الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
هِيَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْغَرِيبِ: وَقَدْ تُخَفَّفُ، وَفِيهِ بَابَانِ.
الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ.
الْأَوَّلُ: الْمُعِيرُ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَنْ يَمْلِكَ لِلْمَنْفَعَةِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْجُورًا عَلَيهِ فِي التَّبَرُّعَاتِ، فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُعِيرَ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ أَوْ سَكَنِ دَارٍ وَنَحْوِهِمَا أَنْ يُعِيرَهُمَا، وَلَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ لِنَفْسِهِ بِوَكِيلِهِ.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ: لَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يُعِيرَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ لِمَنْ يَخْدِمُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هِبَةٌ لِمَنَافِعِهِ، فَأَشْبَهَ إِعَارَةَ مَالِهِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ، يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى خِدْمَةٍ تُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ، أَمَّا مَا كَانَ مُحَقَّرًا بِحَيْثُ لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ، فَالظَّاهِرُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ أَفْعَالُ السَّلَفِ: أَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالصَّبِيِّ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ «الْحَجْرِ» نَحْوُ هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُسْتَعِيرُ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُهُ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ عَلَيهِ بِعَقْدٍ يَشْتَمِلُ عَلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، فَلَا تَصِحُّ الْإِعَارَةُ لِلصَّبِيِّ، كَمَا لَا يُوهَبُ لَهُ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُسْتَعَارُ، وَلَهُ شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: كَوْنُهُ مُنْتَفِعًا بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، كَالْعَبْدِ، وَالثَّوْبِ، وَالدَّابَّةِ، وَالدَّارِ، فَلَا يَجُوزُ إِعَارَةُ الطَّعَامِ قَطْعًا، وَلَا الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي إِعَارَةِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا. ثُمَّ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ كَلَامِ
الْأَصْحَابِ، أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا أَطْلَقَ إِعَارَةَ الدَّرَاهِمِ، فَأَمَّا إِذَا صَرَّحَ بِالْإِعَارَةِ لِلتَّزْيِينِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعَ بِالصِّحَّةِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي؛ لِأَنَّهُ اتَّخَذَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ مَقْصُودًا وَإِنْ ضَعُفَتْ، وَإِذَا لَمْ نُصَحِّحْهَا، فَجَرَتْ، فَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ الصَّحِيحَةَ مَضْمُونَةٌ، وَلِلْفَاسِدِ حُكْمُ الصَّحِيحِ فِي الضَّمَانِ، وَقِيلَ: لَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا لَيْسَ بِعَارِيَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا فَاسِدَةٍ. وَمَنْ قَبَضَ مَالَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ لَا لِمَنْفَعَتِهِ، كَانَ أَمَانَةً.
الشَّرْطُ الثَّانِي: كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مُبَاحَةً، فَيَحْرُمُ اسْتِعَارَةُ الْجَارِيَةِ لِلِاسْتِمْتَاعِ. وَأَمَّا لِلْخِدْمَةِ، فَيَجُوزُ إِنْ أَعَارَهَا لِمُحْرِمٍ أَوِ امْرَأَةٍ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى، أَوْ قَبِيحَةً، فَوَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا أَعَارَهَا، صَحَّتِ الْإِعَارَةُ، وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً. وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ بِالْفَسَادِ، كَالْإِجَارَةِ لِلْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَيُشْعِرُ بِهِ إِطْلَاقُ الْجُمْهُورِ نَفْيَ الْجَوَازِ.
فَرْعٌ
يُكْرَهُ اسْتِعَارَةُ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ لِلْخِدْمَةِ لِأَنَّ اسْتِخْدَامَهُمَا مَكْرُوهٌ، وَلَفْظُ الْإِمَامِ بِنَفْيِ الْحِلِّ.
قُلْتُ: الَّذِي قَالَهُ الْأَصْحَابُ، أَنَّهُ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: وَيُكْرَهُ أَيْضًا اسْتِئْجَارُهُمَا. وَقَدْ يَجُوزُ إِعَارَةُ مَا لَا يَجُوزُ إِجَارَتُهُ، وَهُوَ الْفَحْلُ لِلضِّرَابِ، وَالْكَلْبُ لِلصَّيْدِ، فَإِنَّ إِعَارَتَهُمَا صَحِيحَةٌ، وَإِجَارَتَهُمَا بَاطِلَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتُكْرَهُ إِعَارَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.
