الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ بِذِكْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطَرِّفٍ وأبي برزة مِنْ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه دُونَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ بَعْدَ هَذَا وَكَذَا عِنْدَ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ وَقَالَ النَّسَائِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنُ الْأَحَادِيثِ وَأَجْوَدُهَا
وَرَوَى عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُدَامَةَ بْنِ عَنَزَةَ وَسَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ وَأَبِي الْبَخْتَرِيِّ وَكُلُّهُمْ أَسْنَدُوهُ وَجَعَلُوهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه وَأَحَادِيثُ هَؤُلَاءِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي الْمُحَارَبَةِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ثِقَةٌ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ دُونَ غَيْرِهِ وتغير حفظه بآخره كذا قال الذهبي وبن حَجَرٍ (فَتَغَيَّظَ عَلَى رَجُلٍ) قِيلَ لِأَنَّهُ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه وَعِنْدَ أَحْمَدَ والنسائي أغلظ رجل لأبي بكر رضي الله عنه (فَأَذْهَبَتْ كَلِمَتِي غَضَبَهُ) هَذَا مِنْ قَوْلِ أَبِي بَرْزَةَ أَيْ أَنَّ كَلَامِي قَدْ عَظُمَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى زَالَ بِسَبَبِهِ غَضَبُهُ (فَقَامَ) أَيْ أَبُو بَكْرٍ (فَدَخَلَ) أَيْ بَيْتَهُ (فَأَرْسَلَ إِلَيَّ) أَيْ رَجُلًا (فَقَالَ) أَيْ فَجِئْتُهُ فَقَالَ لِي (مَا الَّذِي قُلْتَ آنِفًا) أَيْ عِنْدَ اشْتِدَادِ غَضَبِي عَلَى الرَّجُلِ (لَوْ أَمَرْتُكَ) أَيْ بِضَرْبِ عُنُقِهِ (وَهَذَا لَفْظُ يَزِيدَ) أَيْ قَوْلُهُ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِلَخْ هَذَا لَفْظُ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ وَأَمَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَإِنَّهُ قَالَ عَنْ يُونُسَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَخْ) أَيْ فِي شَرْحِ قَوْلِ أبي بكر رضي الله عنه وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لَمْ تُوجَدْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
(بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُحَارَبَةِ)
[4364]
(أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُكْلٍ أَوْ قَالَ مِنْ عُرَيْنَةَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي شَرْحِ بَابِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ
وَالدَّوَابِّ مَا مُحَصَّلُهُ إِنَّهُ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فَفِي بَعْضِهَا مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ عَلَى الشَّكِّ وَفِي بَعْضِهَا مِنْ عُكْلٍ وَفِي بَعْضِهَا مِنْ عُرَيْنَةَ وَفِي بَعْضِهَا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَهُوَ الصَّوَابُ
وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةً مِنْ عُرَيْنَةَ وَثَلَاثَةً مِنْ عُكْلٍ قَالَ وَعُكْلٌ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ قَبِيلَةُ تَيْمِ الرَّبَابِ وَعُرَيْنَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالنُّونِ مُصَغَّرًا حَيٌّ مِنْ قُضَاعَةَ وَحَيٌّ مِنْ بَجِيلَةَ وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي (فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ مِنَ الِاجْتِوَاءِ) أَيْ كَرِهُوا هَوَاءَ الْمَدِينَةِ وَمَاءَهَا وَاسْتَوْخَمُوهَا وَلَمْ يُوَافِقْهُمُ الْمُقَامُ بِهَا وَأَصَابَهُمُ الْجِوَاءُ (بِلِقَاحٍ) أَيْ أَمَرَهُمْ أَنْ يُلْقِحُوا بِهَا وَاللِّقَاحُ بِاللَّامِ الْمَكْسُورَةِ وَالْقَافِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ النُّوقُ ذَوَاتُ الْأَلْبَانِ وَاحِدُهَا لِقْحَةٌ بِكْسِرِ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ قَالَهُ الْحَافِظُ (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا) احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ بَوْلِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَطَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْأَبْوَالِ وَالْأَرْوَاثِ كُلِّهَا مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (فَلَمَّا صَحُّوا) فِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ (وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ) مِنَ السَّوْقِ وَهُوَ السَّيْرُ الْعَنِيفُ وَالنَّعَمُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْعَيْنِ وَاحِدُ الْأَنْعَامِ أَيِ الإبل (فأرسل النبي) لَمْ يُذْكَرِ الْمَفْعُولُ فِي هَذِهِ
