الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَعَلَّ النَّاظر يقف على كَلَام شَيخنَا الذَّهَبِيّ فِي هَذَا الْموضع من تَرْجَمَة الخبوشاني فَلَا يحفل بِهِ وَبِقَوْلِهِ فِي ابْن الكيزاني إِنَّه من أهل السّنة
فالذهبي رحمه الله متعصب جلد وَهُوَ شَيخنَا وَله علينا حُقُوق إِلَّا أَن حق الله مقدم على حَقه وَالَّذِي نقُوله إِنَّه لَا يَنْبَغِي أَن يسمع كَلَامه فِي حَنَفِيّ وَلَا شَافِعِيّ وَلَا تُؤْخَذ تراجمهم من كتبه فَإِنَّهُ يتعصب عَلَيْهِم كثيرا
وَمن ورع الخبوشاني
انه كَانَ يركب الْحمار وَيجْعَل تَحْتَهُ أكسية لِئَلَّا يصل إِلَيْهِ عرقه
وَجَاء الْملك الْعَزِيز إِلَى زيارته وَصَافحهُ فاستدعى بِمَاء وَغسل يَدَيْهِ وَقَالَ يَا وَلَدي أَنْت تمسك الْعَنَان وَلَا يتوقى الغلمان عَلَيْهِ فَقَالَ اغسل وَجهك فَإنَّك بعد المصافحة لمست وَجهك فَقَالَ نعم وَغسل وَجهه
وَلما خرج صَلَاح الدّين إِلَى الإفرنج نوبَة الرملة جَاءَ الشَّيْخ الخبوشاني إِلَى وداعه وَالْتمس مِنْهُ أمورا من المكوس يُسْقِطهَا عَن النَّاس فَلم يفعل فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ قُم لَا نصرك الله ووكزه بعصاة فَوَقَعت قلنسوة السُّلْطَان عَن رَأسه فَوَجَمَ لَهَا ثمَّ توجه إِلَى الْحَرْب فَكسر وَعَاد إِلَى الشَّيْخ فَقبل يَده وَعرف أَن ذَلِك بِسَبَب دَعوته
وَانْظُر إِلَى كَلَام الذَّهَبِيّ هُنَا فِي تَارِيخه وَقَوله ظن السُّلْطَان أَن ذَلِك بدعوته
وَلَو كَانَت هَذِه الْحِكَايَة لمن هُوَ على معتقده من المبتدعة لهول أمرهَا وَقَالَ جرى على صَلَاح الدّين بدعائه مَا جرى وَاسْتقر كَلَامه يثبت عنْدك مَا نقُوله
وَكَانَ تَقِيّ الدّين عمر بن أخي السُّلْطَان لَهُ مَوَاضِع يُبَاع فِيهَا المزر فَكتب الشَّيْخ ورقة إِلَى صَلَاح الدّين إِن هَذَا عمر لَا جبرة الله يَبِيع المزر
فسيرها صَلَاح الدّين إِلَى عمر وَقَالَ لَا طَاقَة لنا بِهَذَا الشَّيْخ فأرضه فَركب إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ حَاجِبه قف بِبَاب
الْمدرسَة حَتَّى أسبقك إِلَيْهِ فأوطئ لَك فَدخل وَقَالَ إِن تَقِيّ الدّين يسلم عَلَيْك
فَقَالَ الشَّيْخ بل شقي الدّين لاسلم الله عَلَيْهِ
فَقَالَ إِنَّه يعْتَذر وَيَقُول لَيْسَ لي مَوضِع يُبَاع فِيهِ المزر
فَقَالَ يكذب
فَقَالَ إِن كَانَ هُنَاكَ مَوضِع مزر فأرناه
فَقَالَ الشَّيْخ ادن وَأمْسك ذؤابتيه وَجعل يلطم على وَجهه وخديه وَيَقُول لست مزارا فأعرف مَوَاضِع المزر فخلصوه من يَده وَخرج إِلَى تَقِيّ الدّين وَقَالَ فديتك بنفسي
وعاش الشَّيْخ نجم الدّين عمره لم يَأْكُل من وقف الْمدرسَة لقْمَة وَلَا أَخذ من مَال الْمُلُوك درهما وَدفن فِي الكساء الَّذِي صَحبه من خبوشان وَكَانَ بِمصْر رجل تَاجر من بَلَده يَأْكُل من مَاله
