الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمَنْع، وَذهب ابْن أبي هُرَيْرَة إِلَى جَوَاز الْإِجَارَة عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول مَالك، وَإِنَّمَا يجوز عِنْدهم إِذا اسْتَأْجرهُ على نزوات مَعْلُومَة وعَلى مُدَّة مَعْلُومَة، فَإِن آجره على الطّرق حَتَّى يحمل لم يَصح، وَرخّص فِيهِ الْحسن وَابْن سِيرِين، وَقَالَ عَطاء: لَا بَأْس بِهِ إِذا لم يجد مَا يطرقه.
وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث، فَكرِهت طَائِفَة أَن يسْتَأْجر الْفَحْل لينزيه مُدَّة مَعْلُومَة بِأَجْر مَعْلُوم، وَذَلِكَ عَن أبي سعيد والبراء، وَذهب الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر إِلَى: إِنَّه لَا يجوز، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث الْبَاب، وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس أَن رجلا من كلاب سَأَلَ رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، عَن عسب الْفَحْل فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! إِنَّا نطرق الْفَحْل فنركم، فَرخص فِي الْكَرَامَة، ثمَّ قَالَ: حسن غَرِيب.
وَفِيه: جَوَاز قبُول الْكَرَامَة على عسب الْفَحْل وَإِن حرم بَيْعه وإجارته، وَبِه صرح أَصْحَاب الشَّافِعِي، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: وَيجوز أَن يُعْطي صَاحب الْأُنْثَى صَاحب الْفَحْل شَيْئا على سَبِيل الْهَدِيَّة، خلافًا لِأَحْمَد، انْتهى. وَمَا ذهب إِلَيْهِ أَحْمد قد حُكيَ عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، فروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) بِإِسْنَادِهِ إِلَى مَسْرُوق، قَالَ: سَأَلت عبد الله عَن السُّحت؟ قَالَ: الرجل يطْلب الْحَاجة فيهدى إِلَيْهِ فيقبلها، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر أَن رجلا سَأَلَهُ أَنه تقبل رجلا أَي: صمنه، فَأعْطَاهُ دَرَاهِم وَحمله وكساه، فَقَالَ: أَرَأَيْت لَو لم تقبله أَكَانَ يعطيك؟ قَالَ: لَا، قَالَ: لَا يصلح لَك، وروى أَيْضا عَن أبي مَسْعُود، عقبَة بن عَمْرو، وَأَنه أَتَى إِلَى أَهله، فَإِذا هَدِيَّة، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: الَّذِي شفعت لَهُ، فَقَالَ: أخرجوها أتعجل أجر شَفَاعَتِي فِي الدُّنْيَا. وَرُوِيَ عَن عبد الله بن جَعْفَر أَنه كلم عليا فِي حَاجَة دهقان، فَبعث إِلَى عبد الله بن جَعْفَر بِأَرْبَعِينَ ألفا، فَقَالَ: ردوهَا عَلَيْهِ، فَإنَّا أهل بَيت لَا نبيع الْمَعْرُوف. وَقد رُوِيَ نَحْو هَذَا فِي حَدِيث مَرْفُوع، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) من رِوَايَة خَالِد بن أبي عمرَان عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة عَن النَّبِي، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: من شفع لِأَخِيهِ شَفَاعَة فأهدى لَهُ هَدِيَّة عَلَيْهَا، فقد أَتَى بَابا عَظِيما من أَبْوَاب الرِّبَا، وَهَذَا معنى مَا ورد: كل قرض جر مَنْفَعَة فَهُوَ رَبًّا، وروى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : من حَدِيث أبي عَامر الْهَوْزَنِي عَن أبي كَبْشَة الْأَنمَارِي: أَنه أَتَاهُ فَقَالَ: أطرقني فرسك، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، يَقُول: من أطرق فرسا فعقب لَهُ كَانَ لَهُ كَأَجر سبعين فرسا حمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله، وَإِن لم يعقب كَانَ لَهُ كَأَجر فرس حمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله. قَوْله:(أطرقني)، أَي: أعرني فرسك للإنزاء. ثمَّ الْحِكْمَة فِي كَرَاهَة إِجَارَته عِنْد من يمْنَعهَا أَنَّهَا لَيست من مَكَارِم الْأَخْلَاق. وَمن جوزها من الشَّافِعِيَّة والحنابلة بِمدَّة مَعْلُومَة قاسها على جَوَاز الِاسْتِئْجَار لتلقيح النّخل، وَهُوَ قِيَاس بالفارق، لِأَن الْمَقْصُود هُنَا مَاء الْفَحْل وَصَاحبه عَاجز عَن تَسْلِيمه، بِخِلَاف تلقيح النّخل.
