الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(مَأوَاهُم النَّارُ) معناه المكان الذي يأوون وينتهون للإقامة فيه وكان القصد من المآوى الاستراحة لَا العذاب.
وقد علل اللَّه العقاب بقوله: (بِمَا كَانوا يَكْسِبونَ) والباء للجزاء والمقابلة بين ما فعلوا وما انتهوا إليه، والجمع بين الماضي في (كَانوا) والمستقبل في (يَكْسِبُونَ) دليل على الدوام والاستمرار فكانوا في غيٍّ مستمر، وبعد أن بين سبحانه حال وجزاء الذين لَا يرجون لقاءه ذكر في مقابله الذين آمنوا
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
(9)
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10).
هذا جزاء الذين يرجون لقاء اللَّه ويتوقعونه مستيقنين به؛ لأنهم آمنوا فيخافون العذاب ويرجون الثواب (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) ذكر اللَّه لهم جزاءين أولهما - أنهم بسبب الإيمان والعمل الصالح يهديهم ربهم إلى الحق دائما فلا تغمرهم الشهوات ولا يرتعون في الفاسد؛ لأن الإيمان نور في قلب المؤمن، به لا يفكر إلا في الحق، ولا يقول إلا الحق، ولا يعمل إلا الحق وسيره بين الناس لا يكون إلا بالحق، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:" من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم "(1) ذلك أن النور يهدي فيزداد المؤمن بإيمانه إيمانا.
والعمل السيئ تَظْلُمُ به النفس فتضل، تبدأ في طريق الضلالة وتنتهي إلى الضلال البعيد، وقال صلى الله عليه وسلم:" يتلقى المؤمن عمله في أحسن صورة فيؤنسه ويهديه، ويتلقى الكافر عمله في أقبح صورة فيوحشه ويضله "(2)، وفي قوله تعالى:
(يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) إشارتان:
أولاهما - أن ذلك من الربوبية فهو يربي نفوس المؤمنين بما يهيئها للخير
(1) سبق تخريجه.
(2)
ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج 8/ 312 بنحوه.
والحق دائما، كما قال تعالى:(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)،
فإذا ألهمت التقوى سارت في طريقها تبلغ غايته، وهذا أمر معنوي تطيب به النفوس المؤمنة وترضاه وتطمئن به.
ثانيتهما - جزاء مادي في اليوم الآخر، وهو روح وريحان (تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ) أي أنهم يدخلون الجنة تجري من تحتها الأنهار.
وهنا إشارتان بيانيتان:
الأولى - أنه إذا كان ثمة جزاءان فإنه يعطف بينهما بالواو ولكن لَا عطف، وذكرا منفصلين فما حكمة ذلك؛ نجيب قائلين: إن الانفصال هو الأوْلى؛ لأن زيادة الإيمان في الدنيا وجريان الأنهار تحت الجنان في الآخرة. هو جزاء للأول وثمرة له فكان مقتضى ذلك أن يذكر منفصلا عنه، وتجري من تحتهم هو جريانها من تحت المستقَر الذي استقروا عليه تعطيهم منظرا يسر الناظرين وتنعم به النفس والقلب والعين، وتكون الراحة الخالدة.
الثانية - أنه سبحانه قدم جريان الأنهار من تحتهم على جنة النعيم، للمبادرة بذكر المتعة النفسية الروحية، ولبيان أنها تحتهم هم، وذكر بعد ذلك أن هذا في جنات النعيمِ، أي في الجنات التي خصصت للنعيم أو هي النعيم ذاته، وفي قوله تعالى:(يهْدِيهِمْ رَبُّهمْ بِإِيمَانِهِمْ) اقتصرت الهداية على أنها بالإيمان مع أنه ذي الإيمان والعمل الصالح، فلماذا اختص الإيمان بالذكر هنا؛ نقول عن ذلك أمرين: أولهما - أن العمل الصالح ثمرة من ثمرات الإيمان الذي هو النور الهادي والمصباح المضيء فذكر الإيمان استتبع ذكر ما هو أثر له.
ثانيهما - أن الإيمان وحده هو الذي يهدي.
وبعد ذلك ذكر سبحانه نعيم الجنة المادي والنعيم الروحي وهو تسبيح وسلام وحمد لله رب العالمين، فقال تعالى:
(دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)
الدعوى هي مصدر دعا - يدعو، كالشكوى، في شكا - يشكو. والدعوى في الدنيا طلب الحق والطلب من اللَّه تعالى.