وَدخل يَوْمًا القَاضِي الْفَاضِل وَزِير السُّلْطَان لزيارة الشَّافِعِي فَوَجَدَهُ يلقِي الدَّرْس على كرْسِي ضيق فَجَلَسَ على طرفه وجنبه إِلَى الْقَبْر فصاح الشَّيْخ فِيهِ قُم قُم ظهرك إِلَى الإِمَام فَقَالَ الْفَاضِل إِن كنت مستدبرة بقالبي فَأَنا مُسْتَقْبلَة بقلبي فصاح فِيهِ أُخْرَى وَقَالَ مَا تعبدنا بِهَذَا فَخرج وَهُوَ لَا يعقل
توفّي الشَّيْخ نجم الدّين فِي ذِي الْقعدَة سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وعَلى يَده كَانَ خراب بَيت العبيديين الرفضة الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم فاطميون وَإِنَّمَا هم منتسبون إِلَى شخص اسْمه عبيد قيل إِنَّه يَهُودِيّ وَقيل مَجُوسِيّ من أهل سلمية دخل الْمغرب وملكها وَبنى المهدية وتلقب بالمهدى وَكَانَ زنديقا خبيثا عدوا لِلْإِسْلَامِ قتل من الْفُقَهَاء والمحدثين أمما وَبَقِي هَذِه الْبلَاء على الْإِسْلَام من أول دولتهم إِلَى آخرهَا وَذَلِكَ من ذِي الْحجَّة سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ إِلَى سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة
وَقد بَين نسبهم جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني فَإِنَّهُ كشف فِي أول كِتَابه الْمُسَمّى بكشف أسرار الباطنية بطلَان نسب هَؤُلَاءِ إِلَى الإِمَام عَليّ كرم الله وَجهه
وهم أَرْبَعَة عشر رجلا مِنْهُم ثَلَاثَة بإفريقية وهم الملقبون بالمهدي والقائم والمنصور
وَأحد عشر بِمصْر وهم الْمعز والعزيز وَالْحَاكِم وَالظَّاهِر والمستنصر والمستعلي والآمر والحافظ والظافر والقائم والعاضد وَهُوَ آخِرهم
ولقدحكي أَن العاضد رأى فِي مَنَامه أَن حَيَّة خرجت من مَسْجِد مَعْرُوف بِمصْر ولسعته فَأرْسل جمَاعَة فِي صَبِيحَة ليلته إِلَى ذَلِك الْمَسْجِد فَمَا رَأَوْا فِيهِ إِلَّا شخصا أعجميا فَقِيرا فَردُّوا إِلَيْهِ وَقَالُوا لم نر إِلَّا فَقِيرا أعجميا وتكررت الرُّؤْيَا وَهُوَ يُرْسل فَلَا يرَوْنَ إِلَّا ذَلِك الأعجمي فَقيل لَهُ هَذِه أضغاث أَحْلَام وَكَانَ الأعجمي هُوَ الخبوشاني
وَكَانَ للعاضد وَزِير يُسمى بِالْملكِ الصَّالح على عَادَة وزراء الفاطميين أخيرا يسمون أنفسهم بالملوك وَهُوَ أَبُو الغارات طلائع بن رزيك فَقتله العاضد ثمَّ استوزر شاور ثمَّ قَتله وَذَلِكَ أَن أَسد الدّين شيركوه دخل الْقَاهِرَة وَقَامَ شاور بضيافته وضيافة عسكره وَتردد إِلَى خدمته فَطلب مِنْهُ أَسد الدّين مَالا يُنْفِقهُ على جَيْشه فماطله فَأرْسل إِلَيْهِ يَقُول قد ماطلت بنفقات الْجَيْش وهم يطالبون فَإِذا أتيتني فَكُن على حذر مِنْهُم فَلم يُؤثر هَذَا عِنْد شاور وَركب على عَادَته وَأتي أَسد الدّين مسترسلا وَقيل إِنَّه تمارض فجَاء شاور يعودهُ فاعترضه صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء النورية فقبضوا عَلَيْهِ فَجَاءَهُمْ رَسُول العاضد يطْلب رَأس شاور فذبح وَحمل رَأسه إِلَيْهِ واستقل أَسد الدّين وَلم يلبث أَن حَضرته الْمنية بعد خَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا من ولَايَته فقلد العاضد صَلَاح الدّين
يُوسُف ولقبه الْملك النَّاصِر وَكتب تَقْلِيده القَاضِي الْفَاضِل وبدت سَعَادَة صَلَاح الدّين وَضعف أَمر العاضد
