المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة مريم (19) : الآيات 34 الى 40] - فتح القدير للشوكاني - جـ ٣

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌سورة يوسف

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 7 الى 10]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 11 الى 18]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 19 الى 22]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 23 الى 29]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 30 الى 34]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 35 الى 40]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 41 الى 42]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 43 الى 49]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 50 الى 57]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 58 الى 66]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 67 الى 76]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 77 الى 82]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 83 الى 88]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 89 الى 98]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 99 الى 101]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 102 الى 108]

- ‌[سورة يوسف (12) : الآيات 109 الى 111]

- ‌سورة الرّعد

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 5 الى 11]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 12 الى 18]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 19 الى 25]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 26 الى 30]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 31 الى 35]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 36 الى 39]

- ‌[سورة الرعد (13) : الآيات 40 الى 43]

- ‌سورة إبراهيم

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 6 الى 12]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 13 الى 18]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 19 الى 23]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 24 الى 27]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 28 الى 34]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 35 الى 41]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 42 الى 46]

- ‌[سورة إبراهيم (14) : الآيات 47 الى 52]

- ‌سورة الحجر

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 1 الى 15]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 16 الى 25]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 26 الى 44]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 45 الى 66]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 67 الى 77]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 78 الى 86]

- ‌[سورة الحجر (15) : الآيات 87 الى 99]

- ‌سورة النّحل

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 1 الى 9]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 10 الى 19]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 20 الى 26]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 27 الى 32]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 33 الى 40]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 41 الى 50]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 51 الى 62]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 63 الى 69]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 70 الى 74]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 75 الى 79]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 80 الى 83]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 84 الى 90]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 91 الى 96]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 97 الى 105]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 106 الى 111]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 112 الى 119]

- ‌[سورة النحل (16) : الآيات 120 الى 128]

- ‌سورة الإسراء

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 4 الى 11]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 12 الى 17]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 18 الى 24]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 25 الى 33]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 34 الى 41]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 42 الى 48]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 49 الى 55]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 56 الى 60]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 61 الى 65]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 66 الى 70]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 71 الى 77]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 78 الى 85]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 86 الى 93]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 94 الى 100]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 101 الى 109]

- ‌[سورة الإسراء (17) : الآيات 110 الى 111]

- ‌سورة الكهف

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 9 الى 16]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 17 الى 20]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 21 الى 26]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 27 الى 31]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 32 الى 44]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 45 الى 46]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 47 الى 53]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 54 الى 59]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 60 الى 70]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 71 الى 82]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 83 الى 91]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 92 الى 98]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 99 الى 108]

- ‌[سورة الكهف (18) : الآيات 109 الى 110]

- ‌سورة مريم

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 1 الى 11]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 12 الى 15]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 16 الى 26]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 27 الى 33]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 34 الى 40]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 41 الى 50]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 51 الى 63]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 64 الى 72]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 73 الى 80]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 81 الى 95]

- ‌[سورة مريم (19) : الآيات 96 الى 98]

- ‌سورة طه

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 1 الى 16]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 17 الى 35]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 36 الى 44]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 45 الى 59]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 60 الى 70]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 71 الى 76]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 77 الى 91]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 92 الى 101]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 102 الى 112]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 113 الى 122]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 123 الى 127]

- ‌[سورة طه (20) : الآيات 128 الى 135]

- ‌سورة الأنبياء

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 1 الى 9]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 10 الى 25]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 26 الى 35]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 36 الى 43]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 44 الى 56]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 57 الى 70]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 71 الى 77]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 78 الى 88]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 89 الى 97]

- ‌[سورة الأنبياء (21) : الآيات 98 الى 112]

- ‌سورة الحجّ

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 1 الى 7]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 8 الى 16]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 17 الى 24]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 25 الى 29]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 30 الى 35]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 36 الى 37]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 38 الى 41]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 42 الى 51]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 52 الى 57]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 58 الى 66]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 67 الى 72]

- ‌[سورة الحج (22) : الآيات 73 الى 78]

- ‌سورة المؤمنون

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 1 الى 11]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 12 الى 22]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 23 الى 41]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 42 الى 56]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 57 الى 67]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 68 الى 83]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 84 الى 98]

- ‌[سورة المؤمنون (23) : الآيات 99 الى 118]

الفصل: ‌[سورة مريم (19) : الآيات 34 الى 40]

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ، وَقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أَيْ: وَذَلِكَ السَّلَامُ الْمُوَجَّهُ إِلَى يَحْيَى فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ مُوَجَّهٌ إِلَيَّ. قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ الْمَسِيحُ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ حَتَّى بَلَغَ الْمُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيهَا الصِّبْيَانُ فِي الْعَادَةِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قَالَ:

بَعْدَ أربعين يوما بعد ما تعافت مِنْ نِفَاسِهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، فَقَالُوا: أَرَأَيْتَ مَا تقرؤون يَا أُخْتَ هارُونَ وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:

«أَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ؟» وَهَذَا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سَائِرِ مَا رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عِيسَى قَدْ دَرَسَ الْإِنْجِيلَ وَأَحْكَامَهَا فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: آتانِيَ الْكِتابَ الْآيَةَ، قَالَ: قَضَى أَنْ أَكُونَ كَذَلِكَ. وَأَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُعْجَمِهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ النَّجَّارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:«قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِ عِيسَى: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ قَالَ: جَعَلَنِي نَفَّاعًا لِلنَّاسِ أَيْنَمَا اتَّجَهْتُ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً قَالَ: «مُعَلِّمًا وَمُؤَدِّبًا» .

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا يقول: عصيّا.

