المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة النحل (16) : الآيات 97 الى 105] - فتح القدير للشوكاني - جـ ٣

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌سورة يوسف

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 7 الى 10]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 11 الى 18]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 19 الى 22]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 23 الى 29]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 30 الى 34]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 35 الى 40]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 41 الى 42]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 43 الى 49]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 50 الى 57]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 58 الى 66]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 67 الى 76]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 77 الى 82]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 83 الى 88]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 89 الى 98]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 99 الى 101]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 102 الى 108]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 109 الى 111]

- ‌سورة الرّعد

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 5 الى 11]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 12 الى 18]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 19 الى 25]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 26 الى 30]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 31 الى 35]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 36 الى 39]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 40 الى 43]

- ‌سورة إبراهيم

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 6 الى 12]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 13 الى 18]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 19 الى 23]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 27]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 28 الى 34]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 35 الى 41]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 42 الى 46]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 47 الى 52]

- ‌سورة الحجر

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 1 الى 15]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 16 الى 25]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 26 الى 44]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 45 الى 66]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 67 الى 77]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 78 الى 86]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 87 الى 99]

- ‌سورة النّحل

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 1 الى 9]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 10 الى 19]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 20 الى 26]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 27 الى 32]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 33 الى 40]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 41 الى 50]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 51 الى 62]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 63 الى 69]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 70 الى 74]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 75 الى 79]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 80 الى 83]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 84 الى 90]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 91 الى 96]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 97 الى 105]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 106 الى 111]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 112 الى 119]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 120 الى 128]

- ‌سورة الإسراء

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 4 الى 11]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 12 الى 17]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 18 الى 24]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 25 الى 33]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 34 الى 41]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 42 الى 48]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 49 الى 55]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 56 الى 60]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 61 الى 65]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 66 الى 70]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 71 الى 77]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 78 الى 85]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 86 الى 93]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 94 الى 100]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 101 الى 109]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 110 الى 111]

- ‌سورة الكهف

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 9 الى 16]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 17 الى 20]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 21 الى 26]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 27 الى 31]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 32 الى 44]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 45 الى 46]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 47 الى 53]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 54 الى 59]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 60 الى 70]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 71 الى 82]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 83 الى 91]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 92 الى 98]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 99 الى 108]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 109 الى 110]

- ‌سورة مريم

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 1 الى 11]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 12 الى 15]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 16 الى 26]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 27 الى 33]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 34 الى 40]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 41 الى 50]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 51 الى 63]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 64 الى 72]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 73 الى 80]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 81 الى 95]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 96 الى 98]

- ‌سورة طه

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 1 الى 16]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 17 الى 35]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 36 الى 44]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 45 الى 59]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 60 الى 70]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 71 الى 76]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 77 الى 91]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 92 الى 101]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 102 الى 112]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 113 الى 122]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 123 الى 127]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 128 الى 135]

- ‌سورة الأنبياء

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 1 الى 9]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 10 الى 25]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 26 الى 35]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 36 الى 43]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 44 الى 56]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 57 الى 70]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 71 الى 77]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 78 الى 88]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 89 الى 97]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 98 الى 112]

- ‌سورة الحجّ

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 1 الى 7]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 8 الى 16]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 17 الى 24]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 25 الى 29]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 30 الى 35]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 36 الى 37]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 38 الى 41]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 42 الى 51]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 52 الى 57]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 58 الى 66]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 67 الى 72]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 73 الى 78]

- ‌سورة المؤمنون

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 1 الى 11]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 12 الى 22]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 23 الى 41]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 42 الى 56]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 57 الى 67]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 68 الى 83]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 84 الى 98]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 99 الى 118]

الفصل: ‌[سورة النحل (16) : الآيات 97 الى 105]

أَوْ لَنَجْزِيَنَّهُمْ بِحَسَبِ أَحْسَنِ أَفْرَادِ أَعْمَالِهِمْ عَلَى مَعْنَى لَنُعْطِيَنَّهُمْ بِمُقَابَلَةِ الْفَرْدِ الْأَدْنَى مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْمَذْكُورَةِ مَا نُعْطِيهِمْ بِمُقَابَلَةِ الْفَرْدِ الْأَعْلَى مِنْهَا مِنَ الْجَزَاءِ الْجَزِيلِ، لَا أَنَّا نُعْطِي الْأَجْرَ بِحَسَبِ أَفْرَادِهَا الْمُتَفَاوِتَةِ فِي مَرَاتِبِ الْحَسَنِ بِأَنْ نَجْزِيَ الْحَسَنَ مِنْهَا بِالْأَجْرِ الْحَسَنِ، وَالْأَحْسَنَ بِالْأَحْسَنِ، كَذَا قِيلَ. قَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ كَثِيرٍ «لَنَجْزِيَنَّ» بِالنُّونِ.

وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عن مزيد بْنِ جَابِرٍ فِي قَوْلِهِ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي بَيْعَةِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ مَنْ أَسْلَمَ بَايَعَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ:

وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ الْآيَةَ فَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ قِلَّةُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَكَثْرَةُ الْمُشْرِكِينَ أَنْ تَنْقُضُوا الْبَيْعَةَ الَّتِي بَايَعْتُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها يَقُولُ: بَعْدَ تَغْلِيظِهَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعِيدَةَ الْأَسْدِيَّةَ كَانَتْ تَجْمَعُ الشَّعْرَ وَاللِّيفَ، فَنَزَلَتْ فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ مِثْلَهُ، وَفِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا أَنَّهَا كَانَتْ مَجْنُونَةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ بِمَكَّةَ تُسَمَّى خَرْقَاءُ مَكَّةَ، كَانَتْ تَغْزِلُ، فَإِذَا أَبْرَمَتْ غَزْلَهَا نَقَضَتْهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ مَعْنَاهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ قَالَ: نَاسٌ أَكْثَرُ مِنْ نَاسٍ. وَأَخْرَجُوا عَنْ مُجَاهِدٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: كَانُوا يُحَالِفُونَ الْحُلَفَاءَ فَيَجِدُونَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَعَزَّ فَيَنْقُضُونَ حِلْفَ هَؤُلَاءِ، وَيُحَالِفُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ أَعَزُّ، فَنُهُوا عَنْ ذلك.

[سورة النحل (16) : الآيات 97 الى 105]

مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (97) فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)

قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (105)

هَذَا شُرُوعٌ فِي تَرْغِيبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَتَعْمِيمٌ لِلْوَعْدِ وَمَعْنَى مَنْ عَمِلَ صالِحاً مَنْ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا أَيَّ عَمَلٍ كَانَ، وَزِيَادَةُ التَّمْيِيزِ بِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مَعَ كَوْنِ لَفْظِ مَنْ شَامِلًا لهما لقصد

ص: 230

التَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَقْرِيرِ الْوَعْدِ وَقِيلَ: إِنَّ لَفْظَ «مَنْ» ظَاهِرٌ فِي الذُّكُورِ، فَكَانَ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بَيَانٌ لِشُمُولِهِ لِلنَّوْعَيْنِ وَجُمْلَةُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، جَعَلَ سُبْحَانَهُ الْإِيمَانَ قَيْدًا فِي الْجَزَاءِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ عَمَلَ الْكَافِرِ لَا اعْتِدَادَ بِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً «1» ، ثم ذكر سبحانه الْجَزَاءَ لِمَنْ عَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فَقَالَ: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ بِمَاذَا تَكُونُ؟ فَقِيلَ: بِالرِّزْقِ الْحَلَالِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَالضَّحَّاكِ. وَقِيلَ: بِالْقَنَاعَةِ، قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَزَيْدُ بْنُ وَهْبٍ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: بِالتَّوْفِيقِ إِلَى الطَّاعَةِ قَالَهُ الضَّحَّاكُ. وَقِيلَ: الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ حَيَاةُ الْجَنَّةِ، رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَطِيبُ الْحَيَاةُ لِأَحَدٍ إِلَّا فِي الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ السَّعَادَةُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: هِيَ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: هِيَ حَلَاوَةُ الطَّاعَةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: هِيَ أَنْ يُنْزَعَ عَنِ الْعَبْدِ تَدْبِيرُ نَفْسِهِ وَيُرَدُّ تَدْبِيرُهُ إِلَى الْحَقِّ. وَقِيلَ: هِيَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الْخَلْقِ وَالِافْتِقَارُ إِلَى الْحَقِّ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ هِيَ فِي الدُّنْيَا لَا فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّ حَيَاةَ الْآخِرَةِ قَدْ ذُكِرَتْ بِقَوْلِهِ: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا تَفْسِيرَ الْجَزَاءِ بِالْأَحْسَنِ، وَوَحَّدَ الضَّمِيرَ فِي لَنُحْيِيَنَّهُ، وَجَمَعَهُ فِي وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ مَنْ، وَعَلَى مَعْنَاهُ. ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْجَزَاءَ عَلَيْهِ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ الِاسْتِعَاذَةِ الَّتِي تَخْلُصُ بِهَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ عَنِ الْوَسَاوِسِ الشَّيْطَانِيَّةِ فَقَالَ: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ والفاء لترتيب الاستعاذة على الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ «2» ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِذَا أَخَذْتَ فِي قِرَاءَتِهِ فَاسْتَعِذْ. قَالَ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ:

مَعْنَاهُ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ اسْتَعِذْ بَعْدَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ، وَمِثْلُهُ: إِذَا أَكَلْتَ فَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَهَذَا إِجْمَاعُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَدَاوُدَ وَمَالِكٍ وَحَمْزَةَ مِنَ الْقُرَّاءِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الِاسْتِعَاذَةُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، ذَهَبُوا إِلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ وَمَعْنَى فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ: اسْأَلْهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُعِيذَكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، أَيْ: مِنْ وَسَاوِسِهِ، وَتَخْصِيصُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مِنْ بَيْنِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِالِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ إِرَادَتِهَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهَا لِسَائِرِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ عِنْدَ إِرَادَتِهَا أَهَمُّ، لِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ الْأَمْرُ بِهَا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ كَانَتْ عِنْدَ إِرَادَةِ غَيْرِهِ أَوْلَى، كَذَا قِيلَ. وَتَوْجِيهُ الْخِطَابَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ بِفِعْلِ الِاسْتِعَاذَةِ لِأَنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِهَا لِدَفْعِ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ مَعَ عِصْمَتِهِ، فَكَيْفَ بِسَائِرِ أُمَّتِهِ؟ وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْآيَةِ لِلنَّدْبِ. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الْوُجُوبُ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ هَذَا التَّفْسِيرِ، وَالضَّمِيرُ فِي إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ لِلشَّأْنِ أَوْ لِلشَّيْطَانِ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلَى إِغْوَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ عَنْ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا السُّلْطَانَ بِالْحُجَّةِ. وقالوا: المعنى ليس

(1) . الفرقان: 23.

(2)

. النحل: 89.

ص: 231

لَهُ حُجَّةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي إِغْوَائِهِمْ وَدُعَائِهِمْ إِلَى الضَّلَالَةِ وَمَعْنَى وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ يُفَوِّضُونَ أُمُورَهُمْ إِلَيْهِ فِي كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ يَمْنَعَانِ الشَّيْطَانَ مِنْ وَسْوَسَتِهِ لَهُمْ، وَإِنْ وَسْوَسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ وَسْوَسَتُهُ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ، وَهَؤُلَاءِ الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالتَّوَكُّلِ هُمُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ إِبْلِيسُ: إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، وَقَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ «1» ، ثُمَّ حَصَرَ سُبْحَانَهُ سُلْطَانَ الشَّيْطَانِ، فَقَالَ: إِنَّما سُلْطانُهُ أَيْ: تَسَلُّطُهُ عَلَى الْإِغْوَاءِ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ أَيْ: يَتَّخِذُونَهُ وَلِيًّا وَيُطِيعُونَهُ فِي وَسَاوِسِهِ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ الضَّمِيرُ فِي بِهِ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَيِ: الَّذِينَ هُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ إِلَى الشَّيْطَانِ وَالْمَعْنَى:

وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ أَجْلِهِ وَبِسَبَبِ وَسْوَسَتِهِ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ هَذَا شُرُوعٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ فِي حِكَايَةٍ شِبْهُ كُفْرِيَّةٍ وَدَفْعِهَا، وَمَعْنَى التَّبْدِيلِ: رَفْعُ الشَّيْءِ مَعَ وَضْعِ غَيْرِهِ مَكَانَهُ، وَتَبْدِيلُ الْآيَةِ رَفْعُهَا بِأُخْرَى غَيْرِهَا، وَهُوَ نَسْخُهَا بِآيَةٍ سِوَاهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي النَّسْخِ فِي الْبَقَرَةِ قالُوا أَيْ: كُفَّارُ قُرَيْشٍ الْجَاهِلُونَ لِلْحِكْمَةِ فِي النَّسْخِ إِنَّما أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ مُفْتَرٍ أَيْ: كَاذِبٌ مُخْتَلِقٌ عَلَى اللَّهِ مُتَقَوِّلٌ عَلَيْهِ بِمَا لَمْ يَقُلْ، حَيْثُ تَزْعُمُ أَنَّهُ أَمَرَكَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّهُ أَمَرَكَ بِخِلَافِهِ، فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ بِمَا يُفِيدُ جَهْلَهُمْ فَقَالَ: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ أَصْلًا، أَوْ لَا يَعْلَمُونَ بِالْحِكْمَةِ فِي النَّسْخِ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَصَالِحِ الَّتِي يَعْلَمُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ، فَقَدْ يَكُونُ فِي شَرْعِ هَذَا الشَّيْءِ مَصْلَحَةٌ مُؤَقَّتَةٌ بِوَقْتٍ، ثُمَّ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي شَرْعِ غَيْرِهِ، وَلَوِ انْكَشَفَ الْغِطَاءُ لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ لَعَرَفُوا أَنَّ ذَلِكَ وَجْهُ الصَّوَابِ وَمَنْهَجُ الْعَدْلِ وَالرِّفْقِ وَاللُّطْفِ.

ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُعْتَرِضِينَ عَلَى حِكْمَةِ النَّسْخِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم افْتَرَاهُ فَقَالَ: قُلْ نَزَّلَهُ أَيِ: الْقُرْآنَ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْآيَةِ رُوحُ الْقُدُسِ أَيْ جِبْرِيلُ، وَالْقُدْسُ التَّطْهِيرُ وَالْمَعْنَى: نَزَّلَهُ الرُّوحُ الْمُطَهَّرُ مِنْ أَدْنَاسِ الْبَشَرِيَّةِ، فَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الموصوف إِلَى الصِّفَةِ مِنْ رَبِّكَ أَيِ: ابْتِدَاءُ تَنْزِيلِهِ من عنده سبحانه، وبِالْحَقِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ: أَيْ مُتَلَبِّسًا بِكَوْنِهِ حَقًّا ثَابِتًا لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى الْإِيمَانِ، فَيَقُولُونَ: كُلٌّ مِنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَلِأَنَّهُمْ أَيْضًا إِذَا عَرَفُوا مَا فِي النَّسْخِ مِنَ الْمَصَالِحِ ثَبَتَتْ أَقْدَامُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ وَرَسَخَتْ عَقَائِدُهُمْ. وَقُرِئَ لِيُثَبِّتَ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ وَهُمَا مَعْطُوفَانِ عَلَى مَحَلِّ لِيُثَبِّتَ، أَيْ: تَثْبِيتًا لَهُمْ وَهِدَايَةً وَبِشَارَةً، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُصُولِ أَضْدَادِ هَذِهِ الْخِصَالِ لِغَيْرِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ شُبْهَةً أُخْرَى مَنْ شُبَهِهِمْ فَقَالَ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ اللَّامُ هِيَ الْمُوَطِّئَةُ، أَيْ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا الْقُرْآنَ بَشَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ غَيْرُ مَلَكٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَعْيِينِ هَذَا الْبَشَرِ الَّذِي زَعَمُوا عَلَيْهِ مَا زَعَمُوا، فَقِيلَ هُوَ غُلَامُ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَاسْمُهُ جَبْرٌ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ، وَكَانَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ إِذَا سَمِعُوا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَارَ الْقُرُونِ الْأُولَى مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا، قَالُوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ جَبْرٌ. وَقِيلَ: اسْمُهُ يَعِيشُ، عَبْدٌ لِبَنِي الْحَضْرَمِيِّ، وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ الْأَعْجَمِيَّةَ. وَقِيلَ: غُلَامٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَقِيلَ: هما غلامان اسم أحدهما

(1) . الحجر: 42.

ص: 232

يسار، واسم الآخر جبر، وكانا صيقلين «1» يَعْمَلَانِ السُّيُوفَ. وَكَانَا يَقْرَآنِ كِتَابًا لَهُمْ، وَقِيلَ: كَانَا يَقْرَآنِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ. وَقِيلَ: عَنَوْا سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ. وَقِيلَ: عَنَوْا نَصْرَانِيًّا بِمَكَّةَ اسْمُهُ بَلْعَامُ، وَكَانَ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ. وَقِيلَ:

عَنَوْا رَجُلًا نَصْرَانِيًّا كَانَ اسْمُهُ أَبَا مَيْسَرَةَ يَتَكَلَّمُ بِالرُّومِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ اسْمُهُ عَدَّاسٌ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ غَيْرُ مُتَنَاقِضَةٍ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ جَمِيعًا يُعَلِّمُونَهُ، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ سَلْمَانُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَهُوَ إِنَّمَا أَتَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ. ثُمَّ أَجَابَ سُبْحَانَهُ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذَا فَقَالَ: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ الْإِلْحَادُ: الْمَيْلُ، يُقَالُ: لَحَدَ وَأَلْحَدَ أَيْ: مَالَ عَنِ الْقَصْدِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَعْرَافِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ يَلْحَدُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْحَاءِ. وَقَرَأَ مَنْ عَدَاهُمَا بِضَمِّ الْيَاءِ وكسر الحاء، أي:

لسان الذين يَمِيلُونَ إِلَيْهِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُعَلِّمُكَ أَعْجَمِيٌّ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَعْجَمُ وَامْرَأَةٌ عَجْمَاءُ أَيْ: لَا يُفْصِحَانِ، وَالْعُجْمَةُ: الْإِخْفَاءُ، وَهِيَ ضِدُّ الْبَيَانِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ لُغَتَهُمْ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِهَا أَعْجَمِيًّا. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَعْجَمُ الَّذِي فِي لِسَانِهِ عُجْمَةٌ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْأَعْجَمِيُّ: هُوَ الْعَجَمِيُّ الَّذِي أَصْلُهُ مِنَ الْعَجَمِ.

وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الْعَجَمِيُّ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْعَجَمِ الَّذِي لَا يُفْصِحُ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مِنَ الْعَجَمِ، وَكَذَلِكَ الْأَعْجَمُ، وَالْأَعْجَمِيُّ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْعَجَمِ وَإِنْ كَانَ فَصِيحًا وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ الْإِشَارَةُ إِلَى الْقُرْآنِ، وَسَمَّاهُ لِسَانًا لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ لِلْقَصِيدَةِ وَالْبَيْتِ لِسَانًا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

لِسَانَ الشَّرِّ تُهْدِيهَا إِلَيْنَا

وَخُنْتَ وَمَا حَسِبْتُكَ أَنْ تَخُونَا

أَوْ أَرَادَ بِاللِّسَانِ الْبَلَاغَةَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَهَذَا الْقُرْآنُ ذُو بَلَاغَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَبَيَانٍ وَاضِحٍ، فَكَيْفَ تَزْعُمُونَ أَنَّ بَشَرًا يُعَلِّمُهُ مِنَ الْعَجَمِ. وَقَدْ عَجَزْتُمْ أَنْتُمْ عَنْ مُعَارَضَةِ سُورَةٍ مِنْهُ، وَأَنْتُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَرِجَالُ الْفَصَاحَةِ وَقَادَةُ الْبَلَاغَةِ وَهَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ مُسْتَأْنَفَتَانِ سِيقَتَا لِإِبْطَالِ طَعْنِهِمْ وَدَفْعِ كَذِبِهِمْ. وَلَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ جَوَابَهُمْ وَبَّخَهُمْ وَهَدَّدَهُمْ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أَيْ: لَا يُصَدِّقُونَ بِهَا لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ سَبِيلُ النَّجَاةِ هِدَايَةً مُوَصِّلَةً إِلَى الْمَطْلُوبِ لِمَا عَلِمَ مِنْ شَقَاوَتِهِمْ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ أَلِيمٌ بِسَبَبِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِآيَاتِ اللَّهِ. ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ مِنْهُمْ نِسْبَةُ الِافْتِرَاءِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ فَكَيْفَ يَقَعُ الِافْتِرَاءُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ رَأْسُ الْمُؤْمِنِينَ بِهَا، وَالدَّاعِينَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهَا، وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ هُمُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا، فَهُمُ الْمُفْتَرُونَ لِلْكَذِبِ.

قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ إِذَا رَأَوُا الْآيَاتِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ كَذَّبُوا بِهَا هَؤُلَاءِ أَكْذَبُ الْكَذَبَةِ، ثُمَّ سَمَّاهُمُ الكاذبين، فقال: وَأُولئِكَ أَيِ: الْمُتَّصِفُونَ بِذَلِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ أَيْ: إِنَّ الْكَذِبَ نَعْتٌ لَازِمٌ لَهُمْ وَعَادَةٌ مِنْ عَادَاتِهِمْ فَهُمُ الْكَامِلُونَ فِي الْكَذِبِ، إِذْ لَا كَذِبَ أَعْظَمُ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْفِرْيَابِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ فَقَالَ: الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ الرِّزْقُ الْحَلَالُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَإِذَا صَارَ

(1) . الصيقل: الصقّال وهو من صناعته صقل السيوف. [.....]

ص: 233