يَوْمَيِ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ يَوْمَ الْقَبْضِ أَكْثَرَ، فَالنَّقْصُ قَبْلَهُ كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، فَلَا يُحْسَبُ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَإِنْ كَانَتْ يَوْمَ الْعَقْدِ أَقَلَّ، فَالزِّيَادَةُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، وَتَلِفَتْ،

ص: 165

فَلَا حَقَّ لِلْبَائِعِ فِيهَا. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: يُعْتَبَرُ يَوْمُ الْقَبْضِ. وَأَمَّا الشَّجَرُ، فَفِيهَا وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَعْتَبِرُ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، فَنَقْصُهُ عَلَيْهِ، وَزِيَادَتُهُ لِلْمُشْتَرِي، فَيَأْخُذُ بِالْأَكْثَرِ، لِيَكُونَ النَّقْصُ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ. كَمَا أَنَّ فِي الثَّمَرَةِ الْبَاقِيَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي، يُعْتَبَرُ الْأَقَلُّ، لِيَكُونَ النَّقْصُ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ يَوْمَ الْعَقْدِ قَلَّ أَمْ كَثُرَ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ بَعْدَهُ فَهُوَ مِنَ الزِّيَادَاتِ الْمُتَّصِلَةِ، وَعَيْنُ الْأَشْجَارِ بَاقِيَةٌ، فَيَفُوزُ بِهَا الْبَائِعُ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ. وَهَذَا الثَّانِي، هُوَ الْمَنْقُولُ فِي «التَّهْذِيبِ» وَ «التَّتِمَّةِ» وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْغَزَّالِيُّ. مِثْلُ ذَلِكَ، قِيمَةُ الشَّجَرِ يَوْمَ الْبَيْعِ عَشَرَةٌ، وَقِيمَةُ الثَّمَرِ خَمْسَةٌ. فَلَوْ لَمْ تَخْتَلِفِ الْقِيمَةُ، لِأَخْذِ الشَّجَرَةِ بِثُلُثَيِ الثَّمَنِ، وَضَارَبَ لِلثَّمَرَةِ بِالثُّلُثِ. وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ الثَّمَرَةِ وَكَانَتْ يَوْمَ الْقَبْضِ عَشَرَةً، فَعَلَى الصَّحِيحِ، هُوَ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِحَالِهَا اعْتِبَارًا لِأَقَلِّ قِيمَتِهَا. وَعَلَى الشَّاذِّ: يُضَارِبُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ. وَلَوْ نَقَصَتْ وَكَانَتْ يَوْمَ الْقَبْضِ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا، ضَارَبَ بِخُمُسِ الثَّمَنِ. فَلَوْ زَادَتْ قِيمَةُ الشَّجَرِ أَوْ نَقَصَتْ، فَالْحُكْمُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، كَمَا لَوْ بَقِيَتْ بِحَالِهَا. وَعَلَى الْأَوَّلِ كَذَلِكَ إِنْ نَقَصَتْ. وَإِنْ زَادَتْ، فَكَانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ، ضَارَبَ بِرُبُعِ الثَّمَنِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا اعْتَبَرْنَا فِي الثِّمَارِ أَقَلَّ الْقِيمَتَيْنِ فَتَسَاوَتَا، وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا نَقْصٌ. فَإِنْ كَانَ لِمُجَرَّدِ انْخِفَاضِ السُّوقِ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ لِعَيْبٍ طَرَأَ وَزَالَ، فَكَذَلِكَ عَلَى الظَّاهِرِ. كَمَا أَنَّهُ يَسْقُطُ بِزَوَالِهِ حَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَإِنْ لَمْ يُزَلِ الْعَيْبُ، لَكِنْ عَادَتْ قِيمَتُهُ إِلَى مَا كَانَ بِارْتِفَاعِ السُّوقِ، فَالَّذِي أَرَاهُ، اعْتِبَارُ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَالِارْتِفَاعَ بَعْدَهُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَلَا يُجْبِرُهُ. قَالَ: وَإِذَا اعْتَبَرْنَا فِي الشَّجَرِ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ، فَكَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْعَقْدِ مِائَةً، وَيَوْمَ الْقَبْضِ مِائَةً وَخَمْسِينَ، وَيَوْمَ رُجُوعِ الْبَائِعِ مِائَتَيْنِ، فَالْوَجْهُ: الْقَطْعُ بِاعْتِبَارِ الْمِائَتَيْنِ. وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَيِ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيَوْمَ الرُّجُوعِ مِائَةً، اعْتُبِرَ يَوْمُ الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّ مَا طَرَأَ مِنْ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَزَالَ،

ص: 166

لَيْسَ ثَابِتًا يَوْمَ الْعَقْدِ حَتَّى يَقُولَ: إِنَّهُ وَقْتُ الْمُقَابَلَةِ، وَلَا يَوْمَ أَخْذِ الْبَائِعِ لِيُحْسَبَ عَلَيْهِ.

