الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَكَذَلِكَ يكون حكم أوقاف بَقِيَّة الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهَذَا التَّعْلِيق قِطْعَة من حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الْوَصَايَا فِي: بَاب قَول الله عز وجل: {وابتلوا الْيَتَامَى} (النِّسَاء: 6) . الْآيَة، فَقَالَ: حَدثنَا هَارُون، حَدثنَا أَبُو سعيد مولى بني هَاشم، حَدثنَا صَخْر بن جوَيْرِية عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تصدق بِمَال لَهُ على عهد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ يُقَال لَهُ: ثمغ، وَكَانَ نخلا، فَقَالَ عمر: يَا رَسُول الله! إِنِّي اسْتَفَدْت مَالا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيس، فَأَرَدْت أَن أَتصدق بِهِ، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم:(تصدق بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث، وَلَكِن ينْفق ثمره) . فَتصدق بِهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فصدقته تِلْكَ فِي سَبِيل الله وَفِي الرّقاب وَالْمَسَاكِين والضيف وَابْن السَّبِيل وَلِذِي الْقُرْبَى، وَلَا جنَاح على من وليه أَن يَأْكُل مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ أَو يُؤْكَل صديقه غير مُتَمَوّل بِهِ. قَوْله:(تصدق بِأَصْلِهِ) ، هَذِه الْعبارَة كِنَايَة عَن الْوَقْف، وَلَفظ: تصدق، أَمر. قَوْله:(وَلَكِن ينْفق)، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله:(فَتصدق بِهِ)، أَي: فَتصدق عمر بِهِ، وَالضَّمِير يرجع إِلَى المَال الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن، وَهُوَ المَال الَّذِي كَانَ يُقَال لَهُ: ثمغ، وَكَانَ نخلا، والثمغ، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره غين مُعْجمَة: وَقَالَ ابْن الْأَثِير: ثمغ، وصرمة بن الْأَكْوَع مالان معروفان بِالْمَدِينَةِ لعمر بن الْخطاب فوقفهما. وَفِي (مُعْجم الْبكْرِيّ) : ثمغ مَوضِع تِلْقَاء الْمَدِينَة كَانَ فِيهِ مَال لعمر بن الْخطاب، فَخرج إِلَيْهِ يَوْمًا ففاتته صَلَاة الْعَصْر، فَقَالَ: شغلتني ثمغ عَن الصَّلَاة، أشهدكم أَنَّهَا صَدَقَة.
4332 -
حدَّثنا صَدَقَةُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الرَّحْمانِ عنْ مالِكٍ عنْ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عنْ أبِيهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إلَاّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أهْلِهَا كمَا قسَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ. .
مطابقته للجزء الثَّانِي من التَّرْجَمَة، بَيَان ذَلِك أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لما فتح السوَاد لم يقسمها بَين أَهلهَا بل وضع على من بهم من أهل الذِّمَّة الْخراج فزارعهم وعاملهم، وَبِهَذَا يظْهر أَيْضا دُخُول هَذَا الْبَاب فِي أَبْوَاب الْمُزَارعَة.
وَرِجَاله سِتَّة: الأول: صَدَقَة بن الْفضل الْمروزِي وَهُوَ من أَفْرَاده. الثَّانِي: عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الْبَصْرِيّ. الثَّالِث: مَالك بن أنس. الرَّابِع: زيد بن أسلم أَبُو أُسَامَة، مولى عمر بن الْخطاب الْعَدوي، مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الْخَامِس: أَبوهُ أسلم مولى عمر بن الْخطاب، يكنى أَبَا خَالِد، كَانَ من سبي الْيمن، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: أَبُو زيد الحبشي البجاوي من بجاوة، كَانَ من سبي عين التَّمْر، اشْتَرَاهُ عمر بِمَكَّة سنة إِحْدَى عشرَة لما بَعثه أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ليقيم للنَّاس الْحَج، مَاتَ قبل مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ صلى عَلَيْهِ وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة وَمِائَة سنة. السَّادِس: عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن أبي مَرْيَم وَمُحَمّد بن الْمثنى وَفِي الْجِهَاد عَن صَدَقَة بن الْفضل. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَلَفظ أَحْمد: لَئِن عِشْت إِلَى هَذَا الْعَام الْمقبل لَا يفتح النَّاس قَرْيَة إلَاّ قسمتهَا بَيْنكُم.
