الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
تعميم الدعوى:
لم يكتف اليهود والنصارى بادعاء أن إبراهيم وحده كان يهودياً أو نصرانياً، بل عمَّموا الدعوى حتى شملت إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وهم ذُرّية إبراهيم الأدنون، وقد حكمى القرآن الأمين دعواهم هذه فقال:{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} .
هذه دعواهم
…
لكن القرآن ذكرها موصولة بالرد عليها إذ قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
وحاصل الرد أن الله شهد لهؤلاء الأنبياء بالتوحيد والإسلام في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} .
وشهادة الله حق، فهل أهل الكتاب أعلم من الله بأحوال أنبيائه ورسله، هو يقول: مسلمون، وهم يقولون: يهوداً أو نصارى؟.
وأهل الكتاب يعلمون بشهادة الله لهم بالتوحيد والإسلام ومع هذا فهم يكتمون شهادة الله فلا أحد أظلم منهم. وتاريخ اليهودية ونشأتها تبدأ بإنزال التوارة على موسى عليه السلام. ونشأة النصرانية تبدأ بإنزال الإنجيل على عيسى عليه السلام. والأنبياء السابقون على موصى وعيسى أمة منفصلة لها كسبها عند الله، واليهود والنصارى غير مسئولين عمن سبقهم من الأمم. فكيف يكون هؤلاء الأنبياء يهوداً أو نصارى؟ وما كان لليهودية والنصرانية وجود في أعصارهم؟!
هكذا بالدليل والبرهان أبطل القرآن مزاعمهم موكلاً حسابهم إلى الله يوم يقوم الناس لرب العالمين.
* *
* إدعاؤهم أنهم أبناء الله وأحباؤه:
من الدعاوى الجوفاء التي ادعاها اليهود والنصارى لأنفسهم أنهم أبناء الله وأحباؤه. قال هذا اليهود وقاله النصارى. إذ يحكي القرآن الأمين عنهم قولهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} . فكيف واجه القرآن هذه الدعوى المفتراة؟
في الآية نفسها التي حكى فيها القرآن هذا الإفك عن اليهود والنصارى، أمر الله رسوله أن يرد عليهم بما يكشف زيفهم، ويزيل باطلهم:{قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} .
أي: إن كنتم أبناء الله وأحباؤه فلم يؤاخذكم بما تقترفون من المعاصي والآثام؟ ما أنتم إلا خلق كسائر البشر تجري عليكم سنن الله في خلقه: يغفر لمن يشاء منهم، ويعذب من يشاء، ولو كنتم كما تدعون لكانت لكم قداسة ترفعكم فوق البشر؟
* *
* ادعاؤهم قصر الهدى على اليهودية والنصرانية:
من مزاهم أهل الكتاب التي أثاروها في المجتمع المدني بعد الهجرة: إدعاء اليهود أن الهدى - كل الهدى - مقصور على اليهودية التي هم عليها وحدها.
وادعى النصارى مثل هذه الدعوى، وقالوا: إن الهدى وقف على النصرانية التي هم عليها وحدها.
وقد صور القرآن الحكيم هاتين الدعويين فقال حاكياً عنهم: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} .
أي قالت اليهود: كونوا هودا تهتدوا؟! وقال النصارى: كونوا نصارى تهتدوا؟! كل منهم يدعي الهدى ويرمي من عداه بالضلال؟! وهاتان الدعويان تتضمنان فرية أخرى: هي التفرقة بين رسل الله. فاليهود يؤمنون بأنبيائهم ويكفرون بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم والنصارى يؤمنون بعيسى "إله" ويكفرون بخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم.
* *
* مواجهة القرآن:
وقد واجه القرآن الحكيم هذه المزاعم معرضاً باليهود والنصارى بأنهم ليسوا موحدين، فكيف يكونون على هدى، والتوحيد الذي كفروا به هو أساس الهدى؟ فقال في الرد عليهم:{قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
أي أن الهدى الخالص هو ملة إبراهيم الذي رعى عقيدة التوحيد، ولم يكن مشركاً بربه شيئاً كما أشركتم أنتم فجعلتم عزيزاً (اليهود) وعيسى (النصارى) ولدين لله سبحانه وتعالى عما تقولون علواً كبيراً، واليهود والنصارى حين سمعوا هذا البيان يعلمون علم اليقين أنهم مشركون بالله، فيتبين لهم في خاصة أنفسهم أنهم كاذبون في إدعاء الهدى.
* *
* التفرقة بين الرسل:
أما تفرقتهم بين الرسل على الوجه الذي تقدم فقد لقنهم فيها القرآن درسا شديد الوقع عليهم. جاء هذا الدرس ضمن خطاب الله للمسلمين: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .
لقد ارتكب أهل الكتاب خطأين لا يكون من ارتكب واحداً منهما على هدى، فكيف بمن ارتكبهما معاً؟!
والخطآن هما: الإشراك بالله سبحانه، ثم التفرقة بين رسله: يؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض.
والإيمان الأمثل هو ما عليه المسلمون حيث لم يشركوا بالله أحداً ولم يفرقوا بين رسله، فهم يؤمنون بكل من صحت رسالته.
فإن آمن أهل الكتاب إيمان المسلمين فقد حققوا لأنفسهم الهدى فعلاً، وإن أعرضوا فهم في شقاق لا يجامعه إيمان منج، ومهما لغطوا فإن الله حافظ رسوله ومن اتبعوه من مكايدهم، وهو السميع لكل ما يقال العليم بكل ما خفى أو ظهر.
هكذا حسم القرآن هذا الجدل الفارغ، وأعطى المتلاعبين بحقائق الإيمان درساً قاسياً.
* *
* إدعاؤهم أن الجنة لن يدخلها إلا اليهود أو النصارى:
ومن الدعوى الفارغة التي ادعاها اليهود والنصارى - كل على حدة - أن اليهود زعموا أن الجنة لن يدخلها إلا اليهود، وحذا حذوهم الانصارى فادعوا أن الجنة لن يدخلها إلا من كان نصرانياً، وقبح هذه الدعاوى أن أهل الكتاب زعموا أن من سلطتهم التدخل في شئون الله - سبحانه - وتوزيع رحمته على من يشاءون. وهذا ما لا يدعيه عاقل أو مؤمن صحيح الإيمان لنفسه، فالله لم ولن يشرك في حكمه أحداً.
وليس غريباً على قوم حرَّفوا رسالات ربهم وعصوا رسله أن يأتي عنهم هذا الهذيان الساقط، واللغو المرذول.
وقد ذكر القرآن الكريم هذه المقولة الصادرة عن الفريقين قارناً بها الرد المفحم لهم جميعاً عليها فقال: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .
فقد طالبهم القرآن أن يأتوا ببرهانهم على ما يقولون إن كانوا صادقين. والأمر في {هَاتُوا} للإفحام والتعجيز، لأنهم ليس لهم برهان قط على مدعياتهم.
وبعد تكذيب مزاعمهم عمد القرآن إلى بيان سُنَّة الله الخالدة في خلقه، وأساس العدل الإلهي الذي يعامل به العباد، فليس الأمر كما قالوا: عنصرية دينية وراثية لاحظ لها من الفقه والإذعان، وإنما أساس العدل عند الله هو الإيمان والطاعة وإخلاص الوجه لله:
فليقل اليهود ما شاءوا، وليقل النصارى ما شاءوا. فأمر الله ليس بأماَّني أحد من خلقه:{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} .
