المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قُلْتُ: قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَوْ عَتَقَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَتْلَفَ - روضة الطالبين وعمدة المفتين - جـ ٤

[النووي]

فهرس الكتاب

- ‌كِتَابُ السَّلَمِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌بَابُ الْقَرْضِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الرَّهْنِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ التَّفْلِيسِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْحَجْرِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الصُّلْحِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْحَوَالَةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الضَّمَانِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الشَّرِكَةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْوَكَالَةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْإِقْرَارِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْعَارِيَّةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

الفصل: قُلْتُ: قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَوْ عَتَقَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَتْلَفَ

قُلْتُ: قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَوْ عَتَقَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا لِرَجُلٍ قَبْلَ الْعِتْقِ لَمْ يَلْزَمِ السَّيِّدَ، وَيُطَالَبُ بِهِ الْعَبْدُ. وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ جَنَى، لَزِمَ السَّيِّدَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ وَقِيمَتِهِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: كُلُّ مَا قُبِلَ إِقْرَارُ الْعَبْدِ فِيهِ كَالْعُقُوبَاتِ، فَالدَّعْوَى فِيهِ تَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ. وَمَا لَا يَقْبَلُ الْمَالَ الْمُتَعَلِّقَ بِرَقَبَتِهِ، إِذَا صَدَّقَهُ السَّيِّدُ، فَالدَّعْوَى عَلَى السَّيِّدِ. فَإِنِ ادَّعَى فِي هَذَا عَلَى الْعَبْدِ، إِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ، وَإِلَّا فَإِنْ قُلْنَا: الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ كَالْبَيِّنَةِ، سُمِعَتْ رَجَاءَ نُكُولِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: كَالْإِقْرَارِ فَلَا. وَلَوِ ادَّعَى عَلَى الْعَبْدِ دَيْنَ مُعَامَلَةٍ مُتَعَلِّقٍ بِالذِّمَّةِ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ، فَفِي سَمَاعِهَا وَجْهَانِ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

‌فَصْلٌ

وَمِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمُ، الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.

إِحْدَاهَا: يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِالنِّكَاحِ بِمُوجِبَاتِ الْعُقُوبَاتِ، وَبِالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَفِي إِقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ بِالْمَالِ، طَرِيقَانِ:

أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ قَطْعًا. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: عَلَى قَوْلَيْنِ. أَظْهَرُهُمَا: الْقَبُولُ. وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ مَذْهَبَ مَالِكٍ رضي الله عنه، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ، وَإِلَّا فَيُقْبَلُ، وَيَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْبَلُ، فَهَلِ الِاعْتِبَارُ فِي كَوْنِهِ وَارِثًا بِحَالِ الْمَوْتِ، أَمْ بِحَالِ الْإِقْرَارِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

وَقِيلَ: قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ: بِحَالِ الْمَوْتِ، كَالْوَصِيَّةِ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ وَهَبَ وَارِثَهُ، وَأَقْبَضَهُ فِي الصِّحَّةِ، أَشَارَ الْإِمَامُ إِلَى طَرِيقَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ إِنْشَائِهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ، وَرَجَّحَ الْغَزَالِيُّ: الْمَنْعَ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الْقَبُولَ.

ص: 353

قُلْتُ: الْقَبُولُ أَرْجَحُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَوْ أَقَرَّ لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٍّ مَعًا، وَقُلْنَا: لَا يُقْبَلُ لِلْوَارِثِ، قُبِلَ فِي نِصْفِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَظْهَرِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ، وَفِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِآخَرَ، فَهُمَا سَوَاءٌ، كَمَا لَوْ ثَبَتَا بِالْبَيِّنَةِ، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِمَا فِي الصِّحَّةِ أَوِ الْمَرَضِ.

قُلْتُ: وَحَكَى فِي «الْبَيَانِ» قَوْلًا شَاذًّا: أَنَّ دَيْنَ الصِّحَّةِ يُقَدَّمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ بِدَيْنٍ، ثُمَّ مَاتَ فَأَقَرَّ وَرَثَتُهُ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ لِآخَرَ، فَوَجْهَانِ.

أَصَحُّهُمَا: يَتَسَاوَيَانِ فَيَتَضَارَبَانِ فِي التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَصَارَ كَمَنْ أَقَرَّ بِدَيْنَيْنِ.

وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُورَثُ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ تَعَلَّقَ بِالتَّرِكَةِ وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ ثَبَتَ الْأَوَّلُ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَقَرَّ وَارِثُهُ، وَفِيمَا لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ أَقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ آخَرَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ الْأَوَّلُ مُسْتَغْرِقًا لِلتَّرِكَةِ، أَمْ لَا. وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي حَيَاتِهِ أَوْ مَوْتِهِ، ثُمَّ تَرَدَّتْ بَهِيمَةٌ فِي بِئْرٍ كَانَ حَفَرَهَا بِمَحَلِّ عُدْوَانٍ، فَفِي مُزَاحَمَةِ صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ رَبَّ الدَّيْنِ الْقَدِيمِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَا إِذَا جَنَى الْمُفْلِسُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» .

الثَّالِثَةُ: مَاتَ وَخَلَّفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَصَدَّقَهُ الْوَارِثُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ دَيْنًا، فَصَدَّقَهُ الْوَارِثُ، قِيلَ: يَصْرِفُ الثُّلُثَ إِلَى الْوَصِيَّةِ، لِتَقَدُّمِهَا. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الدَّيْنُ عَلَى الْوَصِيَّةِ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِيهِمَا. وَلَوْ صَدَّقَ مُدَّعِيَ دَيْنٍ أَوَّلًا، قُدِّمَ قَطْعًا. وَلَوْ صَدَّقَ الْمُدَّعِيَيْنِ مَعًا، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُقَسَّمُ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا، لِأَنَّا نَحْتَاجُ إِلَى الْأَلْفِ لِلدَّيْنِ، وَإِلَى ثُلُثِ الْمَالِ لِلْوَصِيَّةِ، فَيَخُصُّ الْوَصِيَّةَ ثُلُثُ عَائِلٍ، وَهُوَ الرُّبُعُ. وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: تَسْقُطُ الْوَصِيَّةُ، وَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ

ص: 354

كَمَا لَوْ ثَبَتَا بِالْبَيِّنَةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، سَوَاءٌ قَدَّمْنَا عِنْدَ تَرَتُّبِ الْإِقْرَارَيْنِ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا، أَوْ سَوَّيْنَا.

الرَّابِعَةُ: أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِعَيْنِ مَالٍ لِإِنْسَانٍ، ثُمَّ أَقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ أَوْ غَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ، سُلِّمَتِ الْعَيْنُ لِلْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ مَاتَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مَالٌ. وَلَوْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَقَرَّ بِالْعَيْنِ، فَوَجْهَانِ.

أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالْعَيْنِ أَوَّلًا؛ لَأَنَّ الْإِقْرَارَ فِي الدَّيْنِ، لَا يَتَضَمَّنُ حَجْرًا فِي الْعَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهَا.

وَالثَّانِي: يَتَزَاحَمَانِ، لِتَعَارُضِ الْقُوَّةِ فِيهِمَا.

قُلْتُ: لَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي صِحَّتِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ تَرِكَتَهُ، نَفَذَ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ تَبَرُّعًا، بَلْ إِخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ. وَلَوْ مَلِكَ أَخَاهُ، فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ، وَهُوَ أَقْرَبُ عُصْبَتِهِ، نَفَذَ عِتْقُهُ. وَهَلْ يَرِثُ؟ يُبْنَى عَلَى الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ. إِنْ صَحَّحْنَاهُ وَرِثَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يَقْتَضِي إِبْطَالَ حُرِّيَّتِهِ، فَيَذْهَبُ الْإِرْثُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ

يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ الِاخْتِيَارُ، فَإِقْرَارُ الْمُكْرَهِ بَاطِلٌ كَسَائِرِ تَصَرُّفِهِ.

قُلْتُ: وَلَوْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ، فَأَقَرَّ فِي حَالِ الضَّرْبِ، لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ فِي الْقَضِيَّةِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: إِنْ أَقَرَّ فِي حَالِ الضَّرْبِ، تُرِكَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إِقْرَارُهُ، فَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَ الضَّرْبِ، عُمِلَ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَعِدْهُ وَعُمِلَ

