المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كِتَابُ الْوَكَالَةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ. [الْبَابُ] الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ. الْأَوَّلُ: مَا فِيهِ - روضة الطالبين وعمدة المفتين - جـ ٤

[النووي]

فهرس الكتاب

- ‌كِتَابُ السَّلَمِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌بَابُ الْقَرْضِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الرَّهْنِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ التَّفْلِيسِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْحَجْرِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الصُّلْحِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْحَوَالَةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الضَّمَانِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الشَّرِكَةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْوَكَالَةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْإِقْرَارِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌كِتَابُ الْعَارِيَّةِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

الفصل: ‌ ‌كِتَابُ الْوَكَالَةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ. [الْبَابُ] الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ. الْأَوَّلُ: مَا فِيهِ

‌كِتَابُ الْوَكَالَةِ

فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ.

[الْبَابُ] الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهَا

وَهِيَ أَرْبَعَةٌ.

الْأَوَّلُ: مَا فِيهِ التَّوْكِيلُ. وَلَهُ شُرُوطٌ.

الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ. فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِ مَنْ سَيَنْكِحُهَا، أَوْ بَيْعِ عَبْدٍ سَيَمْلِكُهُ، أَوْ إِعْتَاقِ مَنْ سَيَمْلِكُهُ، أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ سَيَلْزَمُهُ، أَوْ تَزْوِيجِ بِنْتِهِ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَوْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلنِّيَابَةِ. وَالَّذِي يُفْرَضُ فِيهِ النِّيَابَةُ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا الْعِبَادَاتُ، وَالْأَصْلُ امْتِنَاعُ النِّيَابَةِ فِيهَا وَيُسْتَثْنَى الْحَجُّ، وَالزَّكَاةُ، وَالْكَفَّارَاتُ، وَالصَّدَقَاتُ، وَذَبْحُ الْهَدْيِ، وَالْأُضْحِيَةُ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ مِنَ الْأَجِيرِ. وَفِيهِمَا كَلَامٌ يَأْتِي فِي الْوَصَايَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي صَوْمِ الْوَلِيِّ عَنِ الْمَيِّتِ، خِلَافٌ سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ. وَأُلْحِقَ بِالْعِبَادَاتِ، الشَّهَادَاتُ، وَالْأَيْمَانُ. وَمِنَ الْأَيْمَانِ: الْإِيلَاءُ، وَاللِّعَانُ وَالْقَسَامَةُ، فَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا قَطْعًا، وَلَا فِي الظِّهَارِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَفِي مَعْنَى الْأَيْمَانِ، النُّذُورُ، وَتَعْلِيقُ الطَّلَاقِ، وَالْعِتْقُ، وَكَذَا التَّدْبِيرُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ وَصِيَّةٌ جَازَ. وَمِنْهَا: الْمُعَامَلَاتُ، فَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي طَرَفَيِ الْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ، كَالسَّلَمِ، وَالصَّرْفِ، وَالتَّوْلِيَةِ، وَغَيْرِهَا، وَفِي الرَّهْنِ، وَالْهِبَةِ، وَالصُّلْحِ، وَالْإِبْرَاءِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْجَعَالَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْإِيدَاعِ، وَالْإِعَارَةِ، وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَقَبُولِهَا. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ. وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي طَرَفَيِ

ص: 291

النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ، وَفِي تَنْجِيزِ الطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ وَالْكِتَابَةِ وَنَحْوِهَا. وَيَجُوزُ فِي الرَّجْعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَوَكَّلَ بِالِاخْتِيَارِ، أَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ، أَوْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ، وَوَكَّلَ بِالتَّعْيِينِ، لَمْ يَصِحَّ.

قُلْتُ: لَوْ أَشَارَ إِلَى وَاحِدَةٍ وَقَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي تَعْيِينِ هَذِهِ لِلطَّلَاقِ، أَوِ النِّكَاحِ، أَوْ أَشَارَ إِلَى أَرْبَعٍ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ، فَقَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي تَعْيِينِ النِّكَاحِ فِيهِنَّ، فَهُوَ كَالتَّوْكِيلِ فِي الرَّجْعَةِ، فَيَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْإِقَالَةِ وَسَائِرِ الْفُسُوخِ، لَكِنْ مَا هُوَ عَلَى الْفَوْرِ، قَدْ يَكُونُ التَّأْخِيرُ بِالتَّوْكِيلِ فِيهِ تَقْصِيرًا. وَفِي التَّوْكِيلِ فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، خِلَافٌ سَبَقَ. وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي قَبْضِ الْأَمْوَالِ، مَضْمُونَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، وَفِي قَبْضِ الدُّيُونِ وَإِقْبَاضِهَا، وَمِنْهَا: الْجِزْيَةُ، يَجُوزُ فِي قَبْضِهَا وَإِقْبَاضِهَا. وَفِي وَجْهٍ: يَمْتَنِعُ تَوْكِيلُ الذِّمِّيِّ مُسْلِمًا فِيهَا.

قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَجُوزُ تَوْكِيلُ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ فِي قَبْضِهَا لَهُمْ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَمِنْهَا: الْمَعَاصِي، كَالْقَتْلِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْغَصْبِ، وَالْقَذْفِ، فَلَا مَدْخَلَ لِلتَّوْكِيلِ فِيهَا، بَلْ أَحْكَامُهَا تَثْبُتُ فِي حَقِّ مُرْتَكِبِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ مَقْصُودٌ بِالِامْتِنَاعِ مِنْهَا.

فَرْعٌ

فِي التَّوْكِيلِ فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ، كَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَالِاحْتِطَابِ، وَالِاصْطِيَادِ، وَالِاسْتِقَاءِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ. فَيَحْصُلُ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ إِذَا قَصَدَهُ الْوَكِيلُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَسْبِابِ الْمِلْكِ، فَأَشْبَهَ الشِّرَاءَ.

ص: 292

قُلْتُ: هَكَذَا حَكَاهُمَا وَجْهَيْنِ تَقْلِيدًا لِبَعْضِ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَهُمَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْتَطِبَ لَهُ، أَوْ لِيَسْتَقِيَ، قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : هُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَبِالْمَنْعِ أَجَابَ ابْنُ كَجٍّ. وَقَطَعَ الْإِمَامُ بِالْجَوَازِ، وَقَاسَ عَلَيْهِ وَجْهَ جَوَازِ التَّوْكِيلِ.

قُلْتُ: الْأَصَحُّ: قَوْلُهُ فِي «التَّهْذِيبِ» . وَسَلَكَ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ (التَّحْرِيرُ) طَرِيقَةً أُخْرَى فَقَالَ: يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الِاحْتِطَابِ وَنَحْوِهِ بِأُجْرَةٍ، وَفِي جَوَازِهِ بِغَيْرِهَا وَجْهَانِ. وَلَا يَجُوزُ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ بِلَا أُجْرَةٍ، وَيَجُوزُ بِأُجْرَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَرْعٌ

التَّوْكِيلُ بِالْإِقْرَارِ، صُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: وَكَّلْتُكَ لِتُقِرَّ عَنِّي لِفُلَانٍ بِكَذَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ. فَعَلَى هَذَا، هَلْ يُجْعَلُ مُقِرًّا بِنَفْسِ التَّوْكِيلِ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: لَا، كَمَا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْإِبْرَاءِ لَا يَكُونُ إِبْرَاءً.

قُلْتُ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاصِّ أَصَحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَإِذَا صَحَّحْنَا التَّوْكِيلَ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ قَبْلَ إِقْرَارِ التَّوْكِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَفِي «الْحَاوِي» وَالْمُسْتَظْهِرِيِّ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِنَفْسِ التَّوْكِيلِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَإِذَا صَحَّحْنَا التَّوْكِيلَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ الْوَكِيلُ جِنْسَ الْمُقَرِّ بِهِ وَقَدْرَهُ. فَلَوْ قَالَ: أَقِرَّ عَنِّي لِفُلَانٍ بِشَيْءٍ، فَأَقَرَّ، أَخَذَ الْوَكِيلُ بِتَفْسِيرِهِ. وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ:

ص: 293

أَقِرَّ عَنِّي لِفُلَانٍ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: هُوَ كَقَوْلِهِ: أَقِرَّ عَنِّي بِشَيْءٍ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِحَالٍ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يُرِيدُ الْإِقْرَارَ بِعِلْمٍ أَوْ شَجَاعَةٍ، لَا بِمَالٍ.

قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: أَقِرَّ عَنِّي لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ لَهُ عَلَيَّ، فَهُوَ إِقْرَارٌ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَرْعٌ

لِلْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ التَّوْكِيلُ فِي الْخُصُومَةِ، رَضِيَ الْخَصْمُ أَمْ لَمْ يَرْضَ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ مُخَاصَمَةِ الْوَكِيلِ، سَوَاءٌ كَانَ لِلْمُوَكَّلِ عُذْرٌ، أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَطْلُوبُ بِالتَّوْكِيلِ فِي الْخُصُومَةِ مَالًا، أَوْ عُقُوبَةً لِآدَمِيٍّ، كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ. وَأَمَّا حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي إِثْبَاتِهَا؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الدَّرْءِ.

فَرْعٌ

يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَاءِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْإِمَامِ، وَلِلسَّيِّدِ فِي حَدِّ مَمْلُوكِهِ، وَيَجُوزُ لِلْوَكِيلِ اسْتِيفَاءُ عُقُوبَاتِ الْآدَمِيِّينَ بِحَضْرَةِ الْمُسْتَحِقِّ، وَفِي غَيْبَتِهِ طُرُقٌ. أَشْهَرُهَا عَلَى قَوْلَيْنِ. أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْجَوَازُ قَطْعًا. وَالثَّالِثُ: الْمَنْعُ قَطْعًا.

قُلْتُ: قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي الِالْتِقَاطِ قَطْعًا، كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الِاغْتِنَامِ. فَإِنِ الْتَقَطَ أَوْ غَنِمَ، كَانَ لَهُ دُونَ الْمُوَكِّلِ. قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِالْتِقَاطُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ. وَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، أَقْوَى. وَلَوِ اصْطَرَفَ رَجُلَانِ، فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُفَارِقَ الْمَجْلِسَ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَوَكَّلَ وَكِيلًا

ص: 294

فِي مُلَازَمَةِ الْمَجْلِسِ، لَمْ يَصِحَّ، وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِمُفَارَقَةِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ التَّنْفِيذَ مَنُوطٌ بِمُلَازَمَةِ الْعَاقِدِ. فَلَوْ مَاتَ الْعَاقِدُ، فَهَلْ يَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ لِيَبْقَى الْعَقْدُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ وَالْغَزَّالِيُّ فِي «الْبَسِيطِ» بِنَاءً عَلَى بَقَاءِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَا وُكِّلَ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، بِحَيْثُ لَا يَعْظُمُ الْغَرَرُ. وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْوَكَالَةُ عَامَّةً أَوْ خَاصَّةً. أَمَّا الْعَامَّةُ فَفِيهَا طَرِيقَةٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَّالِيِّ، وَطَرِيقَةٌ لِلْأَصْحَابِ. فَأَمَّا طَرِيقَتُهُمَا، فَقَالَا: لَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، فَبَاطِلَةٌ. وَإِنْ ذَكَرَ الْأُمُورَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ مُفَصَّلَةً، فَقَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ أَمْلَاكِي، وَتَطْلِيقِ زَوْجَاتِي، وَإِعْتَاقِ عَبِيدِي، صَحَّ تَوْكِيلُهُ. وَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ أَمْرٍ هُوَ إِلَيَّ مِمَّا يَقْبَلُ التَّوْكِيلَ، وَلَمْ يُفَصِّلْ أَجْنَاسَ التَّصَرُّفَاتِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْبُطْلَانُ. وَأَمَّا طَرِيقَةُ سَائِرِ الْأَصْحَابِ، فَقَالُوا: لَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، أَوْ فِي كُلِّ أُمُورِي، أَوْ فِي جَمِيعِ حُقُوقِي، أَوْ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مِنْ أُمُورِي، أَوْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ، أَوْ أَنْتَ وَكِيلِي فَتَصَرَّفْ فِي مَالِي كَيْفَ شِئْتَ، لَمْ تَصِحَّ الْوَكَالَةُ. قَالُوا: وَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ أَمْوَالِي، أَوِ اسْتِيفَاءِ دُيُونِي، أَوِ اسْتِرْدَادِ وَدَائِعِي، أَوْ إِعْتَاقِ عَبِيدِي، صَحَّتْ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ نَقْلًا وَمَعْنَى، وَقَدْ نَصَّ (عَلَيْهَا) الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه. وَأَمَّا الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ، فَفِيهَا صُوَرٌ.

