الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبةُ الثانية:
إخوةَ الإسلام: وحين نُورِدُ هذه النصوصَ وتلك الرُّؤَى لعلماءَ ربانيين .. لَنؤكِّدُ من خلالِها على قيمةِ الأمر بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر والدعوةِ لدين الله .. وإذا كان ذلك مطلَبًا في كلِّ الأحوال والظروف فالأمرُ يتأكَّدُ في أزمانِ الفتن، وعلى حينِ غفلةِ الناس وانشغالِهم عن الأمرِ والنهي والدعوةِ وبذْلِ الخير.
ونؤكِّد ذلك كذلك لأن أزمانَ الشدائدِ والنوازِل فرصةٌ لأصحاب الرِّيبِ وأهلِ الأهواء، وأصحابِ الشهوات .. لينطلقوا بباطلِهم وخُبْثِهم مُستغلِّين غفلةَ الناسِ عنهم بأحداثٍ نازلةٍ بهم، ومن هنا فلا بدَّ من التنبهِ والعمل والدعوةِ والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاصرةِ المُبْطِلين .. وكلُّ مسلمٍ على قَدْرِ طاقتهِ وجهدِه، ويكفيه أن يستشعرَ أنه على ثغرةٍ من ثغراتِ الإسلام، فاللهَ اللهَ أن يُؤتَى الإسلامُ من قِبَلِه، وليحذرْ أن يتسللَ الأعداءُ من ثغرِه.
عبادَ الله: ومَن قرأَ التاريخَ بعنايةٍ وتمعَّن بالذاتِ في السيرةِ النبوية وجدَ أن المنافقين وأهلَ الريب يتربَّصون بالمسلمين الدوائرَ في كلِّ حين، ولكنهم يَنشَطُون أكثرَ في الأوقاتِ العصيبةِ على المسلمين، يُرجِفون ويتَّهمون، ويَسخَرُون ويتشَفَّوْن .. ومواقفُهم في غزوة (أُحدٍ) و (الأحزاب) و (المُريسِيع) و (تبوكَ) خيرُ شاهدٍ على ما نقول.
أجل، لقد فَضَحَهم القرآنُ في (أُحد) بقوله تعالى:{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} (1).
(1) سورة آل عمران، الآية:167.
وكشَفَهم في (الأحزاب) بقوله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} (1)، وبقوله تعالى:{أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} (2).
وفي غزوة المُريسِيع و (بني المُصطَلِق) أخبر اللهُ عن لُؤْمِ المنافقين وسوءِ تعاملِهم مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بقوله: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (3).
أما في غزوةِ تبوكَ فجاءتْ سورةُ براءةَ (التوبة) فاضحةً للمنافقين؛ ومما قال اللهُ عنهم: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (4).
إنَّ القرآنَ الكريمَ يُذكِّرُنا بمواقفِ المنافقين في الماضي لنَحذرَهُم في الحاضرِ والمستقبل، ومن الخطأ أنْ ينصرفَ الناسُ كلُّهم لحدثٍ طارئٍ ويتركوا الساحةَ للمُبْطِلين وأهلِ الريبِ يتقوَّلُون بألسنتهم ويسخرون بكتاباتِهم، ويُشِيعون المنكرَ
(1) سورة الأحزاب، الآية:12.
(2)
سورة الأحزاب، الآية:19.
(3)
سورة المنافقون، الآيتان: 7، 8.
(4)
سورة التوبة، الآية: 49 - 51.
بسلوكياتهم، ويُرتِّبون لباطِلهم في حين غفلةِ الناسِ عنهم .. إن الأمرَ من الأهميةِ والخطورةِ بحيثُ يستدعي اهتمامَنا جميعًا بهؤلاء المتسلِّلين، وذلك على مستوى الفردِ والدولةِ حتى لا نفاجَأ بعدَ حين بعملٍ مُشين لأصحاب السوءِ أُحكِمَتْ خيوطُه على حينِ غفلةٍ؟
أيها المسلمون: ومع التحوُّط والحذرِ في كلِّ ما يهدِمُ المعتقدَ أو يُخِلُّ بالأمن - وتلك مسؤوليتُنا جميعًا - فَثمَّةَ مبشِّراتٌ في أزمانِ الشدائد تؤكِّدُ قولَه تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (1).
فكم من شابٍّ غافلٍ سادرٍ في لهوِه لكنه استيقظَ على مطارقِ الأعداءِ يتَّهمون الإسلامَ ويُهدِّدون المسلمين، فتحرَّكتْ عاطفتُه وأقبلَ إلى ربِّه تائبًا مُنِيبًا واضعًا لنفسِه رقمًا صحيحًا في أعدادِ المسلمين.
وكم من فتاةٍ كانت تركُضُ وراءَ الموضةِ وتغرَقُ في تقليدِ المرأة الأجنبيةِ الكافرة فجاءتِ الأزمةُ موقِظةً لضميرِها، محرِّكةً لأصالتِها، باحثةً عن هويتِها المسلمةِ، مدرِكةً لخطإِ مسيرتِها ومعاهدةً ربَّها على بُغضِ الكافراتِ وحبِّ المؤمنات، فعاد الحياءُ خُلُقَها، والحجابُ عزَّتَها وفخرَها.
وكم من غنيٍّ أوجعتْهُ صيحاتُ الجَوْعى من المسلمين تملأُ الآفاقَ، وآلمَهُ الموتُ الجماعيُّ للأطفالِ والشيوخ والنساءِ مرضًا أو جوعًا أو قتلًا فأنفق من مالِه لهؤلاءِ وأولئك بسخاءٍ.
أيها المسلمون: وحين تَنشَطُ الكنيسةُ الغربيةُ في هذه الأزمةِ، ويسافر البابا - رغمَ المخاطر - بحثًا عن نصيبِه في الغنيمة .. يأبى اللهُ إلا أن يُتِمَّ نورَه ويُظهِرَ دينَه الحقَّ - ولو في حين ضعفِ المسلمين - فتنفَدُ المصاحفُ في عددٍ من
(1) سورة البقرة، الآية:216.
الدُّولِ الغربية، ويُقبِلُ الغربيون بشكلٍ عجيب على الكتبِ الإسلامية والتعرُّفِ من خلالِها على الإسلام .. وفي إحدى الصحفِ المحليةِ جاء العنوانُ التالي: رُبَّ ضارَّةٍ نافعة [نفادُ المطبوعاتِ التعريفيةِ بالإسلام في أمريكا] وتحت الخبرِ وردَ: إنَّ جميعَ المطبوعاتِ والنَّشَراتِ التعريفيةِ الخاصةِ بالمفاهيم الأساسية للدِّينِ الإسلاميِّ قد نَفِدَت كلُّها، وقد بعثَ المُشرِفُ على مكتبِ النَّدوةِ العالميةِ للشبابِ الإسلاميِّ في الولايات المتحدةِ مُفيدًا أن الحاجةَ ماسَّةٌ لإعادة طباعةِ أكثرَ من ستِّمائة ألفِ نشرةٍ تعريفيّةٍ عن الإسلام في الوقتِ الراهن، وتطلبُ الندوةُ المشاركةُ في دعمِ هذا المشروعِ الدَّعويِّ (1).
ولعلَّ ذلك يقودُ أعدادًا كثيرةً للإسلام: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (2).
(1) الرياض، الجمعة 10/ 8/ 1422 هـ.
(2)
سورة يوسف، الآية:21.