ص: 355

بِالْإِقْرَارِ حَالَ الضَّرْبِ، جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ. وَقَبُولُ إِقْرَارِهِ حَالَ الضَّرْبِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْمُكْرَهِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُكْرَهًا، فَإِنَّ الْمُكْرَهَ هُوَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُنَا إِنَّمَا ضُرِبَ لِيَصْدُقَ، وَلَا يَنْحَصِرُ الصِّدْقُ فِي الْإِقْرَارِ. وَقَبُولُ إِقْرَارِهِ بَعْدَ الضَّرْبِ فِيهِ نَظَرٌ إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِعَادَةُ الضَّرْبِ إِنْ لَمْ يُقِرَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُقَرُّ لَهُ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ. أَحَدُهَا: أَهْلِيَّةُ اسْتِحْقَاقِ الْحَقِّ الْمُقَرِّ بِهِ. فَلَوْ قَالَ: لِهَذَا الْحِمَارِ أَوْ لِدَابَّةِ فُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ، فَهُوَ لَغْوٌ، وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ بِسَبَبِهَا، صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَزِمَهُ حِمْلًا عَلَى أَنَّهُ جَنَى عَلَيْهَا أَوِ اكْتَرَاهَا. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ لُزُومُ الْمَالِ بِالْمُعَامَلَةِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ: لِعَبْدِ فُلَانٍ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي أَلْفٌ، صَحَّ وَكَانَ إِقْرَارًا لِسَيِّدِهِ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ كَالْإِضَافَةِ فِي الْهِبَةِ وَسَائِرِ الْإِنْشَاءَاتِ.

فَرْعٌ

قَالَ: لِحَمْلِ فُلَانَةٍ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي أَلْفٌ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ. أَحُدُهَا: أَنْ يُسْنَدَ إِلَى جِهَةٍ صَحِيحَةٍ، كَقَوْلِهِ: وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ، أَوْ وَصَّى بِهِ لَهُ فُلَانٌ، فَيُعْتَبَرُ إِقْرَارُهُ. ثُمَّ إِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا، فَلَا حَقَّ لَهُ، وَيَكُونُ لِوَرَثَةِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ وَرِثَهُ مِنْهُ، أَوْ لِلْمُوصِي، أَوْ وَرَثَتِهِ فِي صُورَةِ الْوَصِيَّةِ. وَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا، فَإِنْ كَانَ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْإِقْرَارِ ; اسْتَحَقَّهُ. وَإِنِ انْفَصَلَ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ فَلَا، لِتَيَقُّنِ عَدَمِهِ، وَإِنِ انْفَصَلَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ، وَلِدُونِ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَفْرَشَةً، لَمْ يَسْتَحِقَّ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ.

قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا: الِاسْتِحْقَاقُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: 356

وَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ، فَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا، فَهُوَ لَهُ. أَوْ ذَكَرَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَلَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى، فَهُوَ لَهَا إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى وَصِيَّةٍ. وَإِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى إِرْثٍ مِنْ أَبِيهَا، فَلَهَا نِصْفُهُ. وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى وَصِيَّةٍ، وَأَثْلَاثًا إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى الْإِرْثِ. هَذَا إِذَا اقْتَضَتْ جِهَةُ الْوِرَاثَةِ مَا ذَكَرْنَا، فَإِنِ اقْتَضَتِ التَّسْوِيَةَ، كَوَلَدَيْ أُمٍّ، سُوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي الثُّلُثِ.

قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ أَطْلَقَ الْإِرْثَ، سَأَلْنَاهُ عَنِ الْجِهَةِ وَحَكَمْنَا بِمُقْتَضَاهَا.

قُلْتُ: وَهَذَا الْمَحْكِيُّ عَنِ الْإِمَامِ قَالَهُ أَيْضًا ابْنُ الصَّبَّاغِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ. وَإِنْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَةُ الْمُقِرِّ، فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُطْلَقَ الْإِقْرَارُ، فَيَصِحُّ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْجِهَةِ الْمُمْكِنَةِ فِي حَقِّهِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يُسْنَدَ إِلَى جِهَةٍ بَاطِلَةٍ، كَقَوْلِهِ: أَقْرَضَنِيهِ أَوْ بَاعَنِي بِهِ شَيْئًا، فَإِنْ أَبْطَلْنَا الْمُطْلَقَ، فَذَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَطَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ.

وَالثَّانِي: عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَعْقِيبِ الْإِقْرَارِ بِمَا يَرْفَعُهُ.