إِحْدَاهَا: لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ جَمِيعِ أَمْوَالِهِ، أَوْ قَضَاءِ دُيُونِهِ وَاسْتِيفَائِهَا، صَحَّ قَطْعًا. وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ أَمْوَالِهِ مَعْلُومَةً عَلَى الصَّحِيحِ. وَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ، يَقْتَضِي اشْتِرَاطُهُ. وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: لَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي اسْتِيفَاءِ دُيُونِي عَلَى النَّاسِ، جَازَ

ص: 295

وَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَأَيُّ جِنْسٍ ذَلِكَ الدَّيْنُ. أَمَّا إِذَا قَالَ: بِعْ بَعْضَ مَالِي، أَوْ طَائِفَةً مِنْهُ، أَوْ سَهْمًا، فَلَا يَصِحُّ، لِجَهَالَتِهِ مِنَ الْجُمْلَةِ. وَكَأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مَعْلُومًا أَوْ يَسْهُلُ عِلْمُهُ. وَلَوْ قَالَ: بِعْ مَا شِئْتَ مِنْ مَالِي، أَوِ اقْبِضْ مَا شِئْتَ مِنْ دُيُونِي، جَازَ، ذَكَرَاهُ فِي «الْمُهَذَّبِ» وَ «التَّهْذِيبِ» . وَفِي «الْحِلْيَةِ» مَا يُخَالِفُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ قَالَ: بِعْ مَنْ رَأَيْتَ مِنْ عَبِيدِي، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُمَيِّزَ.

قُلْتُ: هَذَا الْمَذْكُورُ عَنْ «الْمُهَذَّبِ» هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ. قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْكُلَّ إِلَّا أَنْ يَقْبِضَ الْكُلَّ. وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْحِلْيَةِ، فَفِي «الْبَيَانِ» أَيْضًا عَنِ ابْنِ الصَّبَّاغِ نَحْوُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ قَالَ: بِعْ مَا تَرَاهُ مِنْ مَالِي، لَمْ يَجُزْ. وَلَوْ قَالَ: مَا تَرَاهُ مِنْ عَبِيدِي، جَازَ، وَكِلَاهُمَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ. وَهَذَا النَّقْلُ عَنِ «الْحِلْيَةِ» ، إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ «الْحِلْيَةُ» لِلرُّويَانِيِّ فَغَلَطٌ، فَإِنَّ الَّذِي فِي حِلْيَةِ الرُّويَانِيِّ: لَوْ قَالَ: بِعْ مِنْ عَبِيدِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ مَنْ رَأَيْتَ، جَازَ، وَلَا يَبِيعُ الْجَمِيعَ؛ لِأَنَّ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ. وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ مَنْ شَاءَ، جَازَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وَهَذَا لَفْظُ الرُّويَانِيِّ فِي «الْحِلْيَةِ» بِحُرُوفِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَّالِيُّ فِي «الْبَسِيطِ» بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: بِعْ مَنْ شِئْتَ مِنْ عَبِيدِي، يَبِيعُ جَمِيعَهُمْ؛ لِأَنَّ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ. فَلَوْ بَاعَهُمْ إِلَّا وَاحِدًا، جَازَ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ قَالَ: بِعْ هَذَا الْعَبْدَ، أَوْ هَذَا، لَمْ يَصِحَّ. وَلَوْ وَكَّلَهُ لِيَهِبَ مِنْ مَالِهِ مَا يَرَى، قَالَ فِي «الْحَاوِي» : لَا يَصِحُّ. وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ، أَنَّهُ يَصِحُّ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الثَّانِيَةُ: التَّوْكِيلُ فِي الشِّرَاءِ. وَلَا يَكْفِي

[فِيهِ] أَنْ يَقُولَ: اشْتَرِ لِي شَيْئًا، أَوْ حَيَوَانًا، أَوْ رَقِيقًا، بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ. وَالنَّوْعُ، كَالتُّرْكِيِّ وَالْهِنْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَلَا يُشْتَرَطُ

ص: 296

اسْتِقْصَاءُ أَوْصَافِ السَّلَمِ، وَلَا مَا يَقْرُبُ مِنْهَا بِلَا خِلَافٍ. فَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَصْنَافُ نَوْعٍ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا بُدَّ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلصِّنْفِ. وَأَمَّا الثَّمَنُ، فَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ قَدْرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَلَى الثَّانِي: يُشْتَرَطُ بَيَانُ قَدْرِهِ أَوْ غَايَتِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: مِنْ مِائَةٍ إِلَى أَلْفٍ. وَحَكَى صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» وَجْهًا: أَنَّهُ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ مُطْلَقًا، وَهَذَا لِوَجْهٍ، ضَعِيفٍ جِدًّا. وَإِذَا طَرَدَ فِي قَوْلِهِ: اشْتَرِ شَيْئًا، كَانَ أَبْعَدَ.

قُلْتُ: ذَكَرَ فِي «الْبَسِيطِ» تَرَدُّدًا فِي قَوْلِهِ: اشْتَرِ شَيْئًا تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا كَمَا تَشَاءُ، فَقِيلَ: يَصِحُّ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي الْقِرَاضِ: اشْتَرِ مَنْ شِئْتَ مِنَ الْعَبِيدِ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: لَا يَصِحُّ. وَالْفَرْقُ، أَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ الرِّبْحُ، وَالْعَامِلُ أَعْرَفُ بِهِ. وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ دَارٍ، يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْمَحَلَّةِ وَالسِّكَّةِ. وَفِي الْحَانُوتِ يُذْكَرُ السُّوقُ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ.

قُلْتُ: وَفِي ذِكْرِ الثَّمَنِ، الْوَجْهَانِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الثَّالِثَةُ: التَّوْكِيلُ فِي الْإِبْرَاءِ، يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُوَكِّلِ إِذَا قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنِ الْمَجْهُولِ كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ (الضَّمَانِ) . وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْوَكِيلِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي وَالْغَزَّالِيُّ. وَفِي «الْمُهَذَّبِ» وَ «التَّهْذِيبِ» : اشْتِرَاطُ عِلْمِهِ بِجِنْسِهِ وَقَدْرِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: (بِعْ) بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْبَيْعَ عِلْمُ الْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِبْرَاءِ عِلْمُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّ الْإِبْرَاءَ إِسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ. فَإِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، اشْتُرِطَ عِلْمُهُ كَالْمُتَّهِبِ، وَإِلَّا، فَلَا. ثُمَّ إِنْ كَانَتْ صِيغَتُهُ: أَبْرِئْ فَلَانًا عَنْ دَيْنِي، أَبْرَأَهُ عَنْ جَمِيعِهِ. وَإِنْ قَالَ: عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، أَبْرَأَهُ عَنْ قَلِيلٍ مِنْهُ. وَإِنْ قَالَ: عَمَّا شِئْتَ، أَبْرَأَهُ عَمَّا شَاءَ، وَأَبْقَى شَيْئًا.

ص: 297

قُلْتُ: قَوْلُهُ: أَبْرِئْهُ عَنْ قَلِيلٍ مِنْهُ، يَعْنِي أَقَلَّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ، كَذَا صَرَّحَ بِهِ فِي «التَّتِمَّةِ» ، وَهُوَ وَاضِحٌ. وَلَوْ قَالَ: أَبْرِئْهُ عَنْ جَمِيعِهِ، فَأَبْرَأَ عَنْ بَعْضِهِ، جَازَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ بَعْضَ مَا أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الرَّابِعَةُ: قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي مُخَاصَمَةِ خَصْمَايَ، وَأَطْلَقَ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ وَصَارَ وَكِيلًا فِي جَمِيعِ الْخُصُومَاتِ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ مَنْ يُخَاصِمُهُ، لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِهِ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُوَكَّلُ. تُشْتَرَطُ فِيهِ صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ بِمِلْكٍ أَوْ وِلَايَةٍ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالنَّائِمُ، وَالْمَرْأَةُ فِي التَّزْوِيجِ، وَالْفَاسِقُ فِي تَزْوِيجِ بِنْتِهِ إِذَا لَمْ نَجْعَلْهُ وَلِيًّا. وَأَمَّا السَّكْرَانُ، فَتَوْكِيلُهُ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَوْكِيلُ الْأَبِ وَالْجَدِّ فِي التَّزْوِيجِ وَالْمَالِ. وَأَمَّا الْأَخُ وَالْعَمُّ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا لَا يُجْبَرُ، فَفِي تَوْكِيلِهِمْ فِي التَّزْوِيجِ وَجْهَانِ يُذْكَرَانِ فِي النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ إِلَّا إِذَا أَذِنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ، أَوْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي مَعْنَاهُ، تَوْكِيلُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ. وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، أَوْ فَلَسٍ، أَوْ رِقٍّ، فَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِيمَا يَسْتَقِلُّ بِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ الْوَلِيِّ، وَالْمَوْلَى، وَالْغَرِيمِ. وَمَنْ جَوَّزَ التَّوْكِيلَ فِي بَيْعِ عَبْدٍ سَيَمْلِكُهُ، فَقِيَاسُهُ جَوَازُ تَوْكِيلِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِيمَا سَيَأْذَنُ فِيهِ الْوَلِيُّ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ.

قُلْتُ: (قَدْ) يُمْكِنُ الْفَرْقُ، بِأَنَّ الْخَلَلَ هُنَاكَ فِي عِبَارَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَيُسْتَثْنَى مِمَّا سَبَقَ، بَيْعُ الْأَعْمَى، وَشِرَاؤُهُ. فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مِنَ الْأَعْمَى لِلضَّرُورَةِ.

ص: 298

قُلْتُ: قَالَ فِي «الْحَاوِي» : لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ أَنْ يُوَكِّلَ فِي بَيْعِ مَالِ الطِّفْلِ، إِنْ شَاءَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَنِ الطِّفْلِ. وَفِي جَوَازِهِ عَنِ الطِّفْلِ، نَظَرٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْوَكِيلُ. وَشَرْطُهُ صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ، بِأَنْ يَكُونَ صَحِيحَ الْعِبَارَةِ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فِي التَّصَرُّفَاتِ. وَفِي جَوَازِ اعْتِمَادِ قَوْلِ الصَّبِيِّ فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَالْمِلْكِ عِنْدَ إِيصَالِهِ الْهَدِيَّةَ وَجْهَانِ، وَسَبَقَا فِي الْبَيْعِ. فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، فَهُوَ وَكَالَةٌ مِنَ الْإِذْنِ وَالْمَهْدِيِّ. وَعَلَى هَذَا، لَوْ وَكَّلَ الصَّبِيُّ فِيهِ غَيْرَهُ، فَالْقِيَاسُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ. وَالتَّفْصِيلُ فِي أَنَّ الْوَكِيلَ، هَلْ يُوَكِّلُ؟ فَإِنْ جَازَ، صَارَ الصَّبِيُّ أَهْلًا لِلتَّوْكِيلِ، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُ الْمَرْأَةِ وَالْمُحْرِمِ وَكِيلَيْنِ فِي النِّكَاحِ. وَفِي تَوْكِيلِ الْعَبْدِ فِي الشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ، وَجْهَانِ سَبَقَا فِي بَابِ مُدَايَنَةِ الْعَبِيدِ. وَفِي تَوْكِيلِهِ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ.

