الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
«وَلْيَعْتَزِلْ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى» (لَا مُصَلَّى الْجَنَائِزِ) فَلَيْسَ مَسْجِدًا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجَنَائِز لَيْسَتْ ذَاتَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْعِيدِ (إلَّا أَنْ يَتَوَضَّئُوا) أَيْ: الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهُمَا فَيَجُوزُ لَهُمَا اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْأَثْرَمُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ إذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يُخَفِّفُ حَدَثَهُ فَيَزُولُ بَعْضُ مَا يَمْنَعُهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَنَامُ غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ النَّوْمُ الْكَثِيرُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَذَلِكَ الْوُضُوءُ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ وَوُضُوءُ الْجُنُبِ لِتَخْفِيفِ الْجَنَابَةِ، وَإِلَّا فَهَذَا الْوُضُوءُ لَا يُبِيحُ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ: مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.
(فَلَوْ تَعَذَّرَ) الْوُضُوءُ عَلَى الْجُنُبِ وَنَحْوِهِ (وَاحْتِيجَ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ لِخَوْفِ ضَرَرٍ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ (جَازَ) لَهُ اللُّبْثُ فِيهِ (مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ نَصًّا) وَاحْتَجَّ بِأَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ.
(وَ) اللُّبْثُ (بِهِ) أَيْ: بِالتَّيَمُّمِ (أَوْلَى) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَيَتَيَمَّمُ) الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ (لِأَجْلِ لُبْثِهِ فِيهِ لَغُسْلٍ) إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ عَاجِلًا، قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: وَاحْتَاجَ إلَى اللُّبْثِ فِيهِ وَرَدَّهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى بِأَنَّهُ إذَا احْتَاجَ لِلُّبْثِ فِيهِ جَازَ بِلَا تَيَمُّمٍ قَالَ وَالظَّاهِرُ تَقْيِيدُهُ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ (وَلِمُسْتَحَاضَةٍ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ عُبُورُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (وَاللُّبْثُ فِيهِ مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثِهِ) بِالنَّجَاسَةِ، لَحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَتْ مَعَهُ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَمَعَ خَوْفِهِ) أَيْ خَوْفِ تَلْوِيثِهِ (يُحَرَّمَانِ) أَيْ الْعُبُورُ وَاللُّبْثُ لِوُجُوبِ صَوْنِ الْمَسْجِدِ عَمَّا يُنَجِّسُهُ (وَلَا يُكْرَهُ لِجُنُبٍ وَنَحْوِهِ) كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ (إزَالَةُ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ وَظُفْرِهِ قَبْلَ غُسْلِهِ) كَالْمُحْدِثِ.
[فَصْلٌ فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ]
ِ وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ وَفِي صِفَةِ الْغُسْلِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (يُسَنُّ الْغُسْلُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ
عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَقَوْلِهِ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَقَوْلُهُ: وَاجِبٌ مَعْنَاهُ مُتَأَكِّدُ الِاسْتِحْبَابِ، كَمَا تَقُولُ: حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَى الْحَسَنِ وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ سَمُرَةَ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْهُ.
وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ عُثْمَانَ أَتَى الْجُمُعَةَ بِغَيْرِ غُسْلٍ (لِحَاضِرِهَا) أَيْ: الْجُمُعَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ (فِي يَوْمِهَا) أَيْ: يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَأَوَّلُهُ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا يُجْزِئُ الِاغْتِسَالُ قَبْلَهُ (إنْ صَلَّاهَا) أَيْ: الْجُمُعَةَ وَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ لِعُمُومِ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ وَ (لَا) يُسْتَحَبُّ غُسْلُ الْجُمُعَةِ (لِامْرَأَةٍ نَصًّا) لِظَاهِرِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَتَى مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» .
(وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَغْتَسِلَ (عِنْدَ مُضِيِّهِ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى الْجُمُعَةِ؛؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ وَأَنْ يَكُونَ (عَنْ جِمَاعٍ) لِلْخَبَرِ الْآتِي فِي بَابِ الْجُمُعَةِ (فَإِنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ) حَدَثًا أَصْغَرَ (أَجْزَأَهُ الْغُسْلُ) الْمُتَقَدِّمُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يُبْطِلُهُ (وَكَفَاهُ الْوُضُوءُ) لِحَدَثِهِ (وَهُوَ) أَيْ: غُسْلُ الْجُمُعَةِ (آكَدُ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ آكَدُ الْأَغْسَالِ ثُمَّ بَعْدَهُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
(وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ أَيْضًا لِصَلَاةِ (عِيدٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَغْتَسِلُ لِذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقَيْنِ وَفِيهِمَا ضَعْفٌ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ لَهَا الْجَمَاعَةُ أَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ (فِي يَوْمِهَا) أَيْ: الْعِيدِ فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْعِيدِ أَضْيَقُ مِنْ الْجُمُعَةِ (لِحَاضِرِهَا) أَيْ: الْعِيدِ (إنْ) صَلَّى الْعِيدَ (وَلَوْ) صَلَّى (وَحْدَهُ إنْ صَحَّتْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ فِيهَا) بِأَنْ صَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ.
وَفِي التَّلْخِيصِ: إنْ حَضَرَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ، وَمِثْلُهُ الزِّينَةُ وَالطِّيبُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ الزِّينَةِ، بِخِلَافِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
(وَ) يُسَنُّ الِاغْتِسَالُ (لِ) صَلَاةِ (كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ أَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (مِنْ غُسْلِ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ وَسَأَلَتْ هَلْ عَلَيَّ غُسْلٌ؟ قَالُوا: لَا رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا.
(وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِ) الْإِفَاقَةِ مِنْ (جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ بِلَا إنْزَالِ مَنِيٍّ) فِيهِمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اغْتَسَلَ مِنْ الْإِغْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْجُنُونُ فِي مَعْنَاهُ، بَلْ أَوْلَى (وَمَعَهُ يَجِبُ) أَيْ إنْ تَيَقَّنَ مَعَهُمَا الْإِنْزَالُ وَجَبَ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوجِبَاتِ كَالنَّائِمِ، وَإِنْ وَجَدَ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ بَلَّةً لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَوْ مَرَضٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ التَّفْصِيلُ فِيمَا إذَا أَفَاقَ نَائِمٌ وَنَحْوُهُ وَوَجَدَ بَلَلًا.
(وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِمُسْتَحَاضَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ)«؛ لِأَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ «أَنَّهُ أَمَرَهَا بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» .
وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ اُسْتُحِيضَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِإِحْرَامٍ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّ «أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ نُفِسَتْ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (وَدُخُولِ مَكَّةَ) وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ.
قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ لِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بِالْحَرَمِ كَاَلَّذِي بِمِنًى إذَا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ فَيُسَنُّ لَهُ الْغُسْلُ لِذَلِكَ (وَدُخُولِ حَرَمِهَا) أَيْ: حَرَمِ مَكَّةَ (نَصًّا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ (وَوُقُوفٍ بِعَرَفَةَ) رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا.
(وَمَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ وَرَمْيِ جِمَارٍ وَطَوَافِ زِيَارَةٍ وَ) طَوَافِ (وَدَاعٍ) ؛ لِأَنَّهَا أَنْسَاكٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ وَيَزْدَحِمُونَ، فَيَعْرَقُونَ، فَيُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَاسْتُحِبَّ كَالْجُمُعَةِ (وَيَتَيَمَّمُ لِلْكُلِّ، لِحَاجَةٍ) أَيْ: يَتَيَمَّمُ لِمَا يُسَنُّ لَهُ الْغُسْلُ، إذَا عَدِمَ الْمَاءَ أَوْ تَضَرَّرَ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَنَحْوِهِ
مِمَّا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، كَمَا لَوْ أَرَادَ الْجُنُبُ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا.
(وَ) يُسَنُّ التَّيَمُّمُ أَيْضًا (لِمَا يُسَنُّ لَهُ الْوُضُوءُ) كَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالْأَذَانِ وَرَفْعِ الشَّكِّ وَالْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ (لِعُذْرٍ) يُبِيحُ التَّيَمُّمَ (وَلَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِدُخُولِ طَيْبَةَ) وَهِيَ مَدِينَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَنَصُّ أَحْمَدَ وَلِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَيْ: يَغْتَسِلُ لَهَا.
(وَلَا لِلْحِجَامَةِ) ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ، أَشْبَهَ الرُّعَافَ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَفِيهِ مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَا بِالْحَافِظِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّ أَحَادِيثَهُ مَنَاكِيرُ، وَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهَا (وَ) لَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ أَيْضًا لِ (الْبُلُوغِ) بِغَيْرِ إنْزَالٍ (وَكُلّ اجْتِمَاعٍ) مُسْتَحَبّ وَلَا لِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ.
