الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لك القلم الأعلى الذي بشباته
…
يصاب من الأمر الكلى والمفاصل
له ريقة طل ولكن وقعها
…
بآثاره في الغرب والشرق وابل
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
…
وأرى الجنا اشتارته أيد عواسل
له الخلوات اللاء لولا نجيها
…
لما احتفلت للملك تلك المحافل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب
…
وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت
…
عليه شعاب الفكر وهي حوافل
أطاعته أطراف القنا وتقوضت
…
لنجواه تقويض الخيام الجحافل
إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت
…
أعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رفدته الخنصران وسددت
…
ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل
رايت جليلاً شأنه وهو مرهف
…
ضنا وسمينا خطبه وهو ناحل
فصل
والمقسم عليه بالقلم والكتابة في هذه السورة تنزيه نبيه ورسوله عما يقول فيه أعداؤه وهو قوله تعالى {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} وأنت إذا طابقت بين هذا القسم والمقسم به وجدته دالاً عليه أظهر دلالة وأبينها فإن ما سطر الكاتب بالقلم من أنواع العلوم التي يتلقاها البشر بعضهم عن بعض لا تصدر من مجنون ولا تصدر إلا من عقل وافر فكيف يصدر ما جاء به الرسول من هذا الكتاب الذي هو في أعلى درجات العلوم بل العلوم التي تضمنها ليس في قوى البشر الإتيان بها ولا سيما من أمي لا يقرأ كتاباً ولا يخط بيمينه مع
كونه في أعلى أنواع الفصاحة سليماً من الاختلاف برياً من التناقض يستحيل من العقلاء كلهم لو اجتمعوا في صعيد واحد أن يأتوا بمثله ولو كانوا في عقل رجل واحد منهم فكيف يتأتى ذلك من مجنون لا عقل له يميز به ما عسى كثير من الحيوان أن يميزه وهل هذا إلا من أقبح البهتان وأظهر الإفك.
فتأمل شهادة هذا المقسم به للمقسم عليه ودلالته عليه أتم دلالة ولو أن رجلاً أنشأ رسالة واحدة بديعة منتظمة الأول والآخر متساوية الأجزاء يصدق بعضها بعضاً أو قال قصيدة كذلك أو صنف كتاباً كذلك لشهد له العقلاء بالعقل ولما استجاز أحد رميه بالجنون مع إمكان بل وقوع معارضتها ومشاكلتها والإتيان بمثلها أو أحسن منها فكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء كلهم قاطبة عن معارضته ومماثلته وعرفهم من الحق مالا تهتدي عقولهم إليه بحيث أذعنت له عقول العقلاء وخضعت له ألباب الأولياء وتلاشت في جنب ما جاء به بحيث لم يسعها إلا التسليم له والانقياد والإذعان طائعة مختارة وهي ترى عقولها أشد فقراً وحاجة إلى ما جاء به ولا كمال لها إلا بما جاء به فهو الذي كمل عقولها كما يكمل الطفل برضاع الثدي ولهذا فإن أتباعه أعقل الخلق على الإطلاق وهذه مؤلفاتهم وكتبهم في الفنون إذا وازنت بينها وبين مؤلفات مخالفيه ظهر لك التفاوت بينها ويكفي في عقولهم أنهم عمروا الدنيا بالعلم والعدل والقلوب
بالإيمان والتقوى فكيف يكون متبوعهم مجنوناً وهذا حال كتابه وهديه وسيرته وحال أتباعه وهذا إنما حصل له ولأتباعه بنعمة الله عليه وعليهم فنفى عنه الجنون بنعمته عليه
وقد اختلف في تقدير الآية فقالت فرقة الباء في بنعمة ربك باء القسم فهو قسم آخر اعتراض بين المحكوم به والمحكوم عليه كما يقول ما أنت بالله بكاذب وهذا التقدير ضعيف جداً لأنه قد تقدم القسم الأول فكيف يقع القسم الثاني في جوابه ولا يحسن أن تقول والله ما أنت بالله بقائم وليس هذا من فصيح الكلام ولا عهد في كلامهم وقالت فرقة العامل في بنعمة ربك أداة معنى النفي أو معنى أنفى عنك الجنون بنعمة ربك ورد أبو عمر ابن الحاجب وغيره هذا القول بأن الحروف لا تعمل معانيها وإنما تعمل ألفاظها وقال الزمخشري يتعلق {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} منفياً كما يتعلق بعاقل مثبتاً في قولك أنت بنعمة الله عاقل يستويان في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمراً وما ضرب زيد عمراً يعمل الفعل مثبتاً ومنفياً إعمالاً واحداً ومحله النصب على الحال أي ما أنت بمجنون منعماً عليك بذلك ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله لأنها زائدة لتأكيد النفي