فَرْعٌ

سَبِيلُ التَّوْزِيعِ فِي كُلِّ صُورَةٍ تَلِفَ فِيهَا أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ الْمَبِيعَيْنِ، وَاخْتَلَفَتِ الْقِيمَةُ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى الْبَاقِي، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ بِلَا فَرْقٍ.

النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الزِّيَادَاتِ: مَا الْتَحَقَ بِالْمَبِيعِ مِنْ خَارِجٍ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى عَيْنٍ مَحْضَةٍ، وَصِفَةٍ مَحْضَةٍ، وَمُرَكَّبٍ مِنْهُمَا. الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: الْعَيْنُ الْمَحْضَةُ، وَلَهَا حَالَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ قَابِلَةً لِلتَّمْيِيزِ عَنِ الْمَبِيعِ، كَمَنِ اشْتَرَى أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا، أَوْ بَنَى، ثُمَّ فُلِّسَ قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ، فَإِذَا اخْتَارَ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِي الْأَرْضِ، نُظِرَ، إِنِ اتَّفَقَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ عَلَى الْقَلْعِ وَتَسْلِيمِ الْأَرْضِ بَيْضَاءَ، رَجَعَ فِيهَا وَقَلَعُوا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُمْ أَخْذَ قِيمَةِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ لِيَتَمَلَّكَهَا مَعَ الْأَرْضِ. وَإِذَا قَلَعُوا، وَجَبَ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ، وَإِنْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ نَقْصٌ بِالْقَلْعِ، وَجَبَ أَرْشُهُ فِي مَالِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يُضَارِبُ بِهِ. وَفِي «الْمُهَذَّبِ» وَ «التَّهْذِيبِ» : أَنَّهُ يُقَدِّمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ. وَإِنْ قَالَ الْمُفْلِسُ: يُقْلَعُ. وَقَالَ الْغُرَمَاءُ: نَأْخُذُ الْقِيمَةَ مِنَ الْبَائِعِ لِيَتَمَلَّكَهُ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ وَقَعَ هَذَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، أُجِيبَ مَنْ فِي قَوْلِهِ الْمَصْلَحَةُ. فَإِنِ امْتَنَعُوا جَمِيعًا مِنَ الْقَلْعِ، لَمْ يُجْبَرُوا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ. ثُمَّ يُنْظَرُ، إِنْ رَجَعَ عَلَى أَنْ يَتَمَلَّكَ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ بِقِيمَتِهِمَا، أَوْ يَقْلَعَ وَيَغْرَمَ أَرْشَ النَّقْصِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَالِاخْتِيَارُ فِيهِمَا إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ وَالْمُفْلِسِ الِامْتِنَاعُ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَمَدًا قَرِيبًا. وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي الْأَرْضِ وَحْدَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُضُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، وَيَضُرُّهُمْ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ. وَفِي قَوْلٍ: لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ صَبَغَ الْمُشْتَرِي الثَّوْبَ

