الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقوله {وأما بنعمة ربك فحدث} قال مجاهد بالقرآن وقال الكلبي بمعنى أظهرها والقرآن أعظم ما أنعم الله به عليه فأمره أن يقرئه ويعلمه وروى أبو بشر عن مجاهد حدث بالنبوة التي أعطاك الله وقال الزجاج بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي آتاك وهي أجل النعم وقال مقاتل أشكر هذه النعمة التي ذكرت في هذه السورة والتحقيق أن النعم تعم هذا كله فأمر أن لا ينهر سائل المعروف والعلم وأن يحدث بنعم الله عليه في الدين والدنيا
فصل
ومن ذلك إقسامه سبحانه ب {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً} وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك فقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما هي إبل الحاج تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن مزدلفة إلى منى وهذا اختيار محمد بن كعب وأبي صالح وجماعة من المفسرين وقال عبد الله بن عباس هي خيل الغزاة وهذا قول أصحاب ابن عباس والحسن وجماعة واختاره الفراء والزجاج قال أصحاب الإبل السورة مكية ولم يكن ثم جهاد ولا خيل تجاهد وإنما أقسم بما يعرفونه ويألفونه وهي إبل الحاج إذا عدت من
عرفة إلى مزدلفة فهي عاديات والضبح والضبع مد الناقة ضبعها في السير يقال ضبحت وضبعت بمعنى واحد وأنشد أبو عبيدة وقد اختار هذا القول:
فكان لكم أجري جميعاً وأضبحت
…
بي البازل الوجناء في الآل تضبح
قالوا فهي تعدو ضبحاً فتورى بأخفافها النار من حك الأحجار بعضها ببعض فتثير النقع وهو الغبار بعدوها فيتوسط جمعاً وهي المزدلفة
قال أصحاب الخيل المعروف في اللغة أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدون والمعنى والعاديات ضابحة فيكون ضبحاً مصدراً على الأول وحالاً على الثاني قالوا والخيل هي التي تضبح في عدوها ضبحاً وهو صوت يسمع من أجوافها ليس بالصهيل ولا الحمحمة ولكن صوت أنفاسها في أجوافها من شدة العدو وقال الجرجاني كلا القولين قد جاء في التفسير إلا أن السياق يدل على أنها الخيل وهو قوله تعالى {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً} والايراء لا يكون إلا للحافر لصلابته وأما الخف ففيه لين واسترخاء إنتهى
قالوا والضبح في الخيل أظهر منه في الإبل والايراء لسنابك الخيل أبين منه لاخفاف الإبل قالوا والنقع هو الغبار وإثارة الخيل بعدوها له أظهر من إثارة أخفاف الإبل والضمير في به عائد على المكان الذي تعدو فيه قالوا وأعظم ما يثير الغبار عند الإغارة
إذا توسطت الخيل جمع العدو لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان وأما حمل الآية في إثارة الغبار في وادي محسر عند الإغارة فليس بالبين ولا يثور هناك غبار في الغالب لصلابة المكان قالوا وأما قولكم إنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهاد ولا خيل تجاهد فهذا لا يلزم لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في غزو فأغارت فأثارت النقع وتوسطت جمع العدو وهذا أمر معروف وذكر خيل المجاهدين أحق ما دخل في هذا الوصف فذكره على وجه التمثيل لا الإختصاص فإن هذا شأن خيل المقاتلة وأشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين والقسم إنما وقع بما تضمنه شأن هذه العاديات من الآيات البينات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم البهيم وأشرفه وهو الذي يحصل به العز والظفر والنصر على الأعداء فيعدوا طالبة للعدو وهاربة منه فيثير عدوها الغبار لشدته وتورى حوافرها وسنابكها النار من الأحجار لشدة عدوها فتدرك الغارة التي طلبتها حتى تتوسط جمع الأعداء فهذا من أعظم آيات الرب تعالى وأدلة قدرته وحكمته فذكرهم بنعمة عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم ويدركون به ثأرهم كما ذكرهم سبحانه بنعمه عليهم في خلق الإبل التي تحمل أثقالهم من بلد إلى بلد فالإبل أخص بحمل الأثقال والخيل أخص
بنصرة الرجال فذكرهم بنعمه بهذا وهذا وخص الإغارة بالضبح لأن العدو لم ينتشروا إذ ذاك ولم يفارقوا محلهم وأصحاب الإغارة حامون مستريحون يبصرون مواقع الغارة والعدو لم يأخذوا أهبتهم بل هم في غرتهم وغفلتهم ولهذا كان النبي إذا أراد الغارة صبر حتى يطلع الفجر فإن سمع مؤذناً أمسك وإلا أغار
ولما علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورى النار تأولوا الآية على وجوه بعيدة فقال محمد بن كعب هم الحاج إذا أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة وعلى هذا فيكون التقدير فالجماعات الموريات وهذا خلاف الظاهر وإنما الموريات هي العاديات وهي المغيرات روى سعيد بن جبير عن ابن عباس هم الذين يغيرون فيورون بالليل نيرانهم لطامعهم وحاجتهم كأنهم أخذوه من قوله تعالى {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ} وهذا إن أريد به التمثيل وأن الآية تدل عليه فصحيح وإن أريد به اختصاص الموريات فليس كذلك لأن الموريات هي العاديات بعينها ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب فإنها عدت فأورت وقال قتادة الموريات هي الخيل تورى نار العداوة بين المقتتلين وهذا ليس بشيء وهو بعيد من معنى الآية وسياقها وأضعف منه قول عكرمة هي الألسنة تورى نار العداوة بعظيم ما نتكلم به وأضعف منه ما ذكر عنه مجاهد هي أفكار الرجال تورى نار المكر والخديعة في الحرب
وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها وأنها هي المراد فغلط وإن أريد أنها أخذت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب
وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول تفسير على اللفظ وهو الذي ينحو إليه المتأخرون وتفسير على المعنى وهو الذي يذكره السلف وتفسير على الإشارة والقياس وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم وهذا لا بأس به بأربعة شرائط أن لا يناقض معنى الآية وأن يكون معنى صحيحاً في نفسه وأن يكون في اللفظ إشعار به وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطاً حسناً
وأضعف من ذلك كله قول ابن جريج قدحاً يعني فالمنجحات أمراً يريد البالغين بنجحهم فيما طلبوه وعطف قوله فأثرن فوسطن وهما فعلان على العاديات والموريات لما فيه من معنى الفعل
وكان ذكر الفعل في أثرن ووسطن أحسن من ذكر الاسم لأنه سبحانه قسم أفعالنا إلى قسمين وسيلة وغاية فالوسيلة هي العدو وما يتبعه من الايراء والإغارة والغاية هي توسط الجمع وما يتبعه من إثارة النقع فهن عاديات موريات مغيرات حتى يتوسطن الجمع ويثرن النقع فالأول شأنهن الذي أعددن له والثاني فعلهن الذي انتهين إليه والله أعلم.