الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال ابن كثير في هذا: " عبر تعالى عن غفلة الناس عن التفكر في آيات اللَّه، ودلائل التوحيد بما خلقه في السماوات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات، وكم من أحياء وأموات، وحيوان ونبات، وثمرات متشابهة، ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات، فسبحان الواحد الأحد خالق أنواع المخلوقات، المتفرد بالبقاء والصمدية للأسماء والصفات "(1).
نقلنا هذه الكلمة مع طولها وسجعها المتكلف، لعموم ما تشير إليه من آيات اللَّه تعالى في السماء والأرض.
وإن العرب كان فيهم إيمان باللَّه، كانوا يؤمنون بأنه الخالق لمن في السماوات والأرض، وأنه هو المغيث، وأنه ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته، ولكنهم مع هذا الإيمان بخلق اللَّه تعالى يشركون معه الأوثان في العبادة، ولذا قال تعالى:
(1) تفسير القرآن العظيم: ج 4/ 358.
(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
(106)
(أَكْثَرُهُم)، أي أكثر الناس، وما المراد بالناس هنا؟ أراد بهم العرب قبل ظهور الإسلام أم الناس أجمعون؟ لَا مانع من إرادة أحد العرضين أو إرادتهما معا بمعنى شمول الكلمة لكل ما تدل عليه من ناس عرب وعجم.
على الفرض الأول يكون في هذا النص السامي بيان حقيقة تاريخية تومئ إلى حكمة بعث النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم في العرب ابتداء، وعموم دعوته من بين صفوفهم من بعد (. . . اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. . .)، ذلك أن العرب من شعوب الأرض كانوا يعلمون اللَّه، ويؤمنون بأنه الخالق لكل شيء وأنه واحد في ذاته وصفاته، ولكنهم مع ذلك يعبدون الأوثان مع اللَّه سبحانه وتعالى، وكانوا في تلبيتهم في الحج، يجمعون بين الإيمان باللَّه الواحد الأحد
وإشراك غيره معه، ففي الصحيحين: أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك (1)، وفي صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سمعهم قالوا لبيك اللهم لبيك، قال عليه الصلاة والسلام:" قَد قَد "، أي حسب حسب لَا يزيدون على هذا (2).
وإنهم كانوا في الشدة لَا يستغيتون إلا باللَّه لعلمهم بأنه وحده الخالق المغيث، ولكنهم يشركون به غيره في العبادة، ولقد كانوا بهذا أقرب إلى التوحيد من غيرهم، فليس على الداعي إلى الوحدانية إلا بطلان عبادتهم للأوثان وقولهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى، فاللَّه قريب من عباده (. . . ادْعُونِي أَسْتَجِب لَكمْ. . .)، وما لهم عنده من شفعاء.
هذا على منطق أن الناس المراد بهم عرب الجاهلية، وعلى الفرض الثاني والثالث يكون المعنى أن أكثر الناس تعتريهم حال إشراك مهما أخلصوا التوحيد للَّه تعالى، فالأوهام تسيطر على الناس وقد تأدت بالوثنيين إلى عبادة الأوثان، ولكنها بالنسبة لمن جاء بعدهم تأدت بهم إلى أوهام حول الأشخاص، لم يعبدوهم ولكن اعتقدوا فيهم قوى خفية، وإن آمنوا بأنهم مخلوقات، وأنهم بشر.
وإن أظهر ما يكون ذلك في الرُّقي، روي عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه خبر روته امرأته زينب قالت: كان عبد اللَّه إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح كراهة أن يهجم على أمر يكرهه، وإنه جاء ذات يوم، فتنحنح، وعندي عجوز ترقيني، فأدخلتها تحت السرير، فدخل فجلس إلى جانبي، فرأى في عنقي خيطا، فقال: ما هذا الخيط؟، قلت: خيط رُقِي لي فيه، فقال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم قال:" الرقى والتمائم شرك "(3).
(1) رواه مسلم: الحج - التلبية وصنهتها ووقتها (2032).
(2)
المرجع السابق.
(3)
انظر ما رواه أحمد: مسند المكثرين من الصحابة - مسند عبد اللَّه بن مسعود (3433)، وبنحوه ابن ماجه: الطب - تعليق التمائم (3521)، وأبو داود: الطب - في تعليق التمائم (3385).
ولقد كانت رقية النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم الخالية من الشرك:
" اذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشاف، لَا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لَا يغادر سقما "(1).
وروي أن رقية النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم كانت بالمعوذتين: قل أعوذ برب الفلق إلى آخرها وقل أعوذ برب الناس إله الناس إلى آخرها (2).
وفى الحق إن الأوهام التي تسيطر على الناس من ناحية الغيب دفعت النصارى إلى التثليث، وهو شرك، ودفعت المشركين من العرب إلى عبادة الأوثان.
والآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى الحرص على التوحيد، وتفويض الأمر إلى اللَّه تعالى، وأن يبعدوا عن الأوهام المضلة، فلا يعتقدون في مخلوق أن فيه قوة تشفي، أو تنفع، فإن الأوهام أدت إلى الشرك في جاهلية العرب وأدت النصارى إلى التثليث، ولا تزال الأوهام تسيطر عليهم حتى تأدت بهم إلى عبادة الأحجار والصور والتماثيل.
* * *
سبيل الله
قال تعالى:
(أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)
(1) رواه الترمذي: الدعوات - دعاء المريض (3488) قال أبو عيسى هذا حديث حسن. وانظر السابق.
(2)
انظر ما رواه الإمام أحمد: باقي مسند الأنصار - مسند عبد اللَّه بن فضالة (22832)، ومسلم. السلام - رقية المريض بالمعوذات والنفث (4065).
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)
* * *
إن من يخدعه الشيطان يكون في لهو عن مستقبله يستغرقه حاضره اللاعب اللاهي، ولا يتخذ من الماضي لغيره أو له عبرة يتعرف بها المستقبل، بل هو ساه في لهو لَا يفكر في أمر مستقبله، كأنه أمنه واستقر على ما يجيء به، ولذا قال تعالى في المشركين الذين استغرقهم حاضرهم وما هم فيه:
(أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ منْ عَذَابِ اللَّهِ)(الفاء) مقدمة عن تأخير؛ لأن الاستفهام له الصدارة دائما، أو الهمزة داخلة على فعل مناسب محذوف دل عليه ما بعده، ألَّهوا وأشركوا وعبثوا (أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عذَابِ اللَّهِ)، أي أي غاشية من الغواشي التي تكون من عذاب، فتعمهم من فوقهم ومن أسفل منهم، وكأنها ثياب تغشاهم وتعمهم، وتكون سابغة عليهم، ولهم في ذلك العبر من الأمم العربية التي كفروا بأنعم اللَّه فجاءتها ريح صرصر عاتية، أو جعل اللَّه تعالى عاليها سافلها أو دمر اللَّه عليهم، كما قال تعالى فيهم:(أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47).