ص: 167

ثُمَّ فُلِّسَ، يَرْجِعُ الْبَائِعُ فِي الثَّوْبِ فَقَطْ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ كَثِيرَةَ الْقِيمَةِ، وَالْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ مُسْتَحْقَرَيْنِ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهَا، كَانَ لَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ عَكْسُهُ، فَلَا، إِتْبَاعًا لِلْأَقَلِّ الْأَكْثَرَ. وَقِيلَ: إِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي الْبَيَاضِ الْمُتَخَلَّلِ بَيْنَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ، وَيُضَارِبُ لِلْبَاقِي بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، كَانَ لَهُ. وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي الْجَمِيعِ، فَلَا، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ، فَالْبَائِعُ يُضَارِبُ بِالثَّمَنِ، أَوْ يَعُودُ إِلَى بَذْلِ قِيمَتِهِمَا أَوْ قَلْعِهِمَا مَعَ غَرَامَةِ أَرْشِ النَّقْصِ. وَإِنْ مَكَّنَّاهُ مِنَ الرُّجُوعِ فِيهَا، فَوَافَقَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ، وَبَاعَ الْأَرْضَ مَعَهُمْ حِينَ بَاعُوا الْبِنَاءَ فَذَاكَ. وَطَرِيقُ التَّوْزِيعِ، مَا سَبَقَ فِي الرَّهْنِ. وَإِنِ امْتَنَعَ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَإِذَا لَمْ يُوَافِقْهُمْ، فَبَاعُوا الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ، بَقِيَ لِلْبَائِعِ وِلَايَةُ التَّمَلُّكِ بِالْقِيمَةِ، وَالْقَلْعُ مَعَ الْأَرْشِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ إِنْ كَانَ جَاهِلًا بِحَالِ مَا اشْتَرَاهُ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الضَّرْبِ، هُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجَمَاهِيرُ فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا، وَهُوَ الصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ. وَذَكَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ.

أَحَدُهَا: لَا رُجُوعَ بِحَالٍ. وَالثَّانِي: تُبَاعُ الْأَرْضُ وَالْبِنَاءُ رِفْقًا بِالْمُفْلِسِ. وَالثَّالِثُ: يَرْجِعُ فِي الْأَرْضِ وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ: تَمَلُّكُ الْبَنَّاءِ وَالْغِرَاسِ بِالْقِيمَةِ، وَقَلْعُهُمَا مَعَ الْتِزَامِ أَرْشِ النَّقْصِ، وَإِبْقَاؤُهُمَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، يَأْخُذُهَا مِنْ مِلْكِهِمَا. وَإِذَا عَيَّنَ خَصْلَةً، فَاخْتَارَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ غَيْرَهَا، أَوِ امْتَنَعُوا مِنَ الْكُلِّ، فَوَجْهَانِ فِي أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَقْلَعُ مَجَّانًا، أَوْ يُجْبَرُونَ عَلَى مَا عَيَّنَهُ. وَالرَّابِعُ: إِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ، فَالْبَائِعُ فَاقِدٌ عَيْنَ مَالِهِ. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ أَكْثَرَ، فَوَاجِدٌ. هَذَا نَقْلُ الْإِمَامِ، وَتَابَعَهُ الْغَزَّالِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَهَذَا النَّقْلُ شَاذٌّ مُنْكَرٌ لَا يُعْرَفُ، وَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ أُخِذَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ؟ !

فَرْعٌ

اشْتَرَى الْأَرْضَ مِنْ رَجُلٍ، وَالْغِرَاسَ مِنْ آخَرَ، وَغَرَسَهُ فِيهَا، ثُمَّ فُلِّسَ، فَلِكُلٍّ