قَوْله: (مَا فتحت) على صِيغَة الْمَجْهُول، قَوْله:(قَرْيَة) ، مَرْفُوع بِهِ وَيجوز فتحت على بِنَاء الْفَاعِل، وقرية بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله:(إلَاّ قسمتهَا)، زَاد ابْن إِدْرِيس الثَّقَفِيّ فِي رِوَايَة: مَا افْتتح الْمُسلمُونَ قَرْيَة من قرى الْكفَّار إلَاّ قسمتهَا سهماناً. قَوْله: (بَين أَهلهَا)، أَي: الْغَانِمين. قَوْله: كَمَا قسم النَّبِي، صلى الله عليه وسلم، وَزَاد ابْن إِدْرِيس فِي رِوَايَته وَلَكِن أردْت أَن يكون جِزْيَة تجْرِي عَلَيْهِم، وَقد كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يعلم أَن المَال يعز، وَأَن الشُّح يغلب، وَأَن لَا ملك بعد كسْرَى يُقيم وتحرز خزائنه فيغنى بهَا فُقَرَاء الْمُسلمين، فأشفق أَن يبْقى آخر النَّاس لَا شَيْء لَهُم، فَرَأى أَن يحبس الأَرْض وَلَا يقسمها، كَمَا فعل بِأَرْض السوَاد نظرا للْمُسلمين وشفقة على آخِرهم بدوام نَفعهَا لَهُم ودر خَيرهَا عَلَيْهِم، وَبِهَذَا قَالَ مَالك فِي أشهر قوليه: إِن الأَرْض لَا تقسم.
51 -
(بابُ منْ أحْيا أرْضاً مَوَاتاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من أحيى أَرضًا مواتاً، بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الْوَاو، وَهُوَ الأَرْض الخراب، وَعَن الطَّحَاوِيّ هُوَ
مَا لَيْسَ بِملك لأحد وَلَا هُوَ من مرافق الْبَلَد وَكَانَ خَارج الْبَلَد سَوَاء قرب مِنْهُ أَو بعد فِي ظَاهر الرِّوَايَة، وَعَن أبي يُوسُف: أَرض الْموَات هِيَ الْبقْعَة الَّتِي لَو وقف رجل على أدناه من العامر ونادى بِأَعْلَى صَوته لم يسمعهُ أقرب من فِي العامر إِلَيْهِ، وَقَالَ الْقَزاز: الْموَات الأَرْض الَّتِي لم تعمر، شبهت الْعِمَارَة بِالْحَيَاةِ وتعطيلها بفقد الْحَيَاة، وإحياء الْموَات أَن يعمد الشَّخْص لأرض لَا يعلم تقدم ملك عَلَيْهَا لأحد فيحييها بالسقي أَو الزَّرْع أَو الْغَرْس أَو الْبناء، فَيصير بذلك ملكه، سَوَاء فِيمَا قرب من الْعمرَان أم بعد، وَسَوَاء أذن لَهُ الإِمَام بذلك أم لم يَأْذَن عِنْد الْجُمْهُور، وَعند أبي حنيفَة: لَا بُد من إِذن الإِمَام مُطلقًا، وَعند مَالك فِيمَا قرب، وَضَابِط الْقرب مَا بِأَهْل الْعمرَان إِلَيْهِ حَاجَة من رعي وَنَحْوه، وَعَن قريب يَأْتِي بسط الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ورَأي ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أرْضِ الخَرَابِ بِالكُوفَةِ مَوَاتٌ
أَي: رأى الْإِحْيَاء عَليّ بن أبي طَالب فِي أَرض الخراب بِالْكُوفَةِ، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: فِي أَرض الْموَات.
وَقَالَ عُمَرُ مَنْ أحْيَا أرْضاً مَيِّتَةً فَهْيَ لَهُ
هَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن ابْن شهَاب عَن سَالم عَن أَبِيه مثله، وروى أَبُو عبيد بن سَلام فِي كتاب الْأَمْوَال بِإِسْنَادِهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله الثَّقَفِيّ، قَالَ: كتب عمر بن الْخطاب أَن من أحيى مواتاً فَهُوَ أَحَق بِهِ، وَعَن الْعَبَّاس بن يزِيد أَن عمر بن الْخطاب قَالَ: من أحيى أَرضًا مواتاً لَيْسَ فِي يَد مُسلم وَلَا معاهد فَهِيَ لَهُ، وَعَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه، قَالَ: كَانَ النَّاس يتحجرون على عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: من أحيى أَرضًا فَهِيَ لَهُ. قَالَ يحيى: كَأَنَّهُ لم يَجْعَلهَا لَهُ بالتحجير حَتَّى يُحْيِيهَا، وَفِي لفظ: وَذَلِكَ أَن قوما كَانُوا يتحجرون أَرضًا ثمَّ يدعونها وَلَا يحيونها، وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب، قَالَ: أقطع رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، نَاسا من مزينة أَو جُهَيْنَة أَرضًا، فعطلوها، فجَاء قوم فأحيوها، فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَو كَانَت قطيعة مني أَو من أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لرددتها، وَلَكِن من رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: وَقَالَ عِنْد ذَلِك: من عطل أَرضًا ثَلَاث سِنِين لم يعمر فجَاء غَيره فعمرها فَهِيَ لَهُ، وَفِي لفظ: حَتَّى يمْضِي ثَلَاث سِنِين فأحياها غَيره فَهُوَ أَحَق بهَا. قَوْله: (ميتَة)، قَالَ شَيخنَا: هُوَ بتَشْديد الْيَاء، وَأَصله: ميوتة، اجْتمعت الْيَاء وَالْوَاو وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فأبدلت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، وَلَا يُقَال هُنَا: أَرضًا ميتَة، بِالتَّخْفِيفِ لِأَنَّهُ لَو خففت لحذف التَّأْنِيث، كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِي: أَنه يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث، قَالَ الله تَعَالَى:{لنحيي بِهِ بَلْدَة مَيتا} (الْفرْقَان: 94) . وَلم يقل: ميتَة.
ويُرْوَى عنْ عُمَرَ وابنِ عَوْفٍ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم
أَي: يرْوى عَن عَمْرو بن عَوْف بن يزِيد الْمُزنِيّ الصَّحَابِيّ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم مثله.
وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ ولَيْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ فِيهِ حَقٌّ
أَي: قَالَ عَمْرو بن عَوْف الْمَذْكُور، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه زَاده، وَقَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فِي غير حق مُسلم فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم فِيهِ حق، وَوَصله الطَّبَرَانِيّ وَابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة كثير بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وَفِي رِوَايَة لَهُ: من أحيى مواتاً من الأَرْض فِي غير حق مُسلم فَهُوَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وَرَوَاهُ أَيْضا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَامر الْعَقدي عَن كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف حَدثنِي أبي أَن أَبَاهُ حَدثهُ أَنه سمع النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول: من أحيى أَرضًا مواتاً من غير أَن يكون فِيهَا حق مُسلم، فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وَكثير هَذَا ضَعِيف، وَلَيْسَ لجده عَمْرو بن عَوْف فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ غير عَمْرو بن عَوْف الْأنْصَارِيّ الْبَدِيِّ الَّذِي يَأْتِي حَدِيثه فِي الْجِزْيَة وَغَيرهَا، وَقَالَ
