الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
ثم لما أراد الله سبحانه أن يذر نسلهما في الأرض ويكثره وضع فيهما حرارة الشهوة ونار الشوق والطلب وألهم كلاً منهما اجتماعه بصاحبه فاجتمعا على أمر قد قدر فاسمع الآن عجائب ما هناك
لما شاء الرب تعالى أن يخرج نسخة هذا الإنسان منه أودع جسده حرارة وسلط عليه هيجانها فصارت شهوة غالبة فإذا هاجت حرارة الجسد تحللت الرطوبات من جميع أجزاء الجسد وابتدأت نازلة من خلف الدماغ من عروق خلف الأذنين إلى قفا الظهر ثم تخرج إلى الكليتين ثم تجتمع في أوعية المنى بعد أن طبختها نار الشهوة وعقدتها حتى صار لها قوام وغلظ وقصرتها حتى ابيضت وقدر لها مجاري وطرق تنفذ فيها ثم اقتضت حكمته سبحانه أن قدر لخروجها أقوى الأسباب المستفرغة لها من خارج ومن داخل فقيض لها صورة حسنها في عين الناظر وشوقه إليها وساق أحدهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة والمحبة فحن كل منهما إلى امتزاجه بصاحبه واختلاطه به ليقضى الله أمراً كان مفعولاً وجعل هذا محل الحرث وهذا محل البذر ليلتقي الماءان على أمر قد قدر وقدر بينهما تلك الحركات لتعمل الحرارة في تلك الرطوبة والفضلة عملها واستخرجها من تحت الشعر والبشر والظفر لتوافق نسخة الأصل ويكون
الداعي إلى التناسل في غاية القوة فلا ينقطع النسل ولهذا لا تجد في منى الاحتلام من القوة ما في منى الجماع وإنما هو من فضلة حرارة تذيب الرطوبة فتنفذ فيها الطبيعة إلى خارج من نوع تصور خيال بواسطة الشيطان كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان"
فإن قيل فهذا اختيار منكم لقول من قال إن المنى يخرج من جميع أجزاء البدن وهذا وإن كان قد قاله كثير من الناس فقد خالفهم آخرون وزعموا انه فضلة تتولد من الطعام وهي من أعدل الفضلات ولهذا صلحت أن تكون مبدأ الإنسان وهو جسم متشابه الأجزاء في نفسه قيل القول الأول هو الصواب ويدل عليه وجوه منها عموم اللذة بجميع أجزاء البدن ومنها مشاكلة أعضاء المولود لأعضاء الوالدين ومنها أن المشابهة الكلية تدل على أن البدن كله أرسل المنى ولولا ذلك لكانت المشابهة بحسب محل واحد فدل على أن كل عضو أرسل قسطه ونصيبه فلما انعقد وصلب ظهرت محاكاته ومشابهته له ومنها أن الأمر لو كان كما زعمه أصحاب المقالة الثانية من أن المنى جسم واحد متشابه في نفسه لم تتولد منه الأعضاء المختلفة المتشكلة بالأشكال المختلفة لأن القوة الواحدة لا تفعل في المادة الواحدة إلا فعلاً واحداً فدل على أن المادة في نفسها ليست متشابهة الأجزاء
ومنها أن المني فضلة الهضم الآخر وذلك إنما يكون عند نضج الدم في العروق
وكونه مستعداً استعداداً تاماً لأن يصير من جوهر الأعضاء وكذلك عقيب استفراغه من الضعف أكثر مما يحصل من استفراغ أمثاله من الدم ولذلك يورث الضعف في جوهر الأعضاء الأصلية فدل على انه مركب من أجزاء كل منهما قريب الاستعداد لأن يصير جزءاً من عضو ولذلك سماه الله سلالة والسلالة فعالة من السل وهو ما يسل من البدن كالبخار كما سمى اصله سلالة من الطين لأنه استلها من جميع الأرض كما في جامع الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض"
قال أصحاب القول الآخر وهم جمهور الأطباء وغيرهم لو كان الأمر كما زعمتم وأن المني يستل من جميع الأعضاء لكان إذا حصل مني الذكر ومني الأنثى في الرحم تشكل المولود بشكلهما معاً ولكان الرجل لا يلد إلا ذكراً دائماً لأن المني قد استل عندكم من جميع أجزائه فإذا انعقد وجب أن يكون مثله وأيضاً فإن المرأة تضع من وطء الرجل في البطن الواحد ذكراً وأنثى ولا يمكن أن يقال أن ذلك بسبب اختلاف أجزاء المنى
قالوا ولا نسلم عموم اللذة لأنها إنما حصلت حال الإندفاق بسبب سيلان تلك المادة الحارة جارية على تلك المجاري اللحمية التي لحمتها رخوة شبيهة باللحم القريب العهد بالاندمال إذا سال عليه شيء وهو معتدل السخونة ولو كانت اللذة إنما حصلت بسبب سيلان تلك
المادة لحصلت قبل الإندفاق قالوا وأما احتجاجكم بالتشابه المذكور بين الوالد والمولود فالمشابهة قد تقع في الظفر والشعر وليس يخرج منهما شيء وأيضاً فالمولود قد يشبه جداً بعيداً من أجداده كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً سأله فقال إن امرأتي ولدت غلاماً أسود قال "هل لك من إبل" قال نعم قال "فما ألوانها؟ " قال سود قال "هل فيها من أورق" قال نعم قال "فأنى له ذلك" قال عسى أن يكون نزعه عرق قال "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق"
قالوا ولو كان في المنى من كل عضو أجزاء فلا تخلو تلك الأجزاء إما أن تكون موضوعة في المنى وضعها الواجب أو لا تكون كذلك فإن كانت موضوعة وضعها الواجب كان المنى حيواناً صغيراً وإن لم تكن كذلك استحالت المشابهة
قالوا وأيضاً فإن المنى إما أن يكون مركباً على تركيب هذه الأعضاء وترتيبها أو لا يكون كذلك فالأول باطل قطعاً لأن المني رطوبة سيالة فلا تحفظ الوضع والترتيب وإن كانت ثقيلة فتعين الثاني ولا بد قطعاً أن يحال ذلك الترتيب والتصوير والتشكيل على سبب آخر سوى القوة التي في المادة فإنها قوة لا شعور لها ولا إدراك ولا تهتدي لهذه التفاصيل التي في الصورة الإنسانية بل هذا التصوير والتشكيل مستند إلى خالق عليم حكيم قد بهرت حكمته العقول ودلت آثار صنعته على كمال أسمائه وصفاته
وتوحيده وقد اعترف بذلك فاضلا الأطباء وهما بقراط وأفلاطون وأقرا بأن ذلك مستند إلى حكمة الصانع وعنايته وأنه لم يصدر إلا عن حكيم عليم قدير ذكره جالينوس عنهما في كتاب رأي بقراط وأفلاطون فأبى جهلة الأطباء وزنادقة المتفلسفة والطبائعيين إلا كفوراً وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث حذيفة بن أسيد "إن الله وكل بالرحم ملكاً يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فما الرزق فما الأجل فما العمل فيقضى الله ما يشاء ويكتب الملك" وفي لفظ "يقول الملك الذي يخلقها" أي يصورها بإذن الله أي يصور خلقه في الأرحام كيف شاء الله لا إله إلا هو العزيز الحكيم
فقال أصحاب القول الأول نحن أحق بالتنزيه والتوحيد ومعرفة حكمة الخالق العليم وقدرته وعلمه وأسعد به منكم ومن أحال من سفهائنا وزنادقتنا هذا التخليق على القوة المصورة والأسباب الطبيعية ولم يسندها إلى فاعل مختار عالم بكل شيء قادر على كل شيء
لا يكون شيء إلا بإذنه ومشيئته والقوة والطبيعة خلق مسخر من خلقه وعبد من جملة عبيده ليس لها تصرف ولا حركة ولا فعل إلا بإذن بارئها وخالقها فذلك الذي جهل نفسه وربه وعادة الطبيعة والشريعة والرب تعالى يخلق ما يشاء ويختار ويصور خلقه في الأرحام كيف يشاء بأسباب قدرها وحكم دبرها وإذا شاء أن يسلب تلك الأسباب قواها سلبها وإذا شاء أن يقطع مسبباتها عنها قطعها وإذا شاء أن يهيء لها أسباباً أخرى تقاومها وتعارضها فعل فإنه الفعال لما يريد وليس في كون المنى مستلاً من جميع أجزاء البدن ما يخرج الحوالة على قدرته ومشيئته وحكمته بل ذلك أبلغ في الحكمة والقدرة
وأما قولكم لو كان المنى مستلاً من جميع الأعضاء لكان الولد يتشكل بشكلهما معاً فقد أجاب النبي عمن سأله عن ذلك بما شفى وكفى ففي صحيح البخاري من حديث انس رضي الله عنه قال بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله المدينة وهو في أرضه يحترف فأتاه وقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أخبرني بهن آنفا جبريل" فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة "أما أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما
أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشى المرآة فسبق ماؤه كان الشبه لها" فقال أشهد أنك رسول الله فهذا جواب جبريل آمين رب العالمين لا جبريل الطبيب وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل آنث بإذن الله" وقد يتفق الماآن في الإنزال والقدر وذلك من أندر الأشياء فيخلق للولد ذكر كذكر الرجل وفرج كفرج المرأة فإذا شاء الله أن يغلب سلالة ماء الرجل على ماء المرأة أو سلالتها أمر ملك الأرحام بتصويره كذلك فإن ذلك لا يخل بحكمته ولا يخرق عادته ولو خرقها لم يخل بحكمة أحكم الحاكمين
وأما منعكم عموم اللذة فشبيه بالمكابرة والمجامع يجد عند الإنزال شيئاً قد استل من جميع بدنه وسمعه وبصره وقواه في قالب الرحم فيحس كأنه خلع قميصاً كان مشتملاً به ولهذا اقتضت حكمة الرب تعالى في شرعه وقدره أن أمره بالاغتسال عقيب ذلك ليخلف عليه الماء ما تحلل من بدنه من ماء وإذا اغتسل وجد نشاطاً وقوة وكأنه لم ينقص منه شيء فإن رطوبة الماء تخلف على البدن ما حللته تلك الحركة عن رطوباته وتعمل فيها الحرارة الأصلية عملها فتمد بها القوى التي ضعفت بالإنزال
وأما التشابه الواقع بين الظفر والشعر في الوالد والمولود ولم ينفصل بينهما شيء فما أبردها من شبهة فإن الظفر والشعر تابعان