ص: 168

الرُّجُوعُ إِلَى عَيْنِ مَالِهِ. فَإِنْ رَجَعَا وَأَرَادَ صَاحِبُ الْغِرَاسِ الْقَلْعَ، مُكِّنَ وَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ وَأَرْشِ نَقْصِ الْأَرْضِ إِنْ نَقَصَتْ. وَإِنْ أَرَادَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ، فَكَذَلِكَ إِنْ ضَمِنَ أَرْشَ النَّقْصِ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ غَرْسٌ مُحْتَرَمٌ، كَغَرْسِ الْمُفْلِسِ. وَالثَّانِي: لَهُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ الْغَرْسَ مُفْرَدًا، فَيَأْخُذُهُ كَذَلِكَ.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ لَا تَكُونَ الزِّيَادَةُ قَابِلَةً لِلتَّمْيِيزِ، كَخَلْطِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، فَإِذَا اشْتَرَى صَاعَ حِنْطَةٍ أَوْ رَطْلَ زَيْتٍ، فَخَلَطَهُ بِحِنْطَةٍ، أَوْ زَيْتٍ، ثُمَّ فُلِّسَ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ، فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ، وَتَمَلُّكُ صَاعٍ مِنَ الْمَخْلُوطِ، وَطَلَبُ الْقِسْمَةِ. وَإِنْ طَلَبَ الْبَيْعَ، فَهَلْ يُجَابُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، كَمَا لَا يُجَابُ الشَّرِيكُ. وَالثَّانِي: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ بِالْقِسْمَةِ إِلَى عَيْنِ حَقِّهِ، وَيَصِلُ بِالْبَيْعِ إِلَى بَدَلِ حَقِّهِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ. وَإِنْ كَانَ الْمَخْلُوطُ أَرْدَأَ مِنَ الْمَبِيعِ، فَلَهُ الْفَسْخُ وَالرُّجُوعُ فِي قَدْرِ حَقِّهِ مِنَ الْمَخْلُوطِ. وَفِي كَيْفِيَّتِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُبَاعُ الْجَمِيعُ، وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ صَاعًا، نَقَصَ حَقُّهُ. وَلَوْ أَخَذَ أَكْثَرَ، حَصَلَ الرِّبَا. فَعَلَى هَذَا، إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ، وَالْمَخْلُوطُ بِهِ دِرْهَمًا، قُسِّمَ الثَّمَنُ أَثْلَاثًا. وَأَصَحُّهُمَا: لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَخْذُ صَاعٍ، أَوِ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ فِي الْمَبِيعِ، كَتَعَيُّبِ الْعَبْدِ. وَخَرَجَ قَوْلٌ أَنَّ الْخَلْطَ بِالْمِثْلِ وَالْأَرْدَأِ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَإِنْ كَانَ الْمَخْلُوطُ بِهِ أَجْوَدَ، فَأَقْوَالٌ. أَظْهَرُهَا: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ، بَلْ يُضَارِبُ بِالثَّمَنِ. وَالثَّانِي: يُرْجَعُ وَيُبَاعَانِ، ثُمَّ يُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَى نِسْبَةِ الْقِيمَةِ. وَالثَّالِثُ: يُوَزَّعُ نَفْسُ الْمَخْلُوطِ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ. فَإِذَا كَانَ الْمَبِيعُ يُسَاوِي دِرْهَمًا، وَالْمَخْلُوطُ بِهِ دِرْهَمَيْنِ، أَخَذَ ثُلُثَيْ صَاعٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَضْعَفُهَا، وَهُوَ رِوَايَةُ الْبُوَيْطِيِّ وَالرَّبِيعِ.

فَرْعٌ

قَالَ الْإِمَامُ: إِذَا قُلْنَا: الْخَلْطُ يُلْحِقُ الْمَبِيعَ بِالْمَفْقُودِ، فَكَانَ أَحَدُ الْخَلِيطَيْنِ كَثِيرًا،

ص: 169

وَالْآخَرُ قَلِيلًا، لَا تَظْهَرُ بِهِ زِيَادَةٌ فِي الْحِسِّ، وَيَقَعُ مِثْلُهُ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْكَثِيرُ لِلْبَائِعِ، فَالْوَجْهُ: الْقَطْعُ بِكَوْنِهِ وَاجِدًا عَيْنَ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الْكَثِيرُ لِلْمُشْتَرِي، فَالظَّاهِرُ كَوْنُهُ فَاقِدًا.

فَرْعٌ

لَوْ كَانَ الْمَخْلُوطُ بِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَبِيعِ، كَالزَّيْتِ بِالشَّيْرَجِ، فَلَا فَسْخَ، بَلْ هُوَ كَالتَّالِفِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ.