22 -
(بابٌ إذَا اسْتَأجَرَ أحَدٌ أرْضا فماتَ أحَدُهُمَا)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اسْتَأْجر أَرضًا فَمَاتَ أَحدهمَا، أَي: أحد المتواجرين، وَلَيْسَ هُوَ بإضمار قبل الذّكر لِأَن لفظ: اسْتَأْجر، يدل على الْمُؤَجّر، وَجَوَاب: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: هَل يَنْفَسِخ أم لَا؟ وَإِنَّمَا لم يجْزم بِالْجَوَابِ للِاخْتِلَاف فِيهِ.
وَقَالَ ابنُ سِيرينَ لَيْسَ لأِهْلِهِ أنْ يُخْرِجُوهُ إلَى تَمامِ الأجَلِ
أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: لَيْسَ لأَهله، أَي: لأهل الْمَيِّت، أَن يخرجوه أَي الْمُسْتَأْجر إِلَى تَمام الْأَجَل، أَي: الْمدَّة الَّتِي وَقع العقد عَلَيْهَا، قَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ لأَهله: إِي: لوَرثَته أَن يخرجوه أَي: عقد الِاسْتِئْجَار أَي: يتصرفوا فِي مَنَافِع الْمُسْتَأْجر. قلت: قَول الْكرْمَانِي: أَي عقد الِاسْتِئْجَار، بَيَان لعود الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: أَن يخرجوه، إِلَى عقد الِاسْتِئْجَار، وَهَذَا لَا معنى لَهُ، بل الضَّمِير يعود إِلَى الْمُسْتَأْجر كَمَا ذكرنَا، وَلَكِن لم يمض ذكر الْمُسْتَأْجر، فَكيف يعود إِلَيْهِ؟ وَكَذَلِكَ الضَّمِير فِي: أَهله: لَيْسَ مرجعه مَذْكُورا ففيهما إِضْمَار قبل الذّكر، وَلَا يجوز أَن يُقَال: مرجع الضميرين يفهم من لفظ التَّرْجَمَة، لِأَن التَّرْجَمَة وضعت بعد قَول ابْن سِيرِين هَذَا بِمدَّة طَوِيلَة، وَلَيْسَ كُله كلَاما مَوْضُوعا على نسق وَاحِد حَتَّى يَصح هَذَا، وَلَكِن الْوَجْه فِي هَذَا أَن يُقَال: إِن مرجع الضميرين مَحْذُوف، والقرينة تدل عَلَيْهِ، فَهُوَ فِي حكم الملفوظ.
