الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذي أنشأها أول مرة
النموذج الثاني - من سورة يس:
صاحب هذه الواقعة هو أي بن خلف، انصرف من مجلس كان يضم بعضاً من منكري البعث، وقال: لأذهبن إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولأخاصمنه - يعني يغلبه ويُعجزه عن إقامة الدليل على صحة عقيدة البعث - وحمل معه قطعة من عظام ميت قد بليت. ثم وقف بين يدي النبي وأذخ يسحق العظام بيديه ويذريها في الهواء ويقول: من يحيى هذه بعد موتها يا محمد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "الله يبعثها ويبعثك ويدخلك النار". ثم نزل الوحي بالآيات المذكور قبلاً يرد جهل أبى وكفره، وقد ذكر القرآن مقولة منكر البعث فقال:{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} .
لكننا نلحظ أن القرآن الحكيم ذكر جملة: {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} بين: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا} ، بين:{قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} . ولهذه الجملة دور عظيم في الإفحام لنكري البعث، لأن ضارب المثل استبعد إحياء العظام بعد أن رمَّتْ وتهرأت. ناسياً أن الله خلقه وخلق جميع الخلق من العدم. فإعادة الحياة إلى أي مخلوق بعد الموت أيسر في ميزان العقل من خلقه ابتداء على غير مثال سابق، ومعنى هذا أن منكري البعث لو كانوا استحضروا هذه الحقيقة في أذهانهم لما وجدوا مساغاً لاستبعاد إعادة الحياة إلى أي ميت كان، لكنَّ نسيانهم هذه الحقيقة حملهم على هذا التطاول
والجهل. فأنت ترى - عزيزي القارئ - أن ذكر هذه الجملة وحدها {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} - رد كاف ومقنع في آنٍ واحد، ومع هذا البيان الواضح ساق القرآن أدلة أخرى في الرد على هذه المقولة منها:
أن منكري البعث سألوا سؤال إنكار وتعجيز عن فاعل إعادة الحياة إلى العظام الدارسة فكان الجواب: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} عبارة محكمة وبرهان قاطع قُرنَتْ فيه الدعوى الذي لا يجد العقل حيلة ارده، الدعوى: هي إحياء العظام، والدليل: هو الذي أنشأها أول مرة.
ومنها أم الذي أنشأها أول مرة: {بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} . أيّ خلق كان: معهوداً للبشر أو غير معهود.
ومنها: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا....}
أي: أيعجز من خلق السموات والأرض عن إعادة الحياة إلى الأموات؟ فأيهما أكبر وأعظم؟ السموات والأرض أم الإنسان؟
{لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
…
} وهو مع هذا كله خلاق: كثير المخلوقات. وعليم: كثير المعلومات.
{مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} . أي كخلق وبعث نفس واحدة.
ومنها: أنه إذا أراد إيجاد شيء لم يزد على قوله له: {كُنْ} فلا يلبث حتى
{يَكُونُ} . {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} . و {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
…
}
وإذا قارنا بين التفصيل في الرد على الخصوم في سورة يس، وبين الأجيال الذي رأيناه في سورة الإسراء نجد أن ما ورد في كل من الموضعين مناسب للمقام.
ففي سورة الإسراء كان المقام الأول على حكاية منكري البعث في إطارها النظري البحت: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} .
لذلك وقف القرآن في الرد عليهم عند الدليل العقلي: {فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ....}
أما في سور "يس" فقد قرن منكرو البعث القول بالفعل من حمل العظام وتفتيتها في مجلس صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم، وبلغ التحدي منهم مداه. فناسب ذلك أن يُسهب القرآن معهم في وجود الرد: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ
…
} .
ثم أردف عليه الأدلة الأخرى التي أشرنا إليها من قبل.
* * *