قُلْتُ: الْأَصَحُّ فِي هَذَا الْحَالِ: الْبُطْلَانُ، وَبِهِ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَإِذَا صَحَّحْنَا الْإِقْرَارَ فِي الْحَالَيْنِ الْآخَرَيْنِ، فَانْفَصَلَ مَيِّتًا، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَيُسْأَلُ الْمُقِرُّ عَنْ جِهَةِ إِقْرَارِهِ مِنَ الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا.

قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ لِهَذَا السُّؤَالِ وَالْبَحْثِ طَالِبٌ مُعَيَّنٌ، وَكَانَ الْقَاضِي يَسْأَلُ حِسْبَةً لِيَصِلَ الْحَقُّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ. فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَكَمَنْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ فَرَدَّهُ. وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أَنَّهُ يُطَالِبُ وَرَثَتَهُ كَنَفْسِهِ. وَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا لِلْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، فَالْكُلُّ لَهُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ

ص: 357

أُنْثَى. وَإِنِ انْفَصَلَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، فَهُوَ لَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ. وَمَتَى انْفَصَلَ حَيٌّ وَمَيِّتٌ، فَالْمَيِّتُ كَالْمَعْدُومِ، وَيُنْظَرُ فِي الْحَيِّ كَمَا ذَكَرْنَا.

فَرْعٌ

أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِحَمْلِ جَارِيَةٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ، فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِقْرَارِ لِلْحَمْلِ. فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِهِ صَحَّ، وَيُنْظَرُ، كَمْ بَيْنَ انْفِصَالِهِ وَبَيْنَ يَوْمِ الْإِقْرَارِ مِنَ الْمُدَّةِ، عَلَى مَا سَبَقَ. وَفِي حَمْلِ الْبَهِيمَةِ، يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ. وَإِنْ أُطْلِقَ أَوْ أُسْنِدَ إِلَى جِهَةٍ بَاطِلَةٍ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ. وَلَوْ أَقَرَّ بِالْحَمْلِ لِرَجُلٍ، وَبِالْأُمِّ لِآخَرَ، فَإِنْ جَوَّزْنَا الْإِقْرَارَ بِالْحَمْلِ، صَحَّ الْإِقْرَارَانِ، وَإِلَّا فَقَالَ الْبَغَوِيُّ: هُمَا جَمِيعًا لِلْآخَرِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحَامِلِ إِقْرَارٌ بِالْحَمْلِ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَرْعٌ

أَقَرَّ لِمَسْجِدٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا بِمَالٍ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى جِهَةٍ صَحِيحَةٍ، كَغَلَّةِ وَقْفٍ عَلَيْهِ صَحَّ. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَوَجْهَانِ، تَخْرِيجًا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَمْلِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ مَا إِذَا أُسْنِدَ إِلَى جِهَةٍ بَاطِلَةٍ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: عَدَمُ تَكْذِيبِهِ، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ عَدَمُ تَكْذِيبِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَشْتَرِطُ قَبُولَهُ لَفْظًا. فَإِنْ كَذَّبَهُ نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ مَالًا، فَفِيمَا يُفْعَلُ بِهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: يُتْرَكَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ.

وَالثَّانِي: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ وَيَتَوَلَّى حِفْظَهُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ مَالِكُهُ. فَإِنْ رَأَى اسْتِحْفَاظَ صَاحِبِ الْيَدِ، فَهُوَ كَمَا لَوِ اسْتَحْفَظَ

ص: 358

عَدْلًا آخَرَ.

وَالثَّالِثُ: يُجْبَرُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ، وَهُوَ بَعِيدٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَوْضِعُ الْخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ الْمُقِرُّ: هَذَا الْمَالُ لِفُلَانٍ فَكَذَّبَهُ. فَأَمَّا إِذَا قَالَ لِلْقَاضِي: إِنَّ فِي يَدِي مَالًا لَا أَعْرِفُ مَالِكَهُ، فَالْوَجْهُ: الْقَطْعُ بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَتَوَلَّى حِفْظَهُ. وَأَبْعَدَ بَعْضُهُمْ، فَلَمْ يَجُوِّزِ انْتِزَاعَهُ هُنَا أَيْضًا. وَلَوْ رَجَعَ الْمُقَرُّ لَهُ عَنِ الْإِنْكَارِ، وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ، فَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ الْقَطْعَ بِقَبُولِهِ وَتَسْلِيمِ الْمَالِ إِلَيْهِ.

