الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكثيراً ما يقع في كلام السلف الوصية بالتضمر لاقتحام العقبة وقال بعض الصحابة وقد حضره الموت فجعل يبكي ويقول مالي لا أبكي وبين يدي عقبة كؤود أهبط منها إما إلى جنة وإما إلى نار فهذا القول أقرب إلى الحقيقة والآثار السلفية والمألوف من عادة القرآن في استعماله وما أدراك في الأمور الغائبة العظيمة كما تقدم والله أعلم
فصل
ومن ذلك أقسامه {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} فأقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة فالتين والزيتون المراد به نفس الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس فإنها أكثر البقاع زيتوناً وتيناً وقد قال جماعة من المفسرين أنه سبحانه أقسم بهذين النوعين من الثمار لمكان العزة فيهما فإن التين فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص لا عجم له وهو على مقدار اللقمة وهو فاكهة وقوت وغذاء وأدم ويدخل في الأدوية ومزاجه من أعدل الأمزجة وطبعه طبع الحياة الحرارة والرطوبة وشكله من أحسن الأشكال
ويدخل أكله والنظر إليه في باب المفرحات وله لذة يمتاز بها عن سائر الفواكه ويزيد في القوة ويوافق الباءة وينفع من البواسير والنقرس ويؤكل رطباً ويابساً وأما الزيتون ففيه من الآيات ما هو ظاهر لمن اعتبر فإن عوده يخرج ثمراً يعصر منه هذا الدهن الذي هو مادة النور وصبغ للآكلين وطيب ودواء وفيه من مصالح الخلق مالا يخفى وشجره باق على ممر السنين المتطاولة وورقه لا يسقط وهذا الذي قالوه حق ولا ينافي أن يكون منبته مراداً فإن منبت هاتين الشجرتين حقيق بأن يكون من جملة البقاع الفاضلة الشريفة فيكون الأقسام قد تناول الشجرتين ومنبتهما وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن مريم كما أن طور سينين مظهر عبده ورسوله وكليمه موسى فإنه الجبل الذي كلمه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه
ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل فبدأ بموضع مظهر المسيح ثم ثنى بموضع مظهر الكليم ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه ونظير هذا بعينه في التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من فاران فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن عمران وبدأ به على حكم الترتيب الواقع ثم ثنى بنبوة المسيح ثم ختمه بنبوة محمد وجعل نبوة موسى بمنزلة مجيء
الصبح ونبوة المسيح بعده بمنزلة طلوع الشمس وإشراقها ونبوة محمد وعليهما بعدهما بمنزلة استعلائها وظهورها للعالم ولما كان الغالب على بني إسرائيل حكم الحس ذكر ذلك مطابقاً للواقع ولما كان الغالب على الأمة الكاملة حكم العقل ذكرها على الترتيب العقلي وأقسم بها على بداية الإنسان ونهايته فقال {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} أي في أحسن صورة وشكل واعتدال معتدل القامة مستوى الخلقة كامل الصورة أحسن من كل حيوان سواه والتقويم تصيير الشيء على ما ينبغي أن يكون في التأليف والتعديل وذلك صنعته تبارك وتعالى في قبضة من تراب وخلقه بالمشاهدة من نطفة من ماء وذلك من أعظم الآيات الدالة على وجوده وقدرته وحكمته وعلمه وصفات كماله ولهذا يكررها كثيراً في القرآن لمكان العبرة بها والاستدلال بأقرب الطرق على وحدانيته وعلى المبدأ والمعاد
وتضمن إقسامه بتلك الأمكنة الثلاثة الدالة عليه وعلى علمه وحكمته عنايته بخلقه بأن أرسل منها رسلاً أنزل عليهم كتبه يعرفون العباد بربهم وحقوقه عليهم وينذرونهم بالله ونقمته ويدعونهم إلى كرامته وثوابه
ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منهم من أجاب ومنهم من أبى ذكر حال الفريقين فذكر حال الأكثرين وهم