قُلْتُ: وَفِي تَوْكِيلِهِ فِيهِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَيْضًا، وَجْهَانِ فِي «الشَّامِلِ» وَ «الْبَيَانِ» ، وَقَطَعَا بِالْمَنْعِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَالْمُخْتَارُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

وَفِي تَوْكِيلِهِ فِي الْإِيجَابِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُزَوِّجُ بِنْتَهُ، فَبِنْتُ غَيْرِهِ أَوْلَى، كَذَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ. وَتَوْكِيلُ الْمَحْجُوزِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فِي طَرَفَيِ النِّكَاحِ كَتَوْكِيلِ الْعَبْدِ، وَالْفَاسِقُ فِي الْإِيجَابِ إِذَا سَلَبْنَاهُ الْوِلَايَةَ كَالْعَبْدِ، وَفِي الْقَبُولِ يَصِحُّ قَطْعًا. وَالْمَحْجُوزُ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، يُوَكَّلُ فِيمَا لَا يُلْزِمُ ذِمَّتَهُ عُهْدَةً قَطْعًا، وَفِيمَا يُلْزِمُهَا أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.

ص: 299

فَرْعٌ

يَصِحُّ تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي طَلَاقِ غَيْرِهَا عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يُفَوِّضَ إِلَيْهَا طَلَاقَ نَفْسِهَا. قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : وَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهَا فِي رَجْعَةِ نَفْسِهَا، وَلَا رَجْعَةِ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْفَرْجَ لَا يُسْتَبَاحُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ. وَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهَا فِي الِاخْتِيَارِ فِي النِّكَاحِ إِذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ. وَفِي الِاخْتِيَارِ لِلْفِرَاقِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ اخْتِيَارَ الْأَرْبَعِ لِلنِّكَاحِ.

قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لَا يَصِحُّ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَرْعٌ

تَوْكِيلُ الْمُرْتَدِّ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ، يُبْنَى عَلَى بَقَاءِ مِلْكِهِ وَزَوَالِهِ. إِنْ أَبْقَيْنَاهُ، صَحَّ، وَإِنْ قَطَعْنَاهُ، فَلَا، وَإِنْ وَقَفْنَاهُ، فَكَذَا التَّوْكِيلُ. وَلَوْ وُكِّلَ، ثُمَّ ارْتَدَّ، فَفِي انْقِطَاعِ التَّوْكِيلِ، الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ. وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلٌ مُرْتَدًّا، أَوِ ارْتَدَّ الْوَكِيلُ، لَمْ يَقْدَحْ فِي الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي تَصَرُّفِهِ لِنَفْسِهِ، لَا لِغَيْرِهِ، كَذَا نَقَلَ الْأَصْحَابُ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ. وَفِي «التَّتِمَّةِ» : أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، انْعَزَلَ، وَإِلَّا، فَلَا.

قُلْتُ: وَلَوْ وَكَّلَ الْمُسْلِمُ كَافِرًا لِيَقْبَلَ لَهُ نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ، لَا يَصِحُّ. وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي قَبُولِ كِتَابِيَّةٍ، صَحَّ. وَإِنْ وَكَلَّهُ فِي طَلَاقِ مُسْلِمَةٍ، فَوَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَاقَ مُسْلِمَةٍ، لَكِنْ يَمْلِكُ طَلَاقًا فِي الْجُمْلَةِ. وَلِلْمَكَاتَبِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَصِحُّ مِنْهُ، وَلَا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ فِي التَّبَرُّعِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدَهُ. وَبِإِذْنِهِ قَوْلَانِ، بِنَاءً عَلَى صِحَّتِهِ بِإِذْنِهِ. وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلٌ مُكَاتِبًا بِجَعْلٍ يَفِي بِأُجْرَتِهِ، جَازَ. وَبِغَيْرِ جَعْلٍ، لَهُ حُكْمُ تَبَرُّعِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

ص: 300

الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ. فِيهِ مَسَائِلُ.

الْأُولَى: لَا بُدَّ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ مِنْ لَفْظٍ دَالٍّ عَلَى الرِّضَى، كَقَوْلِهِ: وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، أَوْ فَوَّضْتُهُ إِلَيْكَ، أَوْ أَنَبْتُكَ فِيهِ، وَمَا أَشْبَهَهُ. وَمِثْلُهُ: بِعْ أَوْ أَعْتِقْ وَنَحْوُهُمَا. وَأَمَّا الْقَبُولُ، فَيُطْلَقُ بِمَعْنَيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: الرِّضَى وَالرَّغْبَةُ فِيمَا فُوِّضَ إِلَيْهِ، وَنَقِيضُهُ الرَّدُّ. وَالثَّانِي: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ عَلَى النَّحْوِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْبَيْعِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ. وَيُعْتَبَرُ فِي الْوَكَالَةِ الْقَبُولُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ. حَتَّى لَوْ رَدَّ فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ، أَوْ لَا أَفْعَلُ، بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ. فَلَوْ رَدَّ ثُمَّ نَدِمَ، وَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ، لَمْ يَجُزْ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِذْنٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ جَائِزَةٌ، تَرْتَفِعُ فِي الدَّوَامِ بِالْفَسْخِ، فَارْتِدَادُهَا بِالرَّدِّ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْلَى. وَأَمَّا الْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ الْقَبُولُ لَفْظًا، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: لَا يُشْتَرَطُ. وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ أَتَى بِصِيغَةِ عَقْدٍ، كَـ: وَكَّلْتُكَ، وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ، اشْتُرِطَ. وَإِنْ أَتَى بِصِيغَةِ أَمْرٍ، نَحْوَ: بِعْ، وَاشْتَرِ، لَمْ يُشْتَرَطْ. فَإِنْ شَرَطْنَا الْقَبُولَ لَفْظًا، فَهَلْ يُشْتَرَطُ عَلَى الْفَوْرِ كَالْبَيْعِ، أَمْ فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ طَالَ؟ أَمْ يَجُوزُ أَبَدًا وَإِنْ فَارَقَ الْمَجْلِسَ، كَالْوَصِيَّةِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، الصَّحِيحُ: الثَّالِثُ. وَأَمَّا الْقَبُولُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْجِيلُ بِحَالٍ بِلَا خِلَافٍ. وَإِذَا لَمْ نَشْرُطِ الْقَبُولَ، فَوَكَّلَهُ، وَالْوَكِيلُ لَا يَعْلَمُ، ثَبَتَتْ وَكَالَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. فَعَلَى هَذَا لَوْ تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ، ثُمَّ بَانَ وَكِيلًا، فَفِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ يَظُنُّهُ حَيًّا، فَبَانَ مَيِّتًا. وَإِنْ لَمْ نُثْبِتِ الْوَكَالَةَ، فَهَلْ نَحْكُمُ بِنُفُوذِهَا حَالَةَ بُلُوغِ الْخَبَرِ؟ وَجْهَانِ.

فَرْعٌ

حَيْثُ لَا نَشْتَرِطُ الْقَبُولَ، تَكْفِي الْكِتَابَةُ وَالرِّسَالَةُ، وَنَجْعَلُهُ مَأْذُونًا فِي التَّصَرُّفِ. وَحَيْثُ شَرَطْنَا، فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ كَتَبَ بِالْبَيْعِ، وَقَطَعَ الرُّويَانِيُّ فِي الْوَكَالَةِ بِالْجَوَازِ.

ص: 301

قُلْتُ: قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا، وَكَثِيرُونَ بِالْجَوَازِ وَهُوَ الصَّوَابُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَرْعٌ

إِذَا شَرَطْنَا الْقَبُولَ، فَقَالَ: وَكِّلْنِي فِي كَذَا، فَقَالَ: وَكَّلْتُكَ، فَهَلْ يَكْفِي، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ قَبُولٍ بَعْدَهُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. ثُمَّ قِيلَ: الْوَكَالَةُ أَحْوَجُ إِلَى الِاشْتِرَاطِ؛ لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَلَوْ قِيلَ: عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ يُحْتَمَلُ فِيهَا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْبَيْعِ، لَكَانَ أَقْرَبَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا عَلَّقَ الْوَكَالَةَ بِشَرْطٍ، فَقَالَ: إِذَا قَدِمَ زَيْدٌ، أَوْ جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، فَقَدْ وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، أَوْ أَنْتَ وَكِيلِي، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. فَلَوْ نَجَّزَ الْوَكَالَةَ وَشَرَطَ لِلتَّصَرُّفِ شَرْطًا، بِأَنْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ الْآنَ فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ، وَلَكِنْ لَا تَبِعْهُ حَتَّى يَجِيءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، صَحَّ التَّوْكِيلُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَبِيعُهُ إِلَّا إِذَا حَصَلَ الشَّرْطُ. وَإِذَا أَفْسَدْنَا الْوَكَالَةَ بِالتَّعْلِيقِ، فَتَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بَعْدَ حُصُولِ الشَّرْطِ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِحُصُولِ الْإِذْنِ. وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا كَمَا لَوْ شَرَطَ لِلْوَكِيلِ جَعْلًا مَجْهُولًا، بِأَنْ قَالَ: بِعْ كَذَا وَلَكَ عُشْرُ ثَمَنِهِ، تَفْسُدُ الْوَكَالَةُ، وَيَصِحُّ الْبَيْعُ. فَعَلَى هَذَا، فَائِدَةُ فَسَادِ الْوَكَالَةِ سُقُوطُ الْجَعْلِ الْمُسَمَّى إِنْ كَانَ، وَالرُّجُوعُ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ فِي النِّكَاحِ يُفْسِدُ الصَّدَاقَ، وَيُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ.