الْكرْمَانِي عقيب قَوْله: وَقَالَ: أَي: عَمْرو، وَفِي بعض الرِّوَايَات: عمر، أَي ابْن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَابْن عَوْف، أَي: عبد الرَّحْمَن ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: فَذكر عمر يكون تَكْرَارا. قلت: فِيهِ فَوَائِد. الأولى: أَنه تَعْلِيق بِصِيغَة الْقُوَّة وَهَذَا بِصِيغَة التمريض، وَهُوَ بِدُونِ الزِّيَادَة، وَهَذَا مَعهَا، وَهُوَ غير مَرْفُوع إِلَى النَّبِي، صلى الله عليه وسلم، وَهَذَا مَرْفُوع، انْتهى. قلت: عمر، هُنَا بِدُونِ الْوَاو يَعْنِي: عمر بن الْخطاب، قَالُوا: إِنَّه تَصْحِيف، فَلَمَّا جعلُوا عمر بِدُونِ الْوَاو جعلُوا الْوَاو وَاو عطف، وَقَالُوا: وَابْن عَوْف، وَأَرَادُوا بِهِ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَذكر الْكرْمَانِي مَا ذكره ثمَّ ذكر فِيهِ فَوَائِد: الأولى: الْمَذْكُورَة، فَلَا حَاجَة إِلَيْهَا لِأَن مَا ذكره لَيْسَ بِصَحِيح فِي الأَصْل، وَمَعَ هَذَا هُوَ قَالَ فِي آخر كَلَامه: وَالصَّحِيح هُوَ الأول، يَعْنِي أَنه: عَمْرو، بِالْوَاو، وَهُوَ: ابْن عَوْف الْمُزنِيّ لَا أَنه عمر بن الْخطاب وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف. قَوْله: (وَلَيْسَ لعرق ظَالِم فِيهِ حق)، روى: لعرق، بِالتَّنْوِينِ وبالإضافة أَي: من غرس فِي أَرض غَيره بِدُونِ إِذْنه فَلَيْسَ لَهُ فِي الْإِبْقَاء فِيهَا حق، فَإِن أضيف فَالْمُرَاد بالظالم الغارس، وَسمي ظَالِما لِأَنَّهُ تصرف فِي ملك الْغَيْر بِلَا اسْتِحْقَاق، وَإِن وصف بِهِ فالمغروس سمي بِهِ لِأَنَّهُ الظَّالِم أَو لِأَن الظُّلم وصل بِهِ على الْإِسْنَاد الْمجَازِي، وَقيل: مَعْنَاهُ: لعرق ذِي ظلم، قَالَ ابْن حبيب: بَلغنِي عَن ربيعَة أَنه قَالَ: الْعرق الظَّالِم عرقان ظَاهر وباطن، فالباطن مَا احتفره الرجل من الْآبَار، وَالظَّاهِر الْغَرْس، وَعنهُ: الْعُرُوق أَرْبَعَة: عرقان فَوق الأَرْض وهما: الْغَرْس والنبات، وعرقان فِي جوفها: الْمِيَاه والمعادن. وَفِي (الْمعرفَة) للبيهقي: قَالَ الشَّافِعِي: جماع الْعرق الظَّالِم كل مَا حفر أَو غرس أَو بنى ظلما فِي حق امرىء بِغَيْر خُرُوجه مِنْهُ. وَفِي كتاب (الْخراج) لِابْنِ آدم: عَن الثَّوْريّ، وَسُئِلَ عَن الْعرق الظَّالِم، فَقَالَ: هُوَ المنتزى. قلت: من انتزى على أرضي إِذا أَخذهَا وَهُوَ من بَاب الافتعال من: النزو، بالنُّون وَالزَّاي، وَهُوَ: الوثبة، وَعند النَّسَائِيّ، عَن عُرْوَة بن الزبير: هُوَ الرجل يعْمل الأَرْض الخربة وَهِي للنَّاس وَقد عجزوا عَنْهَا فتركوها حَتَّى خربَتْ.
ويُرْوَى فيهِ عنْ جابِر عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم
أَي: يرْوى فِي هَذَا الْبَاب عَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي، صلى الله عليه وسلم، قَالَ الْكرْمَانِي: وَإِنَّمَا لم يذكر الْمَرْوِيّ بِعَيْنِه لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطِهِ، بل لَيْسَ صَحِيحا عِنْده، وَلِهَذَا قَالَ: يرْوى، ممرضاً. قلت: نفس الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يحيى بن أَيُّوب بن إِبْرَاهِيم عَن الثَّقَفِيّ وَعَن عَليّ بن مُسلم عَن عباد بن عباد عَن هِشَام بن عُرْوَة، وَلَفظه: من أحيى أَرضًا ميتَة فَلهُ فِيهَا أجر، وَمَا أكلت العوافي مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَة، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث سعيد بن زيد عَن النَّبِي، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا، وروى أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث سَمُرَة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: من أحَاط حَائِطا على أَرض فَهِيَ لَهُ، وروى ابْن عدي من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهُوَ أَحَق بهَا، وَإِسْنَاده ضَعِيف، وروى ابْن عدي أَيْضا من حَدِيث أنس عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: من عمر أَرضًا خراباً فَأكل مِنْهَا سبع أَو طَائِر أَو شَيْء كَانَ لَهُ ذَلِك صَدَقَة، وَفِي إِسْنَاده سَلمَة بن سُلَيْمَان الضَّبِّيّ، قَالَ: ابْن عدي مُنكر الحَدِيث عَن الثِّقَات، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث مَرْوَان بن الحكم، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم: الْبِلَاد بِلَاد الله والعباد عباد الله. وَمن أحَاط على حَائِط فَهُوَ لَهُ. وروى الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِيهِ من حَدِيث عبد الله بن عمر، وَقَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم: من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أسمر بن مُضرس من رِوَايَة عقيلة بنت أسمر عَن أَبِيهَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم: من سبق إِلَى مَا لم يسْبقهُ إِلَيْهِ مُسلم فَهُوَ لَهُ.