قُلْتُ: صَرَّحَ الْجُرْجَانِيُّ وَآخَرُونَ، بِأَنَّهَا حَرَامٌ، وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَآخَرُونَ، بِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ، وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ الْجَوَازُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
يَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ إِعَارَةُ الصَّيْدِ مِنَ الْمُحْرِمِ، فَإِنْ فَعَلَ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، ضَمِنَ الْجَزَاءَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْقِيمَةُ لِلْحَلَالِ. وَلَوْ أَعَارَ الْمُحْرِمُ حَلَالًا، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِحْرَمُ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنِ الصَّيْدِ فَلَا قِيمَةَ لَهُ عَلَى الْحَلَالِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ، وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْحَلَالِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْإِعَارَةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِرْسَالُهُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَزُولُ، صَحَّتِ الْإِعَارَةُ، وَعَلَى الْحَلَالِ الْقِيمَةُ إِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ.
فَرْعٌ
دَفَعَ شَاةً إِلَى رَجُلٍ وَقَالَ: مَلَّكْتُكَ دَرَّهَا وَنَسْلَهَا، فَهِيَ هِبَةٌ فَاسِدَةٌ، وَمَا حَصَلَ فِي يَدِهِ مِنَ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ، كَالْمَقْبُوضِ بِالْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ، وَالشَّاةُ مَضْمُونَةٌ بِالْعَارِيَّةِ الْفَاسِدَةِ. وَلَوْ قَالَ: أَبَحْتُ لَكَ دَرَّهَا وَنَسْلَهَا، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: مَلَّكْتُكَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا إِبَاحَةٌ صَحِيحَةٌ، وَالشَّاةُ عَارِيَةٌ صَحِيحَةٌ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي.
قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَصَاحِبُ «الشَّامِلِ» ، وَحَكَمَ
هَذَانِ وَالْمُتَوَلِّي بِالصِّحَّةِ فِيمَا إِذَا أَعَارَهُ الشَّاةَ لِيَأْخُذَ لَبَنَهَا، أَوْ أَعَارَهُ شَجَرَةً لِيَأْخُذَ ثَمَرَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَعَلَى هَذَا، قَدْ تَكُونُ الْعَارِيَّةُ لِاسْتِفَادَةِ عَيْنٍ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ الْمَنْفَعَةِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ. وَلَوْ قَالَ: مَلَّكْتُكَ دَرَّهَا، أَوْ أَبَحْتُكَهُ عَلَى أَنْ تَعْلِفَهَا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: الْعَلَفُ أُجْرَةُ الشَّاةِ وَثَمَنُ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ، فَالشَّاةُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ لِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ بِإِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ، وَالدَّرُّ وَالنَّسْلُ مَضْمُونَانِ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ. وَكَذَا لَوْ دَفَعَ قُرَاضَةً إِلَى سَقَّاءٍ، وَأَخَذَ الْكُوزَ لِيَشْرَبَ، فَسَقَطَ الْكُوزُ مِنْ يَدِهِ وَانْكَسَرَ، ضَمِنَ الْمَاءَ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ، وَلَمْ يَضْمَنِ الْكُوزَ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ بِإِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ، وَإِنْ أَخَذَهُ مَجَّانًا، فَالْكُوزُ عَارِيَةٌ، وَالْمَاءُ كَالْمَقْبُوضِ بِالْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ.