فَرْعٌ

لَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ، وَمَتَى عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي، فَفِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ فِي الْحَالِ

ص: 302

، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ. فَإِذَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ، أَوْ كَانَ قَوْلُهُ: مَتَى عَزَلْتُكَ، مَفْصُولًا عَنِ الْوَكَالَةِ، فَعَزَلَهُ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْوَكِيلُ، وَاعْتَبَرْنَا عِلْمَهُ فِي نُفُوذِ الْعَزْلِ، فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ. وَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرْهُ، أَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ، فَفِي عَوْدِهِ وَكِيلًا بَعْدَ الْعَزْلِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْوَكَالَةَ ثَانِيًا عَلَى الْعَزْلِ، أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ. فَإِنْ قُلْنَا: يَعُودُ، نُظِرَ فِي اللَّفْظِ الْمَوْصُولِ بِالْعَزْلِ. فَإِنْ كَانَ قَالَ: إِذَا عَزَلْتُكَ، أَوْ مَهْمَا، أَوْ مَتَى، لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ عَوْدُ الْوَكَالَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا عَزَلْتُكَ، اقْتَضَى الْعَوْدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أَبَدًا؛ لِأَنَّ كُلَّمَا لِلتَّكْرَارِ. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَعُودَ وَكِيلًا، فَطَرِيقُهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِي عَزْلِهِ، فَيَنْعَزِلُ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ عَزْلُ نَفْسِهِ. فَإِنْ كَانَ قَالَ: كُلَّمَا عَزَلْتُكَ، أَوْ عَزْلَكَ أَحَدٌ عَنِّي، فَطَرِيقُهُ أَنْ يَقُولَ: كُلَّمَا عُدْتَ وَكِيلًا، فَأَنْتَ مَعْزُولٌ. فَإِذَا عَزَلَهُ، يَنْعَزِلُ لِتَقَاوُمِ التَّوْكِيلِ وَالْعَزْلِ، وَاعْتِضَادِ الْعَزْلِ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ الْحَجْرُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ. وَالْخِلَافُ فِي قَبُولِ الْوَكَالَةِ التَّعْلِيقَ، جَارٍ فِي أَنَّ الْعَزْلَ هَلْ يَقْبَلُهُ، وَلَكِنْ بِالتَّرْتِيبِ؟ وَالْعَزْلُ أَوْلَى بِقَبُولِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبُولٌ قَطْعًا. وَتَصْحِيحُ إِدَارَةِ الْوَكَالَةِ وَالْعَزْلِ جَمِيعًا، مَبْنِيٌّ عَلَى قَبُولِهِمَا التَّعْلِيقَ. قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا نَفَّذْنَا الْعَزْلَ، وَقُلْنَا: تَعُودُ الْوَكَالَةُ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَزْلَ يَنْفُذُ فِي وَقْتٍ وَإِنَ لَطُفَ، ثُمَّ تُرَتَّبُ عَلَيْهِ الْوَكَالَةُ. فَلَوْ صَادَفَ تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ ذَلِكَ الْوَقْتَ اللَّطِيفَ، فَفِي نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ وَجْهَانِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: تَصِحُّ الْوَكَالَةُ الْمُوَقَّتَةُ، كَقَوْلِكَ: وَكَّلْتُكَ إِلَى شَهْرِ رَمَضَانَ.

الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ الصَّحِيحَةِ

وَهِيَ أَرْبَعَةٌ.

الْأَوَّلُ: صِحَّةُ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ إِذَا وَافَقَ، وَالْمُوَافَقَةُ وَالْمُخَالَفَةُ تُعْرَفَانِ بِالنَّظَرِ

ص: 303

إِلَى اللَّفْظِ تَارَةً، وَبِالْقَرَائِنِ أُخْرَى. فَإِنَّ الْقَرِينَةَ قَدْ تَقْوَى، فَيُتْرَكُ لَهَا إِطْلَاقُ اللَّفْظِ. وَلِهَذَا لَوْ أَمَرَهُ فِي الصَّيْفِ بِشِرَاءِ الْجَمَدِ، لَا يَشْتَرِيهِ فِي الشِّتَاءِ. وَقَدْ يَتَعَادَلُ اللَّفْظُ وَالْقَرِينَةُ، وَيَحْصُلُ مِنْ تَعَادُلِهِمَا خِلَافٌ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَهَذَا الْقَوْلُ الْجُمْلِيُّ نُوَضِّحُهُ بِصُوَرٍ تُعْرَفُ بِهَا أَخَوَاتُهَا.

إِحْدَاهَا: وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ وَأَطْلَقَ، لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَلَا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَلَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ كُلُّ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَنْقُولُ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ، وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ. فَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ، لَزِمَهُ الْبَيْعُ بِأَغْلَبِهِمَا. فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْمُعَامَلَةِ، بَاعَ بِأَنْفَعِهِمَا لِلْمُوَكِّلِ. فَإِنِ اسْتَوَيَا، تَخَيَّرَ فِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ حَتَّى يُبَيِّنَ. ثُمَّ إِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ عَلَى أَحَدِ الْأَوْصَافِ الْمَمْنُوعَةِ، لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا لِلْمَبِيعِ مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَى الْمُشْتَرِي. فَإِذَا سَلَّمَ، ضَمِنَ. ثُمَّ الْقَوْلُ فِيهِ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا، أَوْ تَالِفًا. وَفِي كَيْفِيَّةِ تَغْرِيمِ الْمُوَكِّلِ الْوَكِيلَ وَالْمُشْتَرِي عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا إِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ أَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، أَوْ بِنَسِيئَةٍ. فَأَمَّا بَيْعُ الْوَكِيلِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، فَجَائِزٌ. وَالْيَسِيرُ هُوَ الَّذِي يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ وَيَحْتَمِلُونَهُ غَالِبًا. وَبَيْعُ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِتِسْعَةٍ، مُتَحَمَّلٌ. وَبِثَمَانِيَةٍ غَيْرُ مُتَحَمَّلٍ قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَيَخْتَلِفُ الْقَدْرُ الْمُتَحَمَّلُ بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الثِّيَابِ مِنَ الثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ وَالْعَقَارِ وَغَيْرِهَا.

فَرْعٌ

لَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَقْتَصَّ عَلَى الْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَهُنَاكَ طَالِبٌ بِزِيَادَةٍ. فَلَوْ بَاعَ

ص: 304

بِثَمَنِ الْمِثْلِ، ثُمَّ حَضَرَ الْمَجْلِسَ طَالَبَ بِزِيَادَةٍ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي عَدْلِ الرَّهْنِ.

فَرْعٌ

لَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: بِعْهُ بِكَمْ شِئْتَ، فَلَهُ الْبَيْعُ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَلَا يَجُوزُ بِالنَّسِيئَةِ، وَلَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ. وَلَوْ قَالَ: بِمَا شِئْتَ، فَلَهُ الْبَيْعُ بِغَيْرِ النَّقْدِ، وَلَا يَجُوزُ بِالْغَبْنِ، وَلَا بِالنَّسِيئَةِ. وَلَوْ قَالَ: كَيْفَ شِئْتَ، فَلَهُ الْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ. وَلَا يَجُوزُ بِالْغَبْنِ، وَلَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، جَوَازُ الْجَمِيعِ. وَلَوْ قَالَ: بِعْهُ بِمَا عَزَّ وَهَانَ، قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : هُوَ كَقَوْلِهِ: بِكَمْ شِئْتَ. وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ: لَهُ الْبَيْعُ بِالْعَرْضِ وَالْغَبْنِ، وَلَا يَجُوزُ بِالنَّسِيئَةِ، وَهُوَ الْأَوْلَى.

فَرْعٌ

الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا، هَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَبِيهِ وَابْنِهِ وَسَائِرِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، كَمَا لَوْ بَاعَ صَدِيقَهُ، وَكَالْعَمِّ يُزَوِّجُ مُوَلِّيَتَهُ لِابْنِهِ الْبَالِغِ إِذَا أَطْلَقَتِ الْإِذْنَ، وَقُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَطْعًا. وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي الْبَيْعِ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ إِذَا قُلْنَا: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، أَوْ فِيمَا لَوْ بَاعَ لِمُكَاتِبِهِ، وَالْوَجْهَانِ فِي الْفُرُوعِ الْمُسْتَقِلَّيْنِ. أَمَّا ابْنُهُ الصَّغِيرُ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ لَهُ مُطْلَقًا. وَكَذَا لَا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ. وَعَنِ الْإِصْطَخْرِيِّ، جَوَازُهُ. فَعَلَى الصَّحِيحِ: لَوْ صَرَّحَ فِي الْإِذْنِ فِي بَيْعِهِ لِنَفْسِهِ، فَوَجْهَانِ. قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَصِحُّ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يَصِحُّ. وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِهِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ، قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : هُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.

ص: 305

وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ. وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الْهِبَةِ لِنَفْسِهِ، أَوْ تَزْوِيجِ بِنْتِهِ لِنَفْسِهِ. وَفِي تَوَلِّي ابْنِ الْعَمِّ طَرَفَيِ النِّكَاحِ، أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ بِإِذْنِهَا وَهُوَ وَلِيُّهَا، وَالنِّكَاحُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ. وَفِيمَا لَوْ وَكَّلَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ الْمَدِينَ بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ وَكَّلَ مُسْتَحِقُّ الْقَصَاصِ الْجَانِي بِاسْتِيفَائِهِ مِنْ نَفْسِهِ فِي النَّفْسِ أَوِ الطَّرَفِ، أَوْ وَكَّلَ الْإِمَامُ السَّارِقَ فِي قَطْعِ يَدِهِ، أَوْ وَكَّلَ الزَّانِي لِيَجْلِدَ نَفْسَهُ. وَالصَّحِيحُ: الْمَنْعُ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَطَرَدُوهُمَا فِي الْوَكِيلِ فِي الْخُصُومَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ. فَعَلَى هَذَا يَتَخَيَّرُ وَيُخَاصِمُ لِأَيِّهِمَا شَاءَ. وَلَوْ تُوُكِّلَ فِي طَرَفَيِ النِّكَاحِ أَوِ الْبَيْعِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَقِيلَ بِالْمَنْعِ قَطْعًا. وَلَوْ وَكَّلَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي إِبْرَاءِ نَفْسِهِ، فَقِيلَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ قَطْعًا، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ فِي الْإِبْرَاءِ. فَإِنِ اشْتَرَطْنَاهُ، جَرَى الْوَجْهَانِ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ قَطْعًا، كَمَا لَوْ وَكَّلَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْعَفْوِ، وَالْعَبْدَ فِي إِعْتَاقِ نَفْسِهِ. وَالْوَكِيلُ فِي الشِّرَاءِ كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ فِي أَنَّهُ لَا يَشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا مَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ. وَفِي ابْنِهِ الْكَبِيرِ، الْوَجْهَانِ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ.

قُلْتُ: وَإِذَا وَكَّلَ الِابْنُ الْكَبِيرُ أَبَاهُ فِي بَيْعٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَحَكَى فِي «الْحَاوِي» وَجْهًا: أَنَّهُ يَجُوزُ تَغْلِيبًا لِلْأُبُوَّةِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي حِجْرِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَرْعٌ

إِذَا أَذِنَ فِي الْبَيْعِ مُؤَجَّلًا، نُظِرَ. إِنْ قَدَّرَ الْأَجَلَ، صَحَّ التَّوْكِيلُ. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ، لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ. وَأَصَحُّهُمَا: يَصِحُّ. وَفِيمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْمُتَعَارَفِ فِي مِثْلِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُرْفٌ، رَاعَى الْأَنْفَعَ. وَالثَّانِي. لَهُ التَّأْجِيلُ إِلَى مَا شَاءَ. وَالثَّالِثُ: إِلَى سَنَةٍ.

ص: 306

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، وَإِقْبَاضِ الْمَبِيعِ. فَإِذَا وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا، فَهَلْ يَمْلِكُ الْوَكِيلُ قَبْضَ الثَّمَنِ؟ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَقَدْ يَرْضَاهُ لِلْبَيْعِ، وَلَا يَرْضَاهُ لِقَبْضِ الثَّمَنِ. وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْبَيْعِ وَمُقْتَضَيَاتِهِ. وَهَلْ يَمْلِكُ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ إِذَا كَانَ مَعَهُ؟ أَشَارَ كَثِيرُونَ إِلَى الْجَزْمِ بِجَوَازِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: هُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ. وَلَوْ صَرَّحَ بِهِمَا، لَمْ يَمْلِكِ التَّسْلِيمَ مَا لَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ، وَعَلَى هَذَا جَرَى صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُ.

قُلْتُ: الْأَصَحُّ جَوَازُ تَسْلِيمِهِ، وَلَكِنْ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ. فَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ فِي الدَّلِيلِ، وَفِي النَّقْلِ أَيْضًا، وَقَدْ صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالْوَكِيلُ فِي الصَّرْفِ، يَمْلِكُ الْقَبْضَ وَالْإِقْبَاضَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ فِي السَّلَمِ يَدْفَعُ وَكِيلُ الْمُسْلِمِ رَأْسَ الْمَالِ، وَيَقْبِضُهُ وَكِيلُ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ قَطْعًا.