5332 -
حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحْمانِ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ منْ أعْمرَ أرْضاً لَيْسَتْ لأحَدٍ فَهُوَ أحَقُّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَعبيد الله بن أبي جَعْفَر وَاسم أبي جَعْفَر: يسَار الْأمَوِي الْقرشِي الْمصْرِيّ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْأسود يَتِيم عُرْوَة بن الزبير، وَقد تقدما فِي الْغسْل. وَنصف الْإِسْنَاد الأول مصريون وَالنّصف الثَّانِي مدنيون.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (أعمر) بِفَتْح الْهمزَة من بَاب الْأَفْعَال من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَقَالَ عِيَاض: كَذَا وَقع، وَالصَّوَاب عمر ثلاثياً قَالَ تَعَالَى:{وعمروها أَكثر مِمَّا عمروها} (الرّوم: 9) . وَكَذَا قَالَ فِي (الْمطَالع) وَقَالَ ابْن بطال: وَيحْتَمل أَن يكون أَصله: من اعْتَمر أَرضًا، وَسَقَطت التَّاء من الأَصْل. قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا الْكَلَام مَعَ مَا فِيهِ من توهم الْغَلَط، لِأَن صَاحب (الْعين) ذكر: أعمرت الأَرْض، وَقَالَ غَيره: يُقَال: أعمر الله بَاب مَنْزِلك، فَالْمُرَاد من أعمر أَرضًا بِالْإِحْيَاءِ فَهُوَ أَحَق، أَي: أَحَق بِهِ من غَيره، وَإِنَّمَا حذف هَذَا الَّذِي قدرناه للْعلم بِهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: من أعمر، على بِنَاء الْمَجْهُول أَي: من أعْمرهُ غَيره، فَالْمُرَاد من الْغَيْر الإِمَام، وَهَذَا يدل على أَن إِذن الإِمَام لَا بُد مِنْهُ، وَوَقع فِي (جمع الْحميدِي) : من عمر، ثلاثياً، وَكَذَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من وَجه آخر: عَن يحيى بن بكير شيخ البُخَارِيّ فِيهِ. قَوْله: (فَهُوَ أَحَق)، زَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ:(فَهُوَ أَحَق بهَا)، أَي: من غَيره، وَاحْتج بِهِ الشَّافِعِي وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد على أَنه لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى إِذن الإِمَام فِيمَا قرب وَفِيمَا بعد، وَعَن مَالك: فِيمَا قرب لَا بُد من إِذن الإِمَام وَإِن كَانَ فِي فيافي الْمُسلمين والصحارى وَحَيْثُ لَا يتشاح النَّاس فِيهِ فَهِيَ لَهُ بِغَيْر إِذْنه، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ لأحد أَن يحيي مواتاً إلَاّ بِإِذن الإِمَام فِيمَا بَعدت وَقربت، فَإِن أَحْيَاهُ بِغَيْر إِذْنه لم يملكهُ، وَبِه قَالَ مَالك فِي رِوَايَة، وَهُوَ قَول مَكْحُول وَابْن سِيرِين وَابْن الْمسيب وَالنَّخَعِيّ.
