الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين الفعال لما يريد {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} وأما تأثير القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وفي المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال وغير ذلك من المنافع فامر ظاهر
فصل
وما أقسامه سبحانه بـ: {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ} فلما في أدباره وإقبال النهار من أبين الدلالات الظاهرة على المبدأ والمعاد فإنه مبدأ ومعاد يومي مشهود بالعيان بينما الحيوان في سكون الليل قد هدأت حركاتهم وسكنت أصواتهم ونامت عيونهم وصاروا إخوان الأموات إذ أقبل من النهار داعيه وأسمع الخلائق مناديه فانتشرت منهم الحركات وارتفعت منهم الأصوات حتى كأنهم قاموا أحياء من القبور يقول قائلهم الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور فهو معاد جديد بدأه وأعاده الذي يبدىء ويعيد فمن ذهب بالليل وجاء بالنهار سوى الواحد القهار
فمن تأمل حال الليل إذا عسعس وأدبر والصبح إذا تنفس وأسفر فهزم جيوش الظلام بنفسه وأضاء أفق العالم بقبسه وفل كتائب الكواكب بعساكره وأضحك نواحي الأرض بتباشيره وبشائره فيالهما آيتان شاهدتان بوحدانية منشئهما وكمال ربوبيته وعظم قدرته وحكمته فتبارك الذي جعل طلوع الشمس وغروبها مقيماً لسلطان الليل والنهار فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فكيف كان الناس يسعون في معاشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم وكيف كانت تهنيهم الحياة مع فقد لذة النور وروحه وأي ثمار ونبات وحيوان كان يوجد وكيف كانت تتم مصالح أبدان الحيوان والنبات ولولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار مع علم حاجتهم إلى الهدو لراحة أبدانهم وجموم حواسهم فلولا جثوم هذا الليل عليهم بظلمته ما هدأوا ولا قروا ولا سكنوا بل جعله أحكم الحاكمين سكناً ولباساً كما جعل النهار ضياء ومعاشاً ولولا الليل وبرده لاحترقت أبدان النبات والحيوان من دوام شروق الشمس عليها وكان يحرق ما عليها من نبات وحيوان فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن جعلها سراجاً يطلع على العالم في وقت حاجتهم إليه ويغيب في وقت استغنائهم عنه فطلوعه لمصلحتهم وغيبته لمصلحتهم وصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متضافرين على مصلحة هذا العالم وقوامه فلو جعل الله سبحانه النهار سرمداً إلى يوم القيامة والليل سرمدا إلى
يوم القيامة لفاتت مصالح العالم واشتدت الضرورة إلى تغيير ذلك وإزالته بضده
وتأمل حكمته سبحانه في ارتفاع الشمس وانخفاضها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من مصالح الخلق ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منها مواد الثمار ويكثف الهواء فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات وحصول الأفعال والقوى وحركات الطبائع وفي الصيف يخرم الهواء فيضج الثمار وتشتد الحبوب ويجفف وجه الأرض فيتهيأ العمل وفي الخريف يصفو الهواء وتبرد الحرارة ويمتد الليل وتستريح الأرض والشجر للحمل والنبات مرة ثانية بمنزلة راحة الحامل بين الحملين ففي هذه الأزمنة مبدأ ومعاد مشهود وشاهد بالمبدأ والمعاد الغيبي
والمقصود أن بحركة هذين النيرين تتم مصالح العالم وبذلك يظهر الزمان فإن الزمان مقدار الحركة فالسنة الشمسية مقدار سير الشمس من نقطة الحمل إلى مثلها والسنة القمرية مقدرة بسير القمر وهو أقرب إلى الضبط واشترك الناس في العلم به وقدر أحكم الحاكمين تنقلهما في منازلهما لما في ذلك من تمام الحكمة ولطف التدبير فإن الشمس لو كانت تطلع وتغرب في موضع واحد لا تتعداه لما وصل ضوءها وشعاعها إلى كثير من الجهات فكان نفعها يفقد هناك فجعل الله سبحانه طلوعها دوالا بين الأرض لينال نفعها وتأثيرها
البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه من نفعها واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة ويأخذ كل منهما من صاحبه ومنتهى كل منها إذا امتد خمسة عشر ساعة فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلاً أو أكثر لاختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضاً وتعطلت المصالح ولو استويا دائماً لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما يشهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا يذكر سبحانه هذا التقدير ويضيفه إلى عزته وعلمه كما قال تعالى {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} وقال تعالى {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