فَرْعٌ

إِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِمُؤَجَّلٍ حَيْثُ يَجُوزُ، سَلَّمَ الْمَبِيعَ عَلَى الْمَذْهَبِ، إِذْ لَا حَبْسَ بِالْمُؤَجَّلِ، وَيَجِيءُ وَجْهٌ مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ: أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ، إِذْ لَمْ يُفَوَّضْ إِلَيْهِ. ثُمَّ إِذَا حَلَّ الْأَجَلُ، لَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ قَبْضَ الثَّمَنِ إِلَّا بِإِذْنٍ مُسْتَأْنَفٍ. وَإِذَا بَاعَ بِحَالٍ، وَجَوَّزْنَا قَبْضَ الثَّمَنِ، لَمْ يُسَلِّمِ الْمَبِيعَ حَتَّى يَقْبِضَهُ كَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهِمَا صَرِيحًا، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ. وَإِذَا لَمْ نُجَوِّزْ لَهُ الْقَبْضَ، فَلَا تَجُوزُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ، وَلِلْمُوَكِّلِ الْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَلَوْ مَنَعَهُ مِنْ قَبْضِ الثَّمَنِ، لَمْ يَجُزْ قَبْضُهُ قَطْعًا. وَلَوْ مَنَعَهُ

ص: 307

مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ. وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا الشَّرْطُ فَاسِدٌ، فَإِنَّ التَّسْلِيمَ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَقْدِ. وَفِي فَسَادِ الْوَكَالَةِ بِهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: تَفْسَدُ، وَيَسْقُطُ الْجَعْلُ الْمُسَمَّى، فَيَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ فِي صُورَةِ الْإِطْلَاقِ، هَلْ لِلْوَكِيلِ التَّسْلِيمُ، أَمْ لَا؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، فَعِنْدَ الْمَنْعِ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَذَلِكَ مِنْ تَوَابِعِ الْعَقْدِ وَتَتِمَاتِهِ، لَا لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَقْدِ، فَإِنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ التَّسْلِيمُ، لَا تَسْلِيمُهُ بِعَيْنِهِ، وَالْمَمْنُوعَ مِنْهُ تَسْلِيمُهُ. فَلَوْ قَالَ: امْنَعِ الْمَبِيعَ مِنْهُ، فَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْحَقِّ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّ، وَإِثْبَاتَ يَدِهِ عَلَيْهِ حَرَامٌ. وَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: لَا تُسَلِّمْهُ إِلَيْهِ، وَقَوْلِهِ: أَمْسِكْهُ أَوِ امْنَعْهُ.

فَرْعٌ

الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ، إِنْ لَمْ يُسَلِّمِ الْمُوَكَّلُ إِلَيْهِ الثَّمَنَ، وَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ، فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ - فِي أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالثَّمَنِ، عَلَى مَنْ تَتَوَجَّهُ؟ - فِي الْحُكْمِ [مِنَ الْبَابِ] الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ وَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ، فَهَلْ يَمْلِكُ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ وَقَبْضَ الْمَبِيعِ بِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ فِي الشِّرَاءِ؟ قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» وَ «التَّهْذِيبِ» : فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي وَكِيلِ الْبَائِعِ، وَجَزَمَ الْغَزَالِيُّ بِالْجَوَازِ، فَإِنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِيهِ.

قُلْتُ: الصَّحِيحُ: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ «الْحَاوِي» وَالْأَكْثَرُونَ. وَقَالَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» : يُسَلِّمُ الثَّمَنَ قَطْعًا، وَيَقْبِضُ الْمَبِيعَ عَلَى الْأَصَحِّ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ

إِذَا سَلَّمَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إِلَى الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ حَيْثُ يَجُوزُ قَبْضُهُ، لَزِمَ الْوَكِيلَ

ص: 308

تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ الْمُوَكِّلُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ إِذَا قُبِضَ صَارَ دَفْعُ الْمَبِيعِ مُسْتَحَقًّا، وَلِلْمُشْتَرِي الِانْفِرَادُ بِأَخْذِهِ. فَإِنْ أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي، فَذَاكَ، وَإِنْ سَلَّمَهُ الْوَكِيلُ، فَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَخْذِ الْمُشْتَرِي، فَلَا حُكْمَ لِلتَّسْلِيمِ.

فَرْعٌ

ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يُسَلِّمُ الْمَبِيعَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ. فَلَوْ فَعَلَ، غَرِمَ لِلْمُوَكِّلِ قِيمَتَهُ إِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ وَالثَّمَنُ سَوَاءً، أَوْ كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ. فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ، بِأَنْ بَاعَهُ بِغَبْنٍ مُحْتَمَلٍ، فَهَلْ يَغْرَمُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ، أَمْ يَحُطُّ قَدْرَ الْغَبْنِ؟ وَجْهَانِ.

أَصَحُّهُمَا: أَوَّلُهُمَا. فَإِنْ بَاعَهُ بِغَبْنٍ فَاحْشٍ بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ، فَقِيَاسُ الْوَجْهِ الثَّانِي: أَنْ لَا يَغْرَمَ إِلَّا قَدْرَ الثَّمَنِ، ثُمَّ إِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ بَعْدَ مَا غَرِمَ، دَفَعَهُ إِلَى الْمُوَكِّلِ، وَاسْتَرَدَّ الْمَغْرُومَ.

فَرْعٌ

الْوَكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، هَلْ يُثْبِتُهُ، أَوْ بِإِثْبَاتِهِ هَلْ يَسْتَوْفِيهِ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: لَا. وَالثَّانِي: نَعَمْ. وَالثَّالِثُ: يَثْبُتُ وَلَا يَسْتَوْفِي. فَلَوْ كَانَ الْحَقُّ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا، لَمْ يَسْتَوْفِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: عَلَى الْوَجْهَيْنِ.

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: فِي شِرَائِهِ الْمَعِيبَ. فَلِلْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ حَالَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوَكَّلَ فِي شِرَاءِ مَوْصُوفٍ، فَلَا يَشْتَرِي إِلَّا سَلِيمًا، فَإِنِ اشْتَرَى مَعِيبًا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ مَعَ الْعَيْبِ يُسَاوِي مَا اشْتَرَاهُ بِهِ، فَإِنْ جَهِلَ الْعَيْبَ، وَقَعَ عَنِ الْمُوَكَّلِ، وَإِنْ عَلِمَهُ، فَأَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: لَا يَقَعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي سَلِيمًا. وَالثَّانِي: يَقَعُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ عَبْدًا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَقَعَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَلَا، إِلَّا أَنْ

ص: 309

يَكُونَ كَافِرًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ شِرَاؤُهُ. وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ مَا اشْتَرَاهُ] بِهِ

[، فَإِنْ عَلِمَ، لَمْ يَقَعْ عَنِ الْمُوَكَّلِ، وَإِنْ جَهِلَ، وَقَعَ عَنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ بِنَفْسِهِ جَاهِلًا. وَحَيْثُ قُلْنَا بِوُقُوعِهِ عَنِ الْمُوَكَّلِ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَلِلْمُوَكِّلِ الرَّدُّ قَطْعًا، وَكَذَا لِلْوَكِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ بِالرَّدِّ. وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ عَالِمًا، فَلَا رَدَّ لَهُ، وَلِلْمُوَكِّلِ الرَّدُّ عَلَى الْأَصَحِّ. فَعَلَى هَذَا، هَلْ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَى الْوَكِيلِ، أَمْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ مِنْ أَصْلِهِ؟ وَجْهَانِ.

فَمَنْ قَالَ بِالِانْتِقَالِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَالُ، وَإِلَّا فَيَسْتَحِيلُ ارْتِدَادُ الْمِلْكِ مِنَ الْمُوكِّلِ إِلَى الْوَكِيلِ، قَالَهُ الْإِمَامُ. وَهَذَا الْخِلَافُ تَفْرِيعٌ عَلَى وُقُوعِهِ لِلْمُوَكِّلِ مَعَ عِلْمِ الْوَكِيلِ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي شِرَاءٍ مُعَيَّنٍ. فَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدِ الْوَكِيلُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ بِالرَّدِّ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.

الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُرِيدُهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ. وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي هَذَا الْحَالِ، مَتَى يَقَعُ عَنِ الْمُوَكَّلِ، وَمَتَى لَا يَقَعُ؟ وَالْقِيَاسُ: أَنَّهُ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ. لَكِنْ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا يُسَاوِي مَا اشْتَرَاهُ بِهِ وَهُوَ عَالِمٌ، فَإِيقَاعُهُ عَنِ الْمُوَكَّلِ هُنَا أَوْلَى، لِجَوَازِ تَعَلُّقِ الْغَرَضِ بِعَيْنِهِ. وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَالَيْنِ، فِيمَا إِذَا اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ. أَمَّا إِذَا اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ الْمُوَكِّلِ، فَحَيْثُ قُلْنَا هُنَاكَ: لَا يَقَعُ عَنِ الْمُوَكَّلِ، لَا يَصِحُّ هُنَا أَصْلًا. وَحَيْثُ قُلْنَا: يَقَعُ، فَكَذَا هُنَا، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ الرَّدُّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَمَتَى ثَبَتَ الرَّدُّ لِلْوَكِيلِ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ، فَاطَّلَعَ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْعَيْبِ قَبْلَ اطِّلَاعِ الْوَكِيلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَرَضِيَهُ، سَقَطَ خِيَارُ الْوَكِيلِ، وَلَا يَسْقُطُ خِيَارُ الْمُوَكِّلِ بِتَأْخِيرِ الْوَكِيلِ وَتَقْصِيرِهِ. وَإِذَا أَخَّرَ الْوَكِيلُ الرَّدَّ، أَوْ صَرَّحَ بِإِلْزَامِ الْعَقْدِ، فَهَلْ لَهُ الْعَوْدُ إِلَى الرَّدِّ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْحَقِّ بَاقٍ وَهُوَ نَائِبٌ، أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ بِالتَّأْخِيرِ كَالْعَازِلِ نَفْسَهُ عَنِ الرَّدِّ؟ وَجْهَانِ.

أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. فَإِذَا قُلْنَا بِهِ، وَأَثْبَتْنَا لَهُ الْعَوْدَ وَلَمْ يَعُدْ، فَاطَّلَعَ الْمُوَكِّلُ عَلَيْهِ، وَأَرَادَ الرَّدَّ، فَلَهُ ذَلِكَ إِنْ سَمَّاهُ الْوَكِيلُ فِي الشِّرَاءِ، أَوْ نَوَاهُ وَصَدَّقَهُ

ص: 310

الْبَائِعُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: يَرُدُّهُ عَلَى الْوَكِيلِ، وَيَلْزَمُهُ الْمَبِيعُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الْمُوَكِّلُ. فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ. وَبِهَذَا قَطْعًا فِي «التَّهْذِيبِ» وَ «التَّتِمَّةِ» . وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَصْحَابُهُ: أَنَّ الْمَبِيعَ لِلْمُوَكِّلِ، وَقَدْ فَاتَ الرَّدُّ لِتَفْرِيطِ الْوَكِيلِ. وَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ، وَفِيمَا يَضْمَنُهُ وَجْهَانِ.

قَالَ أَبُو يَحْيَى الْبَلْخِيُّ: يَضْمَنُ قَدْرَ نَقْصِ قِيمَتِهِ مِنَ الثَّمَنِ. فَلَوْ كَانَتِ الْقِيمَةُ تِسْعِينَ، وَالثَّمَنُ مِائَةً، رَجَعَ بِعَشَرَةٍ. فَإِنْ تَسَاوَيَا، فَلَا رُجُوعَ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَرْجِعُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ مِنَ الثَّمَنِ.

