الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والعظم يمنع من ذلك ويكتفي فيه ال
فصل
وحده فأحيط عليه بسور من عظم
وأما الصدر فإنه لما احتاج إلى الوثاقة بالعظام وإلى الحركة بالفصل ألف الصدر منهما وكان البطن أوسع من الصدر لما يحل بها من آلات الغذاء والتنفس والطحال والمريء وغيرها
فصل
فاستقبل الآن النظر في نفسك وانظر إلى المبدأ الأول وهو النطفة التي هي قطرة مهينة ضعيفة لو تركت ساعة لبطلت وفسدت كيف أخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب وكيف أوقع المحبة والألفة بين الذكور والإناث ثم قادهما بسلسلة المحبة والشهوة إلى الإجتماع ثم استخرج النطفة من الذكر بحركة الوقاع من أعماق العروق وجمعها في الرحم في قرارمكين لا تناله يد ولا تطلع عليه شمس ولا يصيبه هواء ثم صرف تلك النطفة طوراً بعد طور وطبقاً بعد طبق وغذاها بماء الحيض
وكيف جعل سبحانه النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم جعلها مضغة ثم قسم أجزاء المضغة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم في داخل الرحم في الظلمات الثلاث ولو كشف لك الغطاء لرأيت التخطيط والتصوير يظهر في تلك النطفة
شيئاً بعد شيء من غير أن ترى المصور ولا آلته ولا قلمه فهل رأيت مصورا لا تحس آلته ولا تلاقيها
ثم تأمل هذه القبة العظيمة التي قد ركبت على المنكبين وما أودع فيها من العجائب وما ركب فيها من الخزائن وما أودع في تلك الخزائن من المنافع وما اشتملت علي هذه القبة من العظام المختلفة الأشكال والصفات والمنافع ومن الرطوبات والأعصاب والطرق والمجاري والدماغ والمنافذ والقوى الباطنة من الذكر والفكر والتخيل وقوة الحفظ ففيه القوة المفكرة والذاكرة والمخيلة والحافظة وهذه القوى مودعة في خزانتها مسخرة لمصالحها يستعملها ويستخدمها كيف أراد
فتأمل كيف دور سبحانه الرأس وشق سمعه وبصره وأنفه وفمه وكيف ركب كرته في بطن الأم من ثلاثة وعشرين عظماً وخلق تلك العظام على كيفيات مختلفة
وتأمل كيف انقلبت تلك النطفة اللينة الضعيفة إلى العظام الصلبة الشديدة
ثم تأمل كيف قدر سبحانه كل واحد من تلك العظام بشكل مخصوص بحيث حصل من مجموعها ما لو كان على خلافه لبطلت المنفعة وفات الغرض ثم ركب بعضها مع بعض بحيث حصل من مجموعها كرة الرأس على هذه الخلقة المخصوصة
ولما كان الرأس أشرف الأعضاء الإنسانية وأجمعها للقوى،
والمنافع والآلات والخزائن اقتضت العناية الإلهية بأن صين بأنواع من الصيانات وذلك أن الدماغ يحيطه غشاء رقيق وفوق ذلك الغشاء غشاء آخر يقال له السمحاق ثم فوق ذلك الغشاء طبقة لحمية وفوق تلك الطبقة اللحمية الجلد ثم فوق الجلد الشعر فخلق سبحانه فوق دماغك سبع طبقات كما خلق فوق الأرض سبع سموات طباقاً والمقصود من تخليقها الإحتياط في صون الدماغ من الآفات والدماغ من الرأس بمنزلة القلب من البدن
وهو سبحانه قسمه في طوله ثلاثة أقسام وجعل القسم المقدم محل الحفظ التخيل والبطن الأوسط محل التأمل والتفكر والبطن الأخير محل التذكر الاسترجاع لما كان قد نسيه ولكل واحدة من هذه الأمور الثلاثة أمر مهم للإنسان لا بد له منه وأنه محتاج إلى التفهم والتفهيم ولو لم يكن حافظاً لمعاني التصورات وصورها بعد غيبتها لكان إذا سمع كلمة وفهمها شذت عنه عند مجيء الأخرى فلم يحصل المقصود من الفهم والإفهام فجعل له ربه وفاطره خزانة تحفظ له صور المعلومات حتى تجتمع له وتسمى القوة التي فيها القوة الحافظة ولا تتم مصلحة الإنسان إلا بها فإنه إذا رأى شيئاً ثم غاب عنه ثم رآه مرة أخرى عرف أن هذا الذي رآه الآن هو الذي رآه قبل ذلك لأنه في المرة الأولى ثبتت صورته في الحافظة ثم تتوارى عنه بالحجاب فلما رآه مرة ثانية صارت هذه الصورة المحسوسة مطابقة للصورة المعنوية التي في الذهن فحصل الجزم
بأن هذا ذاك ولولا القوة الحافظة لما حصل ذلك ولما عرف أحدا أحداً بعد غيبته عنه ولذلك إذا طالت الغيبة جداً وانمحت تلك الصورة الأولى من الذهن بالكلية لم يحصل له العلم بأن هذا هو الذي رآه أولاً إلا بعد تفكر وتأمل
وقد قال قوم إن محل هذه الصور النفس وقال قوم محلها القلب وقال قوم محلها العقل ولكل فريق منهم حجج وأدلة وكل منهم أدرك شيئاً وغاب عنه شيء إذ الإدراك المذكور مفتقر إلى مجموع ذلك لا يتم إلا به
والتحقيق أن منشأ ذلك ومبدأه من القلب ونهايته ومستقره في الرأس وهي المسألة التي اختلف فيها الفقهاء هل العقل في القلب أو في الدماغ على قولين حكيا روايتين عن الإمام أحمد والتحقيق أن أصله ومادته من القلب وينتهي إلى الدماغ قال تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} فجعل العقل في القلب كما جعل السمع بالأذن والبصر بالعين وقال تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب} قال غير واحد من السلف لمن كان له عقل
واحتج آخرون بأن الرجل يضرب في رأسه فيزول عقله ولولا أن العقل في الرأس لما زال فإن السمع والبصر لا يزولان بضرب اليد أو الرجل ولا غيرهما من الأعضاء لعدم تعلقهما بهما
وأجاب أرباب القلب عن هذا بأنه لا يمتنع زواله بفساد الدماغ وإن كان في القلب لما بين القلب والرأس من الارتباط وهذا كما لا يمتنع نبات شعر اللحية بقطع الأنثيين وفساد القوة بفساد العضو قد يكون لأنه محلها وارتباطه بها والله أعلم
وعلى كل تقدير فذلك من أعظم آيات الله وأدلته وقدرته وحكمته كيف ترتسم صورة السموات والأرض والبحار والشمس والقمر والأقاليم والممالك والأمم في هذا المحل الصغير والإنسان يحفظ كتباً كثيرة جداً وعلوماً شتى متعددة وصنائع مختلفة فترتسم كلها في هذا الجزء الصغير من غير أن يختلط بعض هذه الصور ببعض بل كل صورة منهن بنفسها محصلة في هذا المحل وأنت لو ذهبت تنقش صوراً وأشكالاً كثيرة في محل صغير لاختلط بعضها ببعض وطمس بعضها بعضاً وهذا الجزء الصغير تنقش فيه الصور الكثيرة المختلفة والمتضادة ولا يبطل منها صورة صورة
ومن أعجب الأشياء أن هذه القوة العاقلة تقبل ما تؤديه إليها الحواس فتجتمع فيها ثم تعيد كل حاسة منها فائدة الحاسة الأخرى مثاله أنك ترى الشخص فتعلم أنه فلان وتسمع صوته فتعلم أنه هو وتلمس الشيء فتعرفه وتشمه فتعرف أنه هو ثم تستدل بما تسمعه من صوته على أنه هو الذي رأيته فيغنيك سماع صوته عن رؤيته ويقوم لك مقام مشاهدته ولهذا جوز أكثر الفقهاء شهادة الأعمى وبيعه وشراءه وأجمعوا على جواز وطئه امرأته، وهو
لم يرها قط اعتماداً منه على الصوت بل لو كانت خرساء أيضاً وهو أطرش جاز له الوطء
وقد جعل الله سبحانه بين السمع والبصر والفؤاد علاقة وارتباطاً ونفوذاً يقوم به بعضها مقام بعض ولهذا يقرن سبحانه بينهما كثيراً في كتابه كقوله {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} وقوله تعالى {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً} وقوله {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا} وهذا من عناية الخالق سبحانه بكمال هذه الصورة البشرية لتقوم كل حاسة منها مقام الحاسة الأخرى وتفيد فائدتها في الجملة لا في كل شيء
ثم أودع سبحانه قوة التفكر وأمره باستعمالها فيما يجدي عليه النفع في الدنيا والآخرة فركب القوة المفكرة من شيئين من الأشياء الحاضرة عند القوة الحافظة تركيباً خاصاً فيتولد من بين هذين الشيئين شيء ثالث جديد لم يكن للعقل شعور به كانت مواده عنده لكن بسبب التركيب حصل له الأمر الثالث ومن ههنا حصل استخراج الصنائع والحرف والعلوم وبناء المدن والمساكن وامور الزراعة والفلاحة وغير ذلك فلما استخرجت القوة المفكرة ذلك واستحسنته سلمته إلى القوة الإرادية العلمية فنقلته من ديوان الأذهان إلى ديوان الأعيان فكان أمراً ذهنياً ثم صار وجودياً خارجياً ولولا الفكرة لما اهتدى الإنسان إلى تحصيل المصالح ودفع المفاسد وذلك من