وأصل الْكَلَام فِي أصل الْوَضع هَكَذَا: سُئِلَ مُحَمَّد بن سِيرِين فِي رجل اسْتَأْجر من رجل أَرضًا، فَمَاتَ أَحدهمَا، هَل لوَرَثَة الْمَيِّت أَن يخرجُوا يَد الْمُسْتَأْجر من تِلْكَ الأَرْض أم لَا؟
فَأجَاب: بقوله: لَيْسَ لأَهله، أَي: لأهل الْمَيِّت أَن يخرجُوا الْمُسْتَأْجر إِلَى تَمام الْأَجَل، أَي: أجل الْإِجَارَة، أَي: الْمدَّة الَّتِي وَقع عَلَيْهَا العقد، وَقَالَ بَعضهم: الْجُمْهُور على عدم الْفَسْخ، وَذهب الْكُوفِيُّونَ وَاللَّيْث إِلَى الْفَسْخ، وَاحْتَجُّوا بِأَن الْوَارِث ملك الرَّقَبَة وَالْمَنْفَعَة تبع لَهَا فارتفعت يَد الْمُسْتَأْجر عَنْهَا بِمَوْت الَّذِي آجره، وَتعقب بِأَن الْمَنْفَعَة قد تنفك عَن الرَّقَبَة، كَمَا يجوز بيع مسلوب الْمَنْفَعَة، فَحِينَئِذٍ ملك الْمَنْفَعَة باقٍ للْمُسْتَأْجر بِمُقْتَضى العقد، وَقد اتَّفقُوا على أَن الْإِجَارَة لَا تَنْفَسِخ بِمَوْت نَاظر الْوَقْف، فَكَذَلِك هُنَا انْتهى. قلت: الَّذِي يتْركهُ الْمَيِّت ينْتَقل بِالْمَوْتِ إِلَى الْوَارِث، ثمَّ يَتَرَتَّب الحكم على هَذَا عِنْد موت الْمُؤَجّر أَو موت الْمُسْتَأْجر، أما إِذا مَاتَ الْمُؤَجّر فقد انْتَقَلت رَقَبَة الدَّار إِلَى الْوَارِث والمستحق من الْمَنَافِع الَّتِي حدثت على ملكه. قد فَاتَ بِمَوْتِهِ فبطلت الْإِجَارَة لفَوَات الْمَعْقُود عَلَيْهِ، لِأَن بعد مَوته تحدث الْمَنْفَعَة على ملك الْوَارِث، فَإِذا كَانَت الْمَنْفَعَة على ملك الْوَارِث كَيفَ يَقُول هَذَا الْقَائِل: فَملك الْمَنْفَعَة بَاقٍ للْمُسْتَأْجر بِمُقْتَضى العقد؟ وَمُقْتَضى العقد هُوَ قيام الْإِجَارَة، وَقيام الْإِجَارَة بالمتؤاجرين؟ فَإِذا مَاتَ أَحدهمَا زَالَ ذَلِك الِاقْتِضَاء، وَأما إِذا مَاتَ الْمُسْتَأْجر فَلَو بَقِي العقد لبقي على أَن يخلفه الْوَارِث، وَذَا لَا يتَصَوَّر، لِأَن الْمَنْفَعَة الْمَوْجُودَة فِي حَيَاته تلاشت، فَكيف يُورث الْمَعْدُوم؟ وَالَّتِي تحدث لَيست بمملوكة لَهُ ليخلفه الْوَارِث فِيهَا، إِذْ الْملك لَا يسْبق الْوُجُود، فَإِذا ثَبت انْتِفَاء الْإِرْث تعين بطلَان العقد. وَقَوله: الْمَنْفَعَة قد تنفك عَن الرَّقَبَة، كَمَا يجوز بيع مسلوب الْمَنْفَعَة كَلَام واهٍ جدا لِأَن الْمَنْفَعَة عرض، وَالْعرض كَيفَ يقوم بِذَاتِهِ، وتنظيره بِبيع مسلوب الْمَنْفَعَة غير صَحِيح، لِأَن مسلوب الْمَنْفَعَة لم يكن فِيهَا مَنْفَعَة أصلا وَقت البيع حَتَّى يُقَال: كَانَت فِيهِ مَنْفَعَة، ثمَّ انفكت عَنهُ، وَفَاتَ بذاتها، وَفِي الْإِجَارَة الْمَنْفَعَة مَوْجُودَة وَقت العقد لِأَنَّهَا تحدث سَاعَة فساعة، وَلَكِن قِيَامهَا بِالْعينِ وَحين انْتَقَلت الْعين إِلَى ملك الْوَارِث انْتَقَلت الْمَنْفَعَة مَعهَا لقيامها مَعهَا، وتنظيرها بِالْمَسْأَلَة الاتفاقية أَيْضا غير صَحِيح. لِأَن النَّاظر لَا يرجع إِلَيْهِ العقد والعاقد من وَقع الْمُسْتَحق عَلَيْهِ. فَإِن قلت: الْمُوكل إِذا مَاتَ يَنْفَسِخ العقد، مَعَ أَنه غير عَاقد؟ قلت: نَحن نقُول: كلما مَاتَ الْعَاقِد لنَفسِهِ يَنْفَسِخ، وَلم نلتزم بِأَن كل مَا انْفَسَخ يكون بِمَوْت الْعَاقِد، لِأَن الْعَكْس غير لَازم فِي مثله.
