الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشكر والإيمان جعلوا رزقهم نفسه تكذيباً فإن التصديق والشكر لما كانا سبب زيادة الرزق وهما رزق القلب حقيقة فهؤلاء جعلوا مكان هذا الرزق التكذيب والكفر فجعلوا رزقهم التكذيب وهذا المعنى هو الذي حام حوله من قال التقدير وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون وقال آخرون التقدير وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون فحذف مضافين معاً وهؤلاء أطالوا اللفظ وقصروا بالمعنى ومن بعض معنى الآية قوله مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا لا يصح أن تدل عليه الآية ويراد بها وإلا فمعناها أوسع منه وأعم وأعلى والله أعلم
فصل
ثم ختم السورة بأحوالهم عند القيامة الصغرى كما ذكر في أولها أحوالهم في القيامة الكبرى وقسمهم إلى ثلاثة أقسام كما قسمهم هناك إلى ثلاثة وذكر بين يدي هذا التقسيم الاستدلال على صحته وثبوته بأنهم مربوبون مدبرون مملوكون فوقهم رب قاهر مالك يتصرف فيهم بحسب مشيئته وإرادته وقررهم على ذلك بما لا سبيل لهم إلى دفعه ولا إنكاره فقال {فلولا إذا بلغت الحلقوم} أي
وصلت الروح إلى هذا الموضع بحيث فارقت ولم تفارق فهي برزخ بين الموت والحياة كما أنها إذا فارقت صارت في برزخ بين الدنيا والآخرة ملائكة الرب تعالى أقرب إلى المحتضر من حاضريه من الأنس ولكنهم لا يبصرون بهم فلولا تردونها إلى مكانها من البدن أيها الحاضرون إن كان الأمر كما تزعمون أنكم غير مجزيين ولا مدينين ولا مستوعبين ليوم الحساب
فإن قيل أي ارتباط بين هذين الأمرين حتى يلازم بينهما
قيل هذا من أحسن الاستدلال وأبلغه فإنهم إما أن يقروا بأنهم مربوبون مملوكون عبيد لمالك قادر متصرف فيهم قاهر آمر ناه أو لا يقرون بذلك فإن أقروا به لزمهم القيام بحقه عليهم وشكره وتعظيمه وإجلاله وأن لا يجعلوا له نداً ولا شريكاً وهذا هو الذي جاءهم به رسوله ونزل عليه به كتابه وإن أنكروا ذلك وقالوا إنهم ليسوا بعبيد ولا مملوكين ولا مربوبين وإن الأمر إليهم يردون الأرواح إلى مقارها إذا بلغت الحلقوم فإن المتصرف في نفسه الحاكم على روحه لا يمتنع منه ذلك بخلاف المحكوم عليه المتصرف فيه غير المدبر له سواء الذي هو عبد مملوك من جميع الجهات وهذا الاستدلال لا محيد عنه ولا مدفع له ومن أعطاه حقه من التقرير والبيان إنتفع به غاية النفع وانقاد لأجله للعبودية وأذعن ولم يسعه غير التسليم للربوبية والإلهية والإقرار بالعبودية ولله ما احسن جزالة هذه الألفاظ وفصاحتها وبلوغها أقصى مراتب
البلاغة والفصاحة والاختصار التام وندائها إلى معناها من أقرب مكان واشتمالها على التوبيخ والتقرير والإلزام ودلائل الربوبية والتوحيد والبعث وفصل النزاع في معرفة الروح وأنها تصعد وتنزل وتنتقل من مكان إلى مكان وما أحسن إعادة لولا ثانياً قبل ذكر الفعل الذي يقتضيه الأول وجعل الحرفين يقتضيانه اقتضاء واحداً وذكر الشرطين مع الفصل بينهما بكلمة واحدة هي الرابط بين لولا الأولى والثانية والشرط الأول والثاني وهذا تركيب يستحد العقل والسمع لمعناه ولفظه
فتضمنت الآيتان تقريراً وتوبيخاً واستدلالاً على أصول الإيمان من وجود الخالق سبحانه وكمال قدرته ونفوذ مشيئته وربوبيته وتصرفه في أرواح عباده حيث لا يقدرون على التصرف فيها بشيء وأن أرواحهم بيده يذهب بها إذا شاء ويردها إليهم إذا شاء ويخلي أبدانهم منها تارة ويجمع بينها وبينهما تارة وإثبات المعاد وصدق رسوله فيما اخبر به عنه وإثبات ملائكته وتقرير عبودية الخلق وأتى بهذا في صورة تحضيضين وتوبيخين وتقريرين وجوابين وشرطين وجزاءين منتظمة أحسن الإنتظام ومتداخلة أحسن التداخل متعلقاً بعضها ببعض وهذا كلام لا يقدر
البشر على مثل نظمه ومعناه قال الفراء وأجيبت {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} و {فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} بجواب واحد وهو {تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} قال ومثله قوله تعالى {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} أجيبا بجواب واحد وهما شرطان قال الجرجاني قوله ترجعونها جواب قوله فلولا المتقدمة والمتأخرة على تأويل فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون يقول تعالى إن كان الأمر كما تزعمون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله ولا رب يقوم بذلك فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم فإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فهل دلكم ذلك على أن الأمر إلى مليك قادر قاهر متصرف فيكم وهو الله الذي لا إله إلا هو وقال أبو اسحق معناه فهلا ترجعون الروح إن كنتم غير مملوكين مدبرين فهلا إن كان الأمر كما تزعمون في كما يقول قائلكم {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} و {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلاً فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم الموت