فَرْعٌ
قَالَ الْمُتَوَلِّي: تَعْيِينُ الْمُسْتَعَارِ عِنْدَ الْإِعَارَةِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ. حَتَّى لَوْ قَالَ: أَعِرْنِي دَابَّةً، فَقَالَ: ادْخُلِ الْإِصْطَبْلَ فَخُذْ مَا أَرَدْتَ، صَحَّتِ الْعَارِيَّةُ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّهَا تُصَانُ عَنْ مِثْلِ هَذَا؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ لَا يُحْتَمَلُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ، وَاللَّفْظُ الْمُعْتَدُّ بِهِ فِي الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ فِي الِانْتِفَاعِ، كَقَوْلِهِ: أَعَرْتُكَ، أَوْ خُذْهُ لِتَنْتَفِعَ بِهِ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا. وَاخْتَلَفَوا فِي الَوْاجِبِ مِنَ اللَّفْظِ، فَالْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ مَا قَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ اللَّفْظُ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَالْفِعْلُ مِنَ الْآخَرِ. حَتَّى لَوْ قَالَ الْمُسْتَعِيرُ: أَعِرْنِي، فَسَلَّمَهَ الْمَالِكُ إِلَيهِ، صَحَّتِ الْإِعَارَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: خُذْهُ لِتَنْتَفِعَ بِهِ، فَأَخَذَهُ، قِيَاسًا عَلَى إِبَاحَةِ الطَّعَامِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يُعْتَبَرُ اللَّفْظُ مِنْ جِهَةِ الْمُعِيرِ، وَلَا يُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ
مِنْهُ الْقَبُولُ، إِمَّا بِالْفِعْلِ وَإِمَّا بِالْقَوْلِ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يُعْتَبَرُ اللَّفْظُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، حَتَّى لَوْ رَآهُ عَارِيًّا فَأَعْطَاهُ قَمِيصًا فَلَبِسَهُ، تَمَّتِ الْعَارِيَّةُ. وَكَذَا لَوْ فَرَشَ لِضَيْفِهِ فِرَاشًا أَوْ بِسَاطًا أَوْ مُصَلًّى، أَوْ أَلْقَى لَهُ وَسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا، كَانَ ذَلِكَ إِعَارَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَخَلَ فَجَلَسَ عَلَى الْفُرُشِ الْمَبْسُوطَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا انْتِفَاعَ شَخْصٍ بِعَيَّنَهِ، وَلَا بُدَّ فِي الْعَارِيَّةِ مِنْ تَعْيِينِ الْمُسْتَعِيرِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُتَوَلِّي فِيهِ تَمَامُ التَّشْبِيهِ بِإِبَاحَةِ الطَّعَامِ، وَيُوَافِقُهُ مَا حُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي عَاصِمٍ، أَنَّهُ إِذَا انْتَفَعَ بِظَرْفِ الْهَدِيَّةِ الْمَبْعُوثَةِ إِلَيهِ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ، كَأَكْلِ الطَّعَامِ مِنَ الْقَصْعَةِ الْمَبْعُوثِ فِيهَا، كَانَ عَارِيَّةً؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ.
قُلْتُ: هَذَا الْمَحْكِيُّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْهَدِيَّةُ لَا تُقَابَلُ. فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ عِوَضًا، فَالظَّرْفُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ كَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، كَذَا حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ أَبِي عَاصِمٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
قَالَ: أَعَرْتُكَ حِمَارِي لِتُعِيرَنِي فَرَسَكَ، فَهِيَ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أُجْرَةُ مِثْلِ دَابَّةِ صَاحِبِهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ، لَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ دَابَّةً لِيَعْلِفَهَا، أَوْ دَارَهُ لِيُطَيِّنَ سَطْحَهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا، وَلَكِنْ مُدَّةُ الْإِعَارَةِ مَجْهُولَةٌ، كَقَوْلِهِ: أَعَرْتُكَ دَارِي بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ لَتُعِيرُنِي ثَوْبَكَ شَهْرًا. وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: أَنَّهَا عَارِيَّةٌ فَاسِدَةٌ، نَظَرًا إِلَى اللَّفْظِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا ضَمَانَ، وَلَوْ بَيَّنَ مُدَّةَ الْإِعَارَةِ وَذَكَرَ عِوَضًا مَعْلَوْمًا، فَقَالَ: أَعَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا مِنَ الْيَوْمِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ لَتُعِيرُنِي ثَوْبَكَ شَهْرًا مِنَ الْيَوْمَ، فَهَلْ هِيَ إِجَارَةٌ صَحِيحَةٌ، أَوْ إِعَارَةٌ فَاسِدَةٌ؟ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاللَّفْظِ، أَوِ الْمَعْنَى؟
فَرْعٌ
دَفَعَ دَرَاهِمَ إِلَى رَجُلٍ وَقَالَ: اجْلِسْ فِي هَذَا الْحَانُوتِ وَاتَّجِرْ فِيهَا لِنَفْسِكَ، أَوْ دَفَعَ إِلَيهِ بَذَرًا وَقَالَ: ازْرَعْهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ، فَهُوَ مُعِيرٌ لِلْحَانُوتِ وَالْأَرْضِ، وَأَمَّا الدَّرَاهِمُ وَالْبَذْرُ، فَهَلْ يَكُونُ هِبَةً، أَمْ قَرْضًا؟ وَجْهَانِ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِهَا
وَهِيَ ثَلَاثَةٌ.