وَقَالَ الحَكَمُ والحَسَنُ وإيَاسُ بنُ مُعَاوِيَةَ تُمْضِي الإجَارَةُ إلَى أجَلِهَا
الحكم، بِفتْحَتَيْنِ: هُوَ ابْن عتيبة أحد الْفُقَهَاء الْكِبَار بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ مِمَّن روى عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ وَإيَاس بن مُعَاوِيَة بن قُرَّة الْمُزنِيّ. قَوْله:(تُمضي الْإِجَارَة) على صِيغَة بِنَاء الْفَاعِل أَو على صِيغَة بِنَاء الْمَفْعُول. قَوْله: (إِلَى أجلهَا) أَي: إِلَى مُدَّة الْإِجَارَة، وَالْحَاصِل أَن الْإِجَارَة لَا تَنْفَسِخ عِنْدهم بِمَوْت أحد المتؤاجرين، وَوصل ابْن أبي شيبَة هَذَا الْمُعَلق من طَرِيق حميد عَن الْحسن وَإيَاس بن مُعَاوِيَة نَحوه، وَأَيْضًا من طَرِيق أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين نَحوه.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَ أعْطَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ بالشَّطْرِ فكانَ ذَلِك على عَهْدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأبِي بَكْرٍ وصَدْرا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ ولَمْ يُذْكَرْ أنَّ أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ جَدَّدا الإجارةَ بَعْدَ مَا قُبِضَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عليه وسلم لما أعْطى خَيْبَر بالشطر اسْتمرّ الْأَمر عَلَيْهِ فِي حَيَاته وَبعده أَيْضا، فَدلَّ على أَن عقد الْإِجَارَة لَا يَنْفَسِخ بِمَوْت أحد المتؤاجرين، وَهَذَا تَعْلِيق أدرج فِيهِ البُخَارِيّ كَلَامه، وَالتَّعْلِيق أخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) على مَا نذكرهُ فِي مَوْضِعه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهَذَا حجَّة من يَدعِي عدم الْفَسْخ بِالْمَوْتِ، وَلَكِن هَذَا لَا يفيدهم فِي الِاسْتِدْلَال، وَلِهَذَا قَالَ ابْن التِّين: قَول ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ الرَّاوِي لَيْسَ مِمَّا بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ، لِأَن خَيْبَر مُسَاقَاة وَالْمُسَاقَاة سنة على حيالها. انْتهى. قلت: قَالَ أَصْحَابنَا من جِهَة أبي حنيفَة: إِن قَضِيَّة خَيْبَر لم تكن بطرِيق الْمُزَارعَة وَالْمُسَاقَاة بل كَانَت بطرِيق الْخراج على وَجه الْمَنّ عَلَيْهِم وَالصُّلْح، لِأَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم ملكهَا غنيمَة، فَلَو كَانَ صلى الله عليه وسلم أَخذ كلهَا جَازَ وَتركهَا فِي أَيْديهم بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا فضلا، وَكَانَ ذَلِك خراج مقاسمة وَهُوَ جَائِز كخراج التوظيف، وَلَا