الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالدَّفَّتَانِ لَوْحَانِ: لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ لحظة يمحو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ» . وَإِسْنَادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ: هَكَذَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَهْرِ بْنِ عَسْكَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ فَيَفْتَحُ الذِّكْرَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى مِنْهَا يَنْظُرُ فِي الذِّكْرِ الَّذِي لَا يَنْظُرُ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ فَيَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ» الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، بِإِسْنَادٍ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: ضَعِيفٌ، عَنِ ابْنِ عمر سمعت رسول الله يَقُولُ:«يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ إِلَّا الشَّقَاوَةَ وَالسَّعَادَةَ وَالْحَيَاةَ وَالْمَمَاتَ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:«لَا يَنْفَعُ الْحَذَرُ مِنَ الْقَدَرِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمْحُو بِالدُّعَاءِ مَا يَشَاءُ مِنَ الْقَدَرِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: «الْعَاشِرُ مِنْ رَجَبٍ وَهُوَ يَوْمٌ يَمْحُو اللَّهُ فِيهِ مَا يَشَاءُ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، عَنْهُ نَحْوَهُ بِأَطْوَلَ مِنْهُ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أَوْ ذَنْبًا فَامْحُهُ، فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ، وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ، فَاجْعَلْهُ سَعَادَةً وَمَغْفِرَةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ قَالَ:
يُبَدِّلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْقُرْآنِ فَيَنْسَخُهُ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ فَلَا يُبَدِّلُهُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ يَقُولُ: وَجُمْلَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ: النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ، مَا يُبَدِّلُ وَمَا يُثْبِتُ، كُلُّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قَالَ: الذِّكْرُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَأَلَ كَعْبًا عَنْ أُمِّ الْكِتَابِ؟ فَقَالَ: عَلِمَ اللَّهُ ما هو خالق، وما خلقه عاملون، فقال لعلمه كن كتابا، فكان كتابا.
[سورة الرعد (13) : الآيات 40 الى 43]
وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (40) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (41) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (43)
وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ مَا زَائِدَةٌ، وَأَصْلُهُ: وَإِنْ نُرِكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ كَمَا وَعَدْنَاهُمْ بِذَلِكَ بقولنا: لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
، وَبِقَوْلِنَا: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ، وَالْمُرَادُ أَرَيْنَاكَ بَعْضَ مَا نَعِدُهُمْ قَبْلَ مَوْتِكَ، أَوْ تَوَفَّيْنَاكَ قَبْلَ إِرَاءَتِكَ لِذَلِكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أَيْ: فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا تَبْلِيغُ أَحْكَامِ الرِّسَالَةِ، وَلَا يَلْزَمُكَ حُصُولُ الْإِجَابَةِ مِنْهُمْ لِمَا بَلَّغْتَهُ إِلَيْهِمْ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ أَيْ:
مُحَاسَبَتُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ وَمُجَازَاتِهِمْ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْكَ، وَهَذَا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَإِخْبَارٌ لَهُ
أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُجِبْ دَعْوَتَهُ، وَيُصَدِّقْ نُبُوَّتَهُ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَاسِبُهُ عَلَى مَا اجْتَرَمَ وَاجْتَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَوَلَمْ يَرَوْا يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ، أَيْ أو لم يَنْظُرُوا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَيْ: نَأْتِي أَرْضَ الْكُفْرِ كَمَكَّةَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا بِالْفُتُوحِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْئًا فَشَيْئًا. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّ بَيَانَ مَا وَعَدَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَهْرِهِمْ قَدْ ظَهَرَ، يَقُولُ:
أو لم يَرَوْا أَنَّا فَتَحْنَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَرْضِ مَا قَدْ تَبَيَّنَ لَهُمْ، فَكَيْفَ لَا يَعْتَبِرُونَ؟ وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ:
مَوْتُ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَعَلَى هَذَا فَالْأَطْرَافُ الْأَشْرَافُ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الطَّرَفُ:
الرَّجُلُ الْكَرِيمُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ بِعِيدٌ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْآيَةِ: أَنَّا أَرَيْنَاهُمُ النُّقْصَانَ فِي أَمْرِهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ تَأْخِيرَ الْعِقَابِ عَنْهُمْ لَيْسَ عَنْ عَجْزٍ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَوْتِ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ:
خَرَابُ الْأَرْضِ الْمَعْمُورَةِ حَتَّى يَكُونَ الْعُمْرَانُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ: هَلَاكُ مَنْ هَلَكَ مِنَ الْأُمَمِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ: نَقْصُ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ: جَوْرُ وُلَاتِهَا حَتَّى تَنْقُصَ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ أَيْ: يَحْكُمُ مَا يَشَاءُ فِي خَلْقِهِ، فَيَرْفَعُ هَذَا وَيَضَعُ هَذَا، وَيُحْيِي هَذَا وَيُمِيتُ هَذَا، وَيُغْنِي هَذَا وَيُفْقِرُ هَذَا، وَقَدْ حَكَمَ بِعِزَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُلُوِّهِ عَلَى الْأَدْيَانِ، وَجُمْلَةُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ: مُعْتَرِضَةٌ. وَالْمُعَقِّبُ: الَّذِي يَكُرُّ عَلَى الشَّيْءِ فَيُبْطِلُهُ، وَحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُقَفِّيهِ بِالرَّدِّ وَالْإِبْطَالِ. قَالَ الْفَرَّاءُ:
