الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأقارب والعشائر فأوصلنا ذلك الخوف والإشفاق إلى أن من الله علينا فأمنا مما نخاف {وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} وهذا ضد حال الشقى الذي كان في أهله مسروراً فهذا كان مسروراً مع إساءته وهؤلاء كانوا مشفقين مع إحسانهم فبدل الله سبحانه إشفاقهم بأعظم الأمن وبدل أمن أولئك بأعظم المخاوف فبالله سبحانه المستعان
ثم أخبر عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا يعبدون الله فيها فأصلتهم عبادته وحده إلى قربه وجواره ومحل كرامته والذي جمع لهم ذلك كله بره ورحمته فإنه هو البر الرحيم فهذا هو المقسم عليه بتلك الأقسام الخمسة في أول السورة والله أعلم
فصل
ومن ذلك قوله {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً فَالْحَامِلاتِ وِقْراً فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} أقسم بالذاريات وهي الرياح تذرو المطر وتذرو التراب وتذرو النبات إذا تهشم كما قال تعالى {فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} أي تفرقه وتنشره ثم بما فوقها وهي السحاب الحاملات وقراً أي ثقلاً من الماء وهي روايا الأرض يسوقها الله سبحانه على متون السحاب الرياح كما في جامع الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة قال بينما نبي
الله جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم "هل تدرون ما هذا" قالوا الله ورسوله أعلم قال "هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تبارك وتعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه"
ثم أقسم سبحانه بما فوق ذلك وهي الجاريات يسرا وهي النجوم التي من فوق الغمام ويسرا أي مسخرة مذللة منقادة وقال جماعة من المفسرين أنها السفن تجري ميسرة في الماء جرياً سهلا ومنهم من لم يذكر غيره واختار شيخنا رحمه الله القول الأول وقال هو أحسن في الترتيب والانتقال من السافل إلى العالي فإنه بدأ بالرياح وفوقها السحاب وفوقه النجوم وفوقها الملائكة المقسمات أمر الله الذي أمرت به بين خلقه والصحيح أن المقسمات أمرا لا تختص بأربعة وقيل هم جبريل يقسم الوحي والعذاب وأنواع العقوبة على من خالف الرسل وميكائيل على القطر والبرد والثلج والنبات يقسمها بأمر الله وملك الموت يقسم المنايا بين الخلق بأمر الله وإسرافيل يقسم الأرواح على أبدانها عند النفخ في الصور وهم المدبرات أمرا وليس في اللفظ ما يدل على الاختصاص بهم والله أعلم
وأقسم سبحانه بهذه الأمور الأربعة لمكان العبرة والآية والدلالة الباهرة على ربوبيته ووحدانيته وعظم قدرته ففي الرياح من العبر هبوبها وسكونها ولينها وشدتها واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابها
وتصريفها وتنوع منافعها وشدة الحاجة إليها فللمطر خمسة رياح ريح ينشر سحابه وريح يؤلف بينه وريح تلقحه وريح تسوقه حيث يريد الله وريح تذرو أمامه وتفرقه وللنبات ريح وللسفن ريح وللرحمة ريح وللعذاب ريح إلى غير ذلك من أنواع الرياح وذلك تقضى بوجود خالق مصرف لها مدبر لها يصرفها كيف يشاء ويجعلها رخاء تارة وعاصفة تارة ورحمة تارة وعذاباً تارة فتارة يحيي بها الزرع والثمار وتارة يغطيها بها وتارة ينجي بها السفن وتارة يهلكها بها وتارة ترطب الأبدان وتارة تذيبها وتارة عقيماً وتارة لاقحة وتارة جنوباً وتارة دبورا وتارة صبا وتارة شمالا وتارة حارة وتارة باردة وهي مع غاية قوتها ألطف شيء وأقبل المخلوقات لكل كيفية سريعة التأثر والتأثير لطيفة المسارق بين السماء والأرض إذا قطع عن الحيوان الذي على وجه الأرض هلك كبحر الماء الذي إذا فارقه حيوان الماء هلك يحبسها الله سبحانه إذا شاء ويرسلها إذا شاء تحمل الأصوات إلى الأذان والرائحة إلى الأنف والسحاب إلى الأرض الجزر وهي من روح الله تأتي بالرحمة ومن عقوبته تأتي بالعذاب وهي أقوى خلق الله كما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فقال بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال وقالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم