الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإظلام ليلها وإخراج ضحاها وخلق الأرض ومدها وبسطها وتهيئتها لما يراد منها وأخرج منها شراب الحيوان وأقواتهم وأرسى الجبال فجعلها رواسي للأرض لئلا تميد بأهلها وأودعها من المنافع ما يتم به مصالح الحيوان الناطق والبهيم فمن قدر على ذلك كله كيف يعجز عن إعادتكم خلقاً جديداً
فتأمل دلالة المقسم به المذكور في أول السورة على المعاد والتوحيد وصدق الرسل كدلالة هذا الدليل المذكور وإذا كان هذا هو المقصود لم يكن محتاجاً إلى جواب والله أعلم
فصل
ومن ذلك قوله تعالى {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} فسرت المرسلات بالملائكة وهو قول أبي هريره وابن عباس في رواية مقاتل وجماعة وفسرت بالرياح وهو قول ابن مسعود وإحدى الروايتين عن ابن عباس وقول قتاده وفسرت بالسحاب وهو قول الحسن وفسرت بالأنبياء وهو رواية عطاء عن ابن عباس
قلت الله سبحانه يرسل الملائكة ويرسل الأنبياء ويرسل الرياح ويرسل السحاب فيسوقه حيث يشاء ويرسل الصواعق
فيصيب بها من يشاء فإرساله واقع على ذلك كله وهو نوعان إرسال دين يحبه ويرضاه كإرسال رسله وأنبيائه وإرسال كون وهو نوعان نوع يحبه ويرضاه كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه ونوع لا يحبه بل يسخطه ويبغضه كإرسال الشيطان على الكفار
فالإرسال المقسم به هاهنا مقيد بالعرف فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رسله من الملائكة ولا يدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين وأما إرسال الأنبياء فلو أريد لقال والمرسلين وليس بالفصيح تسمية الأنبياء مرسلات وتكلف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ فلم يطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث وأيضاً فاقتران اللفظة بما بعدها من الأقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء وأيضاً فإن الرسل مقسم عليهم في القرآن لا مقسم بهم كقولهم {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ} وقوله {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} وقوله {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} وإن كان العرف من التابع كعرف الفرس وعرف الديك والناس إلى فلان عرف واحد أي سابقون في قصده والتوجه إليه جاز أن تكون المرسلات الرياح ويؤيده عطف العاصفات عليه والناشرات وجاز أن تكون الملائكة وجاز أن يعم النوعين لوقوع الإرسال عرفاً عليهما ويؤيده أن الرياح موكل بها ملائكة تسوقها وتصرفها ويؤيد كونها الرياح
عطف العاصفات عليها بفاء التعقيب والتسبب فكأنها أرسلت فعصفت ومن جعل المرسلات الملائكة قال هي تعصف في مضيها مسرعة كما تعصف الرياح والأكثرون على أنها الرياح وفيها قول ثالث أنها تعصف بروح الكافر يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه قال الأعشى:
تعصف بالدراع والحاسر
…
حكاه أبو إسحاق وهو قول متكلف فإن المقسم به لا بد أن يكون آية ظاهره تدل على الربوبية وأما الأمور الغائبة التي يؤمن بها فإنما يقسم عليه وإنما يقسم سبحانه بملائكته وكتابه لظهور شأنهما ولقيام الأدلة والأعلام الظاهره الدالة على ثبوتهما
وأما الناشرات نشرا فهو استئناف قسم آخر ولهذا أتى به بالواو وما قبله معطوف على القسم الأول بالفاء قال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تأتي بالمطر ويدل على صحة قوله تعالى {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} يعني أنها تنشر السحاب نشراً وهو ضد الطي وقال مقاتل هي الملائكة تنشر كتب بني آدم وصحائف أعمالهم وقاله مسروق وعطاء عن ابن عباس وقالت طائفة هي الملائكة تنشر أجنحتها في الجو عند صعودها ونزولها وقيل تنشر أوامر الله في الأرض والسماء وقيل تنشر النفوس فتحييها بالإيمان وقال أبو صالح هي الأمطار تنشر الأرض أي تحييها
قلت ويجوز أن تكون الناشرات لازماً لا مفعول له ولا يكون المراد أنهن نشرن كذا فإنه يقال نشر الميت حي وأنشره الله إذا أحياه فيكون المراد بها الأنفس التي حييت بالعرف الذي أرسلت به المرسلات أو الأشباح والأرواح والبقاع التي حييت بالرياح المرسلات فإن الرياح سبب لنشور الأبدان والنبات والوحي سبب لنشور الأرواح وحياتها لكن هنا أمراً ينبغي التفطن له وهو أنه سبحانه جعل الأقسام في هذه السورة نوعين وفصل أحدهما من الآخر وجعل العاصفات معطوفاً على المرسلات بفاء التعقيب فصارا كأنهما نوع واحد ثم جعل الناشرات كأنه قسم مبتدأ فأتى فيه بالواو ثم عطف عليه الفارقات والملقيات بالفاء فأوهم هذا أن الفارقات والملقيات مرتبط بالناشرات وأن العاصفات مرتبط بالمرسلات وقد اختلف في الفارقات والأكثرون على أنها الملائكة ويدل عليه عطف الملقيات ذكراً عليها بالفاء وهي الملائكة بالاتفاق
وعلى هذا فيكون القسم بالملائكة التي تنشر أجنحتها عند النزول ففرقت بين الحق والباطل فألقت الذكر على الرسل إعذاراً وإنذارا
ومن جعل الناشرات الرياح جعل الفارقات صفة لها وقال هي تفرق السحاب ههنا وههنا ولكن يأبى ذلك عطف الملقيات بالفاء عليها ومن قال الفارقات أي القرآن يفرق بين الحق
والباطل فقوله يلتئم مع كون الناشرات الملائكة أكثر من التئامه إذا قيل إنها الرياح ومن قال هي جماعات الرسل فإن أراد الرسل من الملائكة فظاهر وإن أراد الرسل من البشر فقد تقدم بيان ضعف هذا القول
ويظهر والله أعلم بما أراد من كلامه أن القسم في هذه الآية وقع على النوعين الرياح والملائكة ووجه المناسبة أن حياة الأرض والنبات وأبدان الحيوان بالرياح فإنها من روح الله وقد جعلها الله تعالى نشورا وحياة القلوب والأرواح بالملائكة فبهذين النوعين يحصل نوعا الحياة ولهذا والله أعلم فصل أحد النوعين من الآخر بالواو وجعل ما هو تابع لكل نوع بعده بالفاء
وتأمل كيف وقع القسم في هذه السورة على المعاد والحياة الدائمة الباقية وحال السعداء والأشقياء فيها وقررها بالحياة الأولى في قوله {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} فذكر فيها المبدأ والمعاد وأخلص السورة لذلك فحسن الأقسام بما يحصل به نوعا الحياة المشاهدة وهو الرياح والملائكة فكان في القسم بذلك أبين دليل وأظهر آية على صحة ما أقسم عليه وتضمنته السورة ولهذا كان المكذب بعد ذلك في غاية الجحود والعناد والكفر فاستحق الويل بعد الويل فتضاعف عليه الويل كما تضاعف منه الكفر والتكذيب
فلا أحسن من هذا التكرار في هذا الموضع ولا أعظم منه