قُلْتُ: الْمَذْكُورُ عَنِ «التَّهْذِيبِ» وَ «التَّتِمَّةِ» أَصَحُّ، وَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ

لَوْ أَرَادَ الْوَكِيلُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: أَخِّرْ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِجَابَتُهُ. وَإِذَا رَدَّ، فَحَضَرَ الْمُوكِّلُ وَرَضِيَهُ، احْتَاجَ إِلَى اسْتِئْنَافِ الشِّرَاءِ. وَلَوْ أَخَّرَ كَمَا الْتَمَسَ الْبَائِعُ، فَحَضَرَ الْمُوَكِّلُ وَلَمْ يَرْضَهُ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: الْمَبِيعُ لِلْوَكِيلِ، وَلَا رَدَّ، لِتَأْخِيرِهِ مَعَ الْإِمْكَانِ. وَقِيلَ: لَهُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالْعَيْبِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لِلْبَغَوِيِّ: أَنْتَ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ، ثُمَّ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ وَأَرَادَ الرَّدَّ، فَلَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الْوَكِيلُ سَمَّاهُ أَوْ نَوَاهُ، وَهُنَا الْوَكِيلُ وَالْمُوَكَّلُ وَالْبَائِعُ مُتَصَادِقُونَ عَلَى أَنَّ الشِّرَاءَ وَقَعَ لِلْمُوَكِّلِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ سَمَّاهُ أَوْ نَوَاهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ: الْمَبِيعُ لِلْمُوَكِّلِ، وَلَهُ الرَّدُّ.

فَرْعٌ

إِذَا أَرَادَ الْوَكِيلُ الرَّدَّ، فَقَالَ الْبَائِعُ: قَدْ عَرَفَهُ الْمُوَكِّلُ وَرَضِيَهُ، وَلَا رَدَّ لَكَ،

ص: 311

نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ بُلُوغَ الْخَبَرِ إِلَيْهِ، لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ، وَإِنِ احْتَمَلَ، وَأَنْكَرَ الْوَكِيلُ، حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِرِضَا الْمُوَكِّلِ. وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: لَا يَحْلِفُ. فَإِنْ عَرَضْنَا الْيَمِينَ عَلَى الْوَكِيلِ، فَحَلَفَ، رَدَّهُ. فَإِنْ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ، فَصَدَّقَ الْبَائِعُ، فَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّ لَهُ اسْتِرْدَادَ الْمَبِيعِ مِنَ الْبَائِعِ، لِمُوَافَقَتِهِ إِيَّاهُ عَلَى الرِّضَا قَبْلَ الرَّدِّ. وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: لَا يَسْتَرِدُّ، وَيُنَفِّذُ فَسْخَ الْوَكِيلِ.

قُلْتُ: الْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَصَحُّ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبَا «الشَّامِلِ» وَ «الْبَيَانِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَإِنْ نَكَلَ الْوَكِيلُ، حَلَفَ الْبَائِعُ، وَسَقَطَ رَدُّ الْوَكِيلِ. ثُمَّ إِذَا حَضَرَ الْمُوَكِّلُ، وَصَدَّقَ الْبَائِعُ، فَذَاكَ. وَإِنْ كَذَّبَهُ، قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : يَلْزَمُ الْعَقْدُ الْوَكِيلَ، وَلَا رَدَّ لَهُ، لِإِبْطَالِ الْحَقِّ بِالنُّكُولِ. وَفِيهِ الْإِشْكَالُ السَّابِقُ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ.

فَرْعٌ

الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إِذَا بَاعَ، فَوَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا، رَدَّهُ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَكِيلًا، وَإِنْ عَلِمَهُ، فَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ هُوَ يَرُدُّ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ عَلَى الْمُوَكِّلِ. وَهَلْ لِلْوَكِيلِ حَطُّ بَعْضِ الثَّمَنِ لِلْعَيْبِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.

قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصَحُّهُمَا عَدَمَ الْحَطِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَوْ زَعَمَ الْمُوَكِّلُ حُدُوثَ الْعَيْبِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَصَدَّقَ الْوَكِيلُ الْمُشْتَرِيَ، رَدَّ عَلَى الْوَكِيلِ، وَلَمْ يَرُدَّ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.

ص: 312

فَرْعٌ

سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ، هَلْ يَشْتَرِي مَنْ يَعْتِقُ عَلَى الْمُوَكِّلِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: يَشْتَرِيهِ، فَكَانَ مَعِيبًا، فَلِلْوَكِيلِ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَى الْمُوَكِّلِ قَبْلَ رِضَاهُ بِالْعَيْبِ، ذَكَرَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» .

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: فِي تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ، فَإِنْ سَكَتَ الْمُوَكِّلُ عَنْهُ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ أَمْرًا يَتَأَتَّى لَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، لَمْ يُجِزْ أَنْ يُوَكَّلَ فِيهِ. وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ مِنْهُ، لِكَوْنِهِ لَا يُحْسِنُهُ، أَوْ لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ، فَلَهُ التَّوْكِيلُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ مِثْلِهِ الِاسْتِنَابَةُ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يُوَكَّلُ، لِقُصُورِ اللَّفْظِ. وَلَوْ كَثُرَتِ التَّصَرُّفَاتُ الْمُوَكَّلُ فِيهَا، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِهَا، لِكَثْرَتِهَا، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُوَكَّلُ فِيمَا يَزِيدُ عَلَى الْمُمْكِنِ، وَلَا يُوَكَّلُ فِي الْمُمْكِنِ. وَفِي وَجْهٍ: يُوَكَّلُ فِي الْجَمِيعِ. وَقِيلَ: لَا يُوَكَّلُ فِي الْمُمْكِنِ. وَفِي الْبَاقِي وَجْهَانِ.

وَقِيلَ: فِي الْجَمِيعِ وَجْهَانِ.

وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ، فَلَهُ أَحْوَالٌ.

الْأَوَّلُ: إِذَا قَالَ: وَكِّلْ عَنْ نَفْسِكَ، فَفَعَلَ، انْعَزَلَ الثَّانِي بِعَزْلِ الْأَوَّلِ إِيَّاهُ، وَبِمَوْتِهِ وَجُنُونِهِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ. وَلَوْ عَزَلَ الْمُوَكِّلُ الْأَوَّلَ، انْعَزَلَ. وَفِي انْعِزَالِ الثَّانِي بِانْعِزَالِهِ هَذَا الْخِلَافُ. وَلَوْ فِي انْعِزَالِ الثَّانِي، انْعَزَلَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَجُنُونِهِ. وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَكِيلًا مِنْ جِهَتِهِ. وَالَّذِي يَجْمَعُ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ، أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ، هَلْ هُوَ وَكِيلُ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، أَمْ وَكِيلُ الْمُوَكِّلِ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: أَقِمْ غَيْرَكَ مَقَامَ نَفْسِكَ؟ وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ وَكِيلُ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: وَكِّلْ عَنِّي، فَالثَّانِي وَكِيلُ الْمُوكَّلِ، وَلَهُ عَزْلُ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا عَزْلُ الْآخَرِ، وَلَا يَنْعَزِلُ أَحَدُهُمَا بِانْعِزَالِ الْآخَرِ.

ص: 313

الْحَالُ الثَّالِثُ: إِذَا قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، وَأَذِنْتُ لَكَ أَنْ تُوَكِّلَ فِيهِ، وَلَمْ يَقُلْ: عَنْكَ، وَلَا عَنِّي، فَهَذَا كَالصُّورَةُ الْأُولَى، أَمْ كَالثَّانِيَةِ؟ وَجْهَانِ.

أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ أَنْ يُوكِّلَ فِي صُورَةِ سُكُوتِ الْمُوَكِّلِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُوكِّلَ عَنْ مُوَكِّلِهِ. فَلَوْ وَكَّلَ عَنْ نَفْسِهِ، فَوَجْهَانِ.

قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ

حَيْثُ مَلَكَ الْوَكِيلُ أَنْ يُوكِّلَ، فَشَرَطَهُ أَنْ يُوكِّلَ أَمِينًا، إِلَّا أَنْ يُعَيَّنَ لَهُ غَيْرُهُ. وَلَوْ وَكَّلَ أَمِينًا، ثُمَّ فَسَقَ، هَلْ لَهُ عَزْلُهُ؟ وَجْهَانِ.

قُلْتُ: أَقْيَسُهُمَا: الْمَنْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ

لَوْ وَكَّلَهُ فِي تَصَرُّفٍ، وَقَالَ: افْعَلْ فِيهِ مَا شِئْتَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِذْنًا فِي التَّوْكِيلِ عَلَى الْأَصَحِّ.

قُلْتُ: لَوْ قَالَ: كُلُّ مَا تَصْنَعُهُ، فَهُوَ جَائِزٌ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: افْعَلْ مَا شِئْتَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ: فِي امْتِثَالِ تَقْيِيدِ الْمُوَكِّلِ. وَالصُّوَرُ الْمَذْكُورَةُ مَنْ أَوَّلِ الْبَابِ إِلَى هُنَا مَفْرُوضَةٌ فِي التَّوْكِيلِ الْمُطْلَقِ، وَمِنْ هُنَا إِلَى آخِرِهِ فِي التَّوْكِيلِ الْمَقْرُونِ بِتَقْيِيدٍ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ يَجِبُ مُرَاعَاةُ تَقْيِيدِ الْمُوَكِّلِ، وَرِعَايَةِ الْمَفْهُومِ مِنْهُ بِحَسَبِ الْعُرْفِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.

ص: 314

إِحْدَاهَا: إِذَا عَيَّنَ الْمُوَكِّلُ شَخْصًا، بِأَنْ قَالَ: بِعْ لِزَيْدٍ. أَوْ عَيَّنَ وَقْتًا، بِأَنْ قَالَ: بِعْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ لِغَيْرِ زَيْدٍ، وَلَا قَبْلَ الْجُمُعَةِ، وَلَا بَعْدَهُ.

قُلْتُ: هَكَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَهُ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ. قَالُوا: وَكَذَا حُكْمُ الْعِتْقِ، لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَلَا بَعْدَهُ. وَأَمَّا الطَّلَاقُ، فَنَقَلَ صَاحِبَا «الشَّامِلِ» وَ «الْبَيَانِ» عَنِ الدَّارِكِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: إِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْجُمُعَةِ، لَا يَقَعُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَهُ يَقَعُ، لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً يَوْمَ الْجُمُعَةِ، كَانَتْ مُطَلَّقَةً يَوْمَ السَّبْتِ، بِخِلَافِ الْخَمِيسِ. وَلَمْ أَرَ هَذَا لِغَيْرِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

لَوْ عَيَّنَ مَكَانًا مِنْ سُوقٍ وَنَحْوِهَا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ غَرَضٌ ظَاهِرٌ، بِأَنْ كَانَ الرَّاغِبُونَ فِيهِ أَكْثَرَ، أَوِ النَّقْدُ فِيهِ أَجْوَدَ، لَمْ يَجُزِ الْبَيْعُ فِي غَيْرِهِ. وَإِلَّا فَوَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وَقَطَعَ بِهِ الْغَزَالِيُّ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَطَّانِ وَالْبَغَوِيِّ: الْمَنْعُ.

قُلْتُ: قَطَعَ بِالْجَوَازِ أَيْضًا صَاحِبَا التَّنْبِيهِ وَ «التَّتِمَّةِ» وَغَيْرُهُمَا، لَكِنَّ الْأَصَحَّ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَنْعُ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» .

