الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفر وجد ثقلاً وكسلاً وغماً ولهذا جاءت الشريعة بحلق العانة ونتف الإبط وكان حلق العانة أولى من نتفها لصلابة الشعر وتأذي صاحبها بنتفه وكان نتف الإبط أولى من حلقه لضعف الشعر هناك وشدته وتعجل نباته بالحلق فجاءت الشريعة بالأنفع في هذا وهذا
فصل
وتأمل حكمة الرب تعالى في كونه أخلى الكفين والجبهة والأخمصين من الشعر فإن الكفين خلقا حاكمين على الملموسات فلو حصل الشعر فيها لأخل بذلك وخلقا للقبض وإلصاق اللحم على المقبوض أعون على جودته من التصاف الشعر به وأيضاً فإنهما آلة الأخذ والعطاء والأكل ووجود الشعر فيهما يخل بتمام هذه المنفعة
وأما الأخمصان فلو نبت الشعر فيهما لأضر بالماشي وأعاقه في المشي كثيراً مما يعلق بشعره مما على الأرض ويتعلق شعره بما عليها أيضاً هذا مع أن أكثر الأوتار والأغشية في الكفين مانع من نفوذ الأبخرة فيها وأما الأخمصين فإن الأبخرة تتصاعد إلى علو وكلما تصاعد كان الشعر أكثر وأيضاً فإن كثرة وطء الأرض بالأخمصين يصلبهما ويجعل سطحهما أملس لا ينبت شيئاً كما أن الأرض التي توطأ كثيراً لا تنبت شيئا
وأما الجبهة فلو بنت الشعر عليها لستر محاسنها وأظلم الوجه وتدلى على العين وكان يحتاج إلى حلقه دائماً ومنع العينين من كمال الإدراك والسبب المؤدي لذلك أن الذي تحت عظم الجبهة هو مقدم الدماغ وهو بارد رطب والبخار لا يتحرك منحرفاً إلى الجبهة بل صاعداً إلى فوق
فإن قيل لم نبت شعر الصبي على رأسه وحاجبيه وأجفانه معه من الصغر دون سائر الشعور
قيل لشدة الحاجة إلى هذه الشعور الثلاثة أوجدها الله سبحانه معه وهو جنين في بطن أمه فإن شعر الرأس كالغطاء الواقي له من الآفات والأهداب والأجفان وقاية للعين
فإن قيل فلم لم تنبت له اللحية إلا بعد بلوغه
قيل لأنه عند البلوغ تجتمع الحرارة في بدنه وتكون أقوى ما هي ولهذا يعرض له في مثل هذا الطور البثرات والدمامل وكثرة الإحتلام وإذا كثرت الحرارة كثرة الأبخرة بسبب التحلل وزادت على القدر المحتاج إليه في شعر الرأس فصرفها أحكم الحاكمين إلى نبات اللحية والعانة وأيضاً فإن بين أوعية المنى وبين اللحية ارتباط إذ العروق والمجاري متصلة بينهما فإذا تعطلت أوعية المنى ويبست تعطل شعر اللحية وإذا قلت الرطوبة والحرارة هناك قل شعر اللحية ولهذا فإن الخصيان لا ينبت لهم لحى
فإن قيل فما العلة في الكوسج قيل برد مزاجه ونقصان حرارته
فإن قيل فما السبب في الصلع قيل عدم احتباس الأبخرة في موضع الصلع
فإن قيل فلم كان في مقدم الرأس دون جوانبه ومؤخره قيل لأن الجزء المقدم من الرأس بسبب رطوبة الدماغ يكون أكثر ليناً وتحللاً فتتحلل الفضلات التي يكون منها الشعر فلا يبقى للشعر مادة هناك
فإن قيل فلم لم يحدث في الأصداغ قيل إن الرطوبة في الأسافل اكثر منها في الأعالي وشاهده الأرض العالية والمنخفضة
فإن قيل فلم لم تصلع المرأة إلا نادراً وكان الصلع في الرجال أكثر قيل لأن الأصل أنه يحدث من يبس في الجلد بمنزلة احتراقه ذلك لقوة الحرارة وأما النساء فالرطوبة والبرودة أغلب عليهن ولهذا فإن جلودهن أرطب من جلود الرجال فلا تجف جلود رؤوسهن فلا يعرض لهن الصلح ولهذا لا يعرض للصبيان وإن عرض للمرأة صلع فذلك في سن يبسها وبلوغها من الكبر عتياً
فإن قيل فما السبب في شدة سواد الشعر قيل شدة البخارات الخارجة من البدن واعتدالها وصحة مادتها كخضرة الزرع
فإن قيل ما سبب الصهوبة قيل برد المزاج فتضعف الحرارة عن صبغ الشعر وتسويده
فإن قيل فما سبب الشقرة والحمرة قيل زيادة الحرارة فتصبغ الشعر ولهذا تجد الشقر أشد حرارة واكثر حركة وهمة
فإن قيل فما سبب البياض قيل البياض نوعان أحدهما طبيعي وهو الشيب والثاني خارج عن الطبيعة وهو ما يوجد في أواخر الأمراض المجففة بسبب تحلل الرطوبات كما يعرض للنبات عند الجفاف
فإن قيل فما سبب الطبيعي قيل اختلف في ذلك فقالت طائفة سببه الاستحالة إلى لون البلغم بسبب ضعف الحرارة في أبدان الشيوخ وقالت طائفة سببه أن الغذاء الصائر إلى الشعر يصير بارداً بسبب نقصان الحرارة ويكون بطيء الحركة مدة نفوذه إلى المسام وجمعت طائفة بين القولين وقالوا العلة في الأمرين واحدة وسببها نقصان الحرارة
فإن قيل فلم اختص الشيب بالإنسان من بين سائر الحيوان قيل لأن لحم الإنسان وجلده رخوين وجلود الحيوانات ولحومها أقوى واصلب فلما غلظت مادة الشعر فيها لم يعرض له ما يعرض لشعر الإنسان ولهذا يكون شعرها كلها معها من حين ولادتها بخلاف الإنسان وأيضا فإن لإنسان?
