الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
الأمر الثالث ما تضمنه قوله {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إنه ربوبيته الكاملة لخلقة تأبى أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم ويحذرهم ما يضرهم بل يتركهم هملاً بمنزلة الأنعام السائمة فمن زعم ذلك لم يقدر رب العالمين قدره ونسبه إلا مالا يليق به تعالى {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}
ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلاً إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق
كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعاً ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجى ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله
وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولاً وإنما كان ملكاً قاهراً قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثاً وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا
وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذباً مفترياً على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالماً بذلك مطلعاً عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادراً على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادراً على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادراً ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته
ومهلك من خالفه وكذبه ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم ولعجزوا عن ذلك وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمراً خارجاً عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولاً نبياً فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه
قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتاً ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئاً من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه
فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا
قلت له بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبياً وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحداً مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر
وقد أرشد سبحانه إلى هذا الملك في غير موضع من كتابه فقال {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} يقول سبحانه لو تقول علينا قولاً واحداً من تلقاء نفسه لم نقله ولم نوحه إليه لما أقررناه ولأخذنا بيمنه ثم أهلكناه هذا أحد القولين قال ابن قتيبة في هذا قولان أحدهما أن اليمين القوة والقدرة وأقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في ميامنه قلت وعلى هذا تكون اليمين من صفة الأخذ وهذا قول ابن عباس في اليمين
قال ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر وهذا أن الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من يعاقب وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل خذ بيده وأكثر ما يقوله السلطان
والحاكم بعد وجوب الحكم خذ بيده واسفع بيده فكأن قال لو كذب علينا في شيء مما بلغ إليكم عنا لأخذنا بيمينه ثم عاقبناه بقطع الوتين وإلى هذا المعنى ذهب الحسن
فقد أخبر سبحانه أنه لو تقول عليه شيئاً من الأقاويل لما أقره ولعاجله بالعقوبة فإن كذباً على الله ليس ككذب على غيره ولا يليق به أن يقر الكاذب عليه فضلاً عن أن ينصره ويؤيده ويصدقه
وبقوله {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} والوتين نياط القلب وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب إذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه هذا قول جميع أهل اللغة قال ابن قتيبة ولم يرد أنا نقطع ذلك العرق بعينه ولكنه أراد لو كذب علينا لأمتناه أو قتلناه فكان كمن قطع وتينه قال ومثله قوله ما زالت أكلة خيبر تعاودني وهذا أوان قطعت أبهري
والأبهر عرق يتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال فهذا أوان قتلني السم فكنت كمن انقطع أبهره
ثم قال تعالى {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِين} أي لا يحجزه مني أحد ولا يمنعه مني
الموضع الثاني قوله تعالى {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} وفي معنى الآية للناس قولان أحدهما قول مجاهد ومقاتل إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك والثاني قول قتادة إن يشأ الله ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي وهذا القول دون الأول لوجوه
أحدها أن هذا خرج جواباً لهم وتكذيباً لقولهم أن محمداً كذب على الله وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب وهو أن الله تعالى قادر لا يعجزه شيء فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه بل يصير القلب كالشيء المختوم عليه فلا يوصل إلى ما فيه فيعود المعنى إلى أنه لو افترى علي لم أمكنه ولم أقره ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر من قلب مختوم عليه فإن فيه من علوم الأولين والآخرين وعلم المبدأ والمعاد والدنيا والآخرة والعلم الذي لا يعلمه إلا الله والبيان التام والجزالة والفصاحة والجلالة والأخبار بالغيوب
مالم يمكن من ختم على قلبه أن يأتي به ولا ببعضه فلولا أني أنزلته على قلبه ويسرته بلسانه لما أمكنه أن يأتيكم بشيء منه فأين هذا إلى المعنى الذي ذكره الآخرون وكيف يلتئم مع حكاية قولهم وكيف يتضمن الرد عليهم
الوجه الثاني أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل فلا يدل ذلك على التمييز بينهما ولا يكون فيه رد لقوهم فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر
الثالث أن الرابط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه ولا يعرف هذا في عرف المخاطب ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن بل المعهود استعمال الختم على القلب في شأن الكفار في جميع موارد اللفظ في القرآن كقوله {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وقوله {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} ونظائره وأما ربطه على قلب العبد بالصبر فكقوله {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وقوله {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} والإنسان يسوغ له في الدعاء أن يقول اللهم إربط على قلبي ولا يحسن أن يقول اللهم اختم على قلبي
الرابع أنه سبحانه حيث يحكى أقوالهم أنه افتراه لا يجيبهم
عليه هذا الجواب بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئاً بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه كقوله {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} وتارة يجيبهم بالمطالبة بمعارضته بمثلة أو شيء منه وتارة بإقامة الأدلة القاطعة على أنه الحق وأنهم هم الكاذبون المفترون وهذا هو الذي يحسن في جواب هذا السؤال لا مجرد الصبر
الخامس أن هذه الآية نظير ما نحن فيه وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير
السادس أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم فمن أين يعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى فيحمل عليه بخلاف كونه يحول بينه وبينه ولا يمكنه من الإفتراء عليه فقد ذكره في مواضع السابع أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه كما قال تعالى {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِه} وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي ولا أقدر أن أفتريه على الله ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من أهل العلم والكتابة ومخالطة الناس والتعلم منهم ولكن الله بعثني به ولو شاء سبحانه لم ينزله ولم ييسره بلساني فلم يدعني أتلوه عليكم وإن أعلمكم به ألبتة
لا على لساني ولا على لسان غيري ولكنه أوحاه إلي وأذن لي في تلاوته عليكم وأدراكم به بعد أن لم تكونوا دارين به فلو كان كذباً وافتراءً كما تقولون لأمكن غيري أن يتلوه عليكم وتدرون به من جهته لأن الكذب لا يعجز عنه البشر وأنتم لم تدروا بهذا ولم تسمعوه إلا مني ولم تسمعوه من بشر غيري
ثم أجاب عن سؤال مقدر وهو أنه تعلمه من غيره أو افتراه من تلقاء نفسه فقال {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ} تعلمون حالي ولا يخفى عليكم سيري ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي ومن هذا لم أتمكن من قول شيء منه ألبته ولا كان لي به علم ولا ببعضه ثم أتيتكم به وهلة من غير تعمل ولا تعلم ولا معاناة للأسباب التي أتمكن بها منه ولا من بعضه وهذا من أظهر الأدلة وأبين البراهين أنه من عند الله أوحاه إلي وأنزله علي ولو شاء ما فعل فلم يمكني من تلاوته ولا أمكنكم من العلم به بل مكنني من تلاوته ومكنكم من العلم به فلم تكونوا عالمين به ولا ببعضه ولم أكن قبل أن يوحى إلي تالياً له ولا لبعضه فتأمل صحة هذا الدليل وحسن تأليفه وظهور دلالته
ومن هذا قوله سبحانه {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} وهذا هو المناسب لقوله {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى
قَلْبِكَ} ولقوله {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} وبرهان مستقل مذكور في القرآن على وجوه متعددة والله أعلم
الثامن أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات كقوله تعالى {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} وقوله {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} وقوله {إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} وقوله {إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ} ونظائره لم يأت إلا فيما كان ما بعد فعل المشيئة منفياً
التاسع أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر بل قد يختم على قلب العبد ويسلبه صبره بل إذا ختم على القلب زال الصبر وضعف بخلاف الربط على القلب فإنه يستلزم الصبر كما قال تعالى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} ومعنى الربط في اللغة الشد ولهذا يقال لكل من صبر على أمر ربط قلبه كأنه حبس قلبه عن الإضطراب ومنه يقال هو رابط الجأش وقد طن الواحدي أن على زائدة والمعنى يربط قلوبكم وليس كما ظن بل بين ربط الشيء والربط عليه فرق ظاهر فإنه يقال ربط الفرس والدابة ولا يقال ربط عليها فإذا أحاط الربط بالشيء وعمه قيل ربط
عليه كأنه أحاط عليه بالربط فلهذا قيل ربط على قلبه وكان أحسن من أن يقال ربط قلبه والمقصود أن هذا الربط يكون معه الصبر أشد وأثبت بخلاف الختم
العاشر أن الختم هو شد القلب حتى لا يشعر ولا يفهم فهو مانع يمنع العلم والتقصد والنبي كان يعلم قول أعدائه أنه افترى القرآن ويشعر به فلم يجعل الله على قلبه مانعا من شعوره بذلك وعلمه به فإذا قيل الأمر كذلك ولكن جعل الله على قلبه مانعاً من الأذى بقولهم قيل هذا أولى أن يسمى ختماً وقد كان يؤذيه قولهم ويحزنهم كما قال تعالى {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} وكان وصول هذا الأذى إليه من كرامة الله له فإنه لم يؤذ نبي ما أوذى فالقول في الآية هو قول قتادة والله أعلم
ثم أخبر سبحانه أن القرآن تذكره للمتقين يتذكر به المتقى فيبصر ما ينفعه فيأتيه وما يضره فيجتنبه ويتذكر به أسماء الرب تعالى وصفاته وأفعاله فيؤمن ويتذكر به ثوابه وعقابه ووعيده وأمره ونهيه وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه وما يزكيها ويطهرها ويعليها وما يدسيها ويخفيها ويحقرها ويذكر به علم المبدأ والمعاد والجنة والنار وعلم الخير والشر فهو التذكرة على الحقيقة تذكرة حجة للعالمين ومنفعة وهداية للمتعلمين
ثم قال سبحانه {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ} أي لا يخفون علينا فسنجازيهم بتكذيبهم
ثم أخبر سبحانه أن رسوله وكلامه حسرة على الكافرين إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التحسر وهكذا كل من كذب بحق وصدق بباطل فإنه إذا انكشف له حقيقة ما كذب به وصدق به كان تكذيبه وتصديقه حسرة عليه كمن فرط فيما ينفعه وقت تحصيله حتى إذا اشتدت حاجته إليه وعاين فوز المحصلين صار تفريطه عليه حسرة
ثم أخبر سبحانه أن القرآن والرسول حق اليقين فقيل هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته أي الحق اليقين نحو مسجد الجامع وصلاة الأولى وهذا موضع يحتاج إلى تحقيق فنقول وبالله التوفيق
ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة حق اليقين وعلم اليقين وعين اليقين كما قال تعالى {كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها علمه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله وتيقنهم صدق المخبر
المرتبة الثانية عين اليقين وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر وفي المسند للإمام أحمد مرفوعاً ليس الخبر كالمعاين وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ الشك حيث قال نحن أحق بالشك من إبراهيم ومعاذ الله أن يكون هناك شك ولا من إبراهيم وإنما هو عين بعد علم وشهود بعد خبر معاينة بعد سماع
المرتبة الثالثة مرتبة حق اليقين وهي مباشرة الشيء بالإحساس به كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة وتارة يكون بالقلب فلهذا قال {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ
يخالط بشاشته القلوب ويبقى لها حق اليقين وهذه أعلى مراتب الإيمان وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين
وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال إذا قال لك من تجزم بصدقه عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين وعلى هذا فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته بل من إضافة الجنس إلى نوعه إن العلم والعين والحق أعم من كونها يقيناً فأضيف العام إلى الخاص مثل بعض المتاع وكل الدراهم ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصدقان على ذات واحدة بخلاف قولك دار عمرو وثوب زيد ظن من ظن أنها من إضافة الموصوف إلى صفته وليس كذلك بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه كثوب خز وخاتم فضة فالمضاف إليه قد يكون مغايراً للمضاف لا يصدقان على ذات واحدة وقد يجانسه فيصدقان على مسمى واحد والله أعلم
ثم ختم السورة بقولة {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} وهي جديرة بهذه الخاتمة لما تضمنته من الأخبار عن عظمة الرب تعالى وجلاله وذكر عظم ملكه وجريان حكمه بالعدل على عباده في الدنيا والآخرة وذكر عظمته تعالى في إرسال رسوله وإنزال كتابه وأنه تعالى أعظم وأجل وأكبر عند أهل سماواته والمؤمنين من