قَالَ الْحَافِظُ زَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ الطَّلَبَ وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ خَيْلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَمِيرُهُمْ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ (فِي آثَارِهِمْ) أَيْ عَقِبِهِمْ (فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ يَعْنِي قَطَعَ يَدَيْ كُلِّ وَاحِدٍ وَرِجْلَيْهِ
قَالَ الْحَافِظُ تَرُدُّهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ خِلَافٍ (وَسُمِّرَ أَعْيُنُهُمْ) ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ مِنَ التَّسْمِيرِ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي رَجَاءٍ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ انْتَهَى
وَالْمَعْنَى كُحِلُوا بِأَمْيَالٍ قَدْ أُحْمِيَتْ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ أَنَّهُ أَكْحَلَهُمْ بِمَسَامِيرَ مُحْمَاةٍ
قَالَ وَالْمَشْهُورُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ سَمَلَ أَيْ وَفَقَأَ أَعْيُنَهُمْ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ (وَأُلْقُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ رُمُوا (فِي الْحَرَّةِ) هِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ مَعْرُوفَةٍ بِالْمَدِينَةِ وَإِنَّمَا أُلْقُوا فِيهَا لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْمَكَانِ الَّذِي فَعَلُوا فِيهِ مَا فَعَلُوا (يَسْتَسْقُونَ) أَيْ يَطْلُبُونَ الْمَاءَ أَيْ مِنْ شدة العطش الناشىء مِنْ حَرَارَةِ الشَّمْسِ (فَلَا يُسْقَوْنَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولُ أَيْ فَلَا يُعْطَوْنَ الْمَاءَ
وَاسْتَشْكَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَدَمَ سَقْيِهِمُ الْمَاءَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ
فَاسْتَسْقَى لَا يُمْنَعُ وَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يقع عن أمر النبي وَلَا وَقَعَ مِنْهُ نَهْيٌ عَنْ سَقْيِهِمُ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ النَّبِيَّ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَسُكُوتُهُ كَافٍ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُحَارِبَ الْمُرْتَدَّ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي سَقْيِ الْمَاءِ وَلَا غَيْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ إِلَّا لِطَهَارَتِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ لِلْمُرْتَدِّ وَيَتَيَمَّمَ بَلْ يَسْتَعْمِلَهُ وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَدُّ عَطَشًا
وقال الخطابي إنما فعل النبي بِهِمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِمُ الْمَوْتَ بِذَلِكَ
وَقِيلَ إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَعْطِيشِهِمْ لِكَوْنِهِمْ كَفَرُوا نِعْمَةَ سَقْيِ أَلْبَانِ الْإِبِلِ الَّتِي حَصَلَ لَهُمْ بِهَا الشِّفَاءُ مِنَ الْجُوعِ وَالْوَخَمِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ دَعَا بِالْعَطَشِ عَلَى مَنْ عَطَّشَ آلَ بَيْتِهِ فِي قِصَّةٍ رَوَاهَا النَّسَائِيُّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَنَعُوا إِرْسَالَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنَ اللَّبَنِ الَّذِي كَانَ يُرَاحُ به إلى النبي مِنْ لِقَاحِهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ كَمَا ذَكَرَ ذلك بن سَعْدٍ
انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ قِصَاصًا لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا بِالرَّاعِي مِثْلَ ذَلِكَ وَقِيلَ بَلْ لِشِدَّةِ جِنَايَتِهِمْ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ كَلَامُ أَبِي قَتَادَةَ انْتَهَى (قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) أَيْ رَاوِي الْحَدِيثِ (فَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَرَقُوا) أَيْ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا اللِّقَاحَ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهَا وَهَذَا قَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ اسْتِنْبَاطًا كَذَا فِي الْفَتْحِ (وَقَتَلُوا) أَيِ الرَّاعِيَ (وَكَفَرُوا) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ هُوَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ فِي الْمَغَازِي وَكَذَا فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ عَنْ أَيُّوبَ فِي الْجِهَادِ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي قِلَابَةَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ وَكَذَا قَوْلُهُ وَحَارَبُوا ثَبَتَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[4365]
(بِمَسَامِيرَ) جَمْعُ مِسْمَارٍ وَتِدٌ مِنْ حَدِيدٍ يُشَدُّ بِهِ (فَأُحْمِيَتْ) بِالنَّارِ يُقَالُ أَحْمَيْتُ الْحَدِيدَ إِذَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ لِتُحْمَى (فَكَحَلَهُمْ) أَيْ بِتِلْكَ الْمَسَامِيرِ الْمُحْمَاةِ (وَمَا حَسَمَهُمْ) الْحَسْمُ الْكَيُّ بِالنَّارِ لِقَطْعِ الدَّمِ أَيْ لَمْ يَكْوِ مَوَاضِعَ الْقَطْعِ لِيَنْقَطِعَ الدَّمُ بَلْ تَرَكَهُمْ
قَالَ الدَّاوُدِيُّ الْحَسْمُ هُنَا أَنْ تُوضَعَ الْيَدُ بَعْدَ الْقَطْعِ فِي زَيْتٍ حار
قَالَ الْحَافِظُ وَهَذَا مِنْ صُوَرِ الْحَسْمِ وَلَيْسَ محصورا فيه
قال بن بَطَّالٍ إِنَّمَا تَرَكَ حَسْمَهُمْ لِأَنَّهُ أَرَادَ إِهْلَاكَهُمْ فَأَمَّا مَنْ قُطِعَ مِنْ سَرِقَةٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَجِبُ حَسْمُهُ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ غَالِبًا بِنَزْفِ الدَّمِ
[4366]
(قَافَةٌ) جَمْعُ قَائِفٍ
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصُّ أَثَرَهُمْ
قَالَ النَّوَوِيُّ الْقَائِفُ هُوَ الَّذِي يَتَتَبَّعُ الْآثَارَ وَيُمَيِّزُهَا
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ هُوَ مَنْ يَتْبَعُ أَثَرًا وَيَطْلُبُ ضَالَّةً وَهَارِبًا (الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله ورسوله)
قال القسطلاني يحاربون الله أي يُحَارِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ وَمُحَارَبَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي حُكْمِ محاربته أي المراد الإخبار بأنهم يُحَارِبُونَ أَوْلِيَاءَهُ
كَذَا قَرَّرَهُ الْجُمْهُورُ
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ يُحَارِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّمَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا لِمَنْ يُحَارَبُ (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) مَصْدَرٌ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْحَالِ أَيْ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أَوْ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ أَيْ يُحَارِبُونَ وَيَسْعَوْنَ لِأَجْلِ الْفَسَادِ وَتَمَامُ الآية مع تفسيرها هكذا (أن يقتلوا) هذا خبر لقوله جزاء الذين أَيْ قِصَاصًا مِنْ غَيْرِ صَلْبٍ إِنْ أَفْرَدُوا الْقَتْلَ (أَوْ يُصَلَّبُوا) أَيْ مَعَ الْقَتْلِ إِنْ جَمَعُوا بَيْنَ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ وَهَلْ يُقْتَلُ وَيُصَلَّبُ أَوْ يُصَلَّبُ حَيًّا وَيَنْزِلُ وَيُطْعَنُ حَتَّى يموت خلاف (أو تقطع أيديهم وأرجلهم) إِنْ أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا (مِنْ خِلَافٍ) حَالٌ مِنَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ أَيْ مُخْتَلِفَةً فَتُقَطَّعُ أَيْدِيهِمُ الْيُمْنَى وَأَرْجُلُهُمُ الْيُسْرَى (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرض) اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالنَّفْيِ فِي الْآيَةِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يُخْرَجُ مِنْ بَلَدِ الْجِنَايَةِ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى
زَادَ مَالِكٌ فَيُحْبَسُ فِيهَا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ يُحْبَسُ فِي بَلَدِهِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاسْتِمْرَارَ فِي الْبَلَدِ وَلَوْ كَانَ مَعَ الْحَبْسِ إِقَامَةٌ فَهُوَ ضِدُّ النَّفْيِ فَإِنَّ حَقِيقَةَ النَّفْيِ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْبَلَدِ وَحُجَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ اسْتِمْرَارُ الْمُحَارَبَةِ فِي الْبَلْدَةِ الْأُخْرَى فَانْفَصَلَ عَنْهُ مَالِكٌ بِأَنَّهُ يُحْبَسُ بِهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَكْفِيهِ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ وَالْعَشِيرَةِ خِذْلَانًا وَذُلًّا ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي اخرة عذاب عظيم أَشْكَلَ هَذَا مَعَ حَدِيثِ عُبَادَةَ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ
فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ كَفَّارَةً وَالْجَوَابُ أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِينَ
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَكَذَا بَعْضُ الرِّوَايَاتِ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْقَوْمِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالضَّحَاكُ وَالزُّهْرِيُّ
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهَا نزلت في من خَرَجَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ
قاله بن بَطَّالٍ
قَالَ الْحَافِظُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ أَوَّلًا فِيهِمْ وَهِيَ تَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهَا مَنْ حَارَبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ لَكِنَّ عُقُوبَةَ الْفَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ إِذَا ظَفِرَ بِهِمْ وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَعَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ يُنْظَرُ فِي الْجِنَايَةِ فَمَنْ قَتَلَ قُتِلَ وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ قُطِعَ وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا نُفِيَ وَجَعَلُوا أَوْ لِلتَّنْوِيعِ
وَقَالَ مَالِكٌ بَلْ هِيَ لِلتَّخْيِيرِ فَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْمُحَارِبِ الْمُسْلِمِ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّلَ انْتَهَى
[4367]
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ) وَقَعَ بَعْدَ هَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ اسْتَاقُوا الْإِبِلَ وَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ (يَكْدُمُ الْأَرْضَ) قَالَ السُّيُوطِيُّ بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا يَتَنَاوَلُهَا بِفَمِهِ وَيَعَضُّ عَلَيْهَا بِأَسْنَانِهِ انْتَهَى
وَفِي الْقَامُوسِ كَدَمَهُ يَكْدُمُهُ وَيَكْدِمُهُ عَضَّهُ بِأَدْنَى فَمِهِ أَوْ أَثَّرَ فِيهِ بِحَدِيدَةٍ (بِفِيهِ) أَيْ بِفَمِهِ (عَطَشًا) أَيْ لِأَجْلِ الْعَطَشِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ثَلَاثَتِهِمْ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أنس وأخرجه بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ
[4368]
(ثُمَّ نَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ) يُقَالُ مَثَلْتُ بِالْحَيَوَانِ مَثْلًا إِذَا قَطَعْتُ أَطْرَافَهُ وَشَوَّهْتُ بِهِ وَمَثَلْتُ بِالْقَتِيلِ إِذَا جَدَعْتُ أَنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ أَوْ مَذَاكِيرَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ أَطْرَافِهِ وَالِاسْمُ الْمُثْلَةُ
كَذَا فِي الْمَجْمَعِ
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْمُثْلَةِ مَنْسُوخٌ (ولم يذكر من خلاف إلا قَوْلِهِ إِلَّا فِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَمْ تُوجَدْ إِلَّا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَفْظُ مِنْ خِلَافٍ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ
[4369]
(أغاروا على إبل النبي) أَيْ نَهَبُوهَا (مُؤْمِنًا) حَالٌ مِنْ رَاعِي النَّبِيِّ وَكَانَ اسْمُهُ يَسَارٌ (وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَى سَمَلَ بِاللَّامِ فَقَأَهَا وَأَذْهَبَ مَا فِيهَا وَمَعْنَى سَمَرَ كَحَلَهَا بِمَسَامِيرَ مَحْمِيَّةٍ وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى انْتَهَى
قُلْتُ رِوَايَةُ السَّمْلِ لَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ السَّمْرِ لِأَنَّ مَعْنَى السَّمْلِ عَلَى مَا قال الخطابي هو فقأ الْعَيْنِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ فَإِذَا سَمَلَ الْعَيْنَ بِالْمِسْمَارِ الْمَحْمِيِّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ السَّمْلُ وَالسَّمْرُ كِلَاهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى (وَهُمُ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أنس بن مالك الخ) وأخرج بن جرير عن يزيد بن أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى أَنَسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَسٌ يُخْبِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْعُرَنِيِّينَ وَهُمْ مِنْ بَجِيلَةَ
قَالَ أَنَسٌ فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ وَأَخَافُوا السَّبِيلَ وَأَصَابُوا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله قَدْ ذَكَرَ مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ أَنَس قَالَ إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَعْيُنَ أُولَئِكَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُن الرعاء
وذكر بن إِسْحَاق أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا قَدْ مَثَّلُوا بِالرَّاعِي فَقَطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَغَرَزُوا الشَّوْك فِي عَيْنَيْهِ فَأُدْخِل الْمَدِينَة مَيِّتًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَة
الفرج الحرام فسأل رسول الله جِبْرِيلَ عَنِ الْقَضَاءِ فِيمَنْ حَارَبَ فَقَالَ مَنْ سَرَقَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَاسْتَحَلَّ الْفَرْجَ الْحَرَامَ فَاصْلُبْهُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[4370]
(عَاتَبَهُ اللَّهُ في ذلك) وأخرج بن جَرِيرٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ ذَكَرْتُ لِلَيْثِ بْنِ سَعْدٍ مَا كَانَ مِنْ سَمْلِ رسول الله وَتَرْكِ حَسْمِهِمْ حَتَّى مَاتُوا فَقَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ يَقُولُ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رسول الله مُعَاتِبَةً فِي ذَلِكَ وَعَلَّمَهُ عُقُوبَةَ مِثْلِهِمْ مِنَ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ وَالنَّفْيِ وَلَمْ يُسْمِلْ بَعْدَهُمْ غَيْرَهُمْ
قَالَ وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ ذُكِرَ لِابْنِ عُمَرَ فَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ مُعَاتِبَةً وَقَالَ بَلْ كَانَتْ عُقُوبَةَ ذَلِكَ النَّفَرِ بِأَعْيَانِهِمْ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُقُوبَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ حَارَبَ بَعْدَهُمْ فَرُفِعَ عَنْهُ السَّمْلُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ حَدِيثُ أَبِي الزِّنَادِ هَذَا مُرْسَلٌ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُرْسَلًا
[4371]
(كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رحمه الله وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ هَذَا فَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ كَانَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ وَآيَةِ الْمُحَارَبَةِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ وَهُوَ مَنْسُوخٌ وَقِيلَ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ آيَةُ المحاربة وإنما فعل النبي بِهِمْ مَا فَعَلَ قِصَاصًا لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا بِالرُّعَاةِ مِثْلَ ذَلِكَ
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي بَعْضِ طرقه ورواه بن إِسْحَاقَ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَأَهْلُ السِّيَرِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ بَعْضُهُمُ النَّهْيُ عَنِ الْمُثْلَةِ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَيْسَ بِحَرَامٍ انْتَهَى
(يَعْنِي حَدِيثَ أَنَسٍ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ هَذَا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ
وَالْحَدِيثُ سكت عنه المنذري
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَتَرْجَمَة الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ سَاقَهُ فِي بَاب إِذَا حَرَّقَ الْمُسْلِم هَلْ يُحَرَّق فَذَكَرَهُ
وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْل الصُّفَّة وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يحسمهم حتى ماتوا
[4372]
(عن بن عَبَّاسٍ قَالَ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ إِلَخْ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْبَابِ (فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَظَاهِرُ اللَّفْظِ يُوهِمُ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمَجْرُورَ فِي مِنْهُمْ يَرْجِعُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ فَفِيهَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ فَمَنْ قَتَلَ وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ وَحَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثُمَّ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ (قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ) بصيغة المجهول وهذا التفصيل مذهب بن عَبَّاسٍ وَظَاهِرُ الْآيَةِ شَامِلٌ لِلْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ
وَأَخْرَجَ بن أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ كَانَ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ التَّمِيمِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ وَحَارَبَ وَكَلَّمَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ يَسْتَأْمِنُوا لَهُ عَلِيًّا فَأَبَوْا فَأَتَى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ فَأَتَى عَلِيًّا فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا قَالَ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أو ينفوا من الأرض ثُمَّ قَالَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أن تقدروا عليهم فَقَالَ سَعِيدٌ وَإِنْ كَانَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ فَقَالَ هَذَا حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ قَدْ جَاءَ تَائِبًا فَهُوَ آمِنٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَجَاءَ بِهِ إِلَيْهِ فَبَايَعَهُ وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَكَتَبَ له أمانا
وأخرج أيضا بن أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الْأَشْعَثِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ صَلَّى رَجُلٌ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ الْغَدَاةَ ثُمَّ قَالَ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ التَّائِبِ أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَنَا كُنْتُ مِمَّنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجِئْتُ تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيَّ فَقَالَ أَبُو مُوسَى إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ كَانَ مِمَّنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَاءَ تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ فَلَا يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنْ يَكُ صَادِقًا فَسَبِيلِي ذَلِكَ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِذَنْبِهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