قُلْتُ: هَذَا إِذَا لَمْ يُقَدِّرِ الثَّمَنَ. فَإِنْ قَالَ: بِعْ فِي سُوقِ كَذَا بِمِائَةٍ، فَبَاعَ بِمِائَةٍ فِي غَيْرِهَا، جَازَ، صَرَّحَ بِهِ صَاحِبَا «الشَّامِلِ» وَ «التَّتِمَّةِ» وَغَيْرُهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَوْ نَهَاهُ صَرِيحًا عَنِ الْبَيْعِ فِي غَيْرِهِ، امْتَنَعَ قَطْعًا. وَلَوْ قَالَ: بِعْ فِي بَلَدِ كَذَا، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: هُوَ كَقَوْلِهِ: بِعْ فِي سُوقِ كَذَا، حَتَّى لَوْ بَاعَ فِي بَلَدٍ آخَرَ، جَاءَ فِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ، وَهَذَا صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ يَصِيرُ ضَامِنًا بِالنَّقْلِ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَيَكُونُ الثَّمَنُ مَضْمُونًا فِي يَدِهِ. بَلْ لَوْ أَطْلَقَ التَّوْكِيلَ فِي الْبَيْعِ فِي بَلَدٍ، فَلْيَبِعْ فِيهِ فَإِنْ نَقَلَ، ضَمِنَ.

ص: 315

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ: بِعْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، لَمْ يَبِعْ بِدُونِهَا، وَلَهُ الْبَيْعُ بِأَكْثَرَ. وَالْمَقْصُودُ بِالتَّقْدِيرِ: أَنْ لَا يَنْقُصَ فِيهِمَا مِنَ الْعُرْفِ. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ: لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ. وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ: الْأَوَّلُ. وَلَوْ نَهَاهُ عَنِ الزِّيَادَةِ صَرِيحًا، لَمْ يَزِدْ قَطْعًا.

قُلْتُ: حُكِيَ فِي «النِّهَايَةِ» وَ «الْبَسِيطِ» عَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْ بِمِائَةٍ وَلَا تَزِدْ، فَزَادَ، أَوِ اشْتَرِ هَذَا الْعَبْدَ بِمِائَةٍ وَلَا تَنْقُصْ، فَنَقَصَ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ.

قَالَا: وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ أَتَى بِمَا هُوَ نَصٌّ فِي الْمَنْعِ، لَمْ يُنَفَّذْ لِمُخَالَفَتِهِ، وَإِنِ احْتَمَلَ أَنَّهُ يُرِيدُ: لَا تُتْعِبْ نَفْسَكَ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، اتَّجَهَ التَّنْفِيذُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَهَلْ لَهُ الْبَيْعُ بِمِائَةٍ وَهُنَاكَ رَاغِبٌ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمِائَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْغِبْطَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُعَيَّنًا، فَإِنْ قَالَ: بِعْهُ لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا قَصَدَ إِرْفَاقَهُ.

فَرْعٌ

لَوْ قَالَ: بِعْ ثَوْبِي، وَلَا تَبِعْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، لَمْ يَبِعْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، وَيَبِيعُ بِهَا وَبِمَا دُونَهَا مَا لَمْ يَنْقُصْ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ. وَلَوْ قَالَ: بِعْهُ بِمِائَةٍ، وَلَا تَبِعْهُ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَيَجُوزُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَنْقُصْ عَنْ مِائَةٍ، وَلَا يَجُوزُ بِمَا زَادَ عَلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ عَلَى الْأَصَحِّ.

ص: 316

فَرْعٌ

الشِّرَاءُ كَالْبَيْعِ فِيمَا سَبَقَ. فَإِذَا قَالَ: اشْتَرِ بِمِائَةٍ، فَلَهُ الشِّرَاءُ بِأَقَلَّ، إِلَّا أَنْ يَنْهَاهُ، وَلَا يَشْتَرِي بِمَا فَوْقَهَا. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ بِمِائَةٍ، وَلَا تَشْتَرِ بِخَمْسِينَ، فَلَهُ الشِّرَاءُ بِالْمِائَةِ وَبِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسِينَ، وَلَا يَجُوزُ بِخَمْسِينَ. وَفِيمَا دُونَهَا الْوَجْهَانِ.

قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ قَالَ: اشْتَرِ عَبْدَ فُلَانٍ بِمِائَةٍ، فَاشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا، صَحَّ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ: بِعْهُ لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ. قَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي الْبَيْعِ مَمْنُوعٌ مِنْ قَبْضِ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ، فَلَا يَجُوزُ قَبْضُ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَفِي الشِّرَاءِ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ مِائَةٍ، وَدَفْعُ الْوَكِيلِ بَعْضَ الْمَأْمُورِ بِهِ جَائِزٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَوْ قَالَ: بِعْهُ إِلَى أَجَلٍ، وَبَيَّنَ قَدْرَهُ، أَوْ قُلْنَا: لَا حَاجَةَ إِلَى بَيَانِهِ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْمُعْتَادِ، فَخَالَفَ وَبَاعَ حَالًا، نُظِرَ، إِنْ بَاعَهُ بِقِيمَتِهِ حَالًا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِمَّا أَمَرَهُ بِهِ. وَإِنْ بَاعَهُ حَالًا بِقِيمَتِهِ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ لَا يُؤْمَنُ النَّهْبُ وَالسَّرِقَةُ، أَوْ كَانَ لِحِفْظِهِ مُؤْنَةً فِي الْحَالِ، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ ثَمَنِ الْمِثْلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَبَيْنَ مَا قَدَّرَهُ مِنَ الثَّمَنِ، بِأَنْ قَالَ: بِعْ بِمِائَةٍ نَسِيئَةً، فَبَاعَ بِمِائَةٍ نَقْدًا. وَلَوْ قَالَ: بِعْ بِكَذَا إِلَى شَهْرَيْنِ، فَبَاعَ بِهِ إِلَى شَهْرٍ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.

وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ حَالًا، فَاشْتَرَاهُ مُؤَجَّلًا بِقِيمَتِهِ مُؤَجَّلًا، لَمْ يَصِحَّ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِقِيمَتِهِ حَالًا، فَوَجْهَانِ كَمَا فِي طَرَفِ الْبَيْعِ. قَالَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» : هَذَا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ مُسْتَحِقَّ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ إِذَا عَجَّلَ حَقَّهُ، يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ. وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ، فَلَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ هُنَا لِلْمُوَكِّلِ بِحَالٍ. وَذَكَرَ هُوَ وَغَيْرُهُ تَخْرِيجًا

ص: 317

عَلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا: أَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ مُطْلَقًا، لَوِ اشْتَرَى نَسِيئَةً بِثَمَنِ مِثْلِهِ نَقْدًا، جَازَ؛ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا، وَلِلْمُوَكِّلِ تَفْرِيغُ ذِمَّتِهِ بِالتَّعْجِيلِ.

قُلْتُ: هَذَا الْمَنْقُولُ أَوَّلًا عَنِ «التَّتِمَّةِ» قَدْ عَكَسَهُ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» فَقَالَ: هَذَا الْخِلَافُ حَيْثُ لَا يُجْبَرُ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى قَبُولِ تَعْجِيلِهِ، وَحَيْثُ يُجْبَرُ، يَصِحُّ الشِّرَاءُ قَطْعًا. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ، أَصَحُّ وَأَفْقَهُ وَأَقْرَبُ إِلَى تَعْلِيلِ الْأَصْحَابِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ

لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ دِينَارًا، وَقَالَ: اشْتَرِ بِهِ شَاةً، وَوَصَفَهَا، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ تُسَاوِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا دِينَارًا، لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا جَمِيعًا عَلَى الدِّينَارِ، لِفَوَاتِ مَا وَكَّلَ فِيهِ. وَإِنْ سَاوَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ دِينَارًا، فَقَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: صِحَّةُ الشِّرَاءِ، وَحُصُولُ الْمِلْكِ فِيهِمَا لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ غَرَضُهُ وَزَادَ خَيْرًا. وَالثَّانِي: لَا تَقَعُ الشَّاتَانِ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِمَا، بَلْ يُنْظَرُ، إِنِ اشْتَرَاهُمَا فِي الذِّمَّةِ، فَلِلْمُوَكِّلِ وَاحِدَةٌ بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَالْأُخْرَى لِلْوَكِيلِ، وَيَرُدُّ عَلَى الْمُوَكِّلِ نِصْفَ دِينَارٍ. وَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَنْتَزِعَ الثَّانِيَةَ مِنْهُ، وَيُقَرِّرَ الْعَقْدَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْعَقْدَ لَهُ. وَفِي قَوْلٍ شَاذٍّ: لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، بَلْ يَقَعَانِ لِلْوَكِيلِ. وَإِنِ اشْتَرَاهُمَا بِعَيْنِ الدِّينَارِ، فَقَدِ اشْتَرَى شَاةً بِإِذْنِهِ، وَشَاةً بِلَا إِذْنِهِ، فَيُبْنَى عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا تُوقَفُ عَلَى الْإِجَازَةِ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِي شَاةٍ. وَفِي الْأُخْرَى قَوْلًا (تَفْرِيقُ) الصَّفْقَةِ. وَإِنْ قُلْنَا: تُوقَفُ، فَإِنْ شَاءَ الْمُوَكِّلُ أَخَذَهُمَا بِالدِّينَارِ، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ وَرَدَّ الْأُخْرَى عَلَى الْبَائِعِ. وَهَذَا الْقَوْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الشَّاةِ لِلْمُوَكِّلِ أَوْ لِإِبْطَالِ الْعَقْدِ فِيهَا، لَيْسَ بِأَوْلَى مَنْ تَعْيِينِ الْأُخْرَى، وَالتَّخْيِيرُ

ص: 318

يُشْبِهُ بَيْعَ شَاةٍ مِنْ شَاتَيْنِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. فَإِذَا صَحَّحْنَا الشِّرَاءَ فِيهِمَا لِلْمُوَكِّلِ، فَبَاعَ الْوَكِيلُ إِحْدَاهُمَا بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُوَكِّلِ، فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهِ، قَوْلَانِ. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إِذَا اشْتَرَى شَاةً بِدِينَارٍ، وَبَاعَهَا بِدِينَارَيْنِ. وَقِيلَ: هَذَا الْخِلَافُ، هُوَ الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ، فَعَلَى الْجَدِيدِ: يَلْغُو، وَعَلَى الْقَدِيمِ: يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمُوَكِّلِ.

قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوِ اشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ، تُسَاوِي إِحْدَاهُمَا دِينَارًا، وَالْأُخْرَى بَعْضَ دِينَارٍ، فَطَرِيقَانِ.

الْأَصَحُّ مِنْهُمَا عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابِ: صِحَّةُ الْبَيْعِ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ سَاوَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ دِينَارًا عَلَى مَا سَبَقَ. فَعَلَى الْأَظْهَرِ: يَلْزَمُ الْبَيْعُ فِيهِمَا جَمِيعًا لِلْمُوَكِّلِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا.

فَعَلَى الْأَظْهَرِ: لَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ الَّتِي تُسَاوِي دِينَارًا، لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا، وَإِنْ بَاعَ الْأُخْرَى، فَعَلَى الْخِلَافِ. وَإِنْ قُلْنَا: لِلْوَكِيلِ إِحْدَاهُمَا، كَانَ لَهُ الَّتِي لَا تُسَاوِي دِينَارًا بِحِصَّتِهَا، وَلِلْمُوَكِّلِ انْتِزَاعُهَا كَمَا سَبَقَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ

قَالَ: بِعْ عَبْدِي بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَبَاعَهُ بِمِائَةٍ وَعَبْدٍ أَوْ وَثَوْبٍ يُسَاوِي مِائَةً، فَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ بِالتَّرْتِيبِ عَلَى مَسْأَلَةِ الشَّاتَيْنِ، وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ عَدْلٌ عَنِ الْجِنْسِ. فَإِنْ أَبْطَلْنَا، فَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْقَدْرِ الْمُقَابِلِ لِغَيْرِ الْجِنْسِ وَهُوَ النِّصْفُ، أَمْ فِي الْجَمِيعِ؟ قَوْلَانِ. فَإِنْ قُلْنَا: فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِبَيْعِ الْجَمِيعِ بِمِائَةٍ، فَالْبَعْضُ أَوْلَى. وَأَمَّا الْمُشْتَرِي، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَكِيلٌ بِالْبَيْعِ بِدَرَاهِمَ، فَلَهُ الْخِيَارُ، وَإِنْ عَلِمَ، فَوَجْهَانِ، لِشُرُوعِهِ فِي الْعَقْدِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يُسَلَّمُ لَهُ.