(وَالْغُسْلُ) إمَّا كَامِلٌ وَإِمَّا مُجْزِئٌ ف (الْكَامِلُ) الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ: (أَنْ يَنْوِيَ) أَيْ: يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا (ثُمَّ يُسَمِّيَ) فَيَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا (ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا) كَالْوُضُوءِ، لَكِنْ هُنَا آكَدُ لِاعْتِبَارِ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُمَا وَلِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ «فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» وَيَكُونُ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (ثُمَّ يَغْسِلَ مَا لَوَّثَهُ مِنْ أَذًى) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «فَيُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ» .
وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى فَرْجِهِ أَوْ بَقِيَّةِ بَدَنِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ نَجِسًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ أَوْ مُسْتَقْذَرًا طَاهِرًا، كَالْمَنِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ (ثُمَّ يَضْرِبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ أَوْ الْحَائِطَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (ثُمَّ يَتَوَضَّأَ كَامِلًا) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» وَعَنْهُ يُؤَخِّرُ غُسْلَ رِجْلَيْهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ (ثُمَّ يَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، يَرْوِي بِكُلِّ مَرَّةٍ أُصُولَ شَعْرِهِ) لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ» وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ «ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ» وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
يُقَالُ: حَثَوْتُ أَحْثُو حَثْوًا، كَغَزَوْتُ، وَحَثَيْتُ أَحْثِي حَثْيًا كَرَمَيْتُ، وَاسْتَحَبَّ الْمُوَفَّقُ أَوْ غَيْرُهُ تَخْلِيلَ أُصُولِ شَعْرِ رَأْسِهِ قَبْلَ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ (ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى بَقِيَّةِ جَسَدِهِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ» وَلِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» (ثَلَاثًا) قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ (يَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ) بِشِقِّهِ
(الْأَيْسَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي طُهُورِهِ» (وَيُدَلِّكَ بَدَنَهُ بِيَدَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَنْقَى، وَبِهِ يَتَيَقَّنُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَغَابِنِهِ وَجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَبِهِ يَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ: يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ يَدِهِ عَلَى جَسَدِهِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، وَلَا يَجِبُ إذَا تَيَقَّنَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ (وَيَتَفَقَّدُ أُصُولَ شَعْرِهِ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» (وَغَضَارِيفَ أُذُنَيْهِ، وَتَحْتَ حَلْقِهِ وَإِبِطَيْهِ، وَعُمْقَ سُرَّتِهِ وَحَالِبَيْهِ) .
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْحَالِبَانِ عِرْقَانِ يَكْتَنِفَانِ السُّرَّةَ (وَبَيْنَ أَلْيَتِهِ وَطَيِّ رُكْبَتَيْهِ) لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَيْهَا (وَيَكْفِي الظَّنُّ فِي الْإِسْبَاغِ) أَيْ: فِي وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْيَقِينِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ (ثُمَّ يَتَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ فَيَغْسِلَ قَدَمَيْهِ، وَلَوْ) كَانَ (فِي حَمَّامٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا طِينَ فِيهِ لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» .
(وَإِنْ أَخَّرَ غَسْلَ قَدَمَيْهِ فِي وُضُوئِهِ فَغَسَلَهُمَا آخِرَ غُسْلِهِ فَلَا بَأْسَ) لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ (وَتُسَنُّ مُوَالَاةٌ) فِي الْغُسْلِ بَيْنَ غَسْلِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ، لِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم (وَلَا تَجِبُ) الْمُوَالَاةُ فِي الْغُسْلِ (كَالتَّرْتِيبِ) ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (فَلَوْ اغْتَسَلَ إلَّا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ) ثُمَّ أَرَادَ غَسْلَهَا مِنْ الْحَدَثَيْنِ (لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِيهَا) وَلَا الْمُوَالَاةُ (لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ بَاقٍ، وَإِنْ فَاتَتْ الْمُوَالَاةُ) قَبْلَ إتْمَامِ الْغُسْلِ، بِأَنْ جَفَّ مَا غَسَلَهُ مِنْ بَدَنِهِ بِزَمَنٍ مُعْتَدِلٍ وَأَرَادَ أَنْ يُتِمّ غُسْلَهُ (جَدَّدَ لِإِتْمَامِهِ نِيَّةً وُجُوبًا) لِانْقِطَاعِ النِّيَّةِ بِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ، فَيَقَعُ غُسْلُ مَا بَقِيَ بِدُونِ نِيَّةٍ.