الضَّرْبُ الثَّانِي: الصِّفَةُ الْمَحْضَةُ. فَإِذَا اشْتَرَى حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، أَوْ ثَوْبًا فَقَصَّرَهُ، أَوْ خَاطَهُ بِخُيُوطٍ مِنْ نَفْسِ الثَّوْبِ، ثُمَّ فُلِّسَ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ. ثُمَّ إِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ، فَلَا شَرِكَةَ لِلْمُفْلِسِ، وَإِنْ نَقَصَتْ، فَلَا شَيْءَ لِلْبَائِعِ غَيْرُهُ، وَإِنْ زَادَتْ، فَقَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَثَرٌ، وَلَا شَرِكَةَ لِلْمُفْلِسِ؛ لِأَنَّهَا صِفَاتٌ تَابِعَةٌ، كَسِمَنِ الدَّابَّةِ بِالْعَلَفِ، وَكِبَرِ الْوَدِيِّ بِالسَّقْيِ. وَأَظْهَرُهُمَا: أَنَّهَا عَيْنٌ، وَالْمُفْلِسُ شَرِيكٌ بِهَا؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ بِفِعْلٍ مُحْتَرَمٍ مُتَقَوَّمٍ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ، فِيمَا لَوِ اشْتَرَى دَقِيقًا فَخَبَزَهُ، أَوْ لَحْمًا فَشَوَاهُ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا، أَوْ أَرْضًا فَضَرَبَ مِنْ تُرَابِهَا لَبِنًا أَوْ عَرْصَةً، وَآلَاتِ الْبِنَاءِ فَبَنَى بِهَا دَارًا. أَمَّا تَعْلِيمُ الْعَبْدِ الْقُرْآنَ، وَالْحِرْفَةَ، وَالْكِتَابَةَ، وَالشِّعْرَ الْمُبَاحَ، وَرِيَاضَةَ الدَّابَّةِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَقِيلَ: هِيَ أَثَرٌ قَطْعًا، كَالسِّمَنِ. وَضَبْطُ صُوَرِ الْقَوْلَيْنِ، أَنْ يَصْنَعَ بِهِ مَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، فَيَظْهَرُ بِهِ أَثَرٌ فِيهِ. وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا الْأَثَرَ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الدَّابَّةِ وَسِيَاسَتَهَا، يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، وَلَا تَثْبُتُ بِهِ مُشَارَكَةٌ لِلْمُفْلِسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ أَثَرٌ عَلَى الدَّابَّةِ. فَإِنْ قُلْنَا: أَثَرٌ، أَخَذَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ بِزِيَادَتِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: عَيْنٌ، بِيعَ وَلِلْمُفْلِسِ بِنِسْبَةِ مَا زَادَ فِي قِيمَتِهِ.

مِثَالُهُ، قِيمَةُ الثَّوْبِ خَمْسَةٌ، وَبَلَغَ بِالْقِصَارَةِ سِتَّةً، فَلِلْمُفْلِسِ سُدُسُ الثَّمَنِ. فَلَوِ ارْتَفَعَتِ الْقِيمَةُ،

ص: 170

أَوِ انْخَفَضَتْ بِالسُّوقِ، فَالزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ. فَلَوِ ارْتَفَعَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ دُونَ الْقِصَارَةِ، بِأَنْ صَارَ مِثْلَ ذَلِكَ الثَّوْبِ يُسَاوِي غَيْرَ مَقْصُورٍ سِتَّةً، وَمَقْصُورًا سَبْعَةً، فَلِلْمُفْلِسِ سُبُعُ الثَّمَنِ فَقَطْ. فَلَوْ زَادَتْ قِيمَةُ الْقِصَارَةِ دُونَ الثَّوْبِ، بِأَنْ كَانَ مِثْلَ هَذَا الثَّوْبِ يُسَاوِي مَقْصُورًا سَبْعَةً، وَغَيْرَ مَقْصُورٍ خَمْسَةً، فَلِلْمُفْلِسِ سُبُعَانِ مِنَ الثَّمَنِ. وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ. وَيَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يُمْسِكَ الْمَبِيعَ، وَيَمْنَعَ مِنْ بَيْعِهِ، وَيَبْذُلَ لِلْمُفْلِسِ حِصَّةَ الزِّيَادَةِ، كَذَا نُقِلَ فِي «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرِهِ، كَمَا تُبْذَلُ قِيمَةُ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ. وَمَنَعَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تُقَابَلُ بِعِوَضٍ.

قُلْتُ: الْأَصَحُّ: نَقَلَ صَاحِبَا «التَّهْذِيبِ» ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» وَ «الْبَيَانِ» . وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : وَلَا يُسَلَّمُ هَذَا الثَّوْبُ إِلَى الْبَائِعِ، وَلَا الْمُفْلِسِ، وَلَا الْغُرَمَاءِ، بَلْ يُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ حَتَّى يُبَاعَ كَالْجَارِيَةِ الْحَامِلِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَرْعٌ

إِذَا اسْتَأْجَرَ الْمُفْلِسُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى الْقِصَارَةِ، أَوِ الطَّحْنِ، فَعَمِلَ الْأَجِيرُ عَمَلَهُ، فَهَلْ لَهُ حَبْسُ الثَّوْبِ الْمَقْصُورِ وَالدَّقِيقِ لِاسْتِيفَاءِ الْأُجْرَةِ؟ إِنْ قُلْنَا: الْقِصَارَةُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا أَثَرٌ، فَلَا. وَإِنْ قُلْنَا: عَيْنٌ، فَنَعَمْ. كَمَا لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ، لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ.