وَاحْتج أَبُو حنيفَة بقوله، صلى الله عليه وسلم:(لَا حمى إلَاّ لله وَلِرَسُولِهِ) فِي (الصَّحِيحَيْنِ) والحمى: مَا حمي من الأَرْض فَدلَّ أَن حكم الْأَرْضين إِلَى الْأَئِمَّة لَا إِلَى غَيرهم. فَإِن قلت: احْتج الطَّحَاوِيّ لِلْجُمْهُورِ مَعَ حَدِيث الْبَاب بِالْقِيَاسِ على مَاء الْبَحْر وَالنّهر، وَمَا يصاد من طير وحيوان، فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على أَن مَا أَخذه أَو صَاده ملكه، سَوَاء قرب أَو بعد، وَسَوَاء أذن الإِمَام أم لم يَأْذَن. قلت: هَذَا قِيَاس بالفارق، فَإِن الإِمَام لَا يجوز لَهُ تمْلِيك مَاء نهر لأحد، وَلَو ملك رجلا أَرضًا ملكه، وَلَو احْتَاجَ الإِمَام إِلَى بيعهَا فِي نَوَائِب الْمُسلمين جَازَ بَيْعه لَهَا، وَلَا يجوز ذَلِك فِي مَائِهِمْ وَلَا صيدهم وَلَا نهرهم، وَلَيْسَ للْإِمَام بيعهَا وَلَا تمليكها لأحد، وَإِن الإِمَام فِيهَا كَسَائِر النَّاس. وَاحْتج بَعضهم لأبي حنيفَة بِحَدِيث معَاذ يرفعهُ:(إِنَّمَا للمرء مَا طابت بِهِ نفس إِمَامه) . قلت: هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث بَقِيَّة عَن رجل لم يسمه عَن مَكْحُول عَنهُ، وَقَالَ: هَذَا مُنْقَطع فِيمَا بَين مَكْحُول وَمن فَوْقه، وَفِيه رجل مَجْهُول، وَلَا حجَّة فِي مثل هَذَا الْإِسْنَاد. فَإِن قلت: رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث عَمْرو بن وَاقد عَن مُوسَى بن يسَار عَن مَكْحُول عَن جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن معَاذ؟ قلت: قَالَ: عَمْرو مَتْرُوك بِاتِّفَاق.
وَأجِيب: عَن أَحَادِيث الْبَاب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهَا: من أَحْيَاهَا على شَرَائِط الْإِحْيَاء فَهِيَ لَهُ، وَمن شَرَائِطه: تحظيرها، وَإِذن لَهُ فِي ذَلِك، وتمليكه إِيَّاهَا. وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ أَحْمد عَن سَمُرَة بن جُنْدُب، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَعَن الطَّحَاوِيّ: عَن مُحَمَّد بن عبيد الله بن سعيد أبي عون الثَّقَفِيّ الْأَعْوَر الْكُوفِي التَّابِعِيّ، قَالَ: خرج رجل من أهل الْبَصْرَة يُقَال لَهُ: أَبُو عبد الله إِلَى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَقَالَ: إِن بِأَرْض الْبَصْرَة أَرضًا لَا تضر بِأحد من الْمُسلمين وَلَيْسَ بِأَرْض خراج. فَإِن شِئْت أَن تقطعنيها اتخذها قضباً وَزَيْتُونًا! فَكتب عمر إِلَى أبي مُوسَى: إِن كَانَت حمى فاقطعها إِيَّاه، أفَلَا تَرى أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم يَجْعَل لَهُ أَخذهَا وَلَا جعل لَهُ ملكهَا إلَاّ بإقطاع خَليفَة ذَلِك الرجل إِيَّاهَا وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ يَقُول لَهُ: وَمَا حَاجَتك إِلَى إقطاعي إياك تحميها وتعمرها فتملكها فَدلَّ ذَلِك أَن الْإِحْيَاء عِنْد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ مَا أذن الإِمَام فِيهِ للَّذي يَتَوَلَّاهُ ويملكه إِيَّاه. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد دلّ على ذَلِك أَيْضا مَا حَدثنَا بِهِ ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا أَزْهَر السمان عَن ابْن عون عَن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لنا رِقَاب الأَرْض، فَدلَّ ذَلِك على أَن رِقَاب الْأَرْضين كلهَا إِلَى أَئِمَّة الْمُسلمين، وَأَنَّهَا لَا تخرج من أَيْديهم إلَاّ بإخراجهم إِيَّاهَا إِلَى من رَأَوْا على حسن النّظر