وَالْأَصَحُّ، مَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْخِلَافِ. فَإِنْ قُلْنَا: يُتْرَكُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ، فَقَدْ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ، فَلَا يُصْرَفُ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِإِقْرَارٍ جَدِيدٍ.

وَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ وَيَحْفَظُهُ، لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ أَيْضًا. بَلْ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ مَلَكَهُ، لَمْ تُسْمَعْ، وَإِنَّمَا يُسَلَّمُ إِلَيْهِ إِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ الْبَعِيدِ، فَحَصَلَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ تَسْلِيمِهِ إِلَيْهِ. وَلَوْ رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي حَالِ إِنْكَارِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَقَالَ: غَلِطْتُ، أَوْ تَعَمَّدْتُ الْكَذِبَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ لَمْ يُقْبَلْ. وَإِنْ قُلْنَا: يُتْرَكُ فِي يَدِهِ فَوَجْهَانِ.

أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: يُقْبَلُ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ: لَا يُقْبَلُ. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِقْرَارِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ. فَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِعَبْدِهِ، فَأَنْكَرَهُ، فَوَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: يَحْكُمُ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَدَّعِيَانِهِ، كَاللَّقِيطِ إِذَا قَالَ بَعْدَ بُلُوغِهِ: أَنَا عَبْدٌ لِزَيْدٍ، فَأَنْكَرَ زَيْدٌ، يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِرِقِّهِ، فَلَا يُرْفَعُ إِلَّا بِيَقِينٍ، بِخِلَافِ اللَّقِيطِ، فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ بِالدَّارِ، فَعَلَى هَذَا، حُكْمُهُ كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا مَضَى. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ قِصَاصًا، أَوْ حَدَّ قَذْفٍ، فَكَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَيَسْقُطُ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ تُوجِبُ الْقَطْعَ، وَأَنْكَرَ رَبُّ الْمَالِ السَّرِقَةَ فَلَا قَطْعَ. وَفِي الْمَالِ مَا سَبَقَ. وَلَوْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ، وَأَنْكَرَ، سَقَطَ حُكْمُ الْإِقْرَارِ فِي حَقِّهِ.

فَرْعٌ

فِي يَدِهِ عَبْدَانِ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِزَيْدٍ، ثُمَّ عُيِّنَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ زَيْدٌ: إِنَّمَا عَبْدِي الْآخَرُ، فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلْمُقِرِّ فِي الْمَعَيَّنِ، وَمُدَّعٍ فِي الْآخَرِ.

ص: 359

فَرْعٌ

ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، فَقَالَ: قَدْ أَقْبَضْتُكَ الْأَلْفَ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْقَبْضِ يَوْمَ كَذَا، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى إِقْرَارِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ بَيِّنَتِهِ بِأَنَّهُ مَا أَقْبَضَهُ الثَّمَنَ سُمِعَتْ، وَأُلْزِمَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى إِقْرَارِ الْبَائِعِ بِالْقَبْضِ، فَقَدْ قَامَتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ صَاحِبَهُ كَذَّبَهُ، فَيَبْطُلُ حُكْمُ الْإِقْرَارِ، وَبَقِيَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُعَيِّنًا نَوْعَ تَعْيِينٍ، بِحَيْثُ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الدَّعْوَى وَالطَّلَبُ. فَلَوْ قَالَ: لِإِنْسَانٍ أَوْ وَاحِدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ عَلَيَّ أَلْفٌ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ أَقَرَّ بِمُعَيَّنٍ فَكَذَّبَهُ، هَلْ يَنْتَزِعُ مِنْ يَدِهِ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ، فَكَذَا هُنَا، فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا، لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَلَوْ جَاءَ وَاحِدٌ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَرَدْتَنِي وَلِي عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ بِيَمِينِهِ فِي نَفْيِ الْإِرَادَةِ وَنَفْيِ الْأَلْفِ.

الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُقَرُّ بِهِ. وَيَجُوزُ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ، فَإِنْ كَانَ مَا يُقِرُّ بِهِ عَيْنًا، فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْمُقِرِّ حِينَ يُقِرُّ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ إِزَالَةَ مِلْكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِلْمُقَرِّ لَهُ. فَلَوْ قَالَ: دَارِي هَذِهِ، أَوْ ثَوْبِي الَّذِي أَمْلِكُهُ لِزَيْدٍ، فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَعْدِ بِالْهِبَةِ، وَلَوْ قَالَ: مَسْكَنِي هَذَا لِزَيْدٍ، كَانَ إِقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْكُنُ مِلْكَ غَيْرِهِ. وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الدَّارَ الْفُلَانِيَّةَ أَقَرَّ زَيْدٌ بِأَنَّهَا مِلْكُ عَمْرٍو، وَكَانَتْ مِلْكَ زَيْدٍ إِلَى أَنْ أَقَرَّ، كَانَتِ الشَّهَادَةُ بَاطِلَةً، نَصَّ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ: هِيَ لِزَيْدٍ وَكَانَتْ مِلْكِي إِلَى وَقْتِ الْإِقْرَارِ، فَإِقْرَارُهُ نَافِذٌ.

وَالَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مُنَاقِضٌ لِأَوَّلِهِ، فَيَلْغُو كَمَا لَوْ قَالَ: هِيَ لَهُ، وَلَيْسَتْ لَهُ، وَهَذَا فِي الْأَعْيَانِ، وَكَذَا فِي الدُّيُونِ إِذَا كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي الظَّاهِرِ دَيْنٌ، مِنْ قَرْضٍ، أَوْ أُجْرَةٍ، أَوْ

ص: 360

ثَمَنٍ، فَقَالَ: دَيْنِي الَّذِي عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو، فَهُوَ بَاطِلٌ. وَلَوْ قَالَ: الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى زَيْدٍ هُوَ لِعَمْرٍو، وَاسْمِي فِي الْكِتَابِ عَارِيَّةٌ، فَهُوَ إِقْرَارٌ صَحِيحٌ، فَلَعَلَّهُ كَانَ وَكِيلًا عَنْهُ فِي الْإِقْرَاضِ وَالْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ. ثُمَّ عَمْرٌو يَدَّعِي الْمَالَ عَلَى زَيْدٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَيْنِ الْمُقِرِّ عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى إِقْرَارِهِ لَهُ بِمَا عَلَى زَيْدٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا عَلَى الْإِقْرَارِ، ثُمَّ عَلَى الدَّيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ.

فَرْعٌ

اسْتَثْنَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ ثَلَاثَةَ دُيُونٍ، وَمَنَعَ الْإِقْرَارَ بِهَا، أَحَدُهَا: الصَّدَاقُ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ، لَا تُقِرُّ بِهِ الْمَرْأَةُ.

وَالثَّانِي: بَدَلُ الْخُلْعِ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجَةِ، لَا يُقِرُّ بِهِ الزَّوْجُ.

وَالثَّالِثُ: أَرْشُ الْجِنَايَةِ، لَا يُقِرُّ بِهِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عَبْدٍ أَوْ مَالِ آخَرَ، جَازَ لَهُ أَنْ يُقِرَّ بِهِ لِلْغَيْرِ؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ لَهُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ. قَالَ الْأَئِمَّةُ: هَذِهِ الدُّيُونُ، وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهَا الثُّبُوتُ لِلْغَيْرِ ابْتِدَاءً وَتَقْدِيرًا لِلْوَكَالَةِ، فَيَجُوزُ انْتِقَالُهَا بِالْحَوَالَةِ، وَكَذَلِكَ بِالْبَيْعِ عَلَى قَوْلٍ، فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِهَا عِنْدَ احْتِمَالِ جَرَيَانِ نَاقِلٍ. وَحَمَلُوا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ عَلَى مَا إِذَا أَقَرَّ بِهَا عَقِيبَ ثُبُوتِهَا، بِحَيْثُ لَا يُحْتَمَلُ جَرَيَانُ نَاقِلٍ، لَكِنَّ سَائِرَ الدُّيُونِ أَيْضًا كَذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، بَلِ الْأَعْيَانُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ. حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ السَّيِّدُ أَوْ غَيْرُهُ عَقِيبَ الْإِعْتَاقِ بِدَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الْمِلْكِ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ إِلَّا فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا مَا يُوجِبُ الْمَالَ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي الدُّيُونِ الثَّلَاثَةِ: إِنْ أَسْنَدَ الْإِقْرَارَ بِهَا إِلَى جِهَةِ حَوَالَةٍ أَوْ بَيْعٍ، إِنْ جَوَّزْنَاهُ صَحَّ، وَإِلَّا فَعَلَى قَوْلَيْنِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِلْحَمْلِ وَأَطْلَقَ.

ص: 361