* * *
* أشنع جرائم أهل الكتاب، وكيف ووجهت؟
ذلك طرف يسير من مزاعم أهل الكتاب التي واجهتها الدعوة بالوسائل السلمية، بَيْدَ أن أشنع جرائم أهل الكتاب ادعاؤهم الولد والشريك لله - سبحانه - ومع فظاعة هذه الجريمة فإن منهج الدعوة الإسلامية في مواجهتها لم يخرج عن سمته الوقور، وما عُرِف به من التصدي لهم بالحُجَّة الهادئة، والبرهان الرزين، والإخلاص في النصح والإرشاد
والتوجية، دون أن يدعو إلى سفك دماء، أو سوء معاملة، وإنما بصرَّهم بالحق وزّينه لهم، وأغراهم على قبوله. وقبَّح لهم الباطل وحذّرهم من سوء المصير فيه، وفتح لهم أبواب التوبة، والإنابة إلى الله على مصاريعها لعلهم يؤمنون.
ففي مواجهة النصارى المدَّعين بنوة عيسى لله - سبحانه - حذرهم القرآن من مغبة هذا الإفتراء، لكن دون أن ينسبه إلى النصارى صراحة، بل أخرج الحديث مُخْرج العموم، وفي ذلك تلَطُّف معهم في الخطاب وتأليف لقلوبهم. ومسلك حكيم للدعوة في ملاينة الخصوم، ورسم خطة سديدة للخروج من مضايق الشرك والضلال. وهذا ما نراه في قوله تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} .
تأمل قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا
…
} حيث لم يقل: لفد كفر النصارى - مع أنهم هم القائلون - أليس في ذلك ملاطفة معهم في الخطاب على فظاعة قولهم وشناعة كفرهم؟
ثم تمضي الآية في تكذيبهم ويأمر الله رسوله أن يقول على الملأ: إن الله ليس له ولد ولا شريك، وعيسى الذي دعوه "الله" - سبحانه - إن أراد الله الحق أن يهلكه ويهلك معه أمه، ومن في الأرض جميعاً فلن يملك أحد دفع ما أراده الله. فالله هو المالك المتفرد في مُلْكِه له ما في المُلْك كله. وإن كان قد خلق عيسى من غير أب فليس معنى ذلك أن عيسى إله. فالهه يخلق ما يشاء كيف يشاء، لأنه على كل شيء قدير.
ومعنى هذا: أن خلق إنسان من غير أب لو كان سبباً في جعله إلهَّ لكان آدم أولى من
عيسى بهذا الوصف؛ لأنه مخلوق من غير أب ولا أم؟! وفي هذا إشارة ذكية لنسف مدعيات النصارى، وتوجيه حكيم لإراءتهم الحق في أجلى مجاليه.
* * *
* تحذير وأمل:
وفي الآيات الآتية تحذير لهم بعد تحذير، وأمل باسم يدعوهم القرآن للإقبال عليه، مع إشارات وضيئة تبين لهم سوء معتقدتهم، ترى ذلك كله في قوله تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .
فهذا هو المسيح عليه السلام يدعو بني إسرائيل إلى عبادة الله وحده ويقرر بأن الله ربه وربهم، فكيف يدَّعى النصارى لعيسى ما لم يدعه لنفسه؟!
ومع التسجيل عليهم بهذه الشناعات، وتهديدهم المرة تلة المرة من الاستمرار على هذه العقائد الموغلة في البطلان والفساد، يفسح أمامهم الأمل ليتوبوا قبل فوات الأوان، وأنهم إن تابوا قبل الله توبتهم بمنه وكرمه، لأنه غفور رحيم.
ثم يضع بين أيديهم الإشارات المضيئة التي تمهد لهم الطريق للإقلاع عما هم فيه، والإذعان للحق قبل فوات الأوان:
1-
فالمسيح يقر بعبوديته لله، وأن الله ربه ورب العالمين.
2-
ثم يحذر المشركين من الخلود في النار وفقد النصير.
3-
يؤكد لهم القرآن أن المسيح رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه بارة تقية، وهما كانا من البشر يأكلان ويشربان كما يأكل البشر ويشربون وليسا بإلهين، لأن الكون كله ليس فيه إلا إلهٌ واحد.
4-
ثم يلفت أنظارهم إلى ضلال مسعاهم، وكيف يعبدون من دون الله من هو عاجز مثلهم لا يملك لنفسه ولا لهم مثقال ذَرَّة من الضر أو النفع؟
بهذا البيان، وبهذا الوضوح واجه القرآن العظيم مزاعم أهل الكتاب بالحكمة والموعظة الحسنة، ولو كان الإسلام دين إرهاب وعنف لعجل القضاء عليهم، ولأغرى المؤمنين بهم، ولكنه أخلص لهم في النصح ووضع في أيديهم براهين ودلائل سلمية لو فحصوها وتأملوها وعملوا بمقتضاها لكانوا من السعداء في الدنبا والآخرى
…
ولكن
…
؟
* * *
* عَدُلٌ وإنصاف:
في القرآن الكريم مبدأ عظيم من مبادئ العدل والإنصاف، أمر الله به جماعة المسلمين
وفيه يقول رب العزة: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .
أي: لا يحملكم بعض قوم على ظلمهم، بل اعدلوا في كل الأحوال لا فرق بين عدو وصديق، لأن العدل من ثمار التقوى، والتزموا بتقوى الله في السر والعلن، لأن الله لا يخفي عليه من عملكم شيء.
هذا المبدأ العظيم سمة بارزة من سمات سماحة الإسلام، والقرآن قد التزم به مع أبغض الطوائف إلى الله، قبل أن يجعله أصلاً من أصول الحكم للجماعة المسلمة.
لذلك فإنك تراه مع الإنحراف الخطير الذي وقع فيه اليهود والنصارى - عقيدة وسلوكاً - يستثنى جماعات منهم، ويُثنى عليهم بكل خير، ويذكر لهم مناقبهم الفاضلة، ومحاسنهم عقيدة وسلوكاً؛ لأن الأساس في الإسلام هو الكسب الشخصي، وليس التعصب الديني أو الجنس أو اللون:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .
وفي السطور الآتية نماذج ناظقة من سماحة الإسلام من حديث القرآن عن مؤمني اليهود والنصارى، وسيرتهم النبيلة العطرة:{.... وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} .
فهم لم يكونوا كلهم فاسقين مشركين، بل منهم المؤمنون الحسنو الإيمان:{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} .
فليس أهل الكتاب كلهم سواء في فساد العقيدة وسوء السلوك، بل منهم - كما قال الكتاب الأمين - أمة لا يفرق بينها وبين صالحي المؤمنين فارق بل هم مع صدق إيمانهم يعملون أُمهات الفضائل من أمر ونهي ومسارعة في الخيرات. هكذا يسجل لهم القرآن فضائلهم، ولم يظلمهم شيئاً.
ويؤكد القرآن هذا المعنى مرة أخرى فيقول: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .
وفي شأن اليهود خاصة يقول: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} .
إن تاريخ اليهود لم يكن كله مظلماً، بل مرَّت بهم حقب عروا فيها التوحيد الخالص فتلك تحسب لهم، أما فترات النكسة، والارتداد عن الحق فتخيم على أكثر تاريخهم النبوي، وقد حدث هذا مبكراً في عهد موسى عليه السلام. إذ اتخذوا من العجل إله لهم من دون الله وموسى بين أظهرهم؟ ولم يكونوا كلهم مجرمين، فمنهم جماعة - أمة - كما يقول القرآن كانوا صحيحى الإيمان وصادقيه، وهذا ما تسجله لهم هذه الآية الكريمة:{وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} هكذا ينطق القرآن بكل أمانة وصدق؛ لأنه كتاب هداية وتسامح.
وفي النصارى خاصة يقول وهو يتحدث عن أهل الكتاب عموماً وعن المشركين: