الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
[سورة يوسف (12) : الآيات 1 الى 6]
بسم الله الرحمن الرحيم
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (3) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4)
قالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)
قَوْلُهُ: الر قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي فَاتِحَةِ سُورَةِ يُونُسَ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ إِلَى آيَاتِ السُّورَةِ، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، السُّورَةُ، أَيْ تِلْكَ الْآيَاتُ الَّتِي أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، آيَاتُ السُّورَةِ الظَّاهِرِ أَمْرُهَا فِي إِعْجَازِ الْعَرَبِ وَتَبْكِيتِهِمْ، وَالْمُبِينِ مِنْ أَبَانَ بِمَعْنَى بَانَ أَيِ الظَّاهِرِ أَمْرُهُ فِي كَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَفِي إِعْجَازِهِ، أَوِ الْمُبِينِ بِمَعْنَى الْوَاضِحِ الْمَعْنَى بِحَيْثُ لَا يَلْتَبِسُ عَلَى قَارِئِهِ وَسَامِعِهِ، أَوِ الْمُبَيِّنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ أَيِ الْكِتَابَ الْمُبِينَ حَالَ كَوْنِهِ قُرْآناً عَرَبِيًّا، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْكِتَابَ السُّورَةُ تَكُونُ تَسْمِيَتُهَا قُرْآنًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْقُرْآنَ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى الْكُلِّ وَعَلَى الْبَعْضِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ كُلُّ الْقُرْآنِ، فَتَكُونُ تَسْمِيَتُهُ قُرْآنًا وَاضِحَةً وَعَرَبِيًا صِفَةٌ لَقُرْآنًا أَيْ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أَيْ: لِكَيْ تَعْلَمُوا مَعَانِيَهُ وَتَفْهَمُوا مَا فِيهِ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ الْقَصَصُ: تَتَبُّعُ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ «1» أَيْ تَتَبَّعِي أَثَرَهُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ قَصَصًا أَحْسَنَ الْقَصَصِ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الاقصاص، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيِ الْمَقْصُوصِ: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَيْ بِإِيحَائِنَا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَانْتِصَابُ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ. وَأَجَازَ الزجّاج الرفع على تقدير المبتدأ، وأجار الْفَرَّاءُ الْجَرَّ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنْ يُقَدَّرَ حَرْفُ الْجَرِّ فِي بِما أَوْحَيْنا دَاخِلًا عَلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ إِنْ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ بِدَلِيلِ اللَّامِ الْفَارِقَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّافِيَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي مِنْ قَبِلَهِ عَائِدٌ عَلَى الْإِيحَاءِ الْمَفْهُومِ مَنْ أَوْحَيْنَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّكَ قَبْلَ إِيحَائِنَا إِلَيْكَ مِنَ الْغَافِلِينَ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ كَوْنِ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ هُوَ أَحْسَنُ الْقَصَصِ، فَقِيلَ: لِأَنَّ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الْقَصَصِ يَتَضَمَّنُ مِنَ الْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي غَيْرِهَا وَقِيلَ: لِمَا فِيهَا مِنْ حُسْنِ الْمُحَاوَرَةِ، وَمَا كَانَ من يوسف من الصبر على أذى إخوته وَعَفْوِهِ عَنْهُمْ وَقِيلَ: لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْمَلَائِكَةِ وَالشَّيَاطِينِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْأَنْعَامِ وَالطَّيْرِ وسير الملوك والمماليك والتجّار والعلماء والجهّال والرجال والنّساء وحيلهنّ ومكرهنّ
(1) . القصص: 11.