وَكَانَ مبدأ ضعفه أَن الفرنج خذلهم الله قصدُوا مصر فِي جمع عَظِيم وجحفل كَبِير واستباحوا بلبيس وأناخوا على مصر وأحرق شاور مصر خوفًا عَلَيْهَا مِنْهُم وَبقيت النَّار تعْمل فِيهَا أَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا ثمَّ عرف الْعَجز وَشرع فِي الْحِيَل وَأرْسل إِلَيْهِم يصالحهم على ألف ألف دِينَار مصرية نصفهَا خَمْسمِائَة ألف دِينَار ليرحلوا عَنهُ وَأرْسل إِلَيْهِم مائَة ألف دِينَار حِيلَة وخداعا وواصل بكتبه الْملك نور الدّين من حَيْثُ لَا يعلم الفرنج يطْلب مِنْهُ الْغَوْث وَيَقُول إِن الفرنج قد استحكم طَلَبهمْ وطمعهم فِي الْبِلَاد المصرية فَجهز نور الدّين أسدا الدّين فِي عَسْكَر عَظِيم فرحلت الفرنج لما سَمِعت بِخَبَر الْعَسْكَر
وَدخل أَسد الدّين مصر وتأكدت الصداقة بَينه وَبَين شاور وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى حِين ولَايَة صَلَاح الدّين واستمراره إِلَى مستهل سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة فَخَطب لبنى الْعَبَّاس بِالْقَاهِرَةِ وَسَائِر بلادها وَكَانَت خطبتهم مُنْقَطِعَة مِنْهَا هَذِه الْمدَّة المديدة والدول السخيفة بعد أَن كَانَ جبن عَن ذَلِك واستعظم خطبه
وَكَانَ العاضد لما ضعف أمره وتنسم الخمول أرسل كتابا إِلَى نور الدّين يطْلب الاستقالة من الأتراك فِي مصر خوفًا مِنْهُم والاقتصار على صَلَاح الدّين فَكتب إِلَيْهِ نور الدّين الْخَادِم يهنى بِمَا سناه الله من الظفر الَّذِي أضْحك سنّ الْإِيمَان
يُشِير إِلَى نصْرَة الْمُسلمين على الفرنج فِي نوبَة دمياط وَيَقُول إِن الفرنج لَا تؤمن غائلتهم والرأي إبْقَاء التّرْك
بديار مصر فَبَقيت التّرْك إِلَى المستهل من السّنة الْمَذْكُورَة فَقطعت خطبه الفاطميين وخطب لأمير الْمُؤمنِينَ المستضيء وَأرْسل إِلَى بَغْدَاد بالْخبر
وَتُوفِّي العاضد بعد ذَلِك فِي يَوْم عَاشُورَاء بِالْقصرِ وَجلسَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين بعد ذَلِك للعزاء وَأغْرب فِي الْحزن والبكاء وتسلم الْقصر بِمَا فِيهِ من خَزَائِن ودفائن وأموال لَا تعد وَلَا تحصى وأمتعته اسْتمرّ البيع فِيهَا بَعْدَمَا أهْدى ووهب وَأطلق وادخر عشر سِنِين
ويحكى أَن صَلَاح الدّين قَالَ لَو علمت أَن العاضد يَمُوت بعد عشرَة أَيَّام مَا قطعت خطبَته وَأَنه قَالَ مارأيت أكْرم من العاضد أرْسلت إِلَيْهِ مُدَّة مقَام الإفرنج على دمياط أطلب مِنْهُ نَفَقَة فَأرْسل إِلَيّ ألف ألف دِينَار مصرية نصفهَا خَمْسمِائَة ألف دِينَار غير الثِّيَاب والأمتعة
ثمَّ أودع صَلَاح الدّين أقَارِب العاضد السجْن وَقرر لَهُم النَّفَقَات وزائد الصلات
واستفحل أمره وَكَانَ على يَده فتح بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ الْفَتْح الَّذِي اشْتهر بِهِ شرقا وغربا وَحصل من الْجنَّة والقلوب قربا وَأبقى لَهُ إِلَى يَوْم الدّين ثَنَاء حسنا رحمه الله وَرَضي عَنهُ