المردودون إلى أسفل سافلين والصحيح أنه النار قاله مجاهد والحسن وأبو العالية قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه هي النار بعضها أسفل من بعض وقالت طائفة منهم قتادة وعكرمة وعطاء والكلبي وإبراهيم أنه أرذل العمر وهو مروى عن ابن عباس والصواب القول الأول لوجوه أحدها أن أرذل العمر لا يسمى أسفل سافلين لا في لغة ولا عرف وإنما أسفل سافلين هو سجين الذي هو مكان الفجار كما أن عليين مكان الأبرار الثاني أن المردودين إلى أسفل العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جداً فأكثرهم يموت ولا يرد إلى أرذل العمر الثالث أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في رد من طال عمره منهم إلى أرذل العمر فليس ذلك مختصاً بالكفار حتى يستثنى منهم المؤمنين الرابع أن الله سبحانه لما أراد ذلك لم يخصه بالكفار بل جعله لجنس بني آدم فقال {ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} فجعلهم قسمين قسماً متوفى قبل الكبر وقسماً مردوداً إلى أرذل العمر ولم يسمه أسفل سافلين الخامس أنه لا تحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين وهو سبحانه قابل بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان فجعل جزاء الكفار أسفل سافلين وجزاء المؤمنين أجراً غير ممنون السادس أن قول من فسره بأرذل العمر
يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم ويستلزم تفسيرها بأمر محسوس فيكون قد ترك الأخبار عن المقصود الأهم وأخبر عن امر يعرف بالحس والمشاهدة وفي ذلك هضم لمعنى الآية وتقصير بها عن المعنى اللائق بها السابع أنه سبحانه ذكر حال الإنسان في مبدأه ومعاده فمبدؤه خلقه في أحسن تقويم ومعاده رده إلى أسفل سافلين أو إلى أجر غير ممنون وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومعاده فما لأرذل العمر وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه الثامن أن أرباب القول الأول مضطرون إلى مخالفة الحس وإخراج الكلام عن ظاهره والتكلف البعيد له فإنهم إن قالوا إن الذي يرد إلى أرذل العمر هم الكفار دون المؤمنين كابروا الحس وإن قالوا إن من النوعين من يرد إلى أرذل العمر احتاجوا إلى التكلف لصحة الاستثناء فمنهم من قدر ذلك بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل اعمالهم إذا ردوا إلى أرذل العمر بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة فهذا وإن كان حقاً فإن الاستثناء إنما وقع من الرد لا من الأجر والعمل ولما علم أرباب هذا القول ما فيه من التكلف خص بعضهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقراءة القرآن خاصة فقالوا من قرأ القرآن لا يرد إلى أرذل العمر وهذا ضعيف من وجهين أحدهما أن الاستثناء عام في المؤمنين قارئهم وأميهم وأنه لا دليل على
ما ادعوه وهذا لا يعلم بالحس ولا خبر يجب التسليم له يقتضيه والله أعلم
التاسع أنه سبحانه ذكر نعمته على الإنسان بخلقه في أحسن تقويم وهذه النعمة توجب عليه أن يشكرها بالإيمان وعبادته وحده لا شريك له فينقله حينئذ من هذه الدار إلى أعلى عليين فإذا لم يؤمن به وأشرك به وعصى رسله نقله منها إلى أسفل سافلين وبدله بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورة من أقبح الصور في أسفل سافلين فتلك نعمته عليه وهذا عدله فيه وعقوبته على كفران نعمته العاشر أن نظير هذه الآية قوله تعالى {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} فالعذاب الأليم هو أسفل سافلين والمستثنون هنا هم المستثنون هناك والأجر غير الممنون هناك هو المذكور هنا والله أعلم.