ودعاؤهم لله تعالى هو تقديسه وتسبيحه وتنزيهه؛ لأنهم وصلوا إلى أقصى الغايات والمنى فلم يبق إلا أن يسبحوه ويقدسوه وينزهوه، و (اللهم): هو نداء لفظ الجلالة، أي سبحانك يا إله العالمين ويارب هذا الوجود وخالقه.
(وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ) أي أمن ودعة واطمئنان، وهذه التحية تتبادل بينهم بالأمن والسلام والاستقرار وتحية الملائكة المقربين لهم سلام، كما قال تعالى:(. . . وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)، وتحية من ربهم ورب هذا الوجود كما قال تعالى:(سَلامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رحِيمٍ).
فحياتهم في الجنة تقديس لله وتنزيه وتحيات مباركة وأمن دائم.
(وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي آخر دعائهم حمد اللَّه سبحانه وتعالى؛ لأن ما سبق نِعَمْ؛ التقديس نعمة والتحيات نعمة وكلاهما يستحق الحمد.
يقول الزمخشري: " أَن " هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن.
ويقول البيضاوي: لعل المعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة اللَّه تعالى وكبرياءه مجَّدوه ونعتوه بنعوت الجلال ثم حياهم الملائكة بالسلامة من الآفات والفوز بأصناف الكرامات، فحمدوا اللَّه وأثنوا عليه بصفات الإكرام. ابتدأوا بالتقديس وانتهوا بالحمد. فاللهم اجعلنا منهم وإن لم نعمل عملهم ولكنك غفور رحيم.
* * *
النفس الإنسانية في ضرائها وسرائها
قال تعالى:
(وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)
* * *
في هذه الآيات الكريمات يبين سبحانه وتعالى لطفه بعباده وإجابته لهم عند الاستغاثة به، وبيان الذين لَا يرجون لقاء اللَّه تعالى، وأنه أمهلهم ليتدبروا إن كان فيهم من يفقه ويدرك، وابتدأ سبحانه ببيان أنه يعجل الخير ولا يعجل الشر.
وفي قوله:
(وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ) - " لو " هنا حرف امتناع فهي تتضمن النفي، ينفى اللَّه أن يعجل وينفَى سبحانه جواب الشرط أيضا وهو (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) أي ينهى أجلهم لأنه سبحانه لَا يستعجل الشر ولا يعجله كاستعجالهم للخير.
وليس الشر هنا ما يفسد أو يضر إنما يراد به ما يسوؤهم ولو كان عدلا وجزاءً وفاقا لما يفعلون، والمعنى ولو كان اللَّه يعجل لهم ما يسوؤهم ويهددهم به
وينذر من عذاب أليم - كالرجفة أو ريح فيها عذاب أليم أو يجعل عالي الأرض سافلها أو يغرق كغرق قوم نوح - لانتهت آجالهم، وهذا معنى (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ)، وكانت - إلى - بدل اللام للدلالة على أن قضاء الأجل هو إنهاؤه ويتحقق فيهم قول اللَّه تعالى:(خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ. . .)، والخير الذي يستعجلون اللَّه وأنفسهم فيه ليس هو الخير في ذاته ولكنه الخير لأنفسهم - سواء أكان حلالا أم كان حراما، وإن اللَّه لَا يعجل السيئة التي تسوؤهم أو النازلة التي تنزل بهم إملاء لهم، عسى أن يكون من ظهورهم من يعبد اللَّه، ولذا قال سبحانه لمشركي العرب:
(. . . سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأملِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ).
فالإهمال ليس إهمالا ولكنه أولا: لتمكينهم من أن يعملوا صالحا إن أرادوه وثانيا: ليكون الجزاء الأوفى إذا استمروا في ضلالهم، وثالثا: ليعرفوا العبر.
وفى قوله: (فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهونَ)(الفاء) للإفصاح عن شرط مقدر، أي إذا كنا لم نعجل لهم العذاب الدنيوي - نذرهم في طغيانهم.
(نذرهم)، أي نتركهم لاهينِ عمين عن الحق وعن البعث غير مدركين، وعبَّر سبحانه بالموصول:(الَّذِين لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) للإشارة إلى أن السبب في استمرار طغيانهم وتجاوزهم أنهم لَا يتوقعون لقاء اللَّه تعالى وتلقي الجزاء فيخافون، أو تلقي الثواب فلا يطغون، ولكن المناسب هنا هو جزاء الطغيان إذْ هو المذكور. والطغيان هو تجاوز الحد والاعتداء على الأشخاص فيسيرون وراء أهوائهم وشهواتهم وطغيانهم لَا يقفون عند حد من الحدود فيرتكبون ما شاءت لهم أهواؤهم بعد أن جعلوا إلههم هواهم.