وَقِيلَ: لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرُ الْحَبِيبِ وَالْمَحْبُوبِ وَمَا دَارَ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ: إِنَّ أَحْسَنَ هُنَا بِمَعْنَى أَعْجَبَ وَقِيلَ: إِنَّ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ فِيهَا كَانَ مَآلُهُ السَّعَادَةَ. قَوْلُهُ: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ إِذْ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيِ اذْكُرْ وَقْتَ قَالَ يُوسُفُ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ «يُوسُفُ» بِضَمِّ السِّينِ، وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِكَسْرِهَا مَعَ الْهَمْزِ مَكَانَ الْوَاوِ، وَحَكَى ابْنُ زَيْدٍ الْهَمْزَ وَفَتْحَ السِّينِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَقِيلَ: هُوَ عَرَبِيٌّ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِدَلِيلِ عَدَمِ صَرْفِهِ. لِأَبِيهِ أَيْ يَعْقُوبَ بْنِ إسحاق بن إبراهيم يا أَبَتِ بِكَسْرِ التَّاءِ فِي قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو وَعَاصِمٍ وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ وَنَافِعٍ وَابْنِ كَثِيرٍ، وَهِيَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ، وَلَحِقَتْ فِي لَفْظِ أَبٍ فِي النِّدَاءِ خَاصَّةً بَدَلًا مِنَ الْيَاءِ، وَأَصْلُهُ يَا أَبِي، وَكَسْرُهَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ حَرْفٍ يُنَاسِبُ الْكَسْرَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ يَا أَبَتَا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، فَيُقَالُ يَا أَبَتِي، وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ يَا أَبَتُ بِضَمِّ التَّاءِ إِنِّي رَأَيْتُ مِنَ الرُّؤْيَا النَّوْمِيَّةِ لَا مِنَ الرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ. قَوْلُهُ: أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً قُرِئَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ تَخْفِيفًا لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ، وَقُرِئَ بِفَتْحِهَا عَلَى الْأَصْلِ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ إِنَّمَا أَخَّرَهُمَا عَنِ الْكَوَاكِبِ لِإِظْهَارِ مَزِيَّتِهِمَا وَشَرَفِهِمَا كَمَا فِي عَطْفِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَقِيلَ: إِنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى مَعَ، وَجُمْلَةُ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ الْحَالَةِ الَّتِي رَآهُمْ عَلَيْهَا، وَأُجْرَيَتْ مُجْرَى الْعُقَلَاءِ فِي الضَّمِيرِ الْمُخْتَصِّ بِهِمْ لِوَصْفِهَا بِوَصْفِ الْعُقَلَاءِ، وَهُوَ كَوْنُهَا سَاجِدَةً، كَذَا قَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ، وَالْعَرَبُ تَجْمَعُ مَا لَا يَعْقِلُ جَمْعَ من يعقل إذا أنزلوه منزلته قالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ الرُّؤْيَا مَصْدَرُ رَأَى فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا عَلَى وَزْنِ فُعْلَى كَالسُّقْيَا وَالْبُشْرَى، وَأَلِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُصْرَفْ، نَهَى يَعْقُوبُ عليه السلام ابْنَهُ يُوسُفَ عَنْ أَنْ يَقُصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى إِخْوَتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ تَأْوِيلَهَا، وَخَافَ أَنْ يَقُصَّهَا عَلَى إِخْوَتِهِ فَيَفْهَمُونَ تَأْوِيلَهَا وَيَحْصُلُ مِنْهُمُ الْحَسَدُ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ:
فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً وَهَذَا جَوَابُ النَّهْيِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَنَّ أَيْ: فَيَفْعَلُوا لَكَ أَيْ لِأَجْلِكَ كَيْدًا مُثْبَتًا رَاسِخًا لَا تَقْدِرُ عَلَى الْخُلُوصِ مِنْهُ، أَوْ كَيْدًا خَفِيًا عَنْ فَهْمِكَ وَهَذَا الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِزِيَادَةِ اللَّامِ آكَدُ مِنْ أَنْ يُقَالَ فَيَكِيدُوا كَيْدًا وَقِيلَ: إِنَّمَا جِيءَ بِاللَّامِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى الِاحْتِيَالِ الْمُتَعَدِّي بِاللَّامِ، فَيُفِيدُ هَذَا التَّضْمِينُ مَعْنَى الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا الْكَيْدَ وَالِاحْتِيَالَ، كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي التَّضْمِينِ أَنْ يُقَدَّرَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا وَالْآخَرُ حَالًا، وَجُمْلَةُ إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، كَأَنَّ يُوسُفَ عليه السلام قَالَ: كَيْفَ يَقَعُ مِنْهُمْ، فَنَبَّهَهُ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَحْمِلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَدُوٌّ لِلْإِنْسَانِ مُظْهِرٌ لِلْعَدَاوَةِ مُجَاهِرٌ بِهَا. قَوْلُهُ: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الِاجْتِبَاءِ الْبَدِيعِ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّوْمِ مِنْ سُجُودِ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ، وَيُحَقِّقُ فِيكَ تَأْوِيلَ تِلْكَ الرُّؤْيَا، فَيَجْعَلُكَ نَبِيًّا، وَيَصْطَفِيكَ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادِ، وَيُسَخِّرُهُمْ لَكَ كَمَا تَسَخَّرَتْ لَكَ تِلْكَ الْأَجْرَامُ الَّتِي رَأَيْتَهَا فِي مَنَامِكَ فَصَارَتْ سَاجِدَةً لَكَ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَالِاجْتِبَاءُ أَصْلُهُ مَنْ جَبَيْتُ الشَّيْءَ حَصَّلْتُهُ، وَمِنْهُ جَبَيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ: جَمَعْتُهُ، وَمَعْنَى الِاجْتِبَاءِ: الِاصْطِفَاءُ، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الثَّنَاءَ عَلَى يُوسُفَ وَتَعْدِيدَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أَيْ تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَأَجْمَعُوا أَنَّ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا، وَقَدْ كَانَ يُوسُفُ عليه السلام أَعْلَمَ النَّاسِ بِتَأْوِيلِهَا وَقِيلَ: الْمُرَادُ: ويعلّمك من
تَأْوِيلِ أَحَادِيثِ الْأُمَمِ وَالْكُتُبِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ إِحْوَاجُ إِخْوَتِهِ إِلَيْهِ وَقِيلَ: إِنْجَاؤُهُ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَقِيلَ:
إِنْجَاؤُهُ مِنَ الْقَتْلِ خَاصَّةً وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ فَيَجْمَعُ لَكَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَاكَ اللَّهُ، أَوْ يَجْمَعُ لَكَ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ وَهُمْ قَرَابَتُهُ مِنْ إِخْوَتِهِ وَأَوْلَادِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْطَاهُمُ النُّبُوَّةَ كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى مَا حَصَلَ لَهُمْ بَعْدَ دُخُولِهِمْ مِصْرَ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا كَوْنُ الْمُلْكِ فِيهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَنْبِيَاءَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ أَيْ إِتْمَامًا مِثْلَ إِتْمَامِهَا عَلَى أَبَوَيْكَ وَهِيَ نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ عَلَيْهِمَا، مَعَ كَوْنِ إِبْرَاهِيمَ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا، وَمَعَ كَوْنِ إِسْحَاقَ نَجَّاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنَ الذَّبْحِ وَصَارَ لَهُمَا الذُّرِّيَّةُ الطَّيِّبَةُ وَهُمْ يَعْقُوبُ، وَيُوسُفُ، وَسَائِرُ الْأَسْبَاطِ. وَمَعْنَى مِنْ قَبْلُ مِنْ قَبْلِ هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، أَوْ مِنْ قَبْلِكَ، وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ عَطْفُ بَيَانٍ لِأَبَوَيْكَ، وَعَبَّرَ عَنْهُمَا بِالْأَبَوَيْنِ مَعَ كَوْنِ أَحَدِهِمَا جَدًّا وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ لِأَنَّ الْجَدَّ أَبٌ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ حَكِيمٌ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ مَا قَبْلَهَا تَعْلِيلًا لَهُ أَيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَكَانَ هَذَا كَلَامٌ مِنْ يَعْقُوبَ مَعَ وَلَدِهِ يُوسُفَ تَعْبِيرًا لِرُؤْيَاهُ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ، أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ، أَوْ عَرَفَهُ بِطَرِيقِ الْفِرَاسَةِ وَمَا تَقْتَضِيهِ الْمَخَايِلُ الْيُوسُفِيَّةُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ قَالَ: بَيَّنَ اللَّهُ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: بَيَّنَ اللَّهُ الْحُرُوفَ الَّتِي سَقَطَتْ عَنْ أَلْسُنِ الْأَعَاجِمِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَحْرُفٍ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَلَا قُرْآنًا عَرَبِيًّا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«أُلْهِمَ إِسْمَاعِيلُ هَذَا اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ إِلْهَامًا» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ كَلَامُهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنَا، فَنَزَلَتْ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ قَالَ: مِنَ الْكُتُبِ الْمَاضِيَةِ وَأُمُورِ اللَّهِ السَّالِفَةِ فِي الْأُمَمِ، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ أَيْ مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَمِنَ الْغافِلِينَ.
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ قال: الْقُرْآنِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً قَالَ: رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْعُقَيْلِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «جَاءَ بُسْتَانِيٌّ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبَرَنِي عَنِ الْكَوَاكِبِ الَّتِي رَآهَا يُوسُفُ سَاجِدَةً لَهُ، مَا أَسْمَاؤُهَا؟ فسكت النبيّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَهُ بِأَسْمَائِهَا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْبُسْتَانِيِّ الْيَهُودِيِّ فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِأَسْمَائِهَا؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: جريان، والطارق، والذيال، وذو الكتفين، وَقَابِسُ، وَوَثَّابُ، وَعَمُودَانُ، وَالْفَيْلَقُ، وَالْمُصْبِحُ، وَالضَّرُوحُ، وَذُو القرع، وَالضِّيَاءُ، وَالنُّورُ، رَآهَا فِي أُفُقِ السَّمَاءِ سَاجِدَةً لَهُ، فَلَمَّا قَصَّ يُوسُفُ