الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم".
هكذا بكل وضوح وصراحة وعدل ومساواة أبرمت المعاهدة بين اليهود، وبين المسلمين، والنظر في بنود المعاهدة يرينا حقيقة رائعة، وصورة ناصعة لسماحة الإسلام دين الفطرة، تلك الصورة الرائعة هي:
المساواة التامة بين اليهود والمسلمين في كل الحقوق والواجبات العامة والخاصة. ليس فيها محاباة ولا مضارة لأحد. اللهم إلا في الدين. فلليهود دينهم. وللمسلمين دينهم، وما عدا ذلك فهم سواء فيه.
ومن سماحة الإسلام أن بنداً من بنود المعاهدة مج دمجاً تاماً بين اليهود والمسلمين فجعلهم أمة واحدة، وهو البند الأول، كذلك فإن البند الرابع نص على التعامل بين الفريقين بالنصح الخالص دون الخدلع والغش. وبالبر والإحسان دون الظلم والإثم.
وأن البند الثامن جعل يثرب - المدينة - وطناً للجميع لا فرق بين يهودي ومسلم. كلهم في ذلك سواء.
* * *
*
ملحظ ذو خطر:
في البند التاسع نص دستوري ذو خطر عظيم، وهو الذي اختص بالحكم في المنازعات التي قد تحدث في المستقبل بين أهل يثرب - المدينة - بكل طوائفهم يهوداً ومسلمين. فقد جعل هذا النص الدستوري أن أساس الحكم في ذلك مرده الله ورسوله: أي أصول الشريعة الإسلامية قرآناً وسُنَّة. وقد وافق اليهود - ضمناً - على هذا النص الذي معناه:
أولاً: أن الفصل في المنازعات والخضومات أياَ كان نوعها يخضع لشريعة الإسلام، سواء أكان أطراف الخصومة يهوداً أو مسلمين أو مختلفين: طرف يهودي، وطرف مسلم. فعلى القاضي المسلم أن يُحكّم شريعة الله بين المتنازعين غاضاً الطرف غن الانتماء الديني لأطراف الخصومة.
ثانياً: أن ما يتصل بشئون العقيدة والعبادة لا قيد فيه على أحد، يمارس اليهود عبادتهم على وفق عقيدتهم في حرية تامة لا سلطان لأحد عليهم. وكذلك المسلمون يتمتعون بحرية تامة في شئون العقيدة الإسلامية، والعبادات المتفقة معها.
هذا النص الدستوري العام فيه دحض واضح لما يردده من لا فقه لهم بالإسلام وأصوله، الذين يقفون في وجه تطبيق الشريعة في مصر بحُجًّة أن مصر بها غير مسلمين من مواطنيها القبط، فكيف تُطَّبق الشريعة عليهم وهم بها غير مؤمنين؟
هذه الشبهة مدفوعة بكل قوة وحسم، لأن الشريعة لن تطبق عليهم إلا في الحكم في المنازعات التي طرفاها غير مسلمين إذا رفع أحدهم الدعوى أما القضاء.
أو كانت الخصومة ناشئة عن جريمة ارتكبها أحدهم ضد الآخر من الجرائم التي تتولى النيابة العامة رفع الدعوى فيها كالاعتداء على المال أو العرض أو النفس أو ما دون النفس من الأطراف وأعضاء الجسم.
أو كانت الخصومة بين طرفين مسلم وغير مسلم، في جميع هذه الحالات تطبق شريعة الله.
أما ما يتصل بالأمور الدينية البحتة من مراسم التزويج أو العبادات فهذا لهم فيه مطلق الحرية، ولا سلطان لأحد عليهم، حتى الخمور إذا شربوها معتقدين حليتها عندهم فلهم ذلك ما لم يخل شربها بالنظام العام كظهور شاربها في الطريق العام وهو يترنح ويهذى ويقذف غيره ويسبه.
هذه هي سُنَّة رسول الله في الحكم عمل بها مع نشأة الدولة الإسلامية عقب الهجرة مباشرة. وإذا قضى الله ورسوله أمراً فلا مناص من امتثاله والعمل به مهما لغط الكارهون لما أنزل الله. وقد جرَّب قبط مصر سماحة الإسلام منذ فجر التاريخ الإسلامي في مصر، وسماحة الإسلام هي ظله الذي لا ينفك عنه في كل عصر وبيئة، شريطة أن يتولى الحكم بالإسلام رجال فاقهون له، عالمون بأصوله ومقاصده، لا رجال ليس لهم من الإسلام نصيب سوى الأسماء والوراثة الفارغة كم كل محتوى.
* * *