[سورة مريم (19) : الآيات 34 الى 40]

ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (38)

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (40)

الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ذلِكَ إِلَى الْمُتَّصِفِ بِالْأَوْصَافِ السَّابِقَةِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، لَا مَا تَقُولُهُ النَّصَارَى مِنْ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَأَنَّهُ إِلَهٌ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ قَوْلَ الْحَقِّ بِالنَّصْبِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى أَنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلَى الْمَدْحِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ قَالَهُ الزَّجَّاجُ. وَوَجْهُ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسَى أَيْ: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الْحَقِّ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ. وَسُمِّيَ قَوْلَ الْحَقِّ كَمَا سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، وَالْحَقُّ: هُوَ اللَّهُ عز وجل. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ:

الْمَعْنَى هُوَ قَوْلُ الْحَقِّ وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذَا الْكَلَامُ قَوْلُ الْحَقِّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، مِثْلُ حَقُّ الْيَقِينِ وَقِيلَ: الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَقُرِئَ:«قَالَ الْحَقَّ» ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ قَوْلَ الْحَقِّ بِضَمِّ الْقَافِ، وَالْقَوْلُ وَالْقُولُ وَالْقَالُ والمقال بمعنى واحد، والَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ

ص: 393

صِفَةٌ لِعِيسَى أَيْ: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الْحَقِّ، وَمَعْنَى يَمْتَرُونَ يختلفون على أنه من المماراة، أو يشكو عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْمِرْيَةِ. وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي عِيسَى فَقَالَتِ الْيَهُودُ: هُوَ سَاحِرٌ، وَقَالَتِ النَّصَارَى: هُوَ ابْنُ اللَّهِ مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أَيْ: مَا صَحَّ ولا استقام ذلك، و «أَنْ» فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ كَانَ. قَالَ الزَّجَّاجُ:«مِنْ» فِي مِنْ وَلَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ فَقَالَ: سُبْحانَهُ أَيْ: تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ عَنْ مَقَالَتِهِمْ هَذِهِ ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحَانَهُ بِمَا هُوَ شَأْنُهُ، تَعَالَى سُلْطَانُهُ، فَقَالَ: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أَيْ: إِذَا قَضَى أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلَا تَأْخِيرٍ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا مُسْتَوْفًى فِي الْبَقَرَةِ، وَفِي إِيرَادِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصَارَى، أَيْ: مَنْ كَانَ هَذَا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ؟ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ أَنْ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ بِكَسْرِهَا، وَهُوَ مِنْ تَمَامِ كَلَامِ عِيسَى، وَقَرَأَ أُبَيٌّ إِنَّ اللَّهَ بِغَيْرِ وَاوٍ، قَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ فِي تَوْجِيهِ قِرَاءَةِ النَّصْبِ بِأَنَّ الْمَعْنَى: وَلِأَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ، وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلَى الصَّلَاةِ، وَجَوَّزَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ عَطْفَهُ عَلَى أَمْرًا هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أَيْ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكُمْ مِنْ أَنَّهُ رَبِّي وَرَبُّكُمْ، هُوَ الطَّرِيقُ الْقَيِّمُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ، وَلَا يَضِلُّ سَالِكُهُ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ مِنْ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وَالْأَحْزَابُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، أَيْ: فَاخْتَلَفَتِ الْفِرَقُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَمْرِ عِيسَى، فَالْيَهُودُ قَالُوا: إِنَّهُ سَاحِرٌ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالُوا: إِنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجَّارِ، وَالنَّصَارَى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهُمْ فِيهِ، فَقَالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنْهُمْ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ، وقالت الملكية: هو ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ: هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَفْرَطَتِ النَّصَارَى وَغَلَتْ، وَفَرَّطَتِ الْيَهُودُ وَقَصَّرَتْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَهُمُ الْمُخْتَلِفُونَ فِي أَمْرِهِ مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ أَيْ: مِنْ شُهُودِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَا يَجْرِي فِيهِ مِنَ الْحِسَابِ وَالْعِقَابِ، أَوْ مِنْ مَكَانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أَوْ مِنْ شَهَادَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ:

الْمَعْنَى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِنْ حُضُورِهِمُ الْمَشْهَدَ الْعَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشَاوُرِ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ قَالَ أَبُو العباس: الْعَرَبُ تَقُولُ هَذَا فِي مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسمع بزيد وَأَبْصِرْ بِهِ، أَيْ: مَا أَسْمَعُهُ وَأَبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ. يَوْمَ يَأْتُونَنا أَيْ: لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ أَيْ: فِي الدُّنْيَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أَيْ: وَاضِحٍ ظَاهِرٍ، وَلَكِنَّهُمْ أَغْفَلُوا التَّفَكُّرَ وَالِاعْتِبَارَ وَالنَّظَرَ فِي الْآثَارِ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ أَيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فَالْمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلَى إِسَاءَتِهِ، وَالْمُحْسِنُ عَلَى عَدَمِ اسْتِكْثَارِهِ مِنَ الْخَيْرِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أَيْ: فُرِغَ مِنَ الْحِسَابِ وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وَصَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ، وَجُمْلَةُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: غَافِلِينَ عَمَّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وَكَذَلِكَ جُمْلَةُ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها أَيْ: نُمِيتُ سُكَّانَهَا فَلَا يَبْقَى بِهَا أَحَدٌ يَرِثُ الْأَمْوَاتَ، فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَرِثَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا حَيْثُ أَمَاتَهُمْ جَمِيعًا وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ أَيْ: يُرَدُّونَ إِلَيْنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا فِي سُورَةِ الْحِجْرِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: قَوْلَ الْحَقِّ قَالَ: اللَّهُ الْحَقُّ عز وجل. وَأَخْرَجَ

ص: 394