الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
ومن ذلك قوله {فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُون إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} إلى آخرها قال مقاتل بما تبصرون من الخلق ومالا تبصرون منه وقال قتادة أقسم بالأشياء كلها بما يبصر منها ومالا يبصر وقال الكلبي تبصرون من شيء ومالا تبصرون من شيء وهذا أعم قسم وقع في القرآن فإنه يعم العلويات والسفليات والدنيا والآخرة وما يرى وما لا يرى ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والأنس والعرش والكرسي وكل مخلوق وكل ذلك من آيات قدرته وربوبيته وهو سبحانه يصرف الأقسام كما يصرف الآيات ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى ومالا يرى آية ودليل على صدق رسوله وأن ما جاء به هو من عند الله وهو كلامه لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن
ومن تأمل المخلوقات ما يراه منها وما لا يراه واعتبر ما جاء به الرسول بها ونقل فكرته في مجاري الخلق والأمر ظهر له أن هذا القرآن من عند الله وأنه كلامه وهو أصدق الكلام وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها ومالا يرى حق كما قال تعالى {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} أي إن كان نطقكم حقيقة وهو أمر موجود لا تمارون فيه ولا تشكون
فهكذا ما أخبرتكم به من التوحيد والمعاد والنبوة حق كما في الحديث إنه لحق مثل ما أنك ههنا فكأنه سبحانه يقول إن القرآن حق كما أن ما شاهدوه من الخلق ومالا يشاهدونه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون لدلكم ذلك على أن القرآن حق ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره وما لا يبصره بعينه ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهراً وباطناً ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله وما لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه
ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} وهذا رسوله البشري محمد وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل أنه كلام المرسل فمن أنكر أن يكون الله قد تكلم بالقرآن فقد أنكر حقيقة الرسالة ولو كانت إضافته إليه إضافة إنشاء وابتداء لم يكن رسولاً ولناقض ذلك إضافته إلى رسوله الملكي في سورة التكوير
ثم بين سبحانه كذب أعدائه وبهتهم في نسبة كلامه تعالى إلى غيره وأنه لم يتكلم به بل قاله من تلقاء نفسه كما بين كذب من قال {إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ} فمن زعم أنه قول البشر فقد كفر وسيصليه الله سقر
ثم أخبر سبحانه أنه تنزيل من رب العالمين وذلك يتضمن أموراً:
أحدها أنه تعالى فوق خلقه كلهم وأن القرآن نزل من عنده والثاني أنه تكلم به حقيقة لقوله {مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ولو كان غيره هو المتكلم به لكان من ذلك الغير ونظير هذا قوله {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} ونظيره قوله {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ} وقوله {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} وقوله {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} وما كان من الله فليس بمخلوق ولا ينتقض هذا بأن الرزق والمطر وما في السماوات والأرض جميعاً منه وهو مخلوق لأن ذلك كله أعيان قائمة بنفسها وصفات وأفعال لتلك الأعيان فإضافتها إلى الله سبحانه وانها منه إضافة خلق كإضافة بيته وعبده وناقته وروحه وبابه إليه بخلاف كلامه فإنه لا بد أن يقوم بمتكلمه إذ كلام من غير متكلم كسمع من غير سامع وبصره من غير مبصر وذلك عين المحال فإذا أضيف إلى الرب كان بمنزلة إضافة سمعه وبصر وحياته وقدرته وعلمه ومشيئته إليه ومن زعم أن هذه إضافة مخلوق إلى خالق فقد زعم أن الله لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا مشيئة تقوم به وهذا هو التعطيل الذي هو شر من الاشراك وإن زعم أن إضافة السمع والبصر والعلم والحياة والقدرة إضافة صفة إلى موصوف فإضافة الكلام إليه إضافة مخلوق إلى خالق فقد تناقض وخرج عن موجب العقل والفطرة
والشرع ولغات الأمم وفرق بين متماثلين حقيقة وعقلاً وشرعاً وفطرة ولغة
وتأمل كيف إضافه سبحانه إلى الرسول بلفظ القول وأضافه إلى نفسه بلفظ الكلام في قوله {حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} فإن الرسول يقول للمرسل إليه ما أمر بقوله فيقول قلت كذا وكذا وقلت له ما أمرتني أن أقوله كما قال المسيح {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِه} والمرسل يقول للرسول قل لهم كذا وكذا كما قال تعالى {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ} {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ونظائره فإذا بلغ الرسول ذلك صح أن يقال قال الرسول كذا وهذا قول الرسول أي قاله مبلغاً وهذا قوله مبلغاً عن مرسله ولا يجيء في شيء من ذلك تكلم لهم بكذا وكذا ولا تكلم الرسول بكذا وكذا ولا أنه بكلام رسول كريم ولا في موضع واحد بل قيل للصديق وقد تلى آية هذا كلامك وكلام صاحبك فقال ليس بكلامي ولا كلام صاحبي هذا كلام الله