ص: 319

قُلْتُ: وَلَوْ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ، فَفِي «التَّتِمَّةِ» وَ «التَّهْذِيبِ» : أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِائَةٍ وَثَوْبٍ. وَقَطَعَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ فِي الْجَمِيعِ الصِّحَّةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ

لَوْ قَالَ: بِعْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَبَاعَ بِأَلْفِ دِينَارٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ، وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ. وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ: الْبَيْعُ بِعَرْضٍ يُسَاوِي أَلْفَ دِينَارٍ، يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كَالْبَيْعِ بِأَلْفِ دِينَارٍ.

الصُّورَةُ السَّادِسَةُ: فِي الْوَكَالَةِ فِي الْخُصُومَةِ، وَفِيهَا مَسَائِلُ. إِحْدَاهَا: الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعِي، يَدَّعِي وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ وَيَسْعَى فِي تَعْدِيلِهَا، وَيَحْلِفُ وَيَطْلُبُ الْحُكْمَ وَالْقَضَاءَ، وَيَفْعَلُ مَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى الْإِثْبَاتِ. وَالْوَكِيلُ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، يُنْكِرُ وَيَطْعَنُ فِي الشُّهُودِ، وَيَسْعَى فِي الدَّفْعِ بِمَا أَمْكَنَهُ.

الثَّانِيَةُ: هَلْ يُشْتَرَطُ فِي التَّوْكِيلِ فِي الْخُصُومَةِ بَيَانُ مَا فِيهِ الْخُصُومَةُ، مِنْ دَمٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ عَيْنٍ، أَوْ دَيْنٍ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ، أَوْ بَدَلِ مَالٍ؟ حَكَى الْعَبَّادِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي بَيَانِ مَنْ يُخَاصِمُهُ.

الثَّالِثَةُ: لَوْ أَقَرَّ وَكِيلُ الْمُدَّعِي بِالْقَبْضِ، أَوِ الْإِبْرَاءِ، أَوْ قَبُولِ الْحَوَالَةِ، أَوِ الْمُصَالَحَةِ عَلَى مَالٍ، أَوْ بِأَنَّ الْحَقَّ مُؤَجَّلٌ، أَوْ أَقَرَّ وَكِيلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ لِلْمُدَّعِي، لَمْ يُقْبَلْ، سَوَاءٌ أَقَرَّ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، أَمْ فِي غَيْرِهِ، كَمَا لَا يَصِحُّ إِبْرَاؤُهُ وَمُصَالَحَتُهُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخُصُومَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُمَا، فَكَذَا الْإِقْرَارُ. ثُمَّ وَكِيلُ الْمُدَّعِي، إِذَا أَقَرَّ بِالْقَبْضِ، أَوِ الْإِبْرَاءِ، انْعَزَلَ، وَكَذَا وَكِيلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إِذَا أَقَرَّ بِالْحَقِّ، انْعَزَلَ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ

ص: 320

الْإِقْرَارِ ظَالِمٌ فِي الْخُصُومَةِ. وَأَطْلَقَ ابْنُ كَجٍّ وَجْهَيْنِ فِي بُطْلَانِ وَكَالَتِهِ بِالْإِقْرَارِ.

قُلْتُ: وَلَوْ أَبْرَأَ وَكِيلُ الْمُدَّعِي خَصْمَهُ، لَمْ يَنْعَزِلْ؛ لِأَنَّ إِبْرَاءَهُ بَاطِلٌ، وَلَا يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافًا بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ ظَالِمٌ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ، وَكَذَا فَرَّقَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ

نَقَلَ فِي «النِّهَايَةِ» أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ كَالْإِقْرَارِ فِي كَوْنِهِ قَاطِعًا لِلْخُصُومَةِ، وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ قَطْعُ الْخُصُومَةِ بِالِاخْتِيَارِ.

الرَّابِعَةُ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ، وَتُقْبَلُ لِمُوَكِّلِهِ فِي غَيْرِ مَا تُوُكِّلَ فِيهِ. وَإِنْ شَهِدَ بِمَا تُوُكِّلَ فِيهِ، نُظِرَ، إِنْ شَهِدَ قَبْلَ الْعَزْلِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَدْ خَاصَمَ فِيهِ، لَمْ يُقْبَلْ لِلتُّهْمَةِ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَلَمْ يُخَاصِمْ، قُبِلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ. هَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ. وَقَالَ الْإِمَامُ: قِيَاسُ الْمَرَاوِزَةِ أَنْ يَعْكِسَ، فَيُقَالُ: إِنْ لَمْ يُخَاصِمْ، قُبِلَتْ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.

قَالَ: وَهَذَا التَّفْصِيلُ، إِذَا جَرَى الْأَمْرُ عَلَى تَوَاصُلٍ. فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، فَالْوَجْهُ: الْقَطْعُ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ مَعَ احْتِمَالٍ فِيهِ.

الْخَامِسَةُ: لَوْ وَكَّلَ رَجُلَيْنِ بِالْخُصُومَةِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِاسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَوَجْهَانِ.

الْأَصَحُّ: لَا يَسْتَقِلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، بَلْ يَتَشَاوَرَانِ وَيَتَبَاصَرَانِ. كَمَا لَوْ وَكَّلَهُمَا فِي بَيْعٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ وَصَّى إِلَيْهِمَا. وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلَيْنِ فِي حِفْظِ مَتَاعٍ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِحِفْظِهِ، بَلْ يَحْفَظَانِهِ فِي حِرْزٍ بَيْنَهُمَا. وَالثَّانِي: يَنْفَرِدُ. فَإِنْ قَبِلَ الْقِسْمَةَ، قُسِّمَ لِيَحْفَظَ كُلُّ وَاحِدٍ بَعْضَهُ.

ص: 321

السَّادِسَةُ: ادَّعَى عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ وَكِيلُ زَيْدٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِالْخُصُومَةِ حَاضِرًا، وَصَدَّقَهُ، ثَبَتَتِ الْوَكَالَةُ، وَلَهُ مُخَاصَمَتُهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ تَقَدُّمُ دَعْوَى حَقِّ الْمُوَكِّلِ عَلَى الْخَصْمِ. وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، وَأَقَامَ الْوَكِيلُ بَيِّنَةً بِالْوَكَالَةِ، سَمِعَهَا الْقَاضِي وَأَثْبَتَهَا. وَلَا يَعْتَبِرُ حُضُورَ الْخَصْمِ فِي إِثْبَاتِ الْوَكَالَةِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه حَيْثُ قَالَ: لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ إِلَّا فِي وَجْهِ الْخَصْمِ.

قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَذْهَبِهِ، فِي امْتِنَاعِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ. ثُمَّ حَكَى الْإِمَامُ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يُنَصِّبَ الْقَاضِي مُسَخَّرًا يَنُوبُ عَنِ الْغَائِبِ، لِيُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ فِي وَجْهِهِ.

قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا بَعِيدٌ لَا أَعْرِفُ لَهُ أَصْلًا، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَصْحَابِ. وَحَكَى عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْقُضَاةَ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَكَّلَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ، اخْتَصَّ التَّوْكِيلُ بِالْمُخَاصَمَةِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.

قَالَ الْإِمَامُ: وَالَّذِي نَعْرِفُهُ لِلْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُخَاصِمُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ، وَلَا نَعْرِفُ لِلْقُضَاةِ الْعُرْفَ الَّذِي ادَّعَاهُ.

السَّابِعَةُ: وَكَّلَ رَجُلًا عِنْدَ الْقَاضِي بِالْخُصُومَةِ عَنْهُ، وَطَلَبَ حُقُوقَهُ، فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْهُ مَا دَامَ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ، اعْتِمَادًا عَلَى الْعِيَانِ. فَإِنْ غَابَ وَأَرَادَ الْوَكِيلُ الْخُصُومَةَ عَنْهُ اعْتِمَادًا عَلَى اسْمٍ وَنَسَبٍ يَذْكُرُهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ بَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَكَّلَهُ، أَوْ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَكَّلَهُ هُوَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ، وَالشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ. وَعِبَارَةُ الْعَبَّادِيِّ: إِنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَعْرِفَ الْمُوَكِّلَ شَاهِدَانِ يَعْرِفُهُمَا الْقَاضِي وَيَثِقُ بِهِمَا. ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ حَكَى عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّ عَادَةَ الْحُكَّامِ التَّسَاهُلُ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ تَرْكُ الْبَحْثِ وَالِاسْتِزْكَاءِ تَسْهِيلًا عَلَى الْغُرَبَاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي يُوسُفَ

ص: 322

فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْعَبَّادِيِّ: يُمْكِنُ أَنْ يُكْتَفَى بِمُعَرِّفٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ مَوْثُوقًا بِهِ، كَمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: إِنَّ تَعْرِيفَ الْمَرْأَةِ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا، يَحْصُلُ بِمُعَرِّفٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ لَا شَهَادَةٌ.

قُلْتُ: وَإِذَا ادَّعَى عَلَى وَكِيلٍ مَالًا، وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَقَضَى بِهَا الْحَاكِمُ، ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ الْوَكَالَةَ، أَوِ ادَّعَى عَزْلَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزٌ. قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : وَإِذَا اعْتَرَفَ الْخَصْمُ عِنْدَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ وَكِيلٌ، جَازَ لَهُ الْمُحَاكَمَةُ قَطْعًا. وَفِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ، هَلْ يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ، أَمْ لَا يَجِبُ حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةً؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الصُّورَةُ السَّابِعَةُ: وَكَّلَهُ فِي الصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ عَلَى خَمْرٍ، فَفَعَلَ، حَصَلَ الْعَفْوُ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ. فَلَوْ صَالَحَ عَلَى خِنْزِيرٍ، فَهُوَ لَغْوٌ عَلَى الْأَصَحِّ، فَيَبْقَى الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَالْعَفْوِ عَلَى خَمْرٍ. وَعَلَى هَذَا، لَوْ صَالَحَ عَلَى الدِّيَةِ، أَوْ عَلَى مَا يَصْلُحُ عِوَضًا، جَازَ. وَلَوْ جَرَتْ هَذِهِ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ الْمُوجِبِ وَالْقَابِلِ فِي الصُّلْحِ، لَغَا قَطْعًا، لِعَدَمِ انْتِظَامِ الْخِطَابِ. وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي خَلْعِ زَوْجَتِهِ عَلَى خَمْرٍ، فَخَالَعَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي الصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ.

فَرْعٌ

وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ فَاسِدٍ، لَمْ يَمْلِكْ فَاسِدًا وَلَا صَحِيحًا، لِعَدَمِ الْإِذْنِ.

الصُّورَةُ الثَّامِنَةُ: فِي مُخَالَفَتِهِ، فَإِذَا سَلَّمَ إِلَيْهِ أَلْفًا، وَقَالَ: اشْتَرِ بِعَيْنِهِ ثُوبًا، فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ لِيُنْقِذَ الْأَلْفَ، لَمْ يَصِحَّ لِلْمُوَكِّلِ. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ فِي الذِّمَّةِ وَسَلِّمِ

ص: 323