وَكتب فِي سنة سبعين وَخَمْسمِائة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ المستضيء بِأَمْر الله كتابا من إنْشَاء القَاضِي الْفَاضِل يعدد مَاله من الفتوحات وَمن جِهَاد الفرنج مَعَ نور الدّين وفعالهم الْحَسَنَة وإقامتهم الْخطْبَة لأمير الْمُؤمنِينَ وَلَا عهدنا قِيَامهَا مُنْذُ دهر واستيلاءه على الْبِلَاد الْكَثِيرَة من أَطْرَاف الْمغرب إِلَى أقْصَى الْيمن وَأَن فِي هَذِه السّنة كَانَ عندنَا وَفد نَحْو سبعين رَاكِبًا كلهم يطْلب لسلطان بَلَده تقليدا ويرجو منا وَعدا وَيخَاف وعيدا وَأكْثر من ذَلِك إِلَى أَن قَالَ وَالْمرَاد الْآن تَقْلِيد جَامع بِمصْر واليمن وَالْمغْرب وَالشَّام وكل مَا تشْتَمل عَلَيْهِ الْولَايَة النورية يَعْنِي ولَايَة نور الدّين مَحْمُود وكل مَا يَفْتَحهُ الله للدولة
العباسية بسيوفنا وَلمن يَنْضَم من أَخ وَولد من بَعدنَا تقليدا يضمن للنعمة تخليدا
وَعظم خطْبَة بِحَيْثُ إِنَّه لما مَاتَ المستضيء وَولى النَّاصِر لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ لم تكن لَهُ قدرَة عَلَيْهِ مَعَ مَا كَانَ النَّاصِر عَلَيْهِ من عَظمَة لَا توازى وخضوع مُلُوك الأَرْض لَهُ شرقا وغربا وقهره الكافة بعدا وقربا وَأرْسل إِلَى صَلَاح الدّين كتابا يعاتبه على أُمُور مِنْهَا تَسْمِيَته بِالْملكِ النَّاصِر وَأَنه لَا يَنْبَغِي لَك يَا صَلَاح الدّين أَن تتسمى باسمي فَإِن مَا يصلح للْمولى على العَبْد حرَام
فَأَجَابَهُ بِأَن هَذِه التَّسْمِيَة من زمن المستضيء قبل أَن يكون مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ خَليفَة وَكَانَ هَذَا الْجَواب من القَاضِي الْفَاضِل وتلاطف بِهِ فَإِن القَاضِي الْفَاضِل كَانَ يهاب العباسيين لَا سِيمَا النَّاصِر لدين الله فَمَا أمكنه أَن يجِيبه إِلَّا بلطف وَقَالَ أخْشَى أَن أذبح على فِرَاشِي وَفِي مأمني وَيكون الذَّابِح لي النَّاصِر لدين الله وَهُوَ بِبَغْدَاد
وَاسْتقر صَلَاح الدّين إِلَّا أَنه تضعضعت تَسْمِيَته بِالْملكِ النَّاصِر بِحَيْثُ إِنَّه إِلَى الْيَوْم لَا يعرف إِلَّا بصلاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب مَعَ جلالته وعظمته وَلَو لم يكن لَهُ إِلَّا الحسنتان العظيمتان اللَّتَان برز بهما على الْأَوَّلين من السلاطين والآخرين وهما فتح بَيت الْمُقَدّس وإبادة الفاطميين وَقد علم النَّاس سيرتهم كَيفَ كَانَت وسبهم الصَّحَابَة وفعالهم القبيحة الَّتِي لَا تعد وَلَا تحصى من عدم مبالاتهم بِأُمُور الدّين وَقلة نظرهم إِلَّا فِي فَسَاد الْمُسلمين وَلَو لم يكن إِلَّا الْحَاكِم وفعاله الَّتِي صَارَت تواريخ وتسويته تَارَة بَين جَمِيع الْأَدْيَان وَحكمه آوانه بِخِلَاف ماأنزل الرَّحْمَن وَحمله النَّاس على مَا يوسوس بِهِ الشَّيْطَان وَلَقَد كَاد يَدعِي الإلهية وَرُبمَا ادَّعَاهَا وَمن أَرَادَ أَن ينظر الْعجب فَلْينْظر إِلَى تَرْجَمته فِي التواريخ المبسوطة
وَلَقَد أطلنا فِي هَذِه التَّرْجَمَة وَلَا بُد من فَائِدَة