(وَيُسَنُّ سِدْرٌ فِي غُسْلِ كَافِرٍ أَسْلَمَ) لِحَدِيثِ «قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
(وَ) يُسَنُّ (إزَالَةُ شَعْرِهِ، فَيَحْلِقُ رَأْسَهُ، إنْ كَانَ رَجُلًا) وَيَأْخُذُ عَانَتَهُ وَإِبْطَيْهِ مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ أَسْلَمَ «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ) قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهَا، وَجَبَ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ.
(وَيَخْتَتِنُ) الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ (وُجُوبًا بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، وَأَنْ لَا يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ (وَيُسَنُّ سِدْرٌ فِي غُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا:«إذَا كُنْتِ حَائِضًا خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وَامْتَشِطِي» وَرَوَتْ «أَسْمَاءُ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ فَقَالَ: تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَهَا فَتَطَهَّرُ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ.
(وَ) يُسَنُّ أَيْضًا (أَخْذُهَا مِسْكًا، إنْ لَمْ تَكُنْ مُحْرِمَةً فَتَجْعَلُهُ فِي فَرْجِهَا فِي قُطْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) كَخِرْقَةٍ
(بَعْدَ غُسْلِهَا لَيَقْطَعَ الرَّائِحَةَ) أَيْ: رَائِحَةَ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ، «لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِأَسْمَاءِ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ: ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطْهُرُ بِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْفِرْصَةُ الْقِطْعَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ) مِسْكًا (فَطِيبًا) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمِسْكِ فِي ذَلِكَ لَا لِمُحْرِمَةٍ فَإِنَّ الطِّيبَ بِأَنْوَاعِهِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا لِمَا يَأْتِي فِي الْإِحْرَامِ (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَطِينًا، وَلَوْ مُحْرِمَةً فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْمَاءُ) الطَّهُورُ (كَافٍ) لِحُصُولِ الطَّهَارَةِ بِهِ.
(وَالْغُسْلُ الْمُجْزِئُ) وَهُوَ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ فَقَطْ (أَنْ يُزِيلَ مَا بِهِ) أَيْ: بِبَدَنِهِ (مِنْ نَجَاسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ إنْ وُجِدَ) مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَيْهَا، لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى الْبَشَرَةِ (وَيَنْوِيَ) كَمَا تَقَدَّمَ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (ثُمَّ يُسَمِّيَ) قَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ هُنَا كَالْوُضُوءِ، قِيَاسًا لِإِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى.
وَفِي الْمُغْنِي: أَنَّ حُكْمَهَا هُنَا أَخَفُّ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بِصَرِيحِهِ الْوُضُوءَ لَا غَيْرُ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وُضُوءٌ وَزِيَادَةٌ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوُضُوءٍ وَلِذَلِكَ لَا تَكْفِي نِيَّةُ الْغُسْلِ عَنْهُ (ثُمَّ يَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغَسْلِ) فَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ (حَتَّى فَمَهُ وَأَنْفَهُ) فَتَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فِي غُسْلٍ (كَوُضُوءٍ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) حَتَّى (ظَاهِرَ شَعْرِهِ وَبَاطِنِهِ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مُسْتَرْسِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» (مَعَ نَقْضِهِ) أَيْ: الشَّعْرِ وُجُوبًا (لِغُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ لَا) غُسْلِ (جَنَابَةٍ إذَا رَوَتْ أُصُولَهُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا «إذَا كُنْتِ حَائِضًا خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وَامْتَشِطِي» وَلَا يَكُونُ الْمَشْطُ إلَّا فِي شَعْرٍ غَيْرِ مَضْفُورٍ وَلِلْبُخَارِيِّ «اُنْقُضِي شَعْرَكِ وَامْتَشِطِي» وَلِابْنِ مَاجَهْ «اُنْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعْرِ لِتَحَقُّقِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَعُفِيَ عَنْهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَشَقَّ ذَلِكَ فِيهِ، وَالْحَيْضُ بِخِلَافِهِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْوُجُوبِ وَالنِّفَاسُ فِي مَعْنَى الْحَيْضِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضِ قَالَ لَا، إنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهِيَ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