وقوله غير ممنون أي غير مقطوع ولا منقوص ولا مكدر عليهم وهذا هو الصواب وقالت طائفة غير ممنون به عليهم بل هو جزاء أعمالهم ويذكر هذا عن عكرمة ومقاتل وهو قول كثير من القدرية قال هؤلاء إن المنة تكدر النعمة فتمام النعمة أن يكون غير ممنون بها على المنعم عليه وهذا القول خطأ قطعاً أتى أربابه من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق وهذا من أبطل الباطل فإن المنة التي تكدر النعمة هي منه
المخلوق على المخلوق وأما منه الخالق على المخلوق فبها تمام النعمة ولذتها وطيبها فإنها منة حقيقة قال تعالى {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وقال تعالى {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} فتكون منة عليهما بنعمة الدنيا دون نعمة الآخرة وقال لموسى {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} وقال أهل الجنة {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} وقال تعالى {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} الآية وقال {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ} الآية وفي الصحيح أن النبي قال للأنصار ألم اجدكم ضلالاً فهداكم الله بي ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي فجعلوا يقولون له الله ورسوله أمن فهذا جواب العارفين بالله ورسوله وهل المنة كل المنة إلا لله المان بفضله الذي جميع الخلق في منته وإنما قبحت منه المخلوق لأنها منة بما ليس منه وهي منة يتأذى بها الممنون عليه وأما منة المنان بفضله التي ما طاب العيش إلا بمنته وكل نعمة منه في الدنيا والآخرة فهي منة يمن بها على من أنعم عليه فتلك لا يجوز نفيها وكيف يجوز أن يقال
إنه لا منة لله على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في دخول الجنة وهل هذا إلا من أبطل الباطل
فإن قيل هذا القدر لا يخفى على من قال هذا القول من العلماء وليس مرادهم ما ذكر وإنما مرادهم أنه لا يمن عليهم به وإن كانت لله فيه المنة عليهم فإنه لا يمن عليهم به بل يقال هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا وهذا أجركم فأنتم تستوفون أجور أعمالكم لا نمن عليكم بما أعطيناكم قيل وهذا أيضاً هو الباطل بعينه فإن ذلك الأجر ليست الأعمال ثمنا له ولا معاوضة عنه وقد قال أعلم الخلق بالله لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل \ح\ فأخبر أن دخول الجنة برحمة الله وفضله وذلك محض منته عليه وعلى سائر عباده وكما أنه سبحانه المان بإرسال رسله وبالتوفيق لطاعته وبالإعانة عليها فهو المان بإعطاء الجزاء وذلك كله محض منته وفضله وجوده لا حق لأحد عليه بحيث إذا وفاه إياه لم يكن له عليه منة فإن كان في الدنيا باطل فهذا ليس منه في شيء
فإن قيل كيف تقولون هذا وقد أخبر رسوله عنه بأن حق العباد عليه إذا وحدوه أن لا يعذبهم وقد أخبر عن نفسه أن حقاً عليه
نصر المؤمنين قيل لعمر الله هذا من أعظم منته على عباده أن جعل على نفسه حقا بحكم وعده لصادق أن يثيبهم ولا يعذبهم إذا عبدوه ووحدوه فهذا من تمام منته فإنه لو عذب أهل سمواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولكن منته اقتضت أن أحق على نفسه ثواب عابديه وإجابة سائليه:
ما للعباد عليه حق واجب
…
كلا ولا سعى لديه ضائع
إن عذبوا فبعد له أو نعموا
…
فبفضله فهو الكريم الواسع
وقوله سبحانه {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} أصح القولين أن هذا خطاب للإنسان أي فما يكذبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان فتقول إنك لا تبعث ولا تحاسب ولو تفكرت في مبدأ خلقك وصورتك لعلمت أن الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خلقاً جديداً وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خلقك الأول وأيضاً فإن الذي كمل خلقك في أحسن تقويم بعد أن كنت نطفة من ماء مهين كيف يليق به أن يتركك سدى لا يكمل ذلك بالأمر والنهي وبيان ما ينفعك ويضرك ولا تنقل لدار هي أكمل من هذه ويجعل هذه الدار طريقاً لك إليها فحكمة أحكم الحاكمين تأبى ذلك وتقضي خلافه قال منصور قلت لمجاهد {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} عنى به محمداً فقال معاذ الله إثما عنى به الإنسان وقال قتادة الضمير للنبي
صلى الله عليه وسلم، واختاره الفراء وهذا موضع يحتاج إلى شرح وبيان
يقال كذب الرجل إذا قال الكذب وكذبته أنا إذا نسبته إلى الكذب ولو اعتقدت صدقه وكذبته إذا اعتقدت كذبه وإن كان صادقاً قال تعالى {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} وقال {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ} فالأول بمعنى وإن ينسبوك إلى الكذب والثاني بمعنى لا يعتقدون أنك كاذب ولكنهم يعاندون ويدفعون الحق بعد معرفته جحوداً وعناداً هذا أصل هذه اللفظة ويتعدى الفعل إلى الخبر بنفسه وإلى خبره بالباء ونفي فيقال كذبته بكذا وكذبته فيه والأول أكثر استعمالاً ومنه قوله {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} وقوله {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}
إذا عرف هذا فقوله {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} اختلف في ماء هل هي بمعنى أي شيء يكذبك أو بمعنى من الذي يكذبك فمن جعلها بمعنى أي شيء تعين على قوله أن يكون الخطاب للإنسان أي فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مكذباً بالدين وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق ومن جعلها بمعنى فمن الذي يكذبك جعل الخطاب للنبي قال الفراء كأنه يقول من يقدر على تكذيبك بالثواب
والعقاب بعدما تبين له من خلق الإنسان ما وصفناه وقال قتادة فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا بالدين
وعلى قول قتادة والفراء إشكال من وجهين أحدهما إقامة ما مقام من وأمره سهل والثاني أن الجار والمجرور يستدعى متعلقاً وهو يكذبك أي فمن يكذبك بالدين فلا يخلوا إما أن يكون المعنى فمن يجعلك كاذباً بالدين أو مكذبا به ولا يصح واحدا منهما أما الثاني والثالث فظاهر فإن كذبته ليس معناه جعلته مكذباً أو مكذباً وإنما معناه نسبته إلى الكذب فالمعنى على هذا فمن يجعلك بعد كاذباً بالدين وهذا إنما يتعدى إليه بالباء الفعل المضاعف لا الثلاثي فلا يقال كذب كذا وإنما يقال كذب به
وجواب هذا الإشكال أن قوله كذب بكذا معناه كذب المخبر به ثم حذف المفعول به لظهور العلم به حتى كأنه نسي وعدوا الفعل إلى المخبر به فإذا قيل من يكذبك بكذا فهو بمعنى كذبوك بكذا سواء أي نسبوك إلى الكذب في الأخبار به بل الأشكال في قول مجاهد والجمهور فإن الخطاب إذا كان للإنسان وهو المكذب أي فاعل التكذيب فكيف يقال له ما يكذبك أي يجعلك مكذباً والمعروف كذبه إذا جعله كاذبا لا مكذبا ومثل فسقه إذا جعله فاسقا لا مفسقا لغيره
وجواب هذا الأشكال أن صدق وكذب بالتشديد
يراد به معنيان أحدهما النسبة وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم والثاني الداعي والحامل على ذلك وهو يكون للفاعل قال الكسائي يقال ما صدقك بكذا أو ما كذبك بكذا أي ما حملك على التصديق والتكذيب
قلت وهو نظير ما أجرأك على هذا أي ما حملك على الاجتراء عليه وما قدمك وما أخرك أي ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير وهذا استعمال سائغ موافق للعربية وبالله التوفيق
ثم ختم السورة بقوله {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} وهذا تقرير لمضمون السورة من إثبات النبوة والتوحيد والمعاد وحكمه بتضمن نصره لرسوله على من كذبه وجحد ما جاء به بالحجة والقدرة والظهور عليه وحكمه بين عباده في الدنيا بشرعه وأمره وحكمه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه وإن أحكم الحاكمين لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعد ما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن تقويم ونقله في أطوار التخليق حالاً بعد حال إلى أكمل الأحوال فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وهل ذلك إلا قدح في حكمه وحكمته فلله ما أخصر لفظ هذه السورة وأعظم شأنها وأتم معناها والله أعلم