واعترض عليه بأن العامل إذا تسلط على محكوم به وله معمول فإنه يجوز فيه وجهان أحدهما نفي ذلك المعمول فقط نحو قولك:
ما زيد بذاهب مسرعاً فإنه ينتفى الإسراع دون القيام ولا يمتنع أن يثبت له ذهاب في غير إسراع والثاني ينفي المحكوم به فينتفي معموله بانتفائه فينتفي الذهاب في هذه الحال فينتفي الإسراع بانتفائه فإذا جعل بنعمة ربك معمولاً لمجنون لزم أحد الأمرين وكلاهما منتف جزماً
وهذا الإعتراض هنا فاسد لأن المعنى إذا حصل ما أنت بمجنون منعما عليك لزم من صدق هذا الخبر نفيها قطعاً ولا يصح نفي المعمول وثبوت العامل في هذا الكلام ولا يفهم منه من له آلة الفهم وإنما يفهم الآدمي من هذا الكلام أن الجنون انتفى عنك بنعمة الله عليك وانتفى عنا ما فهمه هذا المعترض بنعمة الله علينا ثم أخبر سبحانه عن كمال حالتي نبيه في دنياه وأخراه فقال {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي غير مقطوع بل هو دائم مستمر ونكر الأجر تنكير تعظيم كما قال {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً} و {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَة} و {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى} و {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً} و {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} وهو كثير وإنما كان التنكير للتعظيم لأنه صور للسامع بمنزلة أمر عظيم لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير ثم قال {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته لمن منحه الله فهماً ولقد سئلت أم المؤمنين عن
خلقه صلى الله عليه وسلم، فأجابت بما شفى وكفى فقالت كان خلقه القرآن فهم سائلها أن يقوم لا يسألها شيئاً بعد ذلك ومن هذا قال ابن عباس وغيره أي على دين عظيم وسمى الدين خلقاً لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل والحكمة والمصلحة وأقوال مطابقة للحق تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها أخلاقاً هي أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها فهذه كانت أخلاق رسول الله المقتبسة من مشكاة القرآن فكان كلامه مطابقاً للقرآن تفصيلاله وتبيينا وعلومه علوم القرآن وإرادته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن وإعراضه وتركه لما منع منه القرآن ورغبته فيما رغب فيه وزهده فيما زهد فيه وكراهته لما كرهه ومحبته لما أحبه وسعيه في تنفيذ أوامره وتبليغه والجهاد في إقامته فترجمت أم المؤمنين لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها كان خلقه القرآن وفهم هذا السائل لها عن هذا المعنى فاكتفى به واشتفى
فإذا كانت أخلاق العباد وعلومهم وإراداتهم وأعمالهم مستفادة من القلم وما يسطرون وكان في خلق القلم والكتابة
إنعام عليهم وإحسان إليهم إذ وصلوا به إلى ذلك فكيف ينكرون إنعامه وإحسانه على عبده ورسوله الذي أعطاه أعلى الأخلاق وأفضل العلوم والأعمال والإرادات التي لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها من غير قلم ولا كتابة فهل هذا إلا من أعظم آيات نبوته وشواهد صدق رسالاته وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون هو أم هم وقد علموا هم والعقلاء ذلك في الدنيا ويزداد علمهم في البرزخ وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة بحيث تتساوى أقدام الخلائق في العلم به
وقد اختلف في تقدير قوله {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} فقال أبو عثمان المازني هو كلام مستأنف والمفتون عنده مصدر أي بأيكم الفتنة والاستفهام عن أمر دائر بين إثنين قد علم انتفاؤه عن أحدهما قطعاً فتعين حصوله للآخر والجمهور على خلاف هذا التقدير وهو عندهم متصل بما قبله ثم لهم فيه أربعة أوجه
أحدها أن الباء زائدة والمعنى أيكم المفتون وزيدت في المبتدأ كما زيدت في قولك بحسبك أن تفعل قاله أبو عبيد
الثاني أن المفتون بمعنى الفتنة أي ستبصر ويبصرون بأيكم الفتنة والباء على هذا ليست بزائدة قاله الأخفش
الثالث أن المفتون مفعول على بابه ولكن هنا مضاف محذوف تقديره بأيكم فتون المفتون وليست الباء زائدة قاله الأخفش أيضاً