الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمثيل عقيدة الشرك
* النموذج الخامس - من سورة العنكبوت:
{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} وهذا تمثيل آخر لضلال عقيدة الشرك وضعفها، ويضربه القرآن مثلاً للمشركين وعبدة الأصنام، وكل من اتخذ ولياً من دون الله، والعنكبوت حشرة لا يخلو منها بدوٌ ولا حضر، وهي في البيئات البدوية أكثر انتشاراً منها في البيئات الحضرية، ولا ريب أن مشركي العرب الذين عاصوا نزول القرآن كانوا شديدى الإلف بهذه الحشرة، وهي تعشعش في بيوتهم ونواديهم، وأن خبرتهم بها وبأحوالها تجعلهم مؤهلين لفقه هذا المثل القرآني الحكيم، وبيت العنكبوت - كما جاء في الآية الكريمة - هو مضرب الأمثال في الضعف، لأنه يتكون من خيوط رقيقة إذا تعرضت لنسمة لطيفة من نسمات الهواء تمزقت بدداً، وإذا مرر طفل عليها كفه تحطمت وعلقت أشلاءها بيده، وليس بعد ذلك ضعف وحقارة.
والتمثيل القرآني - هنا - وإن كان مسوقاً في دلالته المباشرة لبيان حقارة بيت العنكبوت، فإننا نلحظ فيه معنى آخر مكوياً في ثنايا هذا التمثيل.
ذلك المعنى أن بيت العنكبوت لا يخفية عن الأنظار، فهو بيت فضلاً عن ضعفه: فاضح لمن حلَّ به، وشأن البيوت الصالحة أن تكون قوية البناء ساترة لمن فيها.
وهذا هو شأن الشرك مع المشركين. إن المشرك يمسك بأسباب واهية واهنة حين يعتقد أن مع الله آلهة أخرى - سبحانه - وهي لضعفها لا تجلب له نفعاً، اي نفع، ولا تدفع عنه شراً، أيّ دفع.
ومع هذه الخسة خسة أخرى، وهي أن الشرك مفضوح مهتوك الأسرار ومن يركن إلى عقيدة الشرك، مثل بيت العنكبوت الذي يرى ظاهره باطنة، وباطنه من ظاهره.
وبعد أنه ألمح التمثيل القرآني إلى هذه المعاني، وكشف للمشركين ضلال عقيدتهم أثارهم وألهب مشاعرهم ليتفكروا لعلهم يؤثرون الحق على الباطل:{وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} .
ضعف الأصنام صورة ذهنية مجردة، والصور الذهنية أقا إدراكاً من الصور الحسية الواقعية المشاهدة، وهكذا سلك المنهج القرآني في تمثيل تلك الصورة الذهنية، حيث لم يقل لهم: إن الأصنام ضعيفة، بل عمد إلى مشهد تقع عليه أعينهم صباح مساء، ومثَّل به لهم ضعف أصنامهم في صورة مرئية تقع أمام أبصارهم مرات في اليوم الواحد، وكأنه يقول لهم: كلما أبصرتم بيتاً لعنكبوت فتصوَّره مثلاً لأصنامكم وآلهتكم التي تدعونها من دون الله، فأنتهم عناكب وشرككم بيت العناكب، ولو كنتم حقاً من أهل العلم لبنبذتم الشرك بعد ما كشفنا لكم عن بطلانه وحقارته. هذا - لو كنتم تعلمون؟!
أترى القرآن - هنا - حدثهم بما لم تدركه عقولهم، أو بما لم تألفه نفوسهم؟ أم حدثهم بما لا تخفي معانيه ومراميه حتى على السذج والبُلْه؟
* * *