الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ (1) : لَهُ كَلِمَات جيدَة، وَكتبُوا عَنْهُ مِنْ وَعظِهِ مُجَلَّدَاتٍ، ذَهبَ لِيُصلِحَ بَيْنَ ملكٍ كَبِيْرٍ، فَحصل لَهُ مِنْهُمَا مَالٌ كَثِيْر، وَمَاتَ بِعَسْكَر مُكْرَمٍ سَنَة سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
وَقِيْلَ: كَانَ يُخِلُّ بِالصَّلَاة لَيْلَةَ حُضُوْرِهِ السَّمَاع، وَذَكَرَ لَيْلَةً مَنَاقِب عليّ رضي الله عنه وَأَنَّ الشَّمْس رُدَّت لَهُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ الشَّمْس غَابَت بِالغَيمِ، فَعَمِلَ أَبيَاتاً وَهِيَ:
لَا تَغْرُبِي يَا شَمْسُ حَتَّى يَنْتَهِي
…
مَدْحِي لآلِ المُصْطَفَى وَلِنَجْلِهِ
وَاثْنِيْ عِنَانَكِ إِن أَردتِ ثَنَاءهُم
…
أَنَسِيتِ إِذْ كَانَ الوُقُوْف لأَجْلِهِ؟
إِنْ كَانَ الوُقُوْف لِلمَوْلَى وُقُوفُكِ فَلْيكُنْ
…
هَذَا الوُقُوْف لِخَيْلِهِ وَلرَجْلِهِ
قَالَ: فَطَلعت الشَّمْس مِنْ تَحْتَ الغَيمِ، فَلَا يُدْرَى مَا رُمِي عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ وَالأَمْوَالِ.
عَاشَ: سِتّاً وَخَمْسِيْنَ سَنَةً - الله يُسَامِحُه -.
151 - أَبُو عَبْدِ اللهِ مَرْدَنِيْشُ مُحَمَّدٌ الجُذَامِيُّ المَغْرِبِيُّ *
الزَّاهِدُ، المُجَاهِدُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدٌ الجُذَامِيُّ، المَغْرِبِيُّ.
كَانَ مَعَهُ عِدَّة رِجَال أَبْطَال يُغِيرُ بِهِم يَمنَة وَيسرَة، وَكَانُوا يَحرِثُونَ عَلَى خَيلهِم كَمَا يَحرُثُ أَهْلُ الثَّغْر، وَكَانَ أَمِيْرُ المُسْلِمِيْنَ ابْنُ تَاشفِيْنَ يَمدُّهُم بِالمَالِ وَالآلَاتِ، وَيبرُّهُم.
وَلِمَرْدَنِيْشَ مَغَازِي وَمَوَاقِفُ مَشْهُوْدَةٌ وَفَضَائِلُ، وَهُوَ جد الْملك مُحَمَّد (2)
(1) في " المنتظم " 10 / 151.
(*) لم نقف على مصدر ترجمه.
(2)
سترد ترجمته برقم (156) .
بن سَعْدِ بنِ مُحَمَّدٍ صَاحِب شَرق الأَنْدَلُس.
فَمِنْ عَجِيْبِ مَا صَحَّ عِنْدِي مِنْ مَغَازِيه - يَقُوْلُ ذَلِكَ اليَسعُ بنُ حَزْم -:
أَنَّهُ أَغَارَ يَوْماً، فَغنِمَ غَنِيْمَةً كَثِيْرَةً، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الرُّوْمِ أَكْثَرُ مِنْ أَلفِ فَارِسٍ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ وَكَانُوا ثَلَاثَ مائَةِ فَارِسٍ: مَا تَرَوْنَ؟
فَقَالُوا (1) : نَشغَلهُم بِتَركِ الغَنِيْمَةِ.
فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ القَائِلُ: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُوْنَ صَابِرُوْنَ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ} ؟ [الأَنْفَالُ: 65]
فَقَالَ لَهُ ابْنُ مُوْرِيْنَ: يَا رَئِيْسُ! اللهُ قَالَ هَذَا.
فَقَالَ: اللهُ يَقُوْلُ هَذَا، وَتَقعدُوْنَ عَنْ لِقَائِهِم؟!
قَالَ: فَثَبَتُوا، فَهَزمُوا الرُّوْم.
وَمِنْ غَرِيْب أَمرِهِ: أَنَّهُ نَزل ملك الرُّوْم ابْن رُذمِيْرَ، فَأَفسدُوا الزُّروعَ، فَبَعَثَ يَقُوْلُ لَهُ: مِثْلُكَ لَا يَرْضَى بِالفَسَادِ، وَلَا بُدَّ لَكَ مِنَ الانْصِرَافِ، فَأُفسِدُ فِي بَلَدك فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَا لَا تُفسده فِي جُمُعَة.
فَأَمر اللَّعِين أَصْحَابه بِالكَفّ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ يَرغب فِي رُؤيتِه لسُمْعَتِهِ عِنْدَهُم.
قَالَ ابْنُ مُوْرِيْنَ: فَجِئْنَا مَعَ الرَّئِيْس، فَقَدَّمنَاهُ، فَأَكْرَمَه، وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِهِ، وَجَعَلَ يَطَّلَّعُ إِلَيْهِ، وَيَقُوْلُ بِلِسَانِهِ: اسْمُكَ عَظِيْمٌ، وَطلعتُكَ دُوْنَ اسْمِكَ، وَمَا شَخْصُك بِشخصِ فَارِس.
وَكَانَ قَصِيْراً، وَأَرَادَ مُمَازحَتَه، وَكَذَا وَجَّه إِلَيْهِ أَمِيْرُ المُسْلِمِيْنَ عَلِيُّ بنُ يُوْسُفَ، فَمَضَى وَاجْتَمَعَ بِهِ، وَاسْتَنَابَ مَوْضِعَه وَلدَه سَعْداً إِلَى أَنْ رَجَعَ.
وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ: سَارَ ابْن رُذمِيْر، فَنَازل مدينَة إِفرَاغَة (2) وَبِهَا ابْن مَرْدَنِيْش، وَطَال الحصَار، فَكَتَبُوا إِلَى أَمِيْرِ المُسْلِمِيْنَ ابْن تَاشفِيْن لِيُغِيثَهُم، فَكَتَبَ إِلَى ابْنِهِ تَاشفِيْن بنِ عَلِيٍّ، وَإِلَى الأَمِيْرِ يَحْيَى بنِ غَانِيَة بِإِغَاثَتِهِم، وَإِدخَالِ المِيْرَةِ إِلَيْهِم، فَتَهَيَّأَ لِنَجدَتِهِم أَرْبَعَةُ آلَاف، فَمَا
(1) في الأصل: فقال.
(2)
بكسر الهمزة والغين معجمة، مدينة بالاندلس من أعمال ماردة كثيرة الزيتون. " معجم " ياقوت 1 / 227.