الْأَوَّلُ: الضَّمَانُ. فَإِذَا تَلِفَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ، ضَمِنَهَا، سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَمْ بِفِعْلِهِ، بِتَقْصِيرٍ أَمْ بِلَا تَقْصِيرٍ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي فِيهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَلَوْ أَعَارَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ أَمَانَةً، لَغَا الشَّرْطُ وَكَانَتْ مَضْمُونَةً، وَإِذَا ضَمِنَ، فَفِي الْقِيمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ.
وَالثَّانِي: يَوْمَ الْقَبْضِ.
وَالثَّالِثُ: أَقْصَى الْقِيَمِ مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ إِلَى يَوْمِ التَّلَفِ. وَيُبْنَى عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، أَنَّ الْعَارِيَّةَ إِذَا وَلَدَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ، هَلْ يَكُونُ الَوْلَدُ مَضْمُونًا فِي يَدِهِ؟ إِنْ قُلْنَا بِالثَّالِثِ، كَانَ مَضْمُونًا، وَإِلَّا فَلَا. وَلَيْسَ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ بِلَا خِلَافٍ.
قُلْتُ: وَلَوِ اسْتَعَارَ دَابَّةً وَسَاقَهَا، فَتَبِعَهَا وَلَدُهَا، وَلَمْ يَتَكَلَّمِ الْمَالِكُ فِيهِ بِإِذْنٍ وَلَا نَهْيٍ، فَالْوَلَدُ أَمَانَةٌ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي «الْفَتَاوَى» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمَقْبُوضُ عَلَى جِهَةِ السَّوْمِ، إِذَا تَلِفَ، فِي الْمُعْتَبَرِ مِنْ قِيمَتِهِ هَذِهِ الْأَوْجُهُ، لَكِنْ قَالَ الْإِمَامُ: الْأَصَحُّ فِيهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْأَصَحُّ يَوْمَ التَّلَفِ
هَذَا إِذَا تَلِفَتِ الْعَارِيَّةُ لَا بِالِاسْتِعْمَالِ، أَمَّا إِذَا تَلِفَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، بِأَنِ انْمَحَقَ الثَّوْبُ بِاللِّبْسِ، فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهُ عَلَى الْأَصَحِّ كَالْأَجْزَاءِ. وَقِيلَ: يَضْمَنُ، فَعَلَى هَذَا، وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ الْعَيْنَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ. وَأَصَحُّهُمَا: يَضْمَنُهُ فِي آخِرِ حَالَاتِ التَّقْوِيمِ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ. وَأَمَّا الْأَجْزَاءُ، فَمَا تَلِفَ مِنْهَا بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، كَانْمِحَاقِ الثَّوْبِ بِاللِّبْسِ، لَا يَجِبُ ضَمَانُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَا تَلِفَ مِنْهَا بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَضْمَنُ، كَالتَّالِفِ بِالِاسْتِعْمَالِ. وَأَصَحُّهُمَا: الضَّمَانُ، كَتَلَفَ الْعَيْنِ كُلِّهَا. وَأَمَّا إِذَا تَلِفَتِ الدَّابَّةُ بِسَبَبِ الرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ الْمُعْتَادِ، فَهُوَ كَانْمِحَاقِ الثَّوْبِ، وَتَعْيِيبِهَا بِهِ كَالِانْمِحَاقِ. وَعَنِ الْقَفَّالِ: لَوْ قَرَحَ ظَهْرُهَا بِالْحَمْلِ وَتَلِفَتْ مِنْهُ، يَضْمَنُ، سَوَاءٌ تَعَدَّى بِمَا حَمَلَ، أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ فِي الْحَمْلِ، لَا فِي الْجِرَاحَةِ، وَرَدَّهَا إِلَى الْمَالِكِ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ السَّرَايَةَ تَوَلَّدَتْ مِنْ مَضْمُونٍ، وَهَذَا فِي الْحَمْلِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِهِ، تَفْرِيعٌ عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي صُورَةِ الِانْمِحَاقِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ.
فَرْعٌ
مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا اسْتَعَارَ مِنَ الْمَالِكِ. فَلَوِ اسْتَعَارَ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ أَوِ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ، فَتَلِفَتِ الْعَيْنُ، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ كَمَا لَوِ اسْتَعَارَ مِنَ الْمَالِكِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يَضْمَنُ وَهَذَا نَائِبُهُ، وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ فِي هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ إِنْ رَدَّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَعَلَى الْمَالِكِ إِنْ رَدَّ عَلَيهِ كَمَا لَوْ رَدَّ عَلَيهِ الْمُسْتَأْجِرُ.
فَرْعٌ
إِذَا اسْتَعَارَ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ مِنَ الْغَاصِبِ، وَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ، غَرَّمَ الْمَالِكُ مَنْ شَاءَ
مِنْهُمَا قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّلَفِ، وَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَبْلَ يَوْمِ التَّلَفِ أَكْثَرَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي يَدِ الْمُعِيرِ الْغَاصِبِ، لَمْ يُطَالِبْ بِهَا غَيْرُهُ. وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْعَارِيَّةُ تُضْمَنُ بِأَقْصَى الْقِيَمِ، فَهِيَ كَقِيمَتِهِ يَوْمَ التَّلَفِ، وَإِلَّا فَالزِّيَادَةُ كَبَدَلِ الْمَنَافِعِ. وَحُكْمُ بَدَلِ الْمَنَافِعِ أَنَّ مَا تَلِفَ مِنْهَا تَحْتَ يَدِهِ، فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُعِيرِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَعِيرِ فِي الْمَنَافِعِ لَيْسَتْ يَدَ الضَّمَانِ.
وَالَّتِي اسْتَوْفَاهَا بِنَفْسِهِ فِيهَا قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، لِمُبَاشَرَتِهِ الْإِتْلَافَ، وَالْمُسْتَعِيرُ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ مِنَ الْغَاصِبِ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْتَعِيرِ مِنَ الْغَاصِبِ إِنْ ضَمِنَا الْمُسْتَعِيرَ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ، وَإِلَّا فَيَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ الَّتِي غَرِمَهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَيَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْغَاصِبِ.
فَرْعٌ
إِذَا أَرْكَبَ وَكِيلَهُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ فِي شُغْلِهِ دَابَّةَ الْمُوَكِّلِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى مَوْضِعٍ، فَتَلِفَتِ الدَّابَّةُ فِي يَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ، فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا لِغَرَضِ نَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَهَا إِلَى رَائِضٍ لِيُرَوِّضَهَا، أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعٌ نَفِيسٌ فَأَرْكَبَ إِنْسَانًا فَوْقَهُ إِحْرَازًا لِلْمَالِ، فَلَا ضَمَانَ.
فَرْعٌ
لَوْ وَجَدَ مَنْ أَعْيَا فِي الطَّرِيقِ فَأَرْكَبَهُ فَتَلِفَتِ الدَّابَّةُ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَضْمَنُ، سَوَاءٌ الْتَمَسَ الرَّاكِبُ أَوِ ابْتَدَأَهُ الْمُرْكِبُ، وَمَالَ الْإِمَامُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ هَذَا وَجْهًا، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَصَحُّ، وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَلَوْ أَرْكَبَهُ مَعَ نَفْسِهِ، فَعَلَى الرَّدِيفِ نِصْفُ الضَّمَانِ، وَرَأَى الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيهِ، تَشْبِيهًا بِالضَّيْفِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ وَضَعَ مَتَاعَهُ عَلَى دَابَّةِ رَجُلٍ، وَقَالَ الَوْاضِعُ: سَيِّرْهَا،
فَفَعَلَ، كَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ مُسْتَعِيرًا مِنَ الدَّابَّةِ بِقِسْطِ مَتَاعِهِ مِمَّا عَلَيْهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَيْهَا مِثْلُ مَتَاعِهِ فَتَلِفَتْ ; ضَمِنَ نِصْفَ الدَّابَّةِ. وَلَوْ لَمْ يَقُلِ الَوَاضِعُ: سَيِّرْهَا لَكِنْ سَيَّرَهَا الْمَالِكُ، لَمْ يَكُنِ الَوْاضِعُ مُسْتَعِيرًا، بَلْ يَدْخُلُ الْمَتَاعُ فِي ضَمَانِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَطْرَحَهُ. وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِ الرَّفِيقَيْنِ فِي السَّفَرِ دَابَّةٌ، وَلِلْآخَرِ مَتَاعٌ، فَقَالَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ لِلْآخَرِ: احْمِلْ مَتَاعِي عَلَى دَابَّتِكَ، فَأَجَابَهُ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ مُسْتَعِيرٌ، وَلَوْ قَالَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ: أَعْطِنِي مَتَاعَكَ لِأَضَعَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، فَهُوَ مُسْتَوْدَعُ مَتَاعِهِ، وَلَا تَدْخُلِ الدَّابَّةُ فِي ضَمَانِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
فَرْعٌ
اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إِلَى مَوْضِعٍ، فَجَاوَزَهُ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ مِنْ حِينِ الْمُجَاوَزَةِ، وَعَلَيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ذَهَابًا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَرُجُوعًا إِلَيهِ. وَفِي لُزُومِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي اسْتَعَارَ مِنْهُ، وَجْهَانِ. فَإِنْ أَوْجَبْنَاهَا، فَلَيْسَ لَهُ الرُّكُوبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، بَلْ يُسَلِّمُهُ إِلَى قَاضِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعَارَ إِلَيهِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ.
فَرْعٌ
أَوْدَعَهُ ثَوْبًا وَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَلْبِسَهُ فَالْبَسْهُ، فَهُوَ بَعْدَ اللِّبْسِ عَارِيَّةٌ، وَقَبْلَهُ وَدِيعَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: عَارِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ لِتَوَقُّعِ نَفْعٍ كَالْمَقْبُوضِ بِالسَّوْمِ. قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» : وَلَوْ قِيلَ: لَا ضَمَانَ فِي السَّوْمِ تَخْرِيجًا مِنْ هَذَا، لَمْ يَبْعُدْ.
فَرْعٌ
اسْتَعَارَ صُنْدُوقًا، فَوَجَدَ فِيهِ دَرَاهِمَ، فَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ، كَمَا لَوْ طَيَّرَتِ الرِّيحُ ثَوْبًا فِي دَارِهِ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: تَسَلُّطُ الْمُسْتَعِيرِ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِحَسَبِ إِذْنِ الْمُعِيرِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: إِذَا أَعَارَهُ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ، فَإِنَّ بَيْنَ مَا يَزْرَعُهُ، كَقَوْلِهِ: أَعَرْتُكَ لِزِرَاعَةِ الْحِنْطَةِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ غَيْرِهَا، فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ الْحِنْطَةَ وَمَا ضَرَرُهُ كَضَرَرِهَا أَوْ دُونَهُ كَالشَّعِيرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ مَا فَوْقَهَا كَالذُّرَةِ وَالْقُطْنِ. وَإِنْ نَهَاهُ عَنْ غَيْرِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ زَرْعُ غَيْرِهَا. وَحَيْثُ زَرَعَ مَا لَيْسَ لَهُ، فَلِلْمُعِيرِ قَلْعُهُ مَجَّانًا. وَإِنْ أَطْلَقَ ذِكْرَ الزِّرَاعَةِ وَلَمْ يُبَيِّنِ الزُّرُوعَ، صَحَّتِ الْإِعَارَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَزْرَعُ مَا شَاءَ، لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ، لِتَفَاوُتِ الضَّرَرِ. وَلَوْ قِيلَ: يَصِحُّ وَلَا يَزْرَعُ إِلَّا أَقَلَّ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا، لَكَانَ مَذْهَبًا.
