الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
مُثُلٌ من الأمم الغابرة:
وإخلاصاً في النصح لهم، وقطعاً لأعذارهم ساق لهم إشارات من تاريخ الأمم الغابرة، الذين كذبوا الرسل فحق عليهم العقاب، أشار لهم إلى قصة قوم نوح وأصحاب الرس، وثمود، وعاد، وفرعون، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، وقوم تبع، هؤلاء الأقوام جيمعاً تواطأوا على تكذيب الرسل توحيداً وبعثاً، فأهلكهم الله في الدنيا قبل الآخرة:{فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .
كان هذا مضمون ما عرضته الآيات: (12 - 14) ، والتخويف من سوء المصير وسيلة سلمية ذات شأن عظيم في مجالات التربية والتوجيه؛ لأن طبائع النفوس مختلفة فمنها ما ينقاد عن طريق الإقناع، ومنها ما ينقاد عن طريق الترغيب، ومنها ما ينقاد عن طريق التخويف. ومنها ما ينقاد عن طريق هذه الوسائل كلها مع التساوي حيناً، ومع التفاوت حيناً آخر.
والدعوة إلى الإيمان بالوسائل السلمية في القرآن وظَّفَتْ كل هذه الوسائل في سياسة النفوس، واستمالتها إلى الحق، والقرآن حافل بالنماذج الدالة على هذا المنهج الكامل المتكامل، ولكن كثيراً من خصوم الدعوة غلبت عليهم شقوتهم فتنكبوا سوآء الصراط.
ثم تأتي الآية (15) خاتمة المطاف في هذا النموذج الإستدلالي الحكيم، مستثمرة كل ما تقدم من وسائل الإقناع السليمة، في صياغة حكيمة للاستدلال بها: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ
…
} ؟
تساؤل إنكاري ينتهي إلى نفي ما وقع عليه التساؤل: كلا لم يصبنا إعياء ولا كلل من خلقنا كل ما خلقناه مما هو منظرو مشاهد، ومما هو غيب لم يطلع عليه أحد من دقائق صنع الله وآثاره، إذا فكيف نعجز عن بعث من مات ممن خلقنا؟
أهذا يقع في عقل عاقل؟ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.
إن دلائل الحق جلية، وأماراته واضحة، ولكن منكري البعث اختلط عليهم الأمر بسبب جهلهم وإعراضهم عن تأمل الأدلة، لا لعيب في مناهج الكشف والاستدلال بل لأنهم:{فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} .
ومع اكتفائنا بهذه النماذج الثلاثة، في إبطال شبهات منكري البعث، وغيرها كثير في الذكر الحكيم، نسجل هذا البيان قبل أن ننتقل إلى المبحث الثاني من سماحة الدعوة إلى الإسلام في القرآن الكريم في العهد المكي.
وخلاصة هذا البيان في إيجاز شديد: أن استعراض مواقف القرآن في هذه القضية يُسفر عن حقيقتين عظيمتى الشأن:
الأولى: أن البعث أمر يمكن عقلاً وليس مستحيلاً عقلاً كما زعم منكروه؛ لأن الإعادة أيسر في حكم العقل من الابتداء، والله الذي خلق الخلق ابتداءً، ومن العدم قادر بلا أدنى نزاع عقلي على إعادته حين يشاء.
الثانية: أن البعث من حيث تواتر الخبر الديني به واجب شرعاً لن يتخلف حسب ما هو مقدرٌ في علم الله.
ويترتب على هذا أن منكري البعث اقترفوا إثمين عظيمين:
الأول: رفضهم لدليل العقل الواضح الجلي، وبذلك حرموا أنفسهم من الاستفادة بأجل نعمة زوًّد الله بها الإنسان في تكوينه الخِلْقى.
الثاني: تكذيبهم ربهم في ما أوحى إلى رسله الأمناء في التبليغ. وبذلك كله: {
…
أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} .
* * *