الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ تَعَالَى:
(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ)
(1).
ذكر الزمخشري: (سكت) تضمن معنى (انصرف عنه أو فتر) وقال أبو حيان: ولما طُفئ غضبه شبه خمود الغضب بانقطاع كلام المتكلم وهو سكوته. وذكر القرطبي: المراد لما كسرت ثورة غضبه عليه السلام، وقل غيظة ثم قال: وقرأ معاوية بن قرة، سكن بالنون وأصل السكوت: السكون
والإمساك.
وروى الطبري: ولما كفَّ موسى عن الغضب، وكذلك كل كافٍّ عن شيء ساكت عنه وإنَّمَا قيل: للساكت عن الكلام ساكت لكفِّه عنه. وقد ذُكر عن يونس الجرمي أنه قال: يقال سكت عنه الحزن. وقال الرازي: المراد بالسكوت السكون والزوال، ولا يجوز الصمت لأن سكت بمعنى سكن، وأما صمت فمعناه سدَّ فاه عن الكلام وذلك لا يجوز في الغضب.
أقول: نُقْلة بعيدة
…
موسى عليه السلام في الحضرة الإلهية، موقف تنقطع عن بلوغه الأطماع، وتنعقد عن وصفه الألسنة، ينتقل بإشراقاته إلى جو مترد بانتكاساته، فقد اتخذ قومه في غيبته من حُلتهم عجلا يعبدونه.
محنة يصطلي موسى عليه السلام بنارها، وموقف يثير الغضب ويستولي على النفس فيندلع لسانه بالحِمَم وهل الغضب إلا شعور يتلبس بصاحبه فيفقده السيطرة على نفسه؟
بعد هذا الانفعال:
1 -
يلقي الألواح وفيها الأوامر والنواهي، وفيها تكاليف الرسالة والخلافة.
2 -
يأخذ برأس أخيه يجره إليه لقد تعسر معه ولم يتسهل، مشهد عاصف خطير كما رسمه التعبير القرآني ولكن العبد الصالح الطيب من رقةِ داخَلَتْهُ ورحمة، يمتص غضب أخيه: -
أ - بندائه الرقيق الرفيق الناعم: يابن أم
…
ب - وبكشفه لحقيقة الموقف: (إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي).
ج - وفي خطابه لقومه: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) فالتضمين أشار إلى الخبيء من المشاعر ليُطلب، والدفين ليُستخرج، فقد تضمن (سكت) معنى (انفك أو كفَّ أو انصرف) وكلها تتعدى بـ عن فـ (عن) هذه كانت مفتاحنا إلى تنوير الموقف في تصوير الخفي عن مشاعره والمستور في حناياه. جاء السكوت كالرمز والإيماء، والإشارة في خفاء إلى ما كان عليه موسى سلام اللَّه عليه من انتفاخ سحره وهيجان حفيظته. ويسكن الغضب وينفك عنه الشعور المتلبسق بنفسه، ويكف عن إثارته والذي عقد لسان ثورته عن الكلام ويَصرفه عن كل فَعَال، عائدا كما كان. إنه
التضمين (اجدى من الغيث) وهذه سبيله قل من يعتاده أو يشتغل به أو يبعث على إلطاف النظر فيه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا)(1).
ذكر الزمخشري: يسلكه أي يدخله والأصل يسلكه في عذاب كقوله سبحانه: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) ومثله الرازي، فعدي إلى مفعولين إما بحذف الجار وإيصال الفعل كقوله:(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) وإمَّا بتضمينه معنى يدخله. وحكى الجمل: سلك يتعدى للمفعول الثاني بـ (في) وعُدي هنا بنفسه لتضمنه معنى يدخله.
وقال الآلوسي: يسلكه مضمن معنى يُدخله ولذا تعدى إلى المفعول الثاني (عذابا) بنفسه دون (في) أو هو من باب الحذف والإيصال. وفي اللسان: سلك المكان، وأسلكه إياه، وفيه، وعليه. وذكر الملياني: يسلكه تضمن معنى يكلفه.
أقول: تعبير رهيب وصورة من العذاب توحي بالمشقة، والتي تزداد بازدياد صعوده. والرمز للمشقة بالتصعيد جاء في أكثر من سورة، فهي حقيقة ملموسة. ولعل تضمين سلك معنى (أرهق) أوْلى من أدخل أو كلّف