المركبة المتنوعة وكذا المشارب ويتناول أكثر من حاجته فتجتمع فيه فضلات كثيرة فتدفعها الطبيعة إلى ظاهر البدن فما دامت الحرارة قوية فإنه تقوى على إحراق تلك الفضلات فيتولد من إحراقها
الشعر الأسود فإذا بلغ الشيخوخة ضعفت الحرارة وعجزت عن إحراق تلك الفضلات فتعمل فيها عملاً ضعيفاً وأما سائر الحيوانات فلا تتناول الأغذية المركبة وتتناول منها على قدر الحاجة فلا يشيب شعرها كما يشيب شعر الإنسان وأيضاً فإن في زمن الشيخوخة يكون أقل حرارة وأكثر رطوبة فيتولد البلغم وأما الحيوانات فاليبس غالب عليها
فإن قيل فلم كان شيب الأصداغ في الأكثر مقدماً على غيره قيل لقرب هذا الموضع من مقدم الدماغ والرطوبة في مقدم الدماغ كثيرة لأن الموضع مفصل والمفصل تجتمع فيه الفضلة الكثيرة فيكثر البرد هناك فيسرع الشيب
فإن قيل فلم أسرع الشيب في شعور في شعور الخصيان والنساء قيل أما النساء فلبرد مزاجهن في الأصل ولاجتماع الفضلات الكثيرة فيهن وأما الخصيان فلتوافر المنى على أبدانهم يصير دمهم غليظا بلغميا ولهذا لا يحدث الصلع
فإن قيل فلم كان شعر الإبط لا يبيض قيل لقوة حرارة هذا الموضع بسبب قربه من القلب ومسامه كثيرة بلغمية لأنها تتحلل بالعرق الدائم
فإن قيل فلم أبطأ بياض شعر العانة قيل لأن حركة الجماع تحلل البلغم الذي في مسامه
فإن قيل فلم كانت الحيوانات تتبدل شعورها كل سنة بخلاف
الإنسان قيل لضعف شعورها عن الدوام والبقاء بخلاف شعر الآدمي
فإن قيل فما سبب الجعودة والسبوطة قيل أما الجعودة فمن شدة الحرارة أو من التواء المسام فالذي من شدة الحرارة فإنه تعرض منه الجعودة كما تعرض الشعر عند عرضه على النار وأما الذي لالتواء المسام فلأن البخار لضعفه لا يقدر أن ينفذ على الاستقامة فيلتوي في المنافذ فتحدث الجعودة
فإن قيل فما السبب في طول شعر الميت وأظفاره بعد موته إذا بقي مدة قيل عنه جوابان أحدهما أنها لا تطول ولكن لما ينقص ما حولها يظن أنها زادت الثاني وهو أصوب أن ذلك الطول من الفضلات البخارية التي تتحلل وهلة من الميت فيمتد معها الشعر والظفر
فإن قيل فلم كان المريض وخاصة المحموم ينقص لحمه ويزيد شعره قيل إن في المرض تكثر الفضلات فتطول الشعور والأظفار بها ويثقل الغذاء فيذوب اللجم وأما في الصحة فتقل الفضلات فلا تحتاج الطبيعة إلى الغذاء وهضمها له وإذا قلت الفضلات نفدت مادة الشعر فيبطئ
فإن قيل فما العلة في انتصاب شعر الخائف والمقرور حتى يبقى كشعر القنفذ قيل العلة فيه أن الجلد ينقبض وتجتمع المسام على الشعر وتتضايق عليه فينتصب
فإن قيل فلم انتصب شعر البدن واللحية واللحيين
فإن قيل فلم كانت كثرة الجماع تزيد في شعر اللحية والجسد وتنقص من شعر الرأس والأجفان قيل لأن الشعر فيه ما يكون طبيعياً من أول الخلقة كاللحية وسائر شعر البدن والأول يكون من قوة الحرارة الأصلية والثاني من قوة الحرارة الخارجية فلا جرم نقصت بسببه الشعور الأصلية وتوفرت العرضية
فإن قيل فلم كان الشعر في الإنسان في الجزء المقدم أكثر منه في المؤخر وباقي الحيوانات بالعكس قيل لأن الشعر إنما يكون حيث تكون الحرارة قوية ويكون تحلل الجلد أكثر وهذا في الإنسان في ناحية الصدر والبطن وأما جلدة الظهر فمتكاثفة وأما ذوات الأربع ففي الخلف شعورها أكثر لأن البخار فيها يرقى إلى الخلف وان تلك المواضع هي التي تتلقى الحر والبرز فتحتاج إلى وقاء أكثر
فإن قيل فلم كان الرأس بالشعر أحق الأعضاء ونباته أكثر قيل لأن البخار يتصاعد ويطلب جهة الفوق وهو الرأس
ولا تستطل هذا الفصل فإن أمر الشعر من السمات والفضلات وهذا شأنه فما الظن بغيره من الأجزاء الأصلية فإذا كانت هذه قليلة من كثير من حكمة الرب تعالى في الشعور ومواضعها ومنافعها