الثَّانِيَةُ: إِذَا أَعَارَ لِلزِّرَاعَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبِنَاءُ وَلَا الْغِرَاسُ. وَإِنْ أَعَارَ لِأَحَدِهِمَا، فَلَهُ الزِّرَاعَةُ، وَلَيْسَ لَهُ الْآخَرُ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: حَكَى صَاحِبُ الْمُهَذِّبِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزَّرْعُ إِذَا اسْتَعَارَ لِلْبِنَاءِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ يُرْخِي الْأَرْضَ، بِخِلَافِ الْبِنَاءِ.
وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَ الْمُسْتَعَارُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالْبِسَاطِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِأَنْ يُفْرَشَ، فَلَا حَاجَةَ فِي إِعَارَتِهِ إِلَى بَيَانِ الِانْتِفَاعِ، وَإِنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ بِجِهَتَيْنِ فَصَاعِدًا، كَالْأَرْضِ تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ، وَالْبِنَاءِ، وَالْغِرَاسِ، وَكَالدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ، وَالْحَمْلِ، فَهَلْ
تَصِحُّ الْإِعَارَةُ مُطْلَقًا، أَمْ يُشْتَرَطُ بَيَانُ جِهَةِ الِانْتِفَاعِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَالْغَزَالِيِّ: الثَّانِي، وَقَطَعَ الرُّويَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ بِالْأَوَّلِ.
قُلْتُ: صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ كَيْفَ شَاءَ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: يَنْتَفِعُ بِمَا هُوَ الْعَادَةُ فِيهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ. وَعَلَى الثَّانِي: لَوْ قَالَ: أَعَرْتُكَ لِتَنْتَفِعَ بِهِ كَيْفَ شِئْتَ، أَوْ لِتَفْعَلَ بِهِ مَا بَدَا لَكَ، فَوَجْهَانِ.
الْحُكْمُ الثَّالِثُ: الْجَوَازُ. فَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ الرَّدُّ مَتَى شَاءَ، سَوَاءٌ الْعَارِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ وَالْمُؤَقَّتَةُ، إِلَّا فِي صُورَتَيْنِ.
الْأُولَى: إِذَا أَعَارَ أَرْضًا لِدَفْنِ مَيِّتٍ، فَدَفَنَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ وَنَبْشُ الْقَبْرِ إِلَى أَنْ يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ، وَلَهُ سَقْيُ الْأَشْجَارِ الَّتِي فِيهَا إِنْ لَمْ يُفْضِ إِلَى ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِ الْمَيِّتِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يُوضَعْ فِيهِ الْمَيِّتُ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَكَذَا بَعْدَ الَوَضْعِ مَا لَمْ يُوَارِهِ التُّرَابُ. قَالَ: وَمُؤْنَةُ الْحَفْرِ إِذَا رَجَعَ بَعْدَ الْحَفْرِ وَقَبْلَ الدَّفْنِ، عَلَى وَلِيِّ الْمَيِّتِ، وَلَا يَلْزَمُهُ طَمُّهَا.
قُلْتُ: كَذَا هُوَ فِي نَسْخِ كِتَابِ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ رحمه الله، وَهُوَ غَلَطٌ فِي النَّقْلِ عَنِ الْمُتَوَلِّي، فَإِنَّ الْمُتَوَلِّيَ قَالَ: إِذَا رَجَعَ فِي الْعَارِيَّةِ بَعْدَ الْحَفْرِ وَقَبْلَ الدَّفْنِ، غَرِمَ لِوَلِيِّ الْمَيِّتِ مُؤْنَةَ الْحَفْرِ؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِهِ فِي الْحَفْرِ أَوْقَعَهُ فِي الْتِزَامِ مَا الْتُزِمَ، وَفَوَّتَ عَلَيهِ مَقْصُودَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، فَهَذَا لَفْظُ الْمُتَوَلِّي بِحُرُوفِهِ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِطْلَاقُ الْإِعَارَةِ، لَا يُسَلَّطُ عَلَى الدَّفْنِ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ يُسَلَّطُ عَلَى مَا شَاءَ مِنَ الْمَنَافِعِ عَلَى الَوَجْهَيْنِ كَمَا سَبَقَ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ.