الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته وكوكب أخر قد طلع وهو آخذ في الارتفاع والتصاعد وكوكب آخر في الربع الشرقي وكوكب آخر في وسط السماء وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته
وأنت إذا تأملت أحوال هذه الكواكب وجدتها تدل على المعاد كما تدل على المبدأ وتدل على وجود الخالق وصفات كماله وربوبيته وحكمته ووحدانيته أعظم دلالة وكل ما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة ودلالتها على هذه المطالب لا تقصر عن دلالتها على طرق البر والبحر بل دلالتها للعقول على ذلك أظهر من دلالتها على الطرق الحسية فهي هداية في هذا وهذا
فصل
وأما دلالة {المقسمات أمراً} وهم الملائكة فلأن ما يشاهد من تدبير العالم العلوي والسفلي وما لا يشاهد إنما هو على أيدي الملائكة فالرب تعالى يدبر بهم أمر العالم وقد وكل بكل عمل من الأعمال طائفة منهم فوكل بالشمس والقمر والنجوم والأفلاك طائفة منهم ووكل بالقطر والسحاب طائفة ووكل بالنبات
طائفة ووكل بالأجنة والحيوان طائفة ووكل بالموت طائفة وبحفظ بني آدم طائفة وبإحصاء أعمالهم وكتابتها طائفة وبالوحي طائفة وبالجبال طائفة وبكل شأن من شئون العالم طائفة هذا مع ما في خلق الملائكة من البهاء والحسن وما فيهم من القوة والشدة ولطافة الجسم وحسن الخلقة وكمال الانقياد لأمره والقيام في خدمته وتنفيذ أوامره في أقطار العالم
ثم أقسم سبحانه بهذه الأمور على صدق وعده ووقوع جزائه بالثواب والعقاب فقال {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} أي ما توعدون من أمر الساعة والثواب والعقاب لحق كائن وهو وعد صدق لا كذب {وإن الدين لواقع} أي إن الجزاء لكائن لا محالة ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف والمعنى الذي توعدونه لصادق أي كائن وثابت وأن تكون مصدرية أي إن وعدكم لحق وصدق
ووصف الوعد بكونه صادقاً أبلغ من وصفه بكونه صدقاً ولا حاجة إلى تكلف جعله بمعنى مصدوق فيه بل هو صادق نفسه كما يوصف المتكلم بأنه صادق في كلامه فوصف كلامه بأنه صادق وهذا مثل قولهم سر كاتم وليل قاتم ونهار صائم وماء دافق ومنه {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} وليس ذلك بمجاز ولا مخالف لمقتضى التركيب
وإذا تأملت هذا التناسب والارتباط بين المقسم به والمقسم عليه وجدته دالاً عليه مرشداً إليه
ثم أقسم سبحانه {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} أصل الحبك في اللغة إجادة النسج يقال حبك الثوب إذا أجاد نسجه وحبل محبوك إذا كان شديد الفتل وفرس محبوك الكفل أي مدمجه وقال شمر المحبوك في اللغة ما أجيد عمله ودابة محبوكة إذا كانت مدمجة الخلق وقال أبو عبيدة والمبرد الحبك الطريق واحدها حباك وحباك الحمام طرائق على جناحيه وحبك الماء طريقه وقال الفراء الحبك تكسير كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح والماء الدائم إذا مرت به الريح وتجعد الشعر حبك أيضاً واحدها حبيكة مثل طرق وطريقة وحباك مثل مثال ومثل والمقصود بهذا كله ما أفصح به ابن عباس فقال يريد الخلق الحسن
وروى سعيد بن جبير عنه قال الحبك حسنها واستواؤها وقال قتادة ذات الخلق الشديد وقال مجاهد متقن البنيان وقال أيضاً ذات الطرائق ولكنها بعيدة من العباد فلا يرونها كحبك الماء إذا ضربته الريح وكحبك الرمل وكحبك الشعر وقال عكرمة بنيانها كالبرد المسلسل
قلت وفي الحديث في صفة الدجال ورأسه حبك أي جعد الشعر ومن أحسن ما قيل في تفسير الحبك ما ذكره الترمذي في تفسير
الجامع من حديث الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "هل تدرون ما فوقكم" قالوا الله ورسوله أعلم قال "فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف" وذكر الحديث