قُلْتُ: هَكَذَا أَطْلَقَ الْمَسْأَلَةَ كَثِيرُونَ، أَوِ الْأَكْثَرُونَ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي «الْأُمِّ» وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَجِيرِ حَبْسُهُ، وَلَا لِصَاحِبِ الثَّوْبِ أَخْذُهُ، بَلْ يُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ حَتَّى يُوَفِّيَهُ الْأُجْرَةَ، أَوْ يُبَاعُ لَهُمَا. وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا سَبَقَ. فَإِنْ جَعَلَهُ عِنْدَ الْعَدْلِ، حُبِسَ. لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّ الْأَجِيرَ يَحْبِسُهُ فِي يَدِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

ص: 171

الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا هُوَ عَيْنٌ مِنْ وَجْهٍ، وَصِفَةٌ مِنْ وَجْهٍ، كَصَبْغِ الثَّوْبِ، وَلَتِّ السَّوِيقِ وَشِبْهِهِمَا. فَإِذَا اشْتَرَى ثَوْبًا وَصَبَغَهُ، فَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ، أَوْ لَمْ تَزِدْ، فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي الضَّرْبِ الثَّانِي. وَإِنْ زَادَتْ، فَقَدْ تَزِيدُ بِقَدْرِ قِيمَةِ الصِّبْغِ أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ.

الْحَالُ الْأَوَّلُ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ يُسَاوِي أَرْبَعَةً، وَالصِّبْغُ دِرْهَمَيْنِ، وَصَارَتْ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا سِتَّةً، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ فِي الثَّوْبِ، وَيَكُونُ الْمُفْلِسُ شَرِيكًا لَهُ فِي الصَّبْغِ، فَيُبَاعُ وَيَكُونُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا. وَهَلْ يَقُولُ: كُلُّ الثَّوْبِ لِلْبَائِعِ، وَكُلُّ الصَّبْغِ لِلْمُفْلِسِ، كَمَا لَوْ غَرَسَ؟ أَوْ يَقُولُ: يَشْتَرِكَانِ فِيهِمَا جَمِيعًا بِالْأَثْلَاثِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ كَخَلْطِ الزَّيْتِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

الْحَالُ الثَّانِي: مِثْلَ أَنْ تَصِيرَ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا خَمْسَةً، فَالنَّقْصُ مُحَالٌ عَلَى الصِّبْغِ؛ لِأَنَّهُ هَالِكٌ فِي الثَّوْبِ، وَالثَّوْبُ بِحَالِهِ، فَيُبَاعُ، وَلِلْبَائِعِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الثَّوْبِ، وَلِلْمُفْلِسِ خُمُسٌ.

الْحَالُ الثَّالِثُ: مِثْلَ أَنْ تَصِيرَ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا ثَمَانِيَةً، فَالزِّيَادَةُ حَصَلَتْ بِصَنْعَةِ الصَّبْغِ. فَإِنْ قُلْنَا: الصَّنْعَةُ عَيْنٌ، فَالزِّيَادَةُ مَعَ الصَّبْغِ لِلْمُفْلِسِ، فَيُجْعَلُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَإِنْ قُلْنَا: أَثَرٌ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَفُوزُ الْبَائِعُ بِالزِّيَادَةِ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ، وَلِلْمُفْلِسِ رُبُعٌ. وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَكُونُ لِلْبَائِعِ ثُلُثَا الثَّمَنِ، وَلِلْمُفْلِسِ ثُلُثُهُ؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ اتَّصَلَتْ بِهِمَا، فَوُزِّعَتْ عَلَيْهِمَا. وَلَوْ صَارَتْ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا سِتَّةَ عَشَرَ مَثَلًا، أَوْ رَغِبَ فِيهِ رَجُلٌ فَاشْتَرَاهُ، فَفِي كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ، هَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ. ثُمَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُفْلِسُ مِنَ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ، دَفْعُهُ لِيَخْلُصَ لَهُ الثَّوْبُ مَصْبُوغًا. وَمَنَعَ ذَلِكَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» كَمَا سَبَقَ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا صَبَغَهُ بِصِبْغِ نَفْسِهِ. أَمَّا إِذَا اشْتَرَى ثَوْبًا وَصِبْغًا مِنْ رَجُلٍ، فَصَبَغَهُ بِهِ، ثُمَّ فُلِّسَ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِمَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ بَعْدَ الصَّبْغِ كَقِيمَةِ الثَّوْبِ قَبْلَ الصَّبْغِ أَوْ دُونَهَا، فَيَكُونُ فَاقِدٌ لِلصِّبْغِ. فَإِنْ زَادَتِ الْقِيمَةُ، بِأَنْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَرْبَعَةً، وَالصِّبْغِ دِرْهَمَيْنِ

ص: 172

فَصَارَتْ مَصْبُوغًا ثَمَانِيَةً، وَقُلْنَا: الصَّنْعَةُ أَثَرٌ، أَخَذَهُ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُفْلِسِ. وَإِنْ قُلْنَا: عَيْنٌ، فَالْمُفْلِسُ شَرِيكٌ بِالرُّبُعِ. وَلَوِ اشْتَرَى الثَّوْبَ مِنْ وَاحِدٍ بِأَرْبَعَةٍ وَهِيَ قِيمَتُهُ، وَالصِّبْغَ مِنْ آخَرَ بِدِرْهَمَيْنِ وَهُمَا قِيمَتُهُ، وَصَبَغَهُ، وَأَرَادَ الْبَائِعَانِ الرُّجُوعَ، فَإِنْ كَانَ مَصْبُوغًا لَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةٍ، فَصَاحِبُ الصِّبْغِ فَاقِدٌ مَالَهُ، وَصَاحِبُ الثَّوْبِ وَاجِدٌ مَالَهُ، بِكَمَالِهِ إِنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَرْبَعَةٍ، وَنَاقِصًا إِنْ نَقَصَ. فَإِنْ زَادَ عَلَى أَرْبَعَةٍ، فَصَاحِبُ الصِّبْغِ أَيْضًا وَاجِدٌ مَالَهُ، بِكَمَالِهِ إِنْ بَلَغَتِ الزِّيَادَةُ دِرْهَمَيْنِ، وَنَاقِصًا إِنْ لَمْ تَبْلُغْهُمَا. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا ثَمَانِيَةً، فَإِنْ قُلْنَا: الصَّنْعَةُ أَثَرٌ، فَالشَّرِكَةُ بَيْنَ الْبَائِعَيْنِ، كَهِيَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُفْلِسِ إِذَا صَبَغَهُ بِصِبْغِ نَفْسِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: عَيْنٌ، فَنِصْفُ الثَّمَنِ لِبَائِعِ الثَّوْبِ، وَرُبُعُهُ لِبَائِعِ الصَّبْغِ، وَالرُّبُعُ لِلْمُفْلِسِ. وَلَوِ اشْتَرَى صِبْغًا وَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا لَهُ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ إِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا عَلَى مَا كَانَتْ قَبْلَ الصَّبْغِ، وَإِلَّا، فَهُوَ فَاقِدٌ. وَإِذَا رَجَعَ، فَالْقَوْلُ فِي الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا كَمَا سَبَقَ.

قُلْتُ: وَإِذَا شَارَكَ وَنَقَصَتْ حِصَّتُهُ عَنْ ثَمَنِ الصِّبْغِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا حَكَاهُ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : أَنَّهُ إِنْ شَاءَ قَنِعَ بِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَارَبَ بِالْجَمِيعِ. وَالثَّانِي: لَهُ أَخْذُهُ وَالْمُضَارَبَةُ بِالْبَاقِي. وَبِهَذَا قَطَعَ فِي «الْمُهَذَّبِ» وَ «الشَّامِلِ» وَالْعُدَّةِ وَغَيْرِهَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَرْعٌ

حُكْمُ صَبْغِ الثَّوْبِ، كَالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ. فَلَوْ قَالَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ: نَقْلَعُهُ وَنَغْرَمُ نَقْصَ الثَّوْبِ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَهُمْ ذَلِكَ.

