الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
ثم ذكر سبحانه المقسم عليه وهو القرآن وأخبر أنه قول رسول كريم وهو ههنا جبريل قطعاً لأنه ذكر صفته بعد ذلك بما يعينه به وأما الرسول الكريم في الحاقة فهو محمد لأنه نفى بعده أن يكون قول من زعم من أعدائه أنه قوله فقال {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} فأضافه إلى الرسول الملكي تارة وإلى البشرى تارة وإضافته إلى كل واحد من الرسولين إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء من عنده وإلا تناقضت النسبتان ولفظ الرسول يدل على ذلك فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله وهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدا وأن كلاً منهما بلغه عن الله فهو قوله مبلغاً وقول الله الذي تكلم به حقاً فلا راحة لمن أنكر أن يكون الله متكلماً بالقرآن وهو كلامه حقاً في هاتين الآيتين بل هما من أظهر الأدلة على كونه كلام الرب تعالى وأنه ليس للرسولين الكريمين منه إلا التبليغ فجبريل سمعه من الله ومحمد سمعه من جبريل
ووصف رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم قوي مكين عند الرب تعالى مطاع في السماوات أمين فهذه خمس صفات تتضمن
تذكية سنة القرآن وأنه سماع محمد من جبريل وسماع جبريل من رب العالمين فناهيك بهذا السند علواً وجلالة قول الله سبحانه بنفسه تزكيته
الصفة الأولى كون الرسول الذي جاء به إلى محمد كريماً ليس كما يقول أعداؤه إن الذي جاء به شيطان فإن الشيطان خبيث مخبث لئيم قبيح المنظر عديم الخير باطنه أقبح من ظاهره وظاهره أشنع من باطنه وليس فيه ولا عنده خير فهو أبعد شيء عن الكرم والرسول الذي ألقى القرآن إلى محمد كريم جميل المنظر بهي الصورة كثير الخير طيب مطيب معلم الطيبين وكل خير في الأرض من هدى وعلم ومعرفة وإيمان وبر فهو مما أجراه ربه على يده وهذا غاية الكرم الصوري والمعنوي
الوصف الثاني أنه ذو قوة كما قال في موضع آخر {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} وفي ذلك تنبيه على أمور
أحدها أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه وأن ينالوا منه شيئاً وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه بل إذا رآه الشيطان هرب منه ولم يقربه
الثاني أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه ومعاضد له ومواد له وناصر كما قال تعالى {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}
ومن كان هذا القوي وليه ومن أنصاره وأعوانه ومعلمه فهو المهدي المنصور والله هاديه وناصره
الثالث أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه ووليه جبريل ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك
الرابع أنه قادر على تنفيذ ما أمر به لقوته فلا يعجز عن ذلك مؤد له كما أمر به لأمانته فهو القوي الأمين وأحدكم إذا انتدب غيره في أمر من الأمور لرسالة أو ولاية أو وكالة أو غيرها فإنما ينتدب لها القوي عليه الأمين على فعله وإن كان ذلك الأمر من أهم الأمور عنده انتدب له قوياً أميناً معظماً ذا مكانة عنده مطاعاً في الناس كما وصف الله عبده جبريل بهذه الصفات وهذا يدل على عظمة شان المرسل والرسول والرسالة والمرسل إليه حيث انتدب له الكريم القوي المكين عنده المطاع في الملأ الأعلى الأمين حق الأمين فإن الملوك لا ترسل في مهماتها إلا الأشراف ذوي الأقدار والرتب العالية
وقوله {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} أي له مكانة ووجاهة عنده وهو أقرب الملائكة إليه وفي قوله {عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ} إشارة إلى علو منزلة جبريل إذ كان قريباً من ذي العرش سبحانه
وفي قوله مطاع ثم إشارة إلى أن جنوده وأعوانه
يطيعونه إذا ندبهم لنصر صاحبه وخليله محمد وفيه إشارة أيضاً إلى أن هذا الذي تكذبونه وتعادونه سيصير مطاعاً في الأرض كما أن جبريل مطاع في السماء وأن كلاً من الرسولين مطاع في محله وقومه وفيه تعظيم له بأنه بمنزلة الملوك المطاعين في قومهم فلم ينتدب لهذا الأمر العظيم إلا مثل هذا الملك المطاع
وفي وصفه بالأمانة إشارة إلى حفظه ما حمله وأدائه له على وجهه
ثم نزه رسوله البشرى وزكاه عما يقول فيه أعداؤه فقال {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين
ثم أخبر عن رؤيته لجبريل وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدركه البصر لا كما يقول المتفلسفة ومن قلدهم أنه العقل الفعال وأنه ليس مما يدرك بالبصر وحقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في الأعيان وهذا مما خالفوا به جميع الرسل وأتباعهم وخرجوا به عن جميع الملل ولهذا كان تقرير رؤية النبي لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى فإن رؤيته لجبريل هي أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعاً وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره وحكى عثمان بن سعيد
الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة
ثم نزه رسوليه كليهما أحدهما بطريق النطق والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة فقال {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين أدائها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان والقراءتان كالآيتين فتضمنت إحداهما وهي قراءة الضاد تنزيهه عن البخل فإن الضنين هو البخيل يقال ضننت به أضن بوزن بخلت به أبخل ومعناه ومنه قول جميل بن معمر:
أجود بمضنون التلاد وإنني
…
بسرك عمن سالني لضنين
قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس بخيلاً بما أنزل الله وقال مجاهد لا يضن عليهم بما يعلم
وأجمع المفسرون على أن الغيب ههنا القرآن والوحي وقال
الفراء يقول تعالى يأتيه غيب السماء وهو منفوس فيه فلا يضن به عليكم وهذا معنى حسن جداً فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس ولا سيما عمن لا يعرف قدره ويذمه ويذم من هو عنده ومع هذا فهذا الرسول لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله وقال أبو علي الفارسي المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانا وفيه معنى آخر وهو أنه على ثقة من الغيب الذي يخبر به فلا يخاف أن ينتقض ويظهر الأمر بخلاف ما أخبر به كما يقع الكهان وغيرهم ممن يخبر بالغيب فإن كذبهم أضعاف صدقهم وإذا أخبر أحدهم بخبر لم يكن على ثقة منه بل هو خائف من ظهور كذبه فإقدام هذا الرسول على الأخبار بهذا الغيب العظيم الذي هو أعظم الغيب واثقاً به مقيماً عليه مبدياً له في كل مجمع ومعيداً منادياً به على صدقه مجلباً به على أعدائه من أعظم الأدلة على صدقه
وأما قراءة من قرأ بظنين بالظاء فمعناه المتهم يقال ظننت زيداً بمعنى اتهمته وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين ومنه ما أنشده أبو عبيدة:
أما وكتاب الله لا عن شناءة
…
هجرت ولكن المحب ظنين
والمعنى وما هذا الرسول على القرآن بمتهم بل هو أمين لا يزيد
فيه ولا ينقص وهذا يدل على أن الضمير يرجع إلى محمد لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} ثم قال وما هو أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل
واختار أبو عبيدة قراءة الظاء لمعنيين أحدهما أن الكفار لم يبخلوه وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل الثاني أنه قال على الغيب ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا
قلت ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله الملكي من الأمانة فنفى عنه التهمة كما وصف جبريل بأنه أمين ويرجحه أيضاً أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلها عما جاء به من الغيب فإن ذلك لو كان كذباً فإما أن يكون منه أو ممن علمه وإن كان منه فأما أن يكون تعمده أو لم يتعمده فإن كان من معلمه فليس هو بشيطان رجيم وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين وإن كان عن غير تعمد فهو المجنون فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله وزكى سند القرآن أعظم تزكية فلهذا قال سبحانه {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} ليس تعليم الشيطان ولا يقدر عليه ولا يحسن منه كما قال تعالى {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} فنفى فعله وابتغاءه منهم وقدرتهم عليه وكل من له أدنى خبرة بأحوال الشياطين والمجانين والمتهمين وأحوال الرسل يعلم علماً
لا يمارى فيه ولا يشك بل علماً ضرورياً كسائر الضروريات منافاة أحدهما للآخر ومضادته له كمنافاة أحد الضدين لصاحبه بل ظهور المنافاة بين الأمرين للعقل أبين من ظهور المنافاة بين النور والظلمة للبصر ولهذا وبخ سبحانه من كفر بعد ظهور هذا الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة الشياطين فقال أين تذهبون قال أبو إسحاق فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم
قلت: هذا من أحسن اللازم وأبينه أن تبين للسامع الحق ثم تقول له إيش تقول خلاف هذا وأين تذهب خلاف هذا قال تعالى {فبأي حديث بعده يؤمنون} وقال {فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} فالأمر منحصر في الحق والباطل والهدى والضلال فإذا عدلتم عن الهدى والحق فأين العدول وأين المذهب
ونظير هذا قوله {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} أي إن أعرضتم عن الإيمان بالقرآن والرسول وطاعته فليس إلا الفساد في الأرض والشرك والمعاصي وقطيعة الرحم ونظيره قوله تعالى {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} لما تركوا الحق وعدلوا عنه مرج عليهم أمرهم والتبس فلا يدرون ما يقولون وما يفعلون بل لا يقولون شيئاً