مَعْنَاهُ لَا رَادَّ لِحُكْمِهِ. قَالَ: وَالْمُعَقِّبُ الَّذِي يَتْبَعُ الشَّيْءَ فَيَسْتَدْرِكُهُ، وَلَا يَسْتَدْرِكُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يَتَعَقَّبُ أَحَدٌ حُكْمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِنَقْصٍ وَلَا تَغْيِيرٍ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ فَيُجَازِي الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ عَلَى السُّرْعَةِ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً أَيْ: قَدْ مَكَرَ الْكُفَّارُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِ كَفَّارِ مَكَّةَ بِمَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الرُّسُلِ فَكَادُوهُمْ وَكَفَرُوا بِهِمْ، وَهَذَا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ أَخْبَرَهُ أَنَّ هَذَا دَيْدَنُ الْكُفَّارِ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ مَعَ رُسُلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ مَكْرَهُمْ هَذَا كَالْعَدَمِ، وَأَنَّ الْمَكْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ. فَقَالَ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً لَا اعْتِدَادَ بِمَكْرِ غَيْرِهِ، ثُمَّ فَسَّرَ سُبْحَانَهُ هَذَا الْمَكْرَ الثَّابِتَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَقَالَ: يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَيُجَازِيهَا عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ عَلِمَ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَأَعَدَّ لَهَا جَزَاءَهَا كَانَ الْمَكْرُ كُلُّهُ لَهُ، لِأَنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ. وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: إِنَّ مَكْرَ الْمَاكِرِينَ مخلوق فلا يضرّ إلا بإرادته وقيل: المعنى: فلله جزاء مكر الماكرين وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «الْكَافِرُ» بِالْإِفْرَادِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «الْكُفَّارَ» بِالْجَمْعِ، أَيْ: سَيَعْلَمُ جِنْسُ الْكَافِرِ لِمَنِ الْعَاقِبَةُ الْمَحْمُودَةُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي دَارِ الدُّنْيَا، أَوْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، أَوْ فِيهِمَا وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكَافِرِ: أَبُو جَهْلٍ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا أَيْ: يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ أَوْ جَمِيعُ الْكُفَّارِ: لَسْتَ يَا مُحَمَّدُ مُرْسَلًا إِلَى النَّاسِ مِنَ اللَّهِ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَهُوَ يَعْلَمُ صِحَّةَ رِسَالَتِي، وَصِدْقَ دَعَوَاتِي، وَيَعْلَمُ كَذِبَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ أَيْ:
عِلْمُ جِنْسِ الْكِتَابِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَإِنَّ أَهْلَهُمَا الْعَالِمِينَ بِهِمَا يَعْلَمُونَ صِحَّةَ رِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَنَحْوِهِمْ، وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ
مِنَ الْعَرَبِ يَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ، فَأَرْشَدَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْهُ هُمُ الْمُسْلِمُونَ وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَاخْتَارَ هَذَا الزَّجَّاجُ، وَقَالَ: لِأَنَّ الْأَشْبَهَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَشْهِدُ عَلَى خَلْقِهِ بِغَيْرِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قَالَ: «ذهب الْعُلَمَاءِ» . وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَنَعِيمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي الْفِتَنِ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قَالَ: مَوْتُ عُلَمَائِهَا وَفُقَهَائِهَا وَذَهَابُ خِيَارِ أَهْلِهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ قَالَ: مَوْتُ الْعُلَمَاءِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الآية: قال: أو لم يَرَوْا أَنَا نَفْتَحُ لِمُحَمَّدٍ الْأَرْضَ بَعْدَ الْأَرْضِ.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق أُخْرَى عَنْهُ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي الْآيَةِ قال: يعني أنّ نبيّ الله كان ينتقص له ما حوله الْأَرَضِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى ذَلِكَ فَلَا يَعْتَبِرُونَ. وَقَالَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ «1» ، بَلْ نَبِيُّ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ هُمُ الْغَالِبُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ:
نُقْصَانُ أَهْلِهَا وَبِرْكَتِهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ قَالَ: أو لم يَرَوْا إِلَى الْقَرْيَةِ تُخَرَّبُ حَتَّى يَكُونَ الْعُمْرَانُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ: لَيْسَ أَحَدٌ يَتَعَقَّبُ حُكْمَهُ فَيَرُدُّهُ كَمَا يَتَعَقَّبُ أَهْلُ الدُّنْيَا بَعْضُهُمْ حُكْمَ بَعْضٍ فَيَرُدُّهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُسْقُفٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هَلْ تَجِدُنِي فِي الْإِنْجِيلِ؟ قَالَ: لَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جُنْدَبٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ حَتَّى أَخَذَ بِعِضَادَتَيْ بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بالله أتعلمون أني الذي أنزلت وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. وأخرج ابن جرير وابن مردويه مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ وَيَعْرِفُونَهُ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَالْجَارُودُ وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ قَالَ: وَمِنْ عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الْكِتَابِ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ يَقُولُ: وَمِنْ عِنْدِ اللَّهِ عِلْمُ الْكِتَابِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالنَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ
(1) . الأنبياء: 44.
أَهْوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالَ: كَيْفَ وَهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ؟! وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: مَا نَزَلَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ قَالَ: جِبْرِيلُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حاتم عن مجاهد قال: هو الله.