فَرْعٌ

مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقَطْعِ بِالشَّرِكَةِ بِالصَّبْغِ، إِذَا لَمْ يَحْصُلْ، هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، سَوَاءٌ

ص: 173

أَمْكَنَ تَمْيِيزُ الصَّبْغِ مِنَ الثَّوْبِ، أَوْ صَارَ مُسْتَهْلَكًا. وَفِي وَجْهٍ: إِذَا صَارَ مُسْتَهْلَكًا، صَارَ كَالْقِصَارَةِ فِي أَنَّهُ عَيْنٌ أَمْ أَثَرٌ.

فَرْعٌ

إِذَا اشْتَرَى ثَوْبًا، وَاسْتَأْجَرَ قَصَّارًا فَقَصَّرَهُ، وَلَمْ يُوفِهِ أُجْرَتَهُ حَتَّى فُلِّسَ، فَإِنْ قُلْنَا: الْقِصَارَةُ أَثَرٌ، فَلَيْسَ لِلْأَجِيرِ إِلَّا الْمُضَارَبَةُ بِالْأُجْرَةِ، وَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي الثَّوْبِ مَقْصُورًا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا زَادَ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْقَصَّارِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ. وَغَلَّطَهُ الْأَصْحَابُ فِيهِ. وَإِنْ قُلْنَا: عَيْنٌ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ مَقْصُورًا عَلَى مَا قَبْلَ الْقِصَارَةِ، فَالْأَجِيرُ فَاقِدٌ عَيْنَ مَالِهِ. وَإِنْ زَادَتْ، فَلِكُلٍّ مِنَ الْبَائِعِ وَالْأَجِيرِ، الرُّجُوعُ إِلَى عَيْنِ مَالِهِ. فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عَشَرَةً، وَالْأُجْرَةُ دِرْهَمٌ، وَالثَّوْبُ الْمَقْصُورُ يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ، بِيعَ. وَلِلْبَائِعِ عَشَرَةٌ، وَلِلْأَجِيرِ دِرْهَمٌ، وَالْبَاقِي لِلْمُفْلِسِ. وَلَوْ كَانَتِ الْأُجْرَةُ تُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَالثَّوْبُ بَعْدَ الْقِصَارَةِ يُسَاوِي أَحَدَ عَشَرَ، فَإِنْ فَسَخَ الْأَجِيرُ الْإِجَارَةَ، فَعُشْرُهُ لِلْبَائِعِ، وَدِرْهَمٌ لِلْأَجِيرِ، وَيُضَارِبُ بِأَرْبَعَةٍ. وَإِنْ لَمْ يُفْسَخْ، فَعَشَرَةٌ لِلْبَائِعِ، وَدِرْهَمٌ لِلْمُفْلِسِ، وَيُضَارِبُ الْأَجِيرُ بِالْخَمْسَةِ. وَحَكَى فِي «الْوَسِيطِ» وَجْهًا: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَجِيرِ إِلَّا الْقِصَارَةُ النَّاقِصَةُ، أَوِ الْمُضَارَبَةُ، كَمَا هُوَ قِيَاسُ الْأَعْيَانِ. وَلَمْ أَرَ هَذَا النَّقْلَ لِغَيْرِهِ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا سَبَقَ. وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عَشَرَةٌ، وَاسْتَأْجَرَ صَبَّاغًا صَبَغَهُ بِصِبْغٍ قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ، فَصَارَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَالْأَرْبَعَةُ الزَّائِدَةُ حَصَلَتْ بِالصَّنْعَةِ، فَيَجْرِي فِيهَا الْقَوْلَانِ فِي أَنَّهَا عَيْنٌ أَوْ أَثَرٌ. فَإِنْ رَجَعَ الْبَائِعُ وَالصَّبَّاغُ، بِيعَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، وَقُسِّمَ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ إِنْ قُلْنَا: أَثَرٌ. وَإِنْ قُلْنَا: عَيْنٌ، فَلَهُمَا أَحَدَ عَشَرَ، وَالْأَرْبَعَةُ لِلْمُفْلِسِ. وَلَوْ كَانَتْ بِحَالِهَا، وَبِيعَ بِثَلَاثِينَ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لِلْبَائِعِ عِشْرُونَ، وَلِلصَّبَّاغِ دِرْهَمَانِ وَلِلْمُفْلِسِ ثَمَانِيَةٌ.

ص: 174