المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب في ذراري المشركين) - عون المعبود وحاشية ابن القيم - جـ ١٢

[العظيم آبادي، شرف الحق]

فهرس الكتاب

- ‌37 - كتاب الحدود

- ‌(باب الحكم في من ارتد)

- ‌(باب الحكم فِي مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ)

- ‌(بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُحَارَبَةِ)

- ‌(بَاب فِي الْحَدِّ يُشْفَعُ فِيهِ)

- ‌(باب يعفى عن الحدود)

- ‌(باب السَّتْرِ عَلَى أَهْلِ الْحُدُودِ)

- ‌(بَاب فِي صَاحِبِ الْحَدِّ يَجِيءُ فَيُقِرُّ)

- ‌(بَاب فِي التَّلْقِينِ فِي الْحَدِّ)

- ‌(بَاب فِي الرَّجُلِ يَعْتَرِفُ بِحَدٍّ وَلَا يُسَمِّيهِ)

- ‌(بَاب فِي الِامْتِحَانِ بِالضَّرْبِ [4382] أَيِ امْتِحَانِ السَّارِقِ)

- ‌(بَاب مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ)

- ‌(بَاب مَا لَا قَطْعَ فِيهِ)

- ‌(باب القطع في الخلسة)

- ‌(باب فيمن سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ)

- ‌(بَاب فِي الْقَطْعِ فِي الْعَارِيَةِ)

- ‌(بَاب فِي الْمَجْنُونِ يَسْرِقُ أَوْ يُصِيبُ حدا)

- ‌(بَاب فِي الْغُلَامِ يُصِيبُ الْحَدَّ هَلْ يُقَامُ عَلَيْهِ)

- ‌(باب السارق يَسْرِقُ فِي الْغَزْوِ أَيُقْطَعُ)

- ‌(بَاب فِي قَطْعِ النَّبَّاشِ)

- ‌(باب السَّارِقِ يَسْرِقُ مِرَارًا)

- ‌(باب في السارق تعلق يده فِي عُنُقِهِ)

- ‌(باب بَيْعِ الْمَمْلُوكِ إِذَا سَرَقَ)

- ‌(باب في الرجم)

- ‌(بَاب رَجْمِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ)

- ‌(باب في المرأة التي الخ)

- ‌(بَاب فِي رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ)

- ‌(بَاب فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِحَرِيمِهِ)

- ‌(باب فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ)

- ‌(باب في من عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ)

- ‌(باب في من أَتَى بَهِيمَةً أَيْ جَامَعَهَا)

- ‌(باب إذا أقر الرجل بالزنى وَلَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ)

- ‌(باب فِي الرَّجُلِ يصيب من المرأة ما دون الجماع)

- ‌(باب فِي الْأَمَةِ تَزْنِي وَلَمْ تُحْصَنْ)

- ‌(باب فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرِيضِ)

- ‌(باب في حد القاذف)

- ‌(باب في الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ)

- ‌(باب إِذَا تَتَابَعَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ أَيْ تَوَالَى فِي شُرْبِهَا)

- ‌(باب فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ فِي الْمَسْجِدِ أَيْ هَلْ يَجُوزُ)

- ‌(باب فِي التَّعْزِيرِ)

- ‌38 - كتاب الديات

- ‌(باب لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه أو أخيه)

- ‌(باب الْإِمَامِ يَأْمُرُ بِالْعَفْوِ فِي الدَّمِ)

- ‌(باب ولي العمد يأخذ الدية)

- ‌(بَاب من قتل بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ)

- ‌(باب فيمن سقى رجلا سما)

- ‌(باب مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ أَوْ مَثَّلَ بِهِ أَيُقَادُ مِنْهُ)

- ‌(باب القسامة)

- ‌(باب فِي تَرْكِ الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ)

- ‌(بَاب يُقَادُ مِنْ الْقَاتِلِ)

- ‌(بَاب أَيُقَادُ المسلم من الكافر)

- ‌(باب فيمن وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ)

- ‌(باب العامل)

- ‌(بَاب القود بغير حديد)

- ‌(بَاب الْقَوَدِ مِنْ الضَّرْبَةِ وَقَصِّ الْأَمِيرِ مِنْ نفسه)

- ‌(بَاب عَفْوِ النِّسَاءِ عَنْ الدَّمِ)

- ‌(باب من قتل في عميا بين قوم)

- ‌(بَاب الدِّيَةِ كَمْ هِيَ)

- ‌(بَاب فِي دِيَةِ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ)

- ‌(باب أسنان الإبل)

- ‌(بَاب دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ)

- ‌(بَاب دِيَةِ الْجَنِينِ)

- ‌(بَاب فِي دِيَةِ الْمُكَاتَبِ)

- ‌(بَاب فِي دِيَةِ الذِّمِّيِّ)

- ‌(بَاب فِي الرَّجُلِ يُقَاتِلُ الرَّجُلَ فَيَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ)

- ‌(باب فيمن تطبب ولا يعلم منه طب فَأَعْنَتَ)

- ‌(بَاب فِي دِيَةِ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ)

- ‌(بَاب الْقِصَاصِ مِنْ السِّنِّ)

- ‌(بَاب فِي الدَّابَّةِ تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا)

- ‌(بَاب الْعَجْمَاءُ وَالْمَعْدِنُ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ)

- ‌(بَاب فِي النَّارِ)

- ‌(باب جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ)

- ‌(بَاب فِيمَنْ قَتَلَ)

- ‌39 - كتاب السُّنَّة

- ‌ بَاب النَّهْيِ عَنْ الْجِدَالِ وَاتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهِ مِنْ الْقُرْآنِ)

- ‌ بَاب مُجَانَبَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَبُغْضِهِمْ)

- ‌(باب في تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ)

- ‌(بَاب النَّهْيِ عَنْ الْجِدَالِ فِي الْقُرْآنِ)

- ‌(بَاب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ)

- ‌(باب من دعا إلى السُّنَّةِ)

- ‌(بَاب فِي التَّفْضِيلِ)

- ‌(بَاب فِي الْخُلَفَاءِ)

- ‌(باب في فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌(بَاب فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ)

- ‌(بَاب فِي اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه

- ‌(بَاب مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي الْفِتْنَةِ)

- ‌(باب في التخيير بين الأنبياء عليهم السلام

- ‌(بَابٌ فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ)

- ‌(بَاب الدَّلِيلِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ)

- ‌(بَاب فِي الْقَدَرِ)

- ‌(بَاب فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ)

الفصل: ‌(باب في ذراري المشركين)

7 -

(بَاب فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ)

أَيْ أَطْفَالِهِمْ إِذَا مَاتُوا قَبْلَ الْبُلُوغِ

وَذَرَارِيُّ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ وَهِيَ نَسْلُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ

قَالَ النَّوَوِيُّ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ

قَالَ الْأَكْثَرُونَ هُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ وَتَوَقَّفَتْ طَائِفَةٌ فِيهِمْ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمْ من أهل الجنة

(والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) أَيْ بِمَا هُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ أو الترك بين المنزلتين قاله القارىء

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يُوهِمُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُفْتِ السَّائِلَ عَنْهُمْ وَأَنَّهُ رَدَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَلْحَقَهُمْ بِالْكَافِرِينَ وَلَيْسَ هَذَا وَجْهَ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ مُلْحَقُونَ بِآبَائِهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ عَلِمَ لَوْ بَقُوا أَحْيَاءَ حَتَّى يَكْبَرُوا لَكَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَ الْكُفَّارِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ انْتَهَى

ــ

[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]

ذكر الشيخ بن الْقَيِّم رحمه الله حَدِيث عَائِشَة هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ ثُمَّ قَالَ حَدِيث عَائِشَة قُلْت يَا رَسُول اللَّه مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن أَبِي قَيْس مَوْلَى غُطَيْف عَنْهَا

وَلَيْسَ بِذَاكَ الْمَشْهُور وَرَوَاهُ عُمَر بْن ذَرّ عَنْ يَزِيد بْن أَبِي أُمَيَّة أَنَّ الْبَرَاء بْن عَازِب أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَة يَسْأَلهَا عَنْ الْأَطْفَال فَقَالَتْ الْحَدِيث هَكَذَا قَالَ مُسْلِم بْن قُتَيْبَة عَنْ عُمَر وَقَالَ غَيْره عَنْ عُمَر بْن ذَرّ عَنْ يَزِيد عَنْ رَجُل عَنْ الْبَرَاء

وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو عُقَيْل عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّل النَّاجِيّ عَنْ بُهَيَّة عَنْهَا أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنْ أَوْلَاد الْمُسْلِمِينَ أَيْنَ هُمْ قَالَ فِي الْجَنَّة وَسَأَلَتْهُ عَنْ أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ أَيْنَ هُمْ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ فِي النَّار فَقُلْت لَمْ يُدْرِكُوا الْأَعْمَال ولم نجز عَلَيْهِمْ الْأَقْلَام قَالَ رَبّك أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ شِئْت أَسْمَعْتُك تَضَاغِيهمْ فِي النَّار

فَحَدِيث وَاهٍ يُعَرِّف بِهِ وَاهٍ وَهُوَ أَبُو عُقَيْل

ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخ بن الْقَيِّم رحمه الله أَحَادِيث الْبَاب إِلَى آخِره ثُمَّ قَالَ هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي الْبَاب حَدِيث كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة لَفْظ الصَّحِيحَيْنِ فِيهِ مَا مِنْ مَوْلُود إِلَّا يُولَد عَلَى الْفِطْرَة وَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ الْحَدِيث

وَفِي لَفْظ آخَر مَا مِنْ مَوْلُود إِلَّا يُولَد عَلَى الْفِطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُشَرِّكَانِهِ فَقَالَ آخَر أَرَأَيْت يَا رَسُول اللَّه لَوْ مَاتَ قَبْل ذَلِكَ قَالَ اللَّه أَعْلَم بِمَا كانوا عاملين

ص: 316

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ

(الْمَذْحِجِيُّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ جِيمٍ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ مَا حُكْمُهُمْ أَهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَمْ فِي النَّارِ (فَقَالَ هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ) فَلَهُمْ حُكْمُهُمْ (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ) أَيْ أَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا عَمَلٍ وَهَذَا وَارِدٌ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ (قَالَ الله أعلم بما كَانُوا عَامِلِينَ) أَيْ لَوْ بَلَغُوا رَدًّا لِتَعَجُّبِهَا وإشارة إِلَى الْقَدَرِ

وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ

ــ

[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]

وَفِي لَفْظ آخَر مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّة

وَفِي لَفْظ آخَر عَلَى هَذِهِ الْمِلَّة حَتَّى يُبَيِّن عَنْهُ لِسَانه

وَفِي لَفْظ آخَر لَيْسَ مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَة حَتَّى يُعَبِّر عَنْهُ لِسَانه

وَفِي لَفْظ آخَر مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا عَلَى الْفِطْرَة

وَفِي لَفْظ آخَر كُلّ إِنْسَان تَلِدهُ أُمّه عَلَى الْفِطْرَة وَأَبَوَاهُ بَعْد يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِم

وَهَذِهِ الْأَلْفَاظ كُلّهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا لَفْظ الْمِلَّة فَهُوَ لِمُسْلِمٍ

وَكَذَا لَفْظ يُشَرِّكَانِهِ فَلَهُ أَيْضًا

وَكَذَا قَوْله حَتَّى يُعَبِّر عَنْهُ لِسَانه

وَكَذَا لَفْظ فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِم لِمُسْلِمٍ وَحْده

وَإِنَّمَا سُقْنَا هَذِهِ الْأَلْفَاظ لِنُبَيِّن بِهَا أَنَّ الْكَلَام جُمْلَتَانِ لَا جُمْلَة وَاحِدَة وَأَنَّ قَوْله كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة جُمْلَة مُسْتَقِلَّة وَقَوْله أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ إِلَى آخِره جُمْلَة أُخْرَى

وَهُوَ يُبَيِّن غَلَط مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْكَلَام جُمْلَة وَاحِدَة وَأَنَّ الْمَعْنَى كُلّ مَوْلُود يُولَد بِهَذِهِ الصِّفَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَجَعَلَ الْخَبَر عِنْد قَوْله يُهَوِّدَانِهِ إِلَى آخِره

وَأَلْفَاظ الْحَدِيث تَدُلّ عَلَى خَطَأ هَذَا القائل

ص: 317

(أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِصَبِيٍّ) أَيْ بِجِنَازَةِ صَبِيٍّ (يُصَلِّي عَلَيْهِ) أَيْ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ (طُوبَى لِهَذَا) طُوبَى فُعْلَى مِنْ طَابَ يَطِيبُ قُلِبَتِ الْيَاءُ وَاوًا أَيِ الرَّاحَةُ وَطِيبُ الْعَيْشِ حَاصِلٌ لِهَذَا الصَّبِيِّ (وَلَمْ يَدْرِ بِهِ) مِنَ الدِّرَايَةِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ (أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنَ الرِّوَايَاتِ

وَالتَّقْدِيرُ أَتَعْتَقِدِينَ مَا قُلْتِ وَالْحَقُّ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ عَدَمُ الْجَزْمِ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْوَاوُ لِلْحَالِ كَذَا قَالَ القارىء فِي الْمِرْقَاةِ

وَذَكَرَ فِي قَوْلِهِ أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ وُجُوهًا أُخَرَ (وَخَلَقَ لَهَا) أَيْ لِلْجَنَّةِ (أَهْلًا) أَيْ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَنَعَّمُونَ بِهَا (وَخَلَقَهَا لَهُمْ) أَيْ خَلَقَ الْجَنَّةَ لِأَهْلِهَا (وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ) الْجُمْلَةُ حَالٌ

قَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ

ــ

[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]

وَيَدُلّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْفِطْرَة هِيَ فِطْرَة الْإِسْلَام لَيْسَتْ الْفِطْرَة الْعَامَّة الَّتِي فُطِرَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّقَاوَة وَالسَّعَادَة لِقَوْلِهِ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَة وَقَوْله عَلَى هَذِهِ الْمِلَّة

وَسِيَاقه أَيْضًا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْمُرَادَة لِإِخْبَارِهِ بِأَنَّ الْأَبَوَيْنِ هُمَا اللَّذَانِ يُغَيِّرَانِهَا وَلَوْ كَانَتْ الْفِطْرَة هِيَ فِطْرَة الشَّقَاوَة وَالسَّعَادَة لِقَوْلِهِ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَة لَكَانَ الْأَبَوَانِ مُقَدِّرَيْنِ لَهَا

وَلِأَنَّ قِرَاءَة قَوْله تَعَالَى {فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه ذَلِكَ الدِّين الْقَيِّم} عَقِب الْحَدِيث صَرِيح فِي أَنَّ الْمُرَاد بِهَا فِطْرَة الْإِسْلَام وَلِأَنَّ تَشْبِيه الْمَوْلُود فِي وِلَادَته عَلَيْهَا بِالْبَهِيمَةِ الْجَمْعَاء وَهِيَ الْكَامِلَة الْخَلْق ثُمَّ تَشْبِيهه إِذَا خَرَجَ عَنْهَا بِالْبَهِيمَةِ الَّتِي جَدَعَهَا أَهْلهَا فَقَطَعُوا أُذُنهَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْفِطْرَة هِيَ الْفِطْرَة الْمُسْتَقِيمَة السَّلِيمَة وَمَا يَطْرَأ عَلَى الْمَوْلُود مِنْ التَّهْوِيد وَالتَّنْصِير بِمَنْزِلَةِ الْجَدْع وَالتَّغْيِير فِي وَلَد الْبَهِيمَة وَلِأَنَّ الْفِطْرَة حَيْثُ جَاءَتْ مُطْلَقَة مُعَرَّفَة بِاللَّامِ لَا يُرَاد بِهَا إِلَّا فِطْرَة التَّوْحِيد وَالْإِسْلَام وَهِيَ الْفِطْرَة الْمَمْدُوحَة وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث الْإِسْرَاء لَمَّا أَخَذَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم اللَّبَن قِيلَ لَهُ أَصَبْت الْفِطْرَة وَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الْمُؤَذِّن يَقُول اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر قَالَ عَلَى الْفِطْرَة وَحَيْثُ جَاءَتْ الْفِطْرَة فِي كَلَام رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم فَالْمُرَاد بِهَا فِطْرَة الْإِسْلَام لَا غَيْر ولم يجيء قَطّ فِي كَلَامه مُرَادًا بِهَا فِطْرَة الشَّقَاوَة وَابْتِدَاء الْخِلْقَة فِي مَوْضِع وَاحِد

وَلَفْظ الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ غَيْر مَنْسُوخ وَأَنَّهُ يَسْتَحِيل فِيهِ النَّسْخ كَمَا قَالَ بَعْضهمْ لِأَنَّهُ خَبَر مَحْض وَلَيْسَ حُكْمًا يَدْخُل تَحْت الْأَمْر وَالنَّهْي فَلَا يَدْخُلهُ النَّسْخ

وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة الصَّبِيّ مِنْ الْأَنْصَار فَرَدَّهُ الْإِمَام أَحْمَد وَطَعَنَ فِيهِ وَقَالَ مَنْ يَشُكّ أَنَّ أَوْلَاد الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّة وَقَالَ أَيْضًا إِنَّهُمْ لَا اختلاف فيهم

ص: 318

الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا وَتَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنِ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ انْتَهَى

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ

(كُلُّ مَوْلُودٍ) أَيْ مِنْ بَنِي آدَمَ (يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِالْفِطْرَةِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ وَأَشْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ المراد بالفطرة الإسلام

قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ (يُهَوِّدَانِهِ) أَيْ يُعَلِّمَانِهِ الْيَهُودِيَّةَ وَيَجْعَلَانِهِ يَهُودِيًّا (وَيُنَصِّرَانِهِ) أَيْ يُعَلِّمَانِهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَيَجْعَلَانِهِ نَصْرَانِيًّا (كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ) أَيْ تَلِدُ (جَمْعَاءَ) أَيْ سَلِيمَةِ الْأَعْضَاءِ كَامِلَتِهَا (هَلْ تُحِسُّ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ أَيْ هَلْ تُدْرِكُ

قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أي سليمة مقولا في حقها ذلك (في جدعاء) أي مقطوعة الأذن

والمعنى أن البهيمة أول

ــ

[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]

وَأَمَّا مُسْلِم فَأَوْرَدَهُ فِي صَحِيحه كَمَا تَقَدَّمَ

ومن انتصر للحديث وصحيحه يَقُول الْإِنْكَار مِنْ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى عَائِشَة إِنَّمَا كَانَ لِشَهَادَتِهَا لِلطِّفْلِ الْمُعَيَّن بِأَنَّهُ فِي الْجَنَّة كَالشَّهَادَةِ لِلْمُسْلِمِ الْمُعَيَّن فَإِنَّ الطِّفْل تَبَع لِأَبَوَيْهِ فَإِذَا كَانَ أَبَوَاهُ لَا يُشْهَد لَهُمَا بِالْجَنَّةِ فَكَيْف يُشْهَد لِلطِّفْلِ التَّابِع لَهُمَا

وَالْإِجْمَاع إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنَّ أَطْفَال الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَة مَعَ آبَائِهِمْ فَيَجِب الْفَرْق بَيْن الْمُعَيَّن وَالْمُطْلَق

وَفِي صَحِيح أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن ضَمْرَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذَرَارِيّ الْمُؤْمِنِينَ يكفلهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم فِي الْجَنَّة

وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنْ سَمُرَة بْن جُنْدُب قَالَ كَانَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم مِمَّا يُكْثِر أَنْ يَقُول لِأَصْحَابِهِ هَلْ رَأَى أَحَد مِنْكُمْ رُؤْيَا قَالَ فَيَقُصّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّه أَنْ يَقُصّ وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَات غَدَاة أَتَانِي اللَّيْلَة آتِيَانِ فَذَكَرَ حَدِيث الرُّؤْيَا بِطُولِهِ إِلَى أَنْ قَالَ فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَة مُعْتِمَة مِنْ كُلّ لَوْن الرَّبِيع وَإِذَا بَيْن ظَهْرَيْ الرَّوْضَة رَجُل طَوِيل لَا أَكَاد أَرَى رَأْسه طُولًا فِي السَّمَاء وَإِذَا حَوْل الرَّجُل أَكْثَر وِلْدَان رَأَيْتهمْ قَطّ وَقَالَ فِيهِ وَأَمَّا الرَّجُل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم وَأَمَّا الْوِلْدَان الَّذِينَ حَوْله فَكُلّ مَوْلُود مَاتَ عَلَى الْفِطْرَة قَالَ فَقَالَ بَعْض الْمُسْلِمِينَ يَا رَسُول اللَّه وَأَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم وَأَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ

ص: 319

مَا تُولَدُ تَكُونُ سَلِيمَةً مِنَ الْجَدْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُيُوبِ حَتَّى يُحْدِثَ فِيهَا أَرْبَابُهَا النَّقَائِصَ كَذَلِكَ الطِّفْلُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَلَوْ تُرِكَ عَلَيْهَا لَسَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ إِلَّا أَنَّ وَالِدَيْهِ يُزَيِّنَانِ لَهُ الْكُفْرَ وَيَحْمِلَانِهِ عَلَيْهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هريرة (إن أهل الأهواء) المراد بهم ها هنا الْقَدَرِيَّةُ (قَالَ مَالِكٌ احْتَجَّ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنَ الِاحْتِجَاجِ (عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ (بِآخِرِهِ) أَيْ بِآخِرِ الْحَدِيثِ (قَالُوا أَرَأَيْتَ إِلَخْ) هَذَا بيان لآخر الحديث

ــ

[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]

وفي الصحيحين عن بن عَبَّاس سُئِلَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنْ أَوْلَاد الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِذْ خَلَقَهُمْ

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عن أبي بن كعب رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم إِنَّ الْغُلَام الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِر طُبِعَ كَافِرًا وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الصَّعْب بْن جَثَّامَة قَالَ سُئِلَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنْ الدَّار مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَبِيتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيّهمْ فَقَالَ هُمْ مِنْهُمْ

وَفِي لَفْظ لَهُمَا هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ

وَهَذِهِ الْأَحَادِيث لَا تَنَاقُض بَيْنهَا بَلْ يُصَدِّق بَعْضهَا بَعْضًا

وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْأَطْفَال عَلَى ثَمَانِيَة أَقْوَال

أَحَدهَا الْوَقْف فِيهِمْ وَتَرْك الْكَلَام فِي مُسْتَقَرّهمْ وَيُوَكَّل عِلْمهمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى

قَالَ هَؤُلَاءِ وَظَوَاهِر السُّنَن وَأَجْوِبَة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في حديث بن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَكَّلَ عِلْمهمْ إِلَى اللَّه وَقَالَ اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ

قالوا وقد روى بن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث جَرِير بْن حَازِم قَالَ سَمِعْت أَبَا رَجَاء الْعُطَارِدِيّ قَالَ سمعت بن عَبَّاس يَقُول وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر قَالَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم لَا يَزَال أَمْر هَذِهِ الْأُمَّة قِوَامًا أَوْ مُقَارِبًا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الْوِلْدَان وَالْقَدَر

قَالَ أَبُو حَاتِم الْوِلْدَان أَرَادَ بِهِمْ أَطْفَال الْمُشْرِكِينَ

وَفِيمَا اِسْتَدَلَّتْ بِهِ هَذِهِ الطَّائِفَة نَظَر وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُجِبْ فِيهِمْ بِالْوَقْفِ وَإِنَّمَا وَكَّلَ عِلْم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ لَوْ عَاشُوا إِلَى اللَّه وَهَذَا جَوَاب عَنْ سُؤَالِهِمْ كَيْف يَكُونُونَ مَعَ آبَائِهِمْ بِغَيْرِ عَمَل وَهُوَ طَرَف مِنْ الْحَدِيث

ص: 320

قال بن الْقَيِّمِ سَبَبُ اخْتَلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ لَيْسَا بِقَضَاءِ اللَّهِ بَلْ مِمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ إِحْدَاثَهُ فَحَاوَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُخَالَفَتَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْفِطْرَةِ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ وَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّ الْآثَارَ الْمَنْقُولَةَ عَنِ السَّلَفِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ لَفْظِ الْفِطْرَةِ إِلَّا الْإِسْلَامَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى ذَلِكَ مُوَافَقَةُ مَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ إِلَخْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ ثَمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي

وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري

ــ

[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]

وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي أَوَّل بَاب وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَكَّلَ الْعِلْم بِعَمَلِهِمْ إِلَى اللَّه وَلَمْ يَقُلْ اللَّه أَعْلَم حَيْثُ يَسْتَقِرُّونَ أَوْ أَيْنَ يَكُونُونَ

فَالدَّلِيل غَيْر مُطَابِق لِمَذْهَبِ هَذِهِ الطائفة

وأما حديث أبي رجاء عن بن عَبَّاس فِي الْمَنْع مِنْ الْكَلَام فِيهِمْ فَفِي الْقَلْب مِنْ رَفْعه شَيْء

وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّمَا يَدُلّ عَلَى ذَمّ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْم أَوْ ضَرَبَ الْأَحَادِيث فِيهِمْ بَعْضهَا بِبَعْضٍ كَمَا فَعَلَ مَعَ الَّذِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ كَلَامهمْ فِي الْقَدَر وَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِمْ بِعِلْمٍ وَحَقّ فَلَا يُذَمّ

الْقَوْل الثَّانِي أَنَّ أَطْفَال الْمُشْرِكِينَ فِي النَّار

وَهَذَا مَذْهَب طَائِفَة وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى رِوَايَة عَنْ أَحْمَد قَالَ شَيْخنَا وَهُوَ غَلَط مِنْهُ عَلَى أَحْمَد وَسَبَب غَلَطه أَنَّ أَحْمَد سُئِلَ عَنْهُمْ فَقَالَ هُمْ عَلَى الْحَدِيث قَالَ الْقَاضِي أَرَادَ حَدِيث خَدِيجَة إِذْ سَأَلَتْ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَوْلَادهَا الَّذِينَ مَاتُوا قَبْل الْإِسْلَام فَقَالَ إِنْ شِئْت أَسْمَعْتُك تَضَاغِيهمْ فِي النَّار

قَالَ شَيْخنَا وَهَذَا حَدِيث مَوْضُوع وَأَحْمَد أَجَلّ مِنْ أَنْ يَحْتَجّ بِمِثْلِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ حَدِيث عَائِشَة اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ

وَالْقَوْل الثَّالِث إِنَّهُمْ فِي الْجَنَّة وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ سَمُرَة الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيّ

وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَث رَسُولًا} وَبِقَوْلِهِ {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خَزَنَتهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِير فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّه مِنْ شَيْء} فَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ كُلّ فَوْج يُلْقَى فِي النَّار لَا بُدّ وَأَنْ يَكُونُوا قَدْ جَاءَهُمْ النَّذِير وَكَذَّبُوهُ وَهَذَا مُمْتَنِع فِي حَقّ الْأَطْفَال

وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى لِإِبْلِيس {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تَبِعَك مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}

ص: 321

(قَالَ هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ اللَّهُ الْعَهْدَ إِلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ عِنْدَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ الْإِقْرَارُ الَّذِي كَانَ يَوْمَ الْمِيثَاقِ

والحديث سكت عنه المنذري

(الوائدة والموءودة فِي النَّارِ) وَأَدَ بِنْتَهُ يَئِدُهَا وَأْدًا فَهِيَ موءودة إِذَا دَفَنَهَا فِي الْقَبْرِ وَهِيَ حَيَّةٌ

وَهَذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَوْفًا مِنَ الْفَقْرِ أَوْ فِرَارًا مِنَ الْعَارِ

قَالَ الْقَاضِي كَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ يَدْفِنُونَ الْبَنَاتِ حية فالوائدة في النار لكفرها وفعلها والموءودة فِيهَا لِكُفْرِهَا

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْذِيبِ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ تُؤَوَّلُ الْوَائِدَةُ بِالْقَابِلَةِ لِرِضَاهَا به والموءودة بالموءودة لَهَا وَهِيَ أُمُّ الطِّفْلِ فَحُذِفَتِ الصِّلَةُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ

وَقَالَ فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ مَا مُحَصِّلُهُ إِنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ وأدت بنتا لها فقال الوائدة والموؤدة فِي النَّارِ فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ عَلَى أَطْفَالِ الْكُفَّارِ بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ فِي شَخْصٍ معين انتهى (قال يحي بن زكريا) أي بن أَبِي زَائِدَةَ (فَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ) يَعْنِي السَّبِيعِيَّ (بِذَلِكَ) أَيِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ

وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري

ــ

[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]

قَالُوا فَإِذَا اِمْتَلَأَتْ مِنْهُ وَمِنْ أَتْبَاعه لَمْ يَبْقَ فِيهَا مَوْضِع لِغَيْرِهِمْ

وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ {لِئَلَّا يكون للناس عَلَى اللَّه حُجَّة بَعْد الرُّسُل}

قَالُوا فَاَللَّه تَعَالَى لَا يُعَذِّب أَحَدًا إِلَّا بِذَنْبِهِ فَالنَّار دار عدله لا يدخلها أحد إِلَّا بِعَمَلٍ وَأَمَّا الْجَنَّة فَدَار فَضْله يُدْخِلهَا بغير عمل ولهذا ينشيء لِلْفَضْلِ الَّذِي يَبْقَى فِيهَا أَقْوَامًا يُسْكِنهُمُوهُ

وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي وَرَدَ فِي بَعْض طُرُق الْبُخَارِيّ وأما النار فينشيء اللَّه لَهَا خَلْقًا يُسْكِنهُمْ إِيَّاهَا فَغَلَط مِنْ الرَّاوِي اِنْقَلَبَ عَلَيْهِ لَفْظه وَإِنَّمَا هُوَ وَأَمَّا الجنة فإن الله ينشيء لَهَا خَلْقًا وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ وَسِيَاق الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ

قَالُوا وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة وَالْأَسْوَد بْن سُرَيْع فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ فِي النَّار وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ تَبَع لَهُمْ فِي الْحُكْم وَأَنَّهُمْ إِذَا أُصِيبُوا فِي الْبَيِّنَات لَمْ يُضْمَنُوا بِدِيَةٍ وَلَا كَفَّارَة وَهَذَا ظَاهِر فِي حَدِيث الْأَسْوَد

وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْر وَاحِد

قَالُوا وَحَدِيث خَدِيجَة بَاطِل لَا يَصِحّ

ص: 322

(فَلَمَّا قَفَّى) أَيْ وَلَّى قَفَاهُ مُنْصَرِفًا (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَيْسَ هَذَا مُؤَاخَذَةً قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ

ــ

[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]

وَالْقَوْل الرَّابِع إِنَّهُمْ بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار إِذْ لَا مَعْصِيَة لَهُمْ تُوجِب دُخُول النَّار وَلَا إِسْلَام يُوجِب لَهُمْ دُخُول الْجَنَّة

وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ لَا دَار لِلْقَرَارِ إِلَّا الْجَنَّة وَالنَّار وَأَمَّا الْأَعْرَاف فَإِنَّ مَآل أَصْحَابهَا إِلَى الْجَنَّة كَمَا قَالَهُ الصَّحَابَة

وَالْقَوْل الْخَامِس إِنَّهُمْ تَحْت الْمَشِيئَة يَجُوز أَنْ يُعَذِّبهُمْ وَأَنْ يُنَعِّمهُمْ وَأَنْ يُعَذِّب بَعْضًا وَهَذَا قَوْل كَثِير مِنْ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ وَقَوْل الْجَبْرِيَّة وَنُفَاة التَّعْلِيل وَالْحُكْم

وَالْقَوْل السَّادِس إِنَّهُمْ وِلْدَان أَهْل الْجَنَّة وَخَدَمهمْ وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيث لَا يَثْبُت

وَالْقَوْل السَّابِع إِنَّ حُكْمهمْ حُكْم الْآبَاء فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَلَا حُكْم لَهُمْ غَيْر حُكْم آبَائِهِمْ

فَكَمَا هُمْ تَبَع لِآبَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ هُمْ لَهُمْ تَبَع فِي الْآخِرَة

وَالْقَوْل الثَّامِن إِنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَة فَمَنْ أَطَاعَ مِنْهُمْ أَدْخَلَهُ اللَّه الْجَنَّة وَمَنْ عَصَى عَذَّبَهُ وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا مِنْ حَدِيث الْأَسْوَد بْن سُرَيْع وَأَبِي هُرَيْرَة وَغَيْرهمَا وَهِيَ أَحَادِيث يَشُدّ بَعْضهَا بَعْضًا

وَهَذَا أَعْدَل الْأَقْوَال وَبِهِ يَجْتَمِع شَمْل الْأَدِلَّة وَتَتَّفِق الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب

وَعَلَى هَذَا فَيَكُون بَعْضهمْ فِي الْجَنَّة كَمَا فِي حَدِيث سَمُرَة وَبَعْضهمْ فِي النَّار كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث عَائِشَة

وَجَوَاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَدُلّ عَلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِذْ خَلَقَهُمْ

وَمَعْلُوم أَنَّ اللَّه لَا يُعَذِّبهُمْ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ مَا لَمْ يَقَع مَعْلُومه فَهُوَ إِنَّمَا يُعَذِّب مَنْ يَسْتَحِقّ الْعَذَاب عَلَى مَعْلُومه وَهُوَ مُتَعَلِّق عِلْمه السَّابِق فِيهِ لَا عَلَى عِلْمه الْمُجَدَّد وَهَذَا الْعِلْم يَظْهَر مَعْلُومه فِي الدَّار الْآخِرَة

وَفِي قَوْله اللَّه أَعْلَم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ سُبْحَانه كَانَ يَعْلَم مِمَّا كَانُوا عَامِلِينَ لَوْ عَاشُوا وَأَنَّ مَنْ يُطِيعهُ وَقْت الِامْتِحَان كَانَ مِمَّنْ يُطِيعهُ لَوْ عَاشَ فِي الدُّنْيَا وَمَنْ يَعْصِيه حِينَئِذٍ كَانَ مِمَّنْ يَعْصِيه لَوْ عَاشَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ دَلِيل عَلَى تَعَلُّق عِلْمه بِمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْف كَانَ يَكُون

وَقِيلَ إِنَّمَا قَالَهُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَبْل أَنْ يُعْلِمهُ اللَّه بِمَصِيرِهِمْ وَمُسْتَقَرّهمْ

وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ لَا تَعَرُّض فِي هَذَا الْمُسْتَقَرّ كَمَا تَقَدَّمَ

وَقِيلَ مَعْنَاهُ اللَّه أَعْلَم عَلَى أَيّ دِين يُمِيتهُمْ

لَوْ عَاشُوا وَبَلَغُوا الْعَمَل فَأَمَّا إِذَا عُدِمَ فِيهِمْ الْعَمَل فَهُمْ فِي رَحْمَة اللَّه وَهَذَا بَعِيد مِنْ دَلَالَة اللَّفْظ عَلَيْهِ وَاَللَّه أَعْلَم

ص: 323

صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ

وَكُلُّ مَا وَرَدَ بِإِحْيَاءِ وَالِدَيْهِ صلى الله عليه وسلم وَإِيمَانِهِمَا وَنَجَاتِهِمَا أَكْثَرُهُ مَوْضُوعٌ مَكْذُوبٌ مُفْتَرًى وَبَعْضُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يَصِحُّ بِحَالٍ لِاتِّفَاقِ أئمة الحديث على وضعه كالدارقطني والجوزقاني وبن شاهين والخطيب وبن عساكر وبن ناصر وبن الْجَوْزِيِّ وَالسُّهَيْلِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ وَالْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ وَفَتْحِ الدِّينِ بْنِ سَيِّدِ النَّاسِ وَإِبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيِّ وَجَمَاعَةٍ

وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي عَدَمِ نَجَاةِ الْوَالِدَيْنِ الْعَلَّامَةُ إِبْرَاهِيمُ الْحَلَبِيُّ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَالْعَلَّامَةُ عَلِيٌّ القارىء فِي شَرْحِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَفِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْمَسْلَكِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ

وَالشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ قَدْ خَالَفَ الْحَافِظَ وَالْعُلَمَاءَ الْمُحَقِّقِينَ وَأَثْبَتَ لَهُمَا الْإِيمَانَ وَالنَّجَاةَ فَصَنَّفَ الرَّسَائِلَ الْعَدِيدَةَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا رِسَالَةُ التَّعْظِيمِ والمنة في أن أبوي رسول الله فِي الْجَنَّةِ

قُلْتُ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيُّ مُتَسَاهِلٌ جِدًّا لَا عِبْرَةَ بِكَلَامِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا لَمْ يُوَافِقْهُ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ النُّقَّادِ

وَقَالَ السِّنْدِيُّ مَنْ يَقُولُ بِنَجَاةِ وَالِدَيْهِ صلى الله عليه وسلم يَحْمِلُهُ عَلَى الْعَمِّ فَإِنَّ اسْمَ الْأَبِ يُطْلَقُ عَلَى الْعَمِّ مَعَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ رَبَّى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَسْتَحِقُّ إِطْلَاقَ اسْمِ الْأَبِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ انْتَهَى

وَهَذَا أَيْضًا كَلَامٌ ضَعِيفٌ بَاطِلٌ

وَقَدْ مَلَأَ مُؤَلِّفُ تَفْسِيرِ رُوحِ الْبَيَانِ تَفْسِيرَهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ الْمَكْذُوبَةِ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ تَفْسِيرِهِ بِإِيرَادِهِ لِلرِّوَايَاتِ الْمَكْذُوبَةِ فَصَارَ تَفْسِيرُهُ مَخْزَنَ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ

وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ التَّوَقُّفُ فِي الْبَابِ هُوَ الْأَسْلَمُ وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ

وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ حُصَيْنُ بْنُ عُبَيْدٍ وَالِدُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَقِيلَ هُوَ أَبُو رَزِينٍ لَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ الْعُقَيْلِيُّ

وَقَفَّى بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَلَّى قَفَاهُ مُنْصَرِفًا

(إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي إِلَخْ) قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ قِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُ قُوَّةً وَقُدْرَةً عَلَى الْجَرْيِ فِي بَاطِنِ الْإِنْسَانِ مَجَارِيَ دَمِهِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ لِكَثْرَةِ إِغْوَائِهِ وَوَسْوَسَتِهِ فَكَأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ الْإِنْسَانَ كَمَا لَا يُفَارِقُهُ دَمُهُ كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ

ص: 324

قال المنذري وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وبن ماجه من حديث صفية بنت حي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ

(لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ إِلَخْ) تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي آخِرِ بَابِ